Indexed OCR Text
Pages 141-160
(وتعارض فيه ) الجملة فى محل النصب على الحال من فاعل ((أحدثك)) والضمير المجرور فى ((فيه)) يعود على الحديث المفهوم من ((أحدثك)) والتقدير: أرانى محدثك حديثاً عن رسول اللَّه ◌ِخلال حالة معارضتك فى هذا الحديث، والمقصود إنكار المعارضة بكلام مقابل مخالف. (فأعاد بشير) مفعوله محذوف، للعلم به، أى أعاد بشير مقالته. ( ومنه ضعف ) بالرفع، مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم، وهو من عطف الجمل، ويجوز فى ضاد ((ضعف)» الفتح والضم، لغتان مشهورتان. ( إنه منا) ضميراسم ((إن)) البشير، ومعنى ((إنه منا)) أى من عقيدتنا واستقامتنا، وليس ممن يتهم بنفاق أو زندقة. ( إنه لا بأس به ) أى لا طعن فيه باتباع أهل الهوى والبدعة، حتى يحمل كلامه على معارضة السنة. فقه الحديث الشبهة الواردة على الحديث هى ما قد يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، كأن يحجم صاحبه عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فكيف يكون هذا خيرًا؟ وأجاب عن ذلك ابن الصلاح بأن مثله ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقى، والحياء الحقيقى كله خير. وقال الأبى ما معناه: إنه حياء حقيقة، وقوله صلى اللّه عليه وسلم ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) من قبيل العام المخصوص، إن جعلت الأداة فى الحياء للعموم، وإن لم تجعل فالحديث قضية مهملة، والمهملة فى قوة الجزئية، ولا تناقض بين جزئيتين، فالمعنى بعض الحياء لا يأتي إلا بخير، وبعض الحياء لا خير فيه.اهـ وهذا الذى ذهب إليه الأبى إن قبل فى قوله: صلى اللَّه عليه وسلم ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) فإنه لا يقبل فى قوله: صلى اللّه عليه وسلم ((الحياء خير كله)) و((الحياء كله خير)»، فإن ادعاء العام المخصوص، أو ادعاء أن القضية مهملة فى قوة الجزئية لا يستقيم مع التأكيد بلفظ ((كل)). وتحقيق المسألة أن الحياء فى اللغة تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به، وهو بهذا المعنى منه الممدوح، ومنه المذموم، منه السكينة والوقار للَّه، ومنه الضعف والخور، منه ما يأتى بخير، ومنه ما لا يأتى بخير، بل قد يأتى بالضرر والشر. وهذا هو المقصود بما جاء فى بعض كتب الحكمة. ١٤١ أما على تفسير الشرع له بأنه خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير فى حق ذى الحق، فإنه بهذا المعنى لا يأتي إلا بخير، وهو خير كله. وهذا هو المقصود بالحديث، فإن كان الحياء عن محرم فهو واجب، وإن كان عن مكروه فهو مندوب، وإن كان عن مباح فهو على وفق الشرع مباح، وهو فى جميع هذه الحالات لا يأتي إلا بخير، وكله خير. وعلى هذا التفسير يمكن أن يقال: إن انكسار النفس وانقباضها عن السؤال فى العلم والتزود منه، ليس حياء شرعياً، لأنه لا يبعث على اجتناب القبيح، بل هو - والحالة هذه - باعث على اجتناب الحسن، مؤد إلى التقصير فى حق صاحبه. ولكنه حياء لغوى، تغير وانكسار خوف ارتكاب ما يعاب به، ولهذا صح قول ابن عمر: ((فاستحييت)) حين أحجم عن الجواب والكلام فى العلم، وصح قول أبيه معاتباً له على هذا الانقباض النفسى، لأن تكون قلتها أحب إلى من أن يكون لى كذا وكذا (أى حمر النعم). وصح قول عائشة: ((نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن فى الدين)». وصح قول مجاهد: ((لايتعلم العلم مستحى ولا مستكبر)». فكل هذه النصوص من قبيل إطلاق الحياء بمعناه اللغوى، وليس بالمعنى الشرعى. وحين نتساءل - بعد هذا التفصيل - عن وجه إنكار عمران على بشير مع أن ما حكاه بشير صحيح من الناحية اللغوية نقول: نستبعد أن يكون عمران قد حمل ما فى الحكمة من الحياء على الحياء الشرعى، وأن يكون بشير يعارض الحديث بما جاء فيها. وإنما الذى أنكره عمران وضع بشير قول الحكماء فى مقابلة قول رسول اللّه 8 * وقصد عمران بذلك صون السنة أن يذكر معها غيرها، حتى ولو كان هذا الغير موافقاً لها، لأنها أجل من أن يستشهد على صحتها، فما بالنا والمقابل يوهم معارضتها، وأسلوب سياقه يوهم الميل إليه لا إليها. إنه باب لو فتح لاستهان الناس بها، ولتطرق الشك فيها عند مرضى القلوب ومن يعبد الله على حرف، وأصحاب البدع والأهواء، وعليه فإن إصرار بشير على موقفه بعيد عن الحكمة والصواب. هذا، والحياء كما قال الراغب من خصائص الإنسان، ليرتدع عن ارتكاب ما يشتهى، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة، فلذلك لا يكون المستحى فاسقًا، وقلما يكون الشجاع مستحيًا. والحياء الشرعى درجات، أعلاها أن يستحى المتقلب فى نعم اللَّه أن يستعين بها على معصيته، وأن يعبد اللَّه كأنه يراه، ويحرص على أن لايفقده ربه حيث أمره، وأن لا يراه حيث نهاه، وفى هذا يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه ((استحيوا من اللَّه حق الحياء)). قالوا: إنا نستحى والحمد لله، فقال: ليس ذلك، وإنما الاستحياء من الله تعالى حق الحياء ١٤٢ أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللَّه حق الحياء». ويؤخذ من الحديث ١- الحث على التخلق بخلق الحياء. ٢- أن الحياء الشرعى خير كله، ولو أدى إلى ضياع بعض الحقوق الدنيوية. ٣- أن ما يمنع من السؤال فى العلم، أو يمنع من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، أو يمنع من أداء واجب، أو يسمح بفعل محرم، كل ذلك ليس حياء شرعياً، وكل ذلك ليس من الإيمان، وكل ذلك لا خير فيه. ٤- حرص السلف على صيانة السنة من المعارضة، ودفاعهم عنها وغيرتهم عليها. ٥- عمل علمائهم على نشر السنة والوعظ والتذكير فى مجالسهم. ٦ - أنه يجب على من حضر خصومة أن يهدئ من ثورتها، ويلطف من حرارتها، ولا يشعل نارها. واللَّه أعلم ١٤٣ (٢١) باب الخصلة الجامعة لأمور الإسلام ٦٣ - ٣ ٦ عَنِ سُفْيَتَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَفِيّ(١٢) قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلا لا أُسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ ( وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ غَيْرَكَ) قَالَ: « قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثم اسْتَقِمْ». المعنى العام كان رسول اللَّه # يبعث بعض فقهاء الصحابة إلى الأمصار معلمين، وكان ينصب رؤساء الوفود أو فصحاءها مبلغين ومنذرين ومبشرين لمن وراءهم، وكان كل من علم من الصحابة علماً يرى واجباً عليه أن يبلغه وينشره، فكان نور الإسلام ينبعث من أفواه كثير ممن اقتبسوه من رسول اللّه ولد مباشرة أو بالوساطة. لكن سفيان بن عبد الله الثقفى - وقد حرص على الأخذ من فم النبى # جاء يسأل عن أمور الإسلام سؤالا قليل اللفظ كثير المعنى، محصور الطلب منتشر المطلوب. يقول. حدثنى يا رسول الله عن أمور الإسلام وواجباته ومحرماته وشرائعه وحدوده حديثاً وافياً كافياً يغنينى عن أن أسأل عنها بعد حديثك أحداً غيرك. وأجاب صلى اللّه عليه وسلم بكلمة جامعة، شاملة للعلم والعمل، وكل ما يتعلق بالمأمورات والمنهيات. قال ((قل آمنت باللّه)) وحده لا شريك له وبرسوله محمد ﴿، قولا صادقاً مطابقاً لما فى القلب« ثم استقم)» على حدود اللَّه، وعلى صراطه المستقيم، مطيعاً أوامره، مجتنباً نواهيه، من غير انحراف إلى الباطل أو ميل إلى الهوى والشهوات. إن أنت فعلت ذلك تتنزل عليك الملائكة تمدك بالعون على الطاعة، وتشرح صدرك، وتدفع عنك الخوف والحزن، وتساعدك على خذلان الشيطان، وتبشرك عند الموت بالجنة وبما أعد الله لك من نعيم مقيم، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِّي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ ذَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمٍ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ نُزِّلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. قال سفيان: يا رسول اللَّه ما أخوف ما أخاف على نفسى؟ قال صلى الله عليه وسلم: هذا، وأمسك بلسانه. وصدق رسول اللَّه * فإنه لا يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم. (٦٢) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّقَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حٍ وَحَدَّقَا قُتِبَةُ بْنُّ سَعِيدٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جُرِسٍ ح وحَدَّا أَبُو كُرَيْبَ حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةً كُلُّهُمْ عَنِ هِشَامٍ بَنِ عُرِّوَةٌ عَنِ أَبِهِ عَنِ سُفْيَانَ ١٤٤ المباحث العربية ( قل لى فى الإسلام ) فى الكلام مضاف محذوف، أى فى أمور الإسلام وتعاليمه. ( قل آمنت باللّه) فيه اكتفاء، كقوله تعالى: ﴿سَرَّبِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أى والبرد والمقصود آمنت بالله وبرسوله. ( ثم استقم ) الاستقامة الحسية هى انتصاب الجسم واعتداله، وليست مرادة هنا، إنما المراد الاستقامة المعنوية بمعنى عدم الميل والانحراف عن حدود الشرع وصراطه. ومن المعلوم أن ((ثم)» للترتيب والتراخى، أما التراخى الزمنى فيمكن توجيهه بأن الاستقامة الشرعية المعتد بها لا تكون ولا تقبل إلا بعد الإيمان، وأن التراخى فى كل شىء بحسبه. وأما التراخى الرتبى - وهو هنا أحسن - فباعتبار أن الاستقامة أعظم وأصعب من الإقرار، وبها تتحقق ثمرة الإيمان العظمى، وترتفع رتبته ودرجته. فقه الحديث ظاهر الحديث أن قول ((آمنت بالله)) كاف وإن لم يصاحبه تصديق وإذعان، وهذا الظاهر غير مراد، لأن الشرع لا يطلب قولا كاذباً بعيداً، وإنما يطلب القول الصادق المطابق. وإنما آثر طلب القول على طلب التصديق لأن السؤال عن الإسلام، والإقرار أساسه كما مرفى حديث جبريل عليه السلام أول الكتاب. وقد مضى أن طلب الإيمان باللّه، أو طلب شهادة أن لا إله إلا اللَّه يلزمه شرعاً طلب الإيمان برسول الله، وشهادة أن محمداً رسول اللّه، لأن الشرع لا يقبل واحدة منهما دون الأخرى، فإذا طلب إحداهما كان القصد مع الأخرى. والمقصود من الإيمان بالله ورسوله الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف العلماء فى المراد من الاستقامة المطلوبة فى الحديث، وفى قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. فذهب مقاتل إلى أن المراد المضى على التوحيد وعدم الرجوع إلى الشرك، وهذا القول مروى أيضاً عن ابن عباس عن أبى بكر الصديق ﴾ حيث قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]. ثم قال: ما تقولون فيها؟ قالوا: لم يذنبوا. قال: قد حملتم الأمر على أشده. قالوا: فما تقول؟ قال: لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. ١٤٥ وعليه فالأمر بالاستقامة فى الحديث أمر بالثبوت والدوام، أى قل: آمنت بالله عن تصديق وإذعان، ثم اثبت على هذا دون شك أو تزعزع. وذهب جمهور العلماء إلى أن المراد الاستقامة على جميع ما يتطلبه الإيمان ولزوم النهج المستقيم. ونحن لا نقول بالرأى الأول، لأنه لا يتناسب مع سياق السؤال عن الإسلام وأموره فى الحديث، ولا يتناسب مع الجزاء الموعود به فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ ﴾ [الأحقاف: ١٣]. ولا نقول بالرأى الثانى على ظاهره، لأن الاستقامة على جميع ما يتطلبه الإيمان أدق من الشعرة وأحد من السيف، فهى غير مستطاعة على الدوام فلا يكلف بها. وإنما الأولى أن يراد بالاستقامة المطلوبة التزام الواجبات والبعد عن المحرمات قدر الطاقة، وهذا هو المناسب لقوله تعالى: ﴿ وَلا تَطْغَوْا ﴾ فالمراد من الاستقامة المأمور بها عدم الطغيان وليس عدم الميل قيد شعرة، وهو مفهوم تفسير على - كرم الله وجهه - حيث فسر الآية بقوله ((أدوا الفرائض)» وتفسير عمر لها بقوله ((لم يروغوا روغان الثعالب)). وبهذا نجمع بين الرجاء الذى يسرف فيه الرأى الأول والخوف الذى يفرط فيه الرأى الثانى. واللَّه أعلم ١٤٦ (٢٢) باب إطعام الطعام وإفشاء السلام ٢٤- ٦٣ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِى اللَّه عَنْهِمَا(٦٣)؛ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِّلِ: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». المعنى العام من أهم شعب الإيمان؛ وأبرز خصال الإسلام، إطعام الطعام، وإفشاء السلام، إذ بهما يكون التآلف والإخاء، وبهما تصبح الأمة الإسلامية كالجسد الواحد، تتعاون أعضاؤه على خيرها، وتتسالم وتتكاتف على دفع الضرر عنها، ويشد بعضها بعضاً تحقيقاً لمتانتها وصلابتها وقوتها. إن الإسلام دين ودنيا، بل إن دنياه مزرعة لدينه، ودينه لخير دنياه وأخراه، إنه يضع قواعد المجتمع السليم، والمدنية الفاضلة، فى خصلتين اثنتين وما أسهلهما، وما أيسر أداءهما، وما أعظم نفعهما، وما أكبر أثرهما. إنهما التعاون المالى والبدنى؛ إنهما إنفاق الطعام، وإعطاء الأمن والأمان. فما أحكم الرسول النبى الأمى، الذى أعطى جوامع الكلم، والذى لا ينطق عن الهوى حين يسأله السائل: أى خصال الإسلام خيريا رسول الله؟ لنتسابق إليها، ونحرص عليها فوق حرصنا على غيرها . . لقد كان الجواب الرائع منحصرًا فى جملتين : تطعم الطعام، وتقرأ السلام. تطعم طعامك والديك وأولادك وأهلك، فلا تكن شحيحًا عليهم مقتراً فى الإنفاق على طعامهم، تطعم طعامك الأغنياء وذوى الجاه، لتحظى بحقك عندهم، وتؤكد الروابط بين طبقات المجتمع السليم، تطعم طعامك الفقراء والمساكين وابن السبيل، لتفوز بدعائهم، وثواب برهم وصلتهم، تطعم طعامك العدو والصديق لتؤلف بين القلوب، وتدرأ غوائل الإحن والأحقاد ولتزداد المودة والمحبة بينك وبين الخلان، تطعم طعامك الطير والحيوان، لتنمو فى صدرك صفة الرحمة، فتسعد برحمة الرحمن. بذلك تحقق الأمن لنفسك ممن حولك، ويبقى عليك أن تؤمن من معك، فاقرأ السلام وأعط الأمان لكل من تلقاه، وسلم على من تعرف ومن لا تعرف، فتتقارب النفوس المتباعدة، وتتجاوب القلوب المتنافرة، وتتعارف الأرواح المتذاكرة. بهاتين الخصلتين يتم الأمن والأمان، وتتحقق المحبة والوئام، ويسود الصفاء والسلام وتتجلى بأبرز صورها مظاهر الإسلام. (٦٣) حَدَّْا أَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْقَهَا لَيْثٌ ح وحَدْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِ أَغْرَنَا اللَّيْثُ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حِبٍ عَنِ أَبِي الْخَيْرِ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ١٤٧ المباحث العربية ( أن رجلا) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف اسمه، وقيل: إنه أبو ذر. ( أى الإسلام خير؟)، ((أى)) هنا للاستفهام مبتدأ، فإن قيل: إن شرط ((أى)) أن تدخل على متعدد، وهنا دخلت على الإسلام، وهو مفرد، لا تعدد فيه؟ أجيب بأن فى الكلام محذوفاً، هو مدخول ((أى)» فى الحقيقة، والأصل أى خصال الإسلام خير؟ بدليل أن الجواب كان فى التفاضل بين الخصال. و((خير» أفعل تفضيل. لأن السؤال ليس عن نفس الخيرية، وإنما عن وصف زائد، وهو الأخيرية، غير أن العرب استعملت أفعل التفضيل من هذا الباب على لفظه، فيقال: هذا خير من هذا، على معنى أخير منه، ولهذا لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. فإن قيل: إن أفعل التفضيل لابد أن يستعمل بالإضافة أو من، أو بالألف واللام؛ فكيف استعمل هنا بدونها؟ أجيب بأنه قد يجرد من ذلك كله عند العلم به، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾[ طه: ٧]. ( تطعم الطعام ) بضم التاء من ((أطعم)) وهو فى محل الرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير: ((أن)) المصدرية، والتقدير: خير خصال الإسلام إطعام الطعام، وهذا نظير قولهم: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه، أى سماعك بالمعيدى خير من رؤيته. والتعبير بالمضارع للحث على تجدده، كقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] والخطاب فى ((تطعم)) للسائل، وغيره مقيس عليه من قبيل ((حكمى على الواحد حكمى على الجماعة)) أو لكل من يتأتى خطابه فهو من قبيل الخطاب العام؛ أى تطعم يا من يصح منه الإطعام. والطعام عند الفقهاء اسم المطعوم المقتات؛ أى ما يعد طعاماً. والمفعول الأول ((لتطعم)) محذوف للتعميم، والتقدير - تطعم أى كائن الطعام، وقيل - إنه محذوف لدلالة ((من عرفت ومن لم تعرف)» عليه، وفى حذف المفعول إشارة إى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد سواء كان المطعم مسلماً أو كافراً أو حيواناً. واختار لفظ ((تطعم)) ولم يقل تؤكل مثلا، لأن لفظ الإطعام عام يتناول الأكل والشرب والذوق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] أى ومن لم يذقه. ( وتقرأ السلام ) قال السجستانى: يقال: اقرأ عليه السلام، ولا يقال: أقرئه السلام إلا فى لغة سوء، إلا أن يكون مكتوباً، فتقول: أقرئه السلام أى اجعله يقرؤه، كما تقول: أقرئه الكتاب، أى اجعله يقرؤه. ١٤٨ ( على من عرفت ومن لم تعرف) ((من)) موصولة، وعائد الصلة، مفعول ((عرفت)) محذوف. فقه الحديث قال السنوسى: الإطعام المرغب فيه هو ما كان لفائدة شرعية، من طلب ثواب الله جل وعلا (فلا يبالى حينئذ ما أعطى، ولا لمن أعطى) أو دفع شرعن نفسه وعرضه وماله. أما ما لا فائدة فيه، أو كانت الفائدة غير شرعية، كقصد المباهاة، وتكثير الانتفاع والثناء الدنيوى، ونحو ذلك، فليس بمقصود من الحديث، بل ربما كان بعضه محرماً، كالإطعام لبعض اللئام، من الظلمة والفساق، ممن يستعين بذلك على فساده، ويغريه على أموال الناس، وتبقى لهم سنة سيئة فى أموال الناس على الدوام.اهـ فإن قيل: إنما يغرس الإطعام الود فى نفس الكريم، أما اللئيم فقد يغريه الإطعام ويطمعه ويزيده لؤماً، أجيب بأن الشأن والغالب فى الإطعام أن يؤثر فى المطعوم خضوعاً للطاعم بل ذلة وانكساراً فى بعض الأحيان، وقديماً قيل. أطعم الفم تستح العين، وقيل: ما وضع أحد يده فى صحفة غيره إلا ذل له. وعلى ذلك فالإطعام يخفف منازعة اللئيم، ويقلل من أذاه، واللئيم الذى لا يتأثر بالطعام، لن يزيد شره بعد الأكل عنه قبله، وحينئذ فأجر الإطعام عند الله، وقد قيل: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه .. لا يذهب العرف بين الله والناس وأما إقراء السلام، فهو مما يزرع الود والمحبة فى القلوب، وقد يكون فى قلب المحبين أسى أو صد، أو إعراض فيزول بالتحية، وقد يكون فى قلب العدو سوء ظن ومجافاة فينقلب بالتحية صديقاً. وظاهر الحديث ((من عرفت ومن لم تعرف)» يفيد العموم فى كل الناس مؤمنهم وكافرهم، مستأمنهم وحربيهم، لأنه يدل على أن السلام لله تعالى لا لتوفية حق المعرفة. وبهذا العموم أخذ بعضهم، وطلب السلام على الكافر ولو حربياً عند الاحتياج إلى ذلك لوعظ أو نحوه، لأنه أرجى لقبولهم الإسلام، وقد أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام أن يقلطفا مع فرعون حيث قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاَ لَيِّنَّا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. وذهب جماعة إلى أن هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداء على كافر لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم فى الطريق فاضطروه إلى أضيقه)» رواه البخارى. وذهب بعضهم إلى أن العموم صدر أولا لمصلحة التأليف، ثم جاء النهى عن التسليم على الكافرين متأخراً، فنسخ عمومه. ومعنى ((السلام عليكم)) إما الدعاء بالسلام على المسلم عليه، أى سلمك اللَّه من الآفات دنيا وأخرى، وإما الخبر، أى سلمت منى، فإنى مسالم لك لا محارب. ١٤٩ والسلام علم على الأمان، لأن العادة بين المتحاربين أن لا يسلم بعضهم على بعض، وكانت عادة الجاهلية إن سلموا لم يحاربوا. وعلى هذا لا ينبغى للمسلم أن يغتاب من سلم عليه، ولا أن يتعرض لإيذائه، لأن مثل هذا الفعل مناقض لما أعطاه وأخبربه من الأمان. وقيل المراد من السلام اسم اللَّه تعالى، فيكون المعنى: اللّه حفيظ عليكم أو رقيب عليكم. وقد وردت أحاديث بأن الجهاد أفضل الأعمال، ولا عمل يعدل الجهاد، وبأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وبأن أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد فى سبيل الله. وهذه تعارض حديث الباب الذى ينص على أن خير خصال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام، وقد أجيب عن هذا التعارض بالحمل على اختلاف حال السائلين أو السامعين، أو المقام، فحين الحث على الجهاد والترغيب فيه، أفاد أنه أفضل الأعمال، ولا عمل يعدله، وحين يخشى من السائل الإيذاء بيد أو لسان أرشده إلى أن كف الأذى خير الأعمال، وحين رأى من السائل أو السامعين تهاوناً في شأن الصلاة أفاد بأنها أحب الأعمال، وحين أحس في السائل كبراً أو إمساكاً أو انقباضاً عن الناس أجابه بأن خير خصال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام، وهكذا. فاختلاف جوابه صلى الله عليه وسلم مع اتحاد السؤال أو تشابهه إنما كان مراعاة لحال السائل أو السامع، وما رآه صلى الله عليه واسلم أنفع له وأخص به، فكأن الخيرية أمر نسبى، فقد يكون الأمر خيراً لفلان في وقت، وغيره خيرا منه فى وقت آخر عند الشخص نفسه، ومرجع هذا الجواب إلى تقييد كل حديث بالحاضرين، فكأنه قال هنا: خير خصال الإسلام لكم فى هذا الوقت إطعام الطعام وإفشاء السلام. وهذا الجواب نفسه يصلح جواباً عن قول القائل: لم خص هاتين الخصلتين بالذكر من بين سائر خصال الإسلام وشعبه؟. فتقدير الظروف، ومراعاة مقتضى الحال هو الذى أدى إلى تخصيصهما بالذكر فى هذا الوقت لمسيس الحاجة إليهما، فقد يكون وقت ذكرهما وقت جهد ومشقة وحاجة إلى تأليف القلوب، وتوثيق الصلات والمودة بين الناس. ويؤكد هذا المعنى أنه صلى الله عليه وسلم حث عليهما أول ما دخل المدينة، فقد روى الترمذى من حديث عبد الله بن سلام قال: أول ما قدم رسول اللّه# المدينة انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه، واشتبهته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)). وأجيب عن هذا السؤال أيضاً بأن مكارم الأخلاق نوعان: مالية فأشار إليها بإطعام الطعام، وبدنية فأشار إليها بتقرأ السلام. ١٥٠ ويؤخذ من الحديث ١ - الحث على إطعام الطعام الذى هو علامة الجود والسخاء ومكارم الأخلاق، وفيه نفع للمحتاجين، وتوطيد المحبة بين الناس. ٢- الحث على إفشاء السلام الذى يدل على خفض الجناح والتواضع، ويحقق التعارف والتآلف بين المسلمين. ٣- الحث على تعميم السلام وأن لا يخص به أحدا دون أحد - كما يفعل الجبابرة - لأن المسلمين كلهم إخوة، وهم متساوون فى رعاية الأخوة، وقد جعل صلى اللّه عليه وسلم السلام على المعارف علامة من علامات فساد الزمان حيث قال: ((إن السلام فى آخر الزمان للمعرفة يكون». ٤- الحث على كل ما يؤلف القلوب، ويجمع الكلمة، ويغرس المودة، ويزيد المحبة. ٥- العمل على نفع المسلمين بالفعل والقول. ٦- إخلاص العمل، وتجنب المصانعة والملق. والله أعلم ١٥١ (٢٣) باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ٦٥- ٦َّ٤ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٦٤) قَالَ: إِنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ « مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». ٦٦- ٣٢ عَنِ جَابِرٍ﴾(٦٥) قَالَ: سَمِعْتُ النّبِيِّلَ﴿ يَقُولُ «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ ویدِهِ ». ٦٧ - ٣٦ عَنِ أَبِي مُوسَى﴾(٦٦) قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَائِهِ وَيَدِهِ » . ٢٨ - ٠ْ حََّيِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: سُئِلَّ رَسُولُ اللّهِلَ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. المعنى العام دعا الإسلام فى الحديث السابق، إلى شعبتين عظيمتين من شعب الإيمان فحقق بهما جانباً من أهم جوانبه، وركناً من أهم أركانه، وهو الركن الإيجابى أو ركن الفعل، وفى هذا الحديث الشريف يضع الإسلام الجانب الثانى والركن المهم المقابل وهو الركن السلبى، أو ركن الترك والكف، دعا فى الحديث السابق إلى إطعام الطعام، وإفشاء السلام، ويدعو فى هذا الحديث إلى كف الأذى وحجب الشرور والبوائق والإزعاج. فهذا أبو موسى الأشعرى، يسأل رسول اللَّه * عن أفضل خصال الإسلام، وعن أفضل المسلمين العاملين بأفضل الخصال، ليحرص على الفضيلة، ويسعى نحو الكمال الدينى، ويعمل جهده ليكون من خير المسلمين. ويجيبه صلى الله عليه وسلم: خير المسلمين هو الذى يمسك لسانه عن طعن الناس، ويحفظ ما (٦٤) وحَّدََّا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنٍ سَرْحِ الْمِصْرِيُّ أَخْيُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ الْخَارِثِ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنٍ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَّمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَمْرٍو (٦٥) حَذِّنَا حَسَنَّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنَ حُمَيْدٍ جَمِيعً عَنٍ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ عَبْدٌ أنْبَأْنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَّا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: (٦٦) وحَدَّفِي سَعِيدُ بْنَّ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ الأَمَوِيُّ قَالَ حَدَّفِي أَبِي حَدَّقَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ◌ُرْدَةَ بْنِ أَيِي مُوسَى عَنِ أبِي بُرْدَةً عَنِ أَبِي مُوسِی (٠٠) وحَدَّقِّهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ حَذََّنَا أَبُو أُسَامَةً قَالَ حَدَّفِي بُرَيّدُ ١٥٢ بين فكيه عن الإساءة للمسلمين بالقول أو بالإشارة، وهو الذى يمسك يده وجميع جوارحه، ويحبس شرورها وأذاها، فلا يمد يده لحق الغير، ولا تمشى رجله للإضرار بأحد، ولا يتحرك فكره وقلبه للإيقاع أو الظلم أو الإيلام. المسلم الكامل هو الذى يسلم الناس من شروره وأذاه، والمؤمن الكامل هو الذى يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفى هذا يقول صلى اللَّه عليه وسلم: ((واللَّه لا يؤمن. واللَّه لا يؤمن. واللَّه لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذى لا يأمن جاره بوائقه)). بهاتين القاعدتين، وعلى هذين الركنين يعتمد صرح الإسلام، وترتكز أسس المجتمع الإسلامى القويم بالمسالمة ومنع الشر، بين الأفراد والجماعات والأمم، ثم بالتعاون وإيصال الخير وتبادل المنافع. وما قامت مدنية، وما شيدت حضارة، وما نهضت أمة، وما استقرعالم فى حياته، من غير هاتين القاعدتين، وما تخلف المسلمون فى هذه الأيام إلا بإهمالهما، وما تقدم غيرهم إلا باتباعهما، فنعم التشريع الإسلام، ونعمت الهداية هداية خير الأنام. عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. المباحث العربية الرواية الأولى ( سأل رجل ) لعله أبو موسى، المصرح به فى الرواية الثالثة. والسؤال مروى بالمعنى فى بعض الروايات؛ ولعله رجل آخر، فعند ابن حبان أنه أبوذر، وعند الطبرانى أنه عمير بن قتادة، فتعدد السؤال، واتحد الجواب. (أى المسلمين خير) أى أخير، وجاء فى رواية ((أى الإسلام أفضل)) أى: أى خصال الإسلام أفضل، والسؤال عن خير المسلمين سؤال عن خير خصال الإسلام، فإن خير المسلمين ما صار خيراً إلا بقيامه بخير الخصال. ( من سلم المسلمون) ((من)) اسم موصول خبر لمبتدأ محذوف، تقديره خير المسلمين من سلم المسلمون، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان فى اشتقاق إلى أصل واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣] فإن ((أقم)) و))القيم)) يرجعان فى الاشتقاق إلى أصل القيام، والتعبير بلفظ ((المسلمون)) من قبيل التغليب، والمراد من سلم المسلمون والمسلمات. ( من لسانه ويده ) اليداسم الجارحة، ولكن المراد منها أعم من أن تكون يدا حقيقية أو يداً معنوية؛ كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، وأطلق اللسان واليد، وأراد أى ١٥٣ جارحة من جوارحه، والمراد من سلم المسلمون من شره، فهو من باب ضربته الظهر والبطن، أى ضربت منه كل مكان. الرواية الثانية (المسلم من سلم) اختلف فى الأداة ((أل)) فى مثل هذا التركيب هل تقتضى الحصر أو لا؟ الراجح أنها تقتضى الحصر، ولكنه حصر الكمال فى الإسلام، وهو قصر ادعائى كقولهم: الناس العرب، والمال الإبل، أى أفضل الناس وأفضل المال، وهنا كذلك أفضل المسلمين. بل قد ينفى اسم الشىء، ويراد نفى الكمال، كما يقال لمن لم يتقن عمله: ما صنع شيئاً، أى متقناً، فإنه لا يقصد نفى الصنعة، فإنه قد صنع بالفعل. وقدره الخطابى ((المسلم الممدوح)) وهذا التقدير يحتاج صفة أخرى، أى الممدوح مدحاً كاملاً، وإلا لزم أن من لم يتصف بهذه الصفة من المسلمين ليس بممدوح، وليس كذلك، فإن كل مسلم ممدوح بإسلامه، وإن ذم من ناحية أخرى. قال بعض الشيوخ: والظاهر أن الحصر فى مثل هذا الحديث، إنما هو نسبى واعتبارى مثل الحصر فى ((لا علم إلا بخشية)) و))لا علم إلا ما نفع)) فإن ظاهر ثبوت هذه الأشياء بمجرد ثبوت هذا الوصف. وظاهر الحديث على هذا يفيد ثبوت الإسلام لمن سلم المسلمون من لسانه ويده وإن لم ينطق بالشهادتين وليس كذلك، بل المراد المبالغة بأن هذا الوصف (سلامة المسلمين من لسانه ويده) هو المعتد به، دون غيره مجازاً، أو التنبيه على أنه أكد الأوصاف المعتبرة فى تحقق الإسلام، أو المراد المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده مع مراعاة بقية الأركان. الرواية الثالثة ( أى الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده ) قال الكرمانى: فإن قلت: السؤال عن الإسلام، أى عن خصاله، والجواب بمن سلم، أى ذى الخصلة، حيث قال ((من سلم)) ولم يقل: هو سلامة المسلمين من لسانه ويده، فكيف يكون الجواب مطابقاً للسؤال؟. قلت: هو جواب مطابق وزيادة، من حيث المعنى، إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة، أو أطلق الإسلام وأراد الصفة، كما يقال: العدل، ويراد: العادل، فالإسلام أريد به المسلم، فكأنه قال: أى المسلمين خير؟ كما جاء فى بعض الروايات. انتهى بتصرف. وبعضهم قدر مضافاً، به يصح المعنى، والتقدير: أى أصحاب الإسلام أفضل، وبذلك يتطابق الجواب والسؤال. وللتوفيق بين الرواية الأولى والثالثة، وبين كلمة ((خير)) وكلمة ((أفضل)) قال العينى: فإن قلت: هل هناك فرق بين ((أفضل)) وبين ((خير)»؟. ١٥٤ قلت: لا شك أنهما من باب التفضيل، ولكن الفضل يعنى كثرة الثواب فى مقابلة القلة، والخير يعنى النفع فى مقابلة الشر، والأول من الكمية، والثانى من الكيفية، اهـ ثم استشهد على قوله بما فى العباب، ونصه: الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والخير ضد الشر. وتعقبه بعضهم بقوله: الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه فى الأخرى فلا. اهـ وهذا التعقيب وجيه، فإن السائل فى الرواية الأولى والثالثة إنما سأل عن الأفضل ثواباً ونفعاً، ولم يقصد الأول الأفضلية فى الثواب والآخر الأفضلية فى النفع واللَّه أعلم. فقه الحديث من علامة المسلم التى يستدل بها على حسن إسلامه سلامة المسلمين من شره وأذاه، بل إحسان المعاملة مطلوب مع غير المسلمين، بل مع غير الإنسان من الطير والحيوان، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: ذكر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيداً، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه.اهـ وقال السنوسى: لفظ المسلمين خرج مخرج الغالب، إذ الأغلب أن سبب الإذاية المخالطة، وغالب من يخالطه المسلم المسلمون مثله، فنبه على التحرز من إذا يتهم التى قربت أسبابها، ولأن كف الأذى عن إخوته المسلمين أولى فذكر الوصف كالباعث على ترك الإذاية ... ثم قال: وقد دلت الأدلة الشرعية على تحريم إذاية الذمى، وعلى المنع من تعذيب الحيوان بغير ما شرع فيه من النفع . اهـ وخص اللسان واليد بالذكر من بين سائر الجوارح، لأن اللسان هو المعبرعما فى النفس، واليد هى التى بها البطش، والقطع والوصل، والأخذ والمنع والإعطاء. قال الزمخشرى: لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدى غلبت، فقيل فى كل عمل: هذا مما عملت أيديهم، وإن كان عملا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدى. وقدم اللسان على اليد لأن إيذاءه أكثر وقوعاً من إيذائها وأسهل مباشرة وأشد نكاية منها، ولهذا يقول الشاعر: . ولا يلتام ما جرح اللسان جراحات السنان لها التئام ثم إيذاء اللسان يعم ويلحق عدداً أكثر مما يلحقه إيذاء اليد، فقد يؤذى أسرة أو قبيلة أو أهل بلدة، أو دولة بلفظ واحد، كما يتناول البعيد والقريب والحاضر والغائب، والميت والحى بخلاف اليد. ثم إن ذكر اللسان واليد لغلبة مباشرة الأذى بهما لا يجعلهما المقصودين بالذات، بل هما كعنوان لكل ما يباشر الأذى من جميع الأعضاء حتى القلب فإنه منهى عن الحقد والحسد، والبغض والغيبة، والتلذذ بتصور المعايب وإضمار الشر، ونحو ذلك. ١٥٥ فإن قيل: هل يدخل فى إيذاء المسلم إقامة الحدود والتعازير والتأديبات؟ وما موقف الحديث منها؟. أجيب بأنها مستثناة من هذا العموم بالإجماع، وقيل: إنها ليست من الإيذاء حتى تستثنى، بل هى عند التحقيق استصلاح، وطلب للسلامة لهم، ولو فى المآل. ويؤخذ من الحديث: ١- الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذى، وجماع ذلك حسن الخلق وحسن المعاملة مع العالم، وهو درجات، أعلاها درجة الأبرار الذين لا يؤذون الذر، ولا يضمرون الشر. ٢ - الرد على المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان معصية. ٣- أن العفو والصفح وترك المؤاخذة أولى من المطالبة والمعاقبة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله ﴿وَلَمَنْ صَبِّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. والله أعلم ١٥٦ (٢٤) باب ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ٦٩ - ٦٧ عَنِ أَنَسِ عَلِ (٦٧) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةٌ الإِيمَانِ. مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للَّهِ. وَأَن يَكْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَةُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». ٧٠- ثٍ عَنِ أَنَسٍ مَ﴾(٩٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا للَّهِ وَمَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَن يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَن أَنْقَذَهُ اللّهُ مِنْهُ». ٧١ - -ْ عَنِ أَنَسٍ﴾(١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِتَحْوِ حَدِيثِهِمْ. غَيْرَ أَنْهُ « قَالَ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَائيًّا». المعنى العام ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أَكْلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] تلك الكلمة كلمة التوحيد والإخلاص إذا غرستَ فى القلب، ونمت وترعرعت بامتثال الأوامر واجتناب النواهى، آتت أكلها، وأثمرت حباً للَّه وحباً لرسوله اعترافاً بفضلهما وشكراً لهما أن هدى للإيمان بهدايتهما. وينمو هذا الحب ويزداد، ويرتقى صاحبه فى درجات الوجد والهيام بالاستغراق فى الفرائض والنوافل، حتى يغطى حب الله ورسوله كل مشاعره، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه من ولده ووالده، وماله ونفسه. وتبرز آثار هذا الحب فى امتثال أمر الله، والتلذذ بالعبادة والتكاليف الشاقة، والرضا بقضائه وقدره، بل يتلقى المحنة بالنفس الراضية المطمئنة، وبنفس الروح التى يتلقى بها المنحة. فالمحب يرضى بل يحب كل أفعال المحبوب، ويحرص ألا يخالفه أو يغضبه أو يميل إلى ما لا يحب، كما تبرز آثار هذا الحب فى طاعة رسول اللّه *. وسلوك طريقته، والتخلق بأخلاقه، ويتفرع (٦٧) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى بْنٍ أَبِي عُمَّرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ جَمِيعًا عَنِ الْفَقَفِيِّ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمْرَ حَدَّقْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنِ أَيُّوبَ عَنِ أَبِي قِلاَةٌ عَنٍ أَنَسٍ (٦٨) حَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنَّنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالاً حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدْقَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةٌ يُحَدِّثُ عَنِ أَنْسٍ (١٠) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنْبَا النَّضَّرُ بْنُ شَمَّيْلٍ أَنْبِأَنَا حَمَّادٌ عَنِّ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ ١٥٧ عن هذا الحب حب من يحبه الله ورسوله من أجل حب الله ورسوله، يتفرع عن هذا الحب حب الصالحين ومجالستهم والاقتداء بهم وتتبع سيرتهم، والميل إليهم لا لشىء إلا لأنهم صالحون، ولأن حبهم من حب اللَّه وللَّه وفى اللَّه. ويتفرع عن هذا الحب بغض ما يبغضه الله ورسوله، بغض الكفر والفسوق والعصيان، بغض الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً. بغض أن يعود المؤمن إلى هذا الظلام بعد أن أنقذه اللَّه منه وأخرجه إلى النور، من بلغ هذه الدرجة من الحب بلغ قمة الإيمان، وتمتع بحلاوته؛ وسعد بسموه ونوره وهدايته، وكانت له الجنات العلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. المباحث العربية ( ثلاث من كن فيه ) ((ثلاث)) مبتدأ، والجملة بعده الخبر، وجاز الابتداء به -وهو نكرة- لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، والتقدير: ثلاث خصال أو صفات، وقد سبق القول بأن حذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه، و((من)) مبتدأ ثان، والشرط والجواب خبره، والجملة خبر ((ثلاث)). ( وجد بهن حلاوة الإيمان ) أى أحس وشعر بحلاوة الإيمان بسبب تحصيلهن، فحلاوة الإيمان موجودة فى المؤمن بوجود الإيمان، لكنه لا يحسها ولا يدركها ولا يستلذها إلا من كانت عنده هذه الخصال الثلاث، فالمؤمن مثله مثل آكل العسل، حلاوة العسل محققة فى أكله، لكن إن كان الآكل فى صحة وراحة بال فهو يستطيبه، ويحس به، ويتلذذ بحلاوته، وإن لم يكن فى صحة أو كان مشغول البال مهموماً بأمر من الأمور لم يحس له طعماً ولم يشعر بحلاوة، وكذلك المؤمن إن حصل الصفات الثلاث وجد حلاوة الإيمان، وإلا لم يسعد بإيمانه فى دنياه، ولم ينتفع به النفع الكامل فى أخراه. وقد جاء فى الرواية الثانية ((وجد طعم الإيمان)) وهى بمعنى الرواية الأولى، لأن طعم الإيمان عند المؤمن لا يكون إلا حلواً. ولما كان الطعم والحلاوة من صفات المطعومات كان التعبير بهما فى جانب الإيمان مجازياً على سبيل الاستعارة التصريحية، بتشبيه انشراح الصدر بالحلاوة، أو على سبيل الاستعارة بالكناية بتشبيه الإيمان بشىء حلو، ثم إضمار التشبيه، والرمز إليه بشىء من لوازمه، وهو الحلاوة على سبيل التخييل. ( من كان اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما) رواية البخارى جاءت تعدد الخصال الثلاث، ولفظها ((أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء ... وأن يكره أن يعود ... )). ١٥٨ والرواية الثانية لمسلم جعلت تعدد صاحب الخصال، ولفظها ((من كان .. ومن كان .. ومن كان)) أما الرواية الأولى لمسلم فقد جاءت بصاحب الخصلة الأولى، ثم جاءت بالخصلتين الأخيرتين. والمصدر المنسبك من ((أن)) والفعل [على رواية البخارى] خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هى [أى الخصال الثلاث] كذا وكذا وكذا إن روعى المجموع، وتقديره: إحداها كذا وثانيتها كذا وثالثتها كذا إن روعى كل من الثلاث على حدة. ولفظ ((من كان)) على رواية مسلم خبر مبتدأ محذوف أيضاً، تقديره: هو [أى صاحب هذه الخصال] من كان كذا ومن كان كذا، ومن كان كذا، ويراعى أن المقصود تعدد الصفات لموصوف واحد؛ لأن حلاوة الإيمان لا تكون إلا لمن جمعها، ولفظ ((أحب)) خبر (كان)) وجاء بكثرة على صيغة أفعل التفضيل، وإن كان على خلاف القياس، إذ لا يصاغ أفعل التفضيل من الفعل المبنى للمجهول، وكان الأصل أن يقال: من كان اللَّه ورسوله أشد محبوبية إليه، وعبر بـ)) ما)) دون ((من)) فى قوله ((مما سواهما)» ليعم كل محبوب عاقل أو غير عاقل. (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) فاعل ((يحب)) ضمير مستتر يعود على ((من كان اللَّه ورسوله أحب إليه)» وجملة ((لا يحبه إلا للَّه)) حال. ( وأن يكره أن يعود فى الكفر) مصدر ((أن يعود)) مفعول ((يكره)) يقال عاد إلى كذا أى رجع إليه، وعاد فيه مضمن معنى استقر، أى رجع إليه وانغمس فيه واستقر، حتى صار الراجع مظروفا والمرجوع عليه ظرفا له. وآثر التعبير بـ ((فى)) ليتسق مع المشبه به فى قوله ((كما يكره أن يقذف فى النار)) فالكفر مشبه بالنار، والعود إليه مشبه بالقذف فيها، لا بالوصول إليها، فمن رجع إلى الكفر غمره الكفر وأحرقه كما تغمر النار المقذوف فيها. (بعد أن أنقذه الله منه) رواية البخارى ((بعد إن أنقذه الله منه)) وفائدة هذا القيد إبراز المنة، وأن اللَّه هو الذى هداه إلى الإيمان، وتأكيد القبح والشناعة فى الرجوع، فإن الرجوع إلى الشر بعد النجاة منه والبعد عنه أقبح من الرجوع إليه عن قرب منه وشائبة اتصال به. ( كما يكره أن يقذف فى النار) ((كما يكره)) صفة لمصدر محذوف و)) ما)) مصدرية والتقدير: وأن يكره العود فى الكفر كراهة مشابهة لكراهته أن يقذف فى النار. والتعبير فى الرواية الثانية ((ومن كان أن يلقى فى النار أحب إليه من أن يرجع فى الكفر» أبلغ منه فى الرواية الأولى، لأن التعبير فى الرواية الأولى يسوى بين الأمرين، والتعبير فى الرواية الثانية يجعل الوقوع فى النار أحب من الرجوع فى الكفر، فالرجوع فى الكفر أشد كراهة من القذف فى النار. وأفعل التفضيل ((أحب)) فى الروايتين الثانية والثالثة ليس على بابه من أن أمرين اشتركا فى ١٥٩ صفة وزاد أحدهما على الآخر فى هذه الصفة، فإنه لا حب فى الرجوع فى الكفر، ولا حب فى القذف فى النار، وإنما قصد بهذا الأسلوب شناعة أمر عن أمر آخر، كما نقول: الرسوب خير من الغش، نقصد زيادة جريمة الغش وضررها على الرسوب، ولا خيرية فى كل منهما. ( ومن كان أن يلقى فى النار أحب إليه من أن يرجع يهودياً أو نصرانياً) هذه هى الرواية الثالثة لمسلم، وهى تعطى معنى الرواية الثانية بالطريق الأولى، لأنه إذا كره الرجوع إلى اليهودية والنصرانية [وهما ديانتان سماويتان فى الأصل] كره الرجوع إلى الأوثان والكفر الذى لا أساس له من باب أولى. فقه الحديث الحب الميل إلى الشىء، وهو نوعان: جبلى يغرسه اللَّه فى القلب بأسباب أوبدون أسباب، فيحس صاحبه ميلا لا سلطان له على دفعه، ولا قدرة له على اكتسابه، ولا على الحد منه، ومن هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم ((اللهم إن هذا قسمى فيما أملك، فلا تؤاخذنى فيما تملك ولا أملك)». النوع الثانى مكتسب بتناول أسبابه، وتوافر دواعيه، فحسن الصورة وجمال الصوت من أسباب الحب غالباً، وحسن المعاملة والصلاح والنفع ودفع الضر من دواعيه. ثم هذا الحب المكتسب قد يكون ميلا إلى ما يستلذه الإنسان وتستطيبه النفس، وترتاح إليه الحواس، وقد يكون ميلا بالعقل والرشد إلى ما فيه الخير، وإن كان على خلاف هوى النفس كالوضوء بالماء البارد فى شدة الشتاء، وكميل المريض للدواء، وهذا النوع قاله البيضاوى، وإن كان العرف يأباه ويقصر الجب على ما تميل إليه النفس استطياباً وتلذذاً، ويجعل الآخر من باب الإرادة والعزيمة التى تقهر النفس إلى ما فيه صلاحها. وإذا تدبرنا حب المؤمن للَّه تعالى نجد أنه ينشأ عن التفكير فى فضله ونعمائه والاعتراف بهذه الآلاء التى لا تنقطع عن الإنسان طرفة عين، وينشأ عن هذا التفكير والاعتراف التقرب إليه جل شأنه بالفرائض والنوافل، وكلما تقرب قرب، لأنه إن تقرب من اللَّه شبراً تقرب اللَّه إليه ذراعاً، وإن تقرب إليه ذراعاً تقرب اللَّه منه باعاً، فإذا ما استغرق فى هذا البحر كان اللَّه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، وكان الله وأوامره وطاعته هى كل شىء فى حياته، لا خوفا من ناره ولا طمعاً فى جنته، ولكن يفعل ما يريد ريه حباً فيه جل شأنه. وكذلك الحال بالنسبة لرسول اللّه يصل حبه عند المؤمنين أن يكون أحب إليهم من والدهم وولدهم وأموالهم حتى من أنفسهم التى بين جنبيهم، اعترافا بفضله، وإيماناً بعظيم جهاده ونفعه، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه. وللحب علامات وآثار لا يوجد بدونهما، فطاعة المحبوب، والحرص على رضاه، والميل إلى ما إليه ١٦٠