Indexed OCR Text

Pages 61-80

بالترحيب وبشرهم بالخير العاجل والآجل، فقال: مرحبا بالقوم الذين لم يمسسهم خزى فى دنياهم،
فأسلموا دون سبى أو قتال، ولن يمسسهم ندم فى مستقبل دنياهم على مايفعلون. ونظر الصحابة إلى
باب المسجد فرأوا رجلا حسن الهيئة، يلبس حلة جديدة، يدخل فى اتزان ووقار، تبدو عليه ملامح
السادة والأشراف.
إنه المنذر بن عائذ الأشج رئيس الوفد، لم يتسرع كما تسرعوا، بل عمد إلى الأمتعة فجمعها، وإلى
الراحلة فعقلها، وخلع ملابس السفر، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل على النبى *، فرحب به وقربه إليه
وأجلسه إلى جانبه، ثم قال مخاطبا الوفد كله: بايعونى على أنفسكم وقومكم، فمد القوم أيديهم
وقالوا: نعم بايعناك.
فقال المنذر: يا رسول اللَّه إن أشد ما يحول عنه المرء هو دينه، نبايعك على أنفسنا فقط وترسل
معنا إلى قومنا من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه.
قال رسول اللَّه ◌ِ﴿: صدقت، إن فيك يا أشج لخصلتين يحبهما اللَّه، الحلم والأناة.
قال له: يا رسول اللَّه، أكانتا فيَّ أم حدثنا؟ قال: بل قديما. قال: الحمد لله الذى جعلنى على
خلقين يحبهما.
ثم قال المتحدث عن القوم: يا رسول الله. إننا قبيلة من ربيعة، وقد علمت مساكننا وبعد الشقة
علينا، ولا نستطيع أن نصل إليك إلا مرة فى كل عام فى الشهر الحرام، لأن كفار مضر لا يخلون بيننا
وبينك، فعلمنا من أمور الإسلام ما يلزمنا، وإشرح لنا ما يجب علينا شرحا لا لبس فيه ولا غموض،
فلسنا ممن حولك، ممن يسهل عليهم لقاؤك، ويتلقون حيثما يشاءون تعاليم دينك.
مرنا بأمر نعمله وندعو إليه قومنا الذين خلفناهم وراءنا، مرنا بأمر إذا عملناه دخلنا الجنة.
قال رسول اللَّه ◌ُ آمركم بالإيمان بالله وحده، ثم قال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم.
قال: أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللَّه، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا
رمضان، وأن تؤدوا خمس ماغنمتم.
قالوا: يارسول اللَّه - وقيت الشر وجعلنا اللَّه فداءك من كل مكروه - ماذا يحل لنا من الأشربة؟
قال: أنهاكم أن تشربوا ماء التمر والعنب المنقوع فى وعاء القرع (الدباء) أو المنقوع
فى الجرار المطليات (الحنتم) أو المنقوع فى وعاء مطلى بالقار (المقير) أو المنقوع فى
جذع شجرة منقور (النقير).
قالوا: يانبى اللَّه. ماذا تعلم عن نبيذ النقير؟ وكيف علمته وهو ليس ببلادكم؟ قال: نعم، هو جذع
تنقرونه، فتقذفون فيه الماء والتمر أو الزبيب وتخلطونه وتتركونه حتى يغلى، فإذا سكن غليانه
شربتموه، حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف.
٦١

وكان فى القوم رجل أصيب بسيف ابن عمه السكران، وهو يخفى إصابته عن رسول اللّه ولا
استحياء، فلما سمع كلام الرسول بالغ فى إخفاء جراحته وقال: يا رسول اللَّه، ففى أى الأوعية
ننقع التمر والزبيب لنشربه.
قال: هذه الأوعية تخفى التخمر فتوقعكم فى شرب المسكر، ولكن انقعوا فى القرب فى أوعية
الجلد المدبوغ، التى يربط على أفواهها، فإنها لا تخفى التخمر، لأن ما ينبذ فيها إذا تخمر شقها.
قالوا: يا رسول اللَّه، إن أرضنا يكثر فيها الفأر الذى يأكل الجلد، فلا يبقى لنا أسقية القرب، ولا
وعاء من هذا النوع، فهل من رخصة؟.
قال صلى الله عليه وسلم: لا رخصة وإن أكله الفأر، وإن أكله الفأر، وإن أكله الفأر.
وعاد الوفد إلى حيه وأرضه حاملا معه مشعل الإسلام، يسبقون غيرهم من أهل القرى.
فكان مسجد عبد القيس بالبحرين أول مسجد تجمع فيه الجمعة بعد مسجد رسول اللّه *
بالمدينة، فرضى اللَّه عنهم ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
المباحث العربية
الرواية الأولى
( قدم وفد عبد القيس ) الوفد الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم فى لقاء العظماء
والمصير إليهم فى المهمات، واحدهم وافد، زاد بعضهم: وأن يكون قدومهم من بعد، فإن لم يكونوا من
بعد فليسوا بوفد، والمراد من عبد القيس هنا اسم القبيلة، أى قدم وفد قبيلة عبدالقيس.
( إنا هذا الحى من ربيعة ) ينسبون قبيلتهم إلى الجد الرابع لعبد القيس تشرفا به، إذ عبد
القيس بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزاربن معد بن عدنان.
و((هذا الحى)) منصوب على الاختصاص، والخبر ((من ربيعة)» أى إنا حى من ربيعة كما جاء
فى بعض الروايات، ((والحى)) اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يحيا ببعض.
( وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر) أى وقف فى طريقنا إليك كفار مضر يمنعوننا من
الوصول إليكم، لأن مساكنهم بين مساكننا وبين المدينة، فعبد القيس تنزل فى البحرين والأحساء فى
شرق الجزيرة العربية على الخليج العربى، والمدينة فى غربها على خط عرض واحد تقريبا.
( فلا نخلص إليك ) أى لا نصل سالمين إليك.
( إلا فى شهر الحرام ) هكذا فى الأصول كلها بإضافة ((شهر)) إلى ((الحرام)) وفى رواية:
((فى أشهر الحرام)) وهو من إضافة الموصوف إلى صفته كقولهم: مسجد الجامع، وهى جائزة عند
٦٢

الكوفيين، أما البصريون فيقدرون محذوفا فى الكلام للعلم به، أى فى شهر الوقت الحرام، وأشهر
الأوقات الحرم ومسجد المكان الجامع.
ثم إن المراد من شهر الحرام جنس الأشهر الحرم، وهى أربعة لا خلاف فيها، وإنما الخلاف فى
الأدب المستحسن فى ترتيب عدها، فأهل المدينة يعدونها هكذا: ذو القعدة وذوالحجة والمحرم
ورجب، اعتمادا على تظاهر الأخبار عن رسول اللّه * بمثل هذا الترتيب.
والكوفيون يعدونها هكذا: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، استحسانا للإتيان بها
من سنة واحدة.
( فمرنا بأمر) قيل: الأمرهنا واحد الأوامر، وقيل واحد الأمور، وكلاهما صحيح.
( من وراءنا) ((من)) موصولة، والمراد ممن وراءهم من جاءوا من عندهم أوما
يحدث لهم من الذرية.
( آمركم بأربع ) خصال أو جمل، والحكمة فى الإجمال بذكر العدد قبل التفسير أن تتشوف
النفس إلى التفصيل، فإذا جاء سكنت وتمكن وانضبط فلا ينسى منه شىء.
(الإيمان باللّه) بالجربدل من ((أربع)) ومثله ((شهادة)) و((إقام)) و((إيتاء)).
(وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) ((ما)) موصولة، و((خمس)) بضم الميم وإسكانها، وكذلك
الثلث والربع إلى العشر يضم ثانيها.
والمصدر المنسبك من ((أن تؤدوا)) معطوف على ((أربع)) كأنه قال: آمركم بأربع وبأن تؤدوا
خمس ما غنمتم، ولا يصح عطفه على ((شهادة)» لئلا يلزم منه جعل الأربع خمسا فى الروايات التى
ذكرت الصوم، وأداء خمس المغنم على هذا مضاف إلى الأربع وليس واحدا منها.
( الدباء) بضم الدال المشددة وهو القرع اليابس، والمنهى عنه اتخاذه وعاء، ففى الكلام
محذوف، والإضافة بمعنى ((من)) والتقدير: أنهاكم عن النقع فى وعاء من الدباء.
( والحنتم ) بفتح الحاء وسكون النون وفتح التاء، الواحدة حنتمة، واختلف فيه، فقيل: الجرار
كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مقيرات الأجواف، أى مطليات الجوف بالقار وقيل: جرار
أفواهها فى جنوبها يجلب فيها الخمر من الطائف، وكان الناس ينتبذون فيها، وقيل: جرار كانت
تعمل من ظين وشعرودم، قال النووى: وأصح الأقوال وأقواها أنها جرار خضر، وبه قال كثيرون من
أهل اللغة وغريب الحديث والمحدثين والفقهاء.
( والنقير) جاء تفسيره فى الرواية الرابعة والخامسة بأنه جذع ينقر وسطه ويفرغ.
(والمقير) أى المطلى بالقار، وهو الزفت.
٦٣

( وعقد واحدة ) أى عد الشهادتين واحدة من الأربع.
الرواية الثانية
( كنت أترجم بين يدى ابن عباس وبين الناس ) قيل: تقديره بين يدى ابن عباس بينه
وبين الناس، فحذف لفظ ((بينه)) لدلالة الكلام عليه والأصح أن لفظ ((يدى)) عبارة عن الجملة
والذات، كما فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] والمراد كنت أترجم بين
ابن عباس وبين الناس، كما جاء فى رواية البخارى.
والترجمة بيان المراد من لغة بلغة أخرى، فكان أبو جمرة ينقل كلام ابن عباس من
العربية إلى الفارسية.
وقال ابن الصلاح: إن المراد من الترجمة مطلق البيان وإن كانت بنفس اللغة، ورأى أن مهمة
أبى جمرة كانت تبليغ كلام ابن عباس إلى من خفى عليه من الناس، سواء لعدم السمع أو لعدم الفهم.
( تسأله عن نبيذ الجر) الجملة صفة امرأة، و((الجر)) بفتح الجيم اسم جمع، الواحدة جرة،
ويجمع على جرار، وهى الوعاء المعروف المصنوع من الفخار.
( من الوفد أو من القوم ) شك من الراوى، وكل من الجملتين خبر مقدم ومبتدأ مؤخر.
( ربيعة ) خبر مبتدأ محذوف وفى الكلام مضاف محذوف تقديره: الوفد وفد ربيعة وأصله الوفد
وفد عبد القيس من ربيعة.
( مرحبا ) لفظ استعملته العرب بكثرة. تريد به البروحسن اللقاء.
وهو منصوب بفعل محذوف تقديره صادفت رحبا بضم الراء أى سعة. والرحب بفتح الراء
الواسع. وقيل: منصوب على المصدرية من رحبت الأرض إذا اتسعت. قال سيبويه: وهو من المصادر
النائبة عن أفعالها.
(غير خزايا ولا الندامى) هكذا هو فى الأصول ((الندامى)) بالألف واللام. و((خزايا))
بحذفهما. وروى بالألف واللام فيهما. وروى بحذف الألف واللام فيهما. ولفظ ((غير)» بالنصب على
الحال. ويروى بالجربدل من القوم. أو صفة له على أن الألف واللام فيه للجنس. والمعرف بلام الجنس
قريب من النكرة. فحكمه حكم النكرة. و((غير)) من الألفاظ المتوغلة فى الإبهام فلا تستفيد تعريفا إذا
أضيفت إلى معرفة.
و((الخزايا)) جمع خزيان وهو المستحى. وقيل: الذليل المهان. والندامى جمع ندمان بمعنى نادم.
والمراد أنه لم يكن منكم تأخر عن الإسلام. ولم يصبكم إسار ولا قتال ولا سباء تستحون بسببه أو
تذلون أو تهانون أو تندمون.
٦٤

( إنا نأتيك من شقة بعيدة ) الشقة بضم الشين وكسرها، والضم أشهر وأفصح، وبه نزل
القرآن، وهى السفر البعيد، فقولهم ((بعيدة)) مبالغة فى البعد وتأكيد له، كقولهم: أمس الذاهب لايعود.
( فمرنا بأمر فصل ) أمر بالتنوين، و(فصل)) صفته على التأويل بمشتق لأنه مصدر، والمعنى
مرنا بأمر واضح بين فاصل للمراد على غيره، بحيث لا يكون مشكلا علينا.
( شهادة) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله و((إقام))
و ((إيتاء)) و(صوم)) معطوف على ((شهادة)).
( احفظوه وأخبروا به من ورائكم ) احفظوه قولا وعملا، فلا تنساه ذاكرتكم ولا تهمله
جوارحكم، وهذه الرواية بمن الجارة، فمفعول ((أخبروا)) محذوف، التقدير: أخبروا به الناس الكائنين
من ورائكم.
الرواية الثالثة
( للأشج أشج عبد القيس) هو المنذر بن عائذ، سماه النبى * بالأشج لأثر كان فى وجهه،
و((أشج عبد القيس)» بدل من الأشج.
( الحلم والأناة ) الحلم العقل، والأناة التثبت وترك العجلة، وأناة الأشج كانت فى تريثه بعد
الوصول إلى المدينة حتى جمع الرحال وعقل الإبل ولبس أحسن الثياب، وحلمه ورجاحة عقله تمثلت
فى مناقشة رسول اللَّه : * حيث اعتذر عن أن يبايع عن قومه.
الرواية الرابعة
( ما علمك بالنقير) سؤال استبعاد، إذ لم يكن بأرضه صلى الله عليه وسلم.
(فتقذفون فيه من القطيعاء ) ((القذف)) الإلقاء والطرح، و((القطيعاء)) بضم القاف وفتح
الطاء نوع من التمر صغار. وروى ((وتذيفون)) بفتح التاء من ذاف يذيف، وروى ((وتديفون)) بالدال
بدل الذال، ومعناهما تخلطون.
( أصابته جراحة كذلك ) (( كذلك)» صفة جراحة، والمعنى: فى القوم رجل مصاب بجراحة
ناشئة من حالة مشابهة لحالة ضرب السكران ابن عمه بالسيف.
( ففيم نشرب ) الفاء فصيحة فى جواب شرط مقدر، والجار والمجرور متعلق بالفعل بعده،
والتقدير: إذا انتهينا عن الانتباذ فى هذه الأوعية، ففى أى الأوعية ننتبذ ونشرب؟
(فى أسقية الأدم) أسقية جمع سقاء، ((والأدم)) بفتح الهمزة والدال جمع أديم، وهو الجلد
الذى تم دباغه، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: اشربوا.
٦٥

( التى يلاث على أفواهها) أى يلف الخيط على أفواهها ويربط، وفى رواية ((ثلاث)) بالتاء
بدل الياء.
( إن أرضنا كثيرة الجرذان ) بكسر الجيم وإسكان الراء جمع جرذ بضم الجيم وفتح الراء وهو
نوع من الفأر، أو الذكر منها؛ وفى رواية ((إن أرضنا كثير الجرذان)) بتذكير لفظ ((كثير)) وهو على
تقدير موصوف مذكر أى إن أرضنا مكان كثير الجرذان، واعتذروا بذلك لعلمهم أن شريعة الإسلام
مبنية على التخفيف، فظنوا أنهم قد يرخص لهم للضرورة.
( وإن أكلتها الجرذان ) مكرر ثلاث مرات فى الأصول للتأكيد، وفطم نفوسهم عن الطمع فى
الرخصة، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا يباح الانتباذ فى غيرها. ولم يرخص لهم صلى الله عليه
وسلم لأنه لا يعسر الاحتراز منها.
الرواية الخامسة
( جعلنا الله فداءك ) استعملتها العرب كناية عن الدعاء بالوقاية من المكروه.
( ماذا يصلح لنا من الأشرية؟ ) أى من ظروف الأشرية وأوعيتها، ففى الكلام
مضاف محذوف.
(وعليكم بالموكى) بضم الميم وإسكان الواو أى المربوط بالوكاء، وهو الخيط. و((عليكم)) اسم
فعل أمر بمعنى الزموا، والباء حرف جرزائد و(«الموكى)» مفعول به لاسم الفعل.
فقه الحديث
روايات كثيرة لهذا الحديث فى مسلم حصرناها فى خمس، وروايات كثيرة له فى البخارى،
وبينها اختلاف كثير فى الألفاظ بالزيادة والنقص والتبديل والتقديم والتأخير والقصة واحدة، ولم يعد
هذا الاختلاف مشكلا بعد البيان الذى مربنا قريبا عن صحة الرواية بالمعنى، واختلاف الرواة فى
الحفظ والضبط الذى لا يطعن فى صحة الحديث.
لكن المشكل هنا أنه صلى الله عليه وسلم قال ((آمركم بأربع » والمذكور فى أكثر الروايات خمس،
إيمان بالله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداء الخمس، وعدم ذكر الصوم فى
الرواية الأولى إغفال من الراوى.
وللعلماء فى الجواب عن هذا الإشكال أقوال: أظهرها ما قاله ابن بطال فى شرح البخارى. قال:
أمرهم بالأربع التى وعدهم بها، ثم زادهم خامسة - يعنى أداء الخمس - لأنهم كانوا مجاورين لكفار
مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم.
٦٦

وقال بعضهم: إن الأربع المأمور بها أولها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا بهما
لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتى الشهادة، ويستأنس لهذا الرأى برواية البخارى فى
الأدب بدون الشهادتين، ويضعفه ما جاء هنا فى زيادة الرواية الأولى ((شهادة أن لا إله إلا
اللَّه وعقد واحدة )).
ولم يذكر الحج فى هذا الحديث لأنه لم يكن فرض بعد، فإن قدوم وفد عبد القيس كان عام الفتح
قبل خروج النبى # إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع على الأشهر. وقيل: إن ترك ذكره لأنهم لم
يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر، ويرد هذا القول أنه لا يلزم من عدم الاستطاعة فى الحال ترك
الإخبار به ليعمل به عند الإمكان كما فى الآية.
ثم إن دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة من أساسها، لأن الحج يقع فى الأشهر
الحرم، وهم يأمنون فيها.
واختلفت الروايات فى عدد وفد عبد القيس، فروى أنه كان أربعين رجلا، وروى أنه كان سبعة
عشر، وروى أنه كان أربعة عشر أو ثلاثة عشر، ومع أنه لا طائل وراء تحديد العدد فإن الحافظ ابن
حجر جمع بين الروايات بأن مجموع العدد أربعون والأعداد الأخرى تعبير عن رؤساء الوفد أو ركبانه.
وإنما خصت هذه الأربع ((الدباء والحنتم والنقير والمقير)) بالنهى عن الانتباذ فيها لأنه يسرع
إليه الإسكار فيها، فيصير حراما نجسا، ويبطل كونه مالا محترما، فنهى عنه لما فيه من إتلاف
المال. ولأن هذه الأوعية تخفى مظاهر التخمر والإسكار فى منقوعها فربما شربه بعد إسكاره من لم
يطلع عليه، ولم ينه عن الانتباذ فى أسقية الأدم، بل أذن فيها لأنها لرقتها لا يخفى فيها المسكر، بل
إذا صار مسكرا شقها غالبا.
ثم إن النهى كان فى أول الأمر خشية التهاون فى التفرقة بين المسكر وغير المسكر واختلاط
الأمر، ثم نسخ بحديث بريدة أن النبى # قال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا فى الأسقية،
فانتبذوا فى كل وعاء ولا تشربوا مسكرا ».
وكون النهى منسوخا بهذا الحديث مذهب أبى حنيفة والشافعية.
وذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أن التحريم باق، وفتوى ابن عباس للمرأة فى الرواية الثانية
والثالثة تدل على أنه يرى عدم النسخ، فقد أجاب عن سؤال الانتباذ فى الجربنهى الرسول (8# عن
الانتباذ فيها.
واقتصر فى المنهيات على الانتباذ فى الأوعية مع أن المناهى فيها ما هو أشد فى التحريم من
الانتباذ لكثرة تعاطيهم لها، ورسول اللَّه ◌ِ يراعى فى أجوبته حال المخاطبين كالطبيب يغاير بين
الأدوية باختلاف المرضى، وقيل: إنما اقتصر عليها لأنهم طلبوا الجواب فيها، إذ ورد ((وسألوه عن
الأشربة)) وجاء فى الرواية الخامسة ((يانبى اللَّه - جعلنا اللَّه فداءك - ماذا يصلح لنا من الأشربة؟))
فاقتصر اقتصار الجواب المطابق للسؤال.
٦٧

ويؤخذ من الحديث
١- وفادة الرؤساء والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة.
٢- أن الوفد كانوا مسلمين بدليل قولهم: يا رسول اللَّه، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
٣- بيان مهمات الإسلام وأركانه سوى الحج.
٤- تقديم الاعتذار بين يدى المسألة حيث اعتذروا بصعوبة اللقاء.
٥- وجوب الخمس فى الغنيمة قلت أو كثرت، وإن لم يكن الإمام فى السرية الغازية وفيه خلاف
وتفصيل فى محله.
٦- النهى عن الانتباذ فى الأوانى الأربع، أى نقع التمر والزبيب أو نحوهما مع الماء فيها ليحلو
ويشرب وقد سبق الخلاف فى نسخ هذا النهى.
٧- استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من القوم)»؟ فى الرواية الثانية على استحباب سؤال
القاصد عن نفسه ليعرف منزلته.
٨- استعانة العالم فى تفهيم الحاضرين والفهم عنهم ببعض أصحابه.
٩- أنه يكفى فى الترجمة والفتوى والخبر قول الواحد.
١٠- جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم وسماعهم صوتها للحاجة.
١١- استحباب تأنيس الرجل لزواره والقادمين عليه بقوله ((مرحبا)) ونحوه، والثناء عليهم
إيناسا وبسطا.
١٢ - جواز الثناء على الإنسان فى وجهه إذا لم يخف عليه فتنة من إعجاب ونحوه، ويختلف
استحبابه بحسب الأحوال والأشخاص، وأما النهى عن المدح فى الوجه وقوله صلى الله عليه
وسلم: ((إياكم والمدح فإنه الذبح)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ويحك. قطعت عنق صاحبك))
فهو فى حق من يخاف عليه الفتنة.
١٣ - لا عتب على طالب العلم والمستفتى إذا طلب إعادة وإيضاح الجواب.
١٤ - جواز مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد.
١٥ - فى الرواية الرابعة علم من أعلام النبوة إذ أخبر صلى الله عليه وسلم عن ضرب السكران ابن عمه
بالسيف، ولم يواجه الرجل على عادته صلى الله عليه وسلم فى الستر.
١٦ - جواز قول الإنسان للمسلم: جعلنى اللَّه فداءك.
والله أعلم
٦٨

(٨) باب بعث معاذ إلى اليمن
٢٨ - ٢٩ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا (٢٩)؛ أَنَّ مُعَاذَا قَالَ: بَعَّيِي رَسُولُ اللَّهِ
*. قَالَ «إِلْكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ.
وَأَنّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ
صَلّوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَّ عَلَيْهِمْ
صَدَّقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ
أَمْوَالِهِمْ. وَاْقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ».
٢٩ - ٣٠ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّه عَنْهِمًا(٣٠)؛ أَنَّ النّبِيَّ ◌َ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ. فَقَالَ «
إِنّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا » بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ.
٣٠- ٣١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا(٣١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ
قَالَ «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلٍ كِتَابٍ. فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِذَا
عَرَّقُوا اللَّهِ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا فَعَلُوا
فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا
بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ».
المعنى العام
خلع معاذ كمية كبيرة من ماله لغرمائه سنة عشر من الهجرة، فرأى صلى الله عليه وسلم أن
يعوضه بتعيينه واليا أو قاضيا على اليمن: يجمع الزكاة ويصرفها فى وجوهها ويقوم على بيت المال،
وقال له: إنى قد عرفت بلاءك فى الدَّين، والذى قد ركبك من الدين، وقد طيبت لك الهدية، لعل اللَّه
يجبرك ويخلف عليك ما غرمت.
ولم يكن أساس اختيار معاذ لهذا المنصب مجرد التعويض، فإنه كفء له، أهل لتحمل هذه
(٢٩) حَدَّقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَةً وَأَبُو كُرِيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنٍ وَكِيعٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدْقْنَا وَكِيعٌ عَنِ زَكَرِئَّاءً منٍ
إِسْحَقَ قَالَ حَدَّقَتِي يَّحْتَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي عَنِ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ عن معاذ بن جبل. قال أبو بكر أو ربّما قالَ
و کیع عن ابن عباس
(٣٠) حَدََّا ابْنُ أَبِي عُمَّرَ حَدِّنَا بِشْرُ بِنَّ السَّرِيِّ حَدَّقْنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ حِ وَ حَدََّا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ حَدَّقَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ذَكْرِبَّاءَ
ابْنِ إِسْحَقّ ◌َغَنِ يُحْتَى بْنِ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ صَّيْفِيَّ عَنِ أَبِي مَّعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٣١) حَذََّا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْغَيْشِيُّ حَدََّا يَزِيدُ بْنُ زُرَّبِعٍ حَدَقْنَا رَوْحٌّ وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنٍ إِسْمَعِيلَ بْنِ أُمْيَّةَ عْنٍ يَحْتِى بْنٍ عَبْدِ اللهِ
ابْنِ صَيْفِي عَنِ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٦٩

المسؤولية، لما عرف عنه من العلم والفضل والورع، ثم هو من أهل بدر، وشهدها وهو ابن إحدى
وعشرين سنة.
وقد زوده رسول اللَّه # بوصية تحدد له الخطوات الواجب عليه اتباعها فى مهمته
السامية الصعبة.
قال له: إنك ستكون بمثابة حاكم على اليمن بقوانين الإسلام، ناشر لتعاليم الدين بين
قوم أكثرهم من أهل الكتاب، وهم أهل علم وجدل، تحتاج دعوتهم إلى حكمة وسعة صدر،
وقوة حجة، وتوقد فكرة.
فتدرج معهم فى الدعوة، وعاملهم بالتى هى أحسن، وليكن أول شىء تدعوهم إليه هو شهادة أن لا
إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإذا قالوها وأقروا بها، وعرفوا اللَّه تعالى ووحدانيته، وآمنوا برسوله
فأعلمهم أن اللَّه فرض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة، وفصلها لهم وعرفهم كيفيتها، وأمهم فى
صلاتهم ليتعلموها، فإن هم قبلوا وأذعنوا وصلوا، فأعلمهم أن اللَّه فرض على الأغنياء منهم زكاة تجمع
من أموالهم، وتفرق بين الفقراء، قدر يسير معلوم يطهر أموالهم وينميها، ويحوطها بالبركة، ويربط
أواصر المحبة بين طبقات الأمة الواحدة، فإن استجابوا ورضخوا، فخذ منهم صدقاتهم ولا تلزمهم
إخراج كرائم أموالهم ونفائسها، التى أحبوها واختصوها بفضل على غيرها، فلم يجعل اللّه مواساة
الفقراء على حساب الإجحاف بالأغنياء.
وتجنب الظلم عامة، وفى أخذ الصدقات خاصة، واحرص على العدل دائما، واحذر دعوة المظلوم،
ولا تعرض نفسك لأن يدعو عليك، فإن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاسقا، تفتح لها أبواب
السموات السبع، ولا يحول بينها وبين القبول حائل، وليس بينها وبين إجابتها حجاب.
وحافظ معاذ على الوصية، وظل قائما على اليمن إلى أن قدم فى عهد أبى بكر، ثم توجه إلى الشام
فمات بها بالطاعون سنة سبع عشرة من الهجرة، وله من العمر أربع وثلاثون سنة.
المباحث العربية
(بعثنى رسول اللّه ◌ِ) المبعوث إليه محذوف، أبرز فى الرواية الثانية والثالثة فى قول ابن
عباس: بعث معاذا إلى اليمن.
( إنك تأتى قوما ) المضارع هنا مراد به الاستقبال، وقد صرح بحرف الاستقبال فى الرواية
الثانية، وفى الرواية الثالثة ((تقدم على قوم)) بفتح التاء والدال، قال فى القاموس: قدم كنصر وعلم،
والتى معنا من باب علم، وهى بمعنى أقدم يقدم.
( من أهل الكتاب ) وفى الرواية الثالثة ((قوم أهل كتاب)) وهذا الوصف كالتوطئة للوصية،
ليستجمع همته عليها، ويوفر العناية فى دعوتهم، فمخاطبة أهل الكتاب ينبغى أن لا تكون كمخاطبة
الجهال من عبدة الأوثان.
٧٠

وليس فى هذا الوصف أن جميع من سيأتيهم من أهل الكتاب، فإن فى أهل اليمن غير أهل
الكتاب، لكنه خصهم بالذكر لمزيد الاهتمام.
(فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) فى الرواية الثالثة («فليكن أول ما تدعوهم إليه
عبادة اللَّه))، ((أول)) بالنصب خبر ((يكن)) مقدم و«عبادة الله)) اسمها مؤخر، والمراد من عبادة الله
توحيده. فقد جاء فى رواية ((إلى أن يوحدوا اللَّه)) والمراد من توحيده الشهادتان.
( فإن هم أطاعوا لذلك ) أى للإتيان بالشهادتين، وفى رواية ((فإن أطاعوا لك فى ذلك))، أى
شهدوا وإنقادوا، وفى رواية ((فإن هم أجابوا لذلك)) وفى رواية ((فإذا عرفوا ذلك)). وفى الرواية الثالثة
((فإذا عرفوا اللَّه)).
والظاهر أن أطاع هنا ضمن معنى انقاد فعدى تعديته.
والتعبير بـ ((إن)» ليس لأن وقوع الشرط مشكوك فيه، بل لمجرد التعليق بدليل الرواية الثالثة ((
فإذا )» بدل ((فإن )».
( فأعلمهم ) فى الرواية الثالثة ((فأخبرهم)).
( أن اللَّه افترض عليهم) فى الرواية الثالثة ((أن اللَّه فرض عليهم)) وهما بمعنى.
( خمس صلوات فى كل يوم وليلة) فى الرواية الثالثة ((خمس صلوات فى يومهم وليلتهم)).
( فإن أطاعوا لذلك ) يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها
عليهم والتزامهم بها، وثانيهما: أن يكون المراد الإطاعة بالفعل والأداء، ووجه الأول بأن
المذكور هو الإخبار بالفريضة، وإطاعة الإخبار الإقرار به والتزامه، ووجه الثانى بأنهم لو
بادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط الإقرار باللسان والالتزام بالتلفظ، بخلاف
الشهادين فالشرط فيهما عدم الإنكار، وعلامة قبولهما النطق بهما، ويؤيد هذا الوجه رواية ((
فإذا صلوا)) كما يؤيده قوله فى الرواية الثالثة ((فإذا فعلوا)).
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو
بالفعل كفاه. أو بهما فأولى. اهـ
(أن اللَّه افترض عليهم صدقة) أى زكاة بدليل الرواية الثالثة، وأطلق لفظ الصدقة على
الزكاة فى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ .. ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
( تؤخذ من أغنيائهم ) الجملة صفة «صدقة)».
( فترد فى فقرائهم ) لم يقل: فتعطى أو فتسلم للإشارة إلى أن المسلمين فقراءهم وأغنياءهم
جسد واحد، فما يؤخذ من عضو ويعطى للآخر مردود إليه فى الجملة، وجعل الفقراء هنا ظرفا للرد
٧١

إشارة إلى تمكن الزكاة منهم وعدم خروجها عنهم، وفى الرواية الثالثة ((فترد على فقرائهم)) والتعبير
بعلى فيه من التمكن ما ليس فى (( إلى)).
(فإن هم أطاعوا لذلك ) وفى رواية ((فإذا أقروا بذلك)) وجواب الشرط الحقيقى محذوف،
ذكر فى الرواية الثالثة وفيها «فإذا أطاعوا بها فخذ منهم)) وأما قوله:
( فإياك وكرائم أموالهم ) فهو مرتب على الجواب، وكرائم الأموال نفسها، وقيل: هى ما
يخص بها صاحبها نفسه ويؤثرها على غيرها، لما فيها من صفات الكمال، من غزارة اللبن أو جمال
الصورة أو كثرة اللحم أو الصوف أو نحو ذلك. وأصل ((إياك)» أحذرك فحذف الفعل، وانفصل ضمير
المفعول، ولا يجوز ترك الواوفى ((وكرائم)) لأن المحذر منه إن كان اسما صريحا وولى المحذر
استعمل بمن أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإن كان فعلا وجب أن يكون مع ((أن)» ليكون فى تأويل الاسم
فيستعمل بالواو عطفا.
وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد بدون واو، ولكنه شاذ.
(واتق دعوة المظلوم) الفعل معطوف على عامل ((إياك)) المحذوف، والتقدير: اتق نفسك
أن تتعرض للكرائم، واتق نفسك أن تتعرض لدعوة المظلوم، والمقصود تجنب الظلم لئلا يدعو عليك
المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة فى ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم
الإشارة إلى أن أخذها ظلم.
(فإنه) أى فإن الشأن، وفى رواية ((فإنها)) أى فإن القصة أو فإن دعوة المظلوم.
( ليس بينها وبين الله حجاب) الجملة تذييل لتعليل اتقاء دعوة المظلوم، وليس المراد أن
للَّه حجابا يحجبه عن شىء، ولكن المقصود أن دعوة المظلوم مقبولة مجابة، فالكلام على سبيل
التمثيل بتشبيه هيئة دعاء المظلوم وعدم وجود صارف له، أو مانع من قبوله، بهيئة من يقصد دار
السلطان متظلما فتفتح له الأبواب، ويرفع أمامه كل حجاب.
فقه الحديث
استشكل على الحديث بأنه لم يرد فيه ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان فى آخر الأمر.
وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وأجاب الكرمانى بجوابين يرفع بهما نسبة
التقصير للرواة فقال فى أحدهما: يحتمل أنه لم يكن حينئذ شرع. وهذا جواب مردود.
وقال فى ثانيهما: إن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا فى القرآن، فمن ثم لم يذكر
الصوم والحج فى هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسرفى ذلك أن الصلاة والزكاة إذا
وجبا على المكلف لايسقطان عنه أصلا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد
يقوم مقامه فيه كما فى المعضوب (أى العاجز عن أداء الحج).اهـ
٧٢

وهذا جواب حسن، وأحسن منه أن يقال: إذا كان الكلام فى بيان الأركان جاء الشارع بها كاملة
ولم يخل بشىء منها، كما فى حديث ((بنى الإسلام على خمس)) فإذا كان فى غير بيان الأركان
كالدعوة إلى الإسلام صح أن يكتفى بالأركان الثلاثة الشهادتين والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود
فرض الصوم والحج كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَتَّوْا الزَّكَاةَ ﴾ [التوبة: ١١] فى موضعين
من سورة ((براءة)) ونزولها بعد فرض الصوم والحج قطعا، وكحديث ((أمرت أن أقاتل الناس حتى
يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)»، وغير ذلك من الأحاديث.
والحكمة فى ذلك أن الأركان الخمسة: اعتقادى وهو الشهادتان، وبدنى وهو الصلاة، ومالى وهو
الزكاة، والصلاة شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما فى جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء
لهذه الثلاث كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها.
كما استشكل عليه بأنه لا وجه لترتيب الدعوة إلى الزكاة على الإطاعة بالصلاة.
وقيل فى الجواب: إن الترتيب ترتيب بيان واهتمام، لا ترتيب إيجاب، لأن الزكاة تجب على قوم
من الناس دون آخرين.
وأولى من هذا الجواب قول بعضهم: إنهم إذا أجابوا إلى الشهادتين، ودخلوا بذلك فى الإسلام، ثم
لم يذعنوا لوجوب الصلاة كان ذلك كفرا وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه، فيصير مالهم فيئا، ولا
يؤمرون بالزكاة بل يقتلون.
واستدل الجمهور بالحديث على أنه لا يكفى فى الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا اللّه،
حتى يضيف إليها الشهادة لمحمد 8* بالرسالة.
وقال بعضهم: يصير بالأولى مسلما ويطالب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر فى الحكم بالردة.
والقول الراجح قول الجمهور وأن المطالبة ابتداء تكون بالشهادتين، ومن كان موحدا فالمطالبة
له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة.
ومن كان مشبها أو معتقدا مايستلزم الإشراك كمن يقول ببنوة عزير فإنه يطالب بالإقرار
بالتوحيد - لنفى ما يستلزم عقيدته- وبالإقرار بالرسالة.
وهل يشترط التبرُّؤْ من كل دين يخالف دين الإسلام؟ وبعبارة أخرى: هل يشترط للحكم
بإسلام من يعتقد التشبيه أو يعتقد بنوة عزير أن يقربترك هذا الاعتقاد؟ أو يكفى للحكم
بإسلامه الإقرار بالشهادتين؟
الصحيح الثانى، وهو الذى يؤخذ من الحديث، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك
اعتقاد ما ينافيهما.
وقد استدل القاضى عياض بقوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثالثة ((فإذا عرفوا الله
فأخبرهم)» استدل به على أن اليهود والنصارى غير عارفين اللّه تعالى وإن كانوا يعبدونه ويظهرون
٧٣

معرفته، وقال: ما عرف اللَّه تعالى من شبهه وجسمه من اليهود وأجاز عليه البداء أو أضاف إليه الولد
منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من النصارى، أو وصفه
بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند من المجوس والوثنية، فمعبودهم الذى عبدوه ليس هو
اللَّه، وإن سموه به، إذ ليس موصوفا بصفات الإله الواجبة له، فإذن هم ما عرفوا اللَّه سبحانه
وتعالى. اهـ وهذا مذهب حذاق المتكلمين فى اليهود والنصارى.
واستدل بعضهم بالحديث على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة من الصلاة والصوم
والزكاة وتحريم الزنا ونحوها، لكونه صلى الله عليه وسلم قال ((فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن
عليهم ... )) فدل على أنهم إذا لم يطيعوا لا يجب عليهم، ودل على أنهم يدعون أولا إلى الإيمان، ثم لا
يدعون إلى العمل إلا بعد أن يؤمنوا.
ومذهب المحققين والأكثرين - وهو المختار - أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة (المأمورات
والمنهيات) وغاية ما فى الحديث أن مطالبتهم فى الدنيا بالفروع لا تكون إلا بعد الإسلام، لأنها لا
تصح منهم بدونه، ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد فى عذابهم فى الآخرة بسببها،
كمن أتلف ثوبا مخيطا فإنه مسئول عن الثوب وعن خياطته وإن لم يطالب عمليا بالخياطة إلا بعد
تحصيل الثوب.
وفى المسألة رأى ثالث هو أن الكفار مخاطبون بالمنهيات دون المأمورات، وهو رأى ضعيف.
واستدل به الخطابى وسائر أصحاب الشافعى على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله
صلى الله عليه وسلم ((فترد فى فقرائهم)) فإن معناه أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من
أغنيائهم، والوصية لمعاذ أن يأخذ الزكاة من أغنياء البلد الموجه إليها ويردها على فقرائها، فلا يجوز
له نقلها إلى بلد آخر.
ورد المخالفون بأن الضمير فى ((فقرائهم)» محتمل لفقراء المسلمين ولفقراء أهل تلك البلدة أو
الناحية، وحيث تطرق الدليل إلى الاحتمال سقط به الاستدلال.
وعلى هذا أجاز أبو حنيفة النقل، ورأى المالكية ترك النقل، لكنه إن خالف ونقل أجزأ عند
المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها.
واستدل به الجمهور على إيجاب الزكاة فى مال الصبى والمجنون، لعموم قوله ((من أغنيائهم)»
وذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الزكاة فى مال الصبى والمجنون لحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن
النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق».
ولا يخفى أن المكلف بإخراج الزكاة من مال الصبى هو وليه، ففى مال الصبى حق غير مكلف هو
بأدائه، وإنما المكلف بأدائه هو الوصى، فلا تنافى بين إيجاب الزكاة من ماله وبين رفع القلم عنه.
كما استدل به الجمهور أيضا على عدم وجوب الوتر، فليس على المسلم من صلاة غير
الخمس. ورد الحنفية الموجبون للوتر بجواز وجوبه بعد وصية معاذ على أن الراوى أو
الوصية لم يأت بكل المفروضات.
٧٤

واستدل بالحديث لقول مالك وغيره: إنه يكفى إخراج الزكاة فى صنف واحد، وأجاب المخالفون
بأنه يحتمل أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب أو للمقابلة بينهم وبين الأغنياء.
واستدل به بعضهم على أنه ليس على المدين زكاة ما فى يده إذا لم يفضل من الدين الذى عليه
قدر النصاب، لأنه ليس بغنى.
واستدل بقوله («تؤخذ من أغنيائهم)» على أنه إذا امتنع من الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره،
وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته ويجزيه ذلك فى الباطن؟ فيه وجهان للشافعية.
واستدل بالحديث على أن دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان عاصيا اعتمادًا على عموم
لفظ ((المظلوم)) ويؤيده ما جاء عند أحمد مرفوعًا ((دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان
فاجرا، ففجوره على نفسه )).
ولا يرد أننا نسمع دعاء كثير من المظلومين ثم لا نرى إجابة لدعائهم، لأن الداعى - كما جاء فى
الحديث - على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع
عنه من السوء مثله.
وعلى هذا التوجيه قيد قوله تعالى: ﴿ أُمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] بقوله ﴿فَيَكْشِفُ
مَا تَدْعُونَ إِلَّيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١].
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- بعث السعاة لأخذ الزكاة.
٢- أن الإمام ينبغى أن يعظ ولاته، ويأمرهم بتقوى اللَّه، وينهاهم عن الظلم، ويحذرهم من عاقبته وإن
كانوا على درجة كبيرة من العلم والفضل والورع.
٣- قبول خبر الواحد ووجوب العمل به.
٤- أن الصلوات الخمس تجب فى كل يوم وليلة.
٥- أنه ليس فى المال حق سوى الزكاة.
٦- أن الفقير لا زكاة عليه.
٧- أن من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة، حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير.
٨- أن الزكاة لا تدفع إلى كافرولا تدفع إلى غنى من سهم الفقراء.
٩- أنه يحرم على الساعى أخذ كرائم الأموال فى أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط.
والله أعلم
٧٥

(٩) بَاب قِتَال أهل الردة ومانعى الزَّكَاةَ
٣١ - ٣٢- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٣٢) قَالَ: لَمَّا تُؤْقِّيَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿هُ وَاسْتُخْلِفَ أَبُوبَكْرٍ بَعْدَهُ،
وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَائِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ :﴿: «أَمِرْتُ أَنْ أَقَائِلَ النَّاسَ خَنِّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. فَمَنْ قَالَّ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَفْهٍ. وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ! لأُقَائِلَنَّ مَنْ
فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ. فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَاللَّهِ! لَوْ مَنَّعُونِي عِقَالا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَّى
رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللَّهِ! مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْفِعَالِ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ.
٣٢ - ٣- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَ﴾(٣٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «أَمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتّى يَقُولُوا: لا إِلَّهُ
إِلا اللّهُ. فَمَنْ قَالَ: لا إِلَّ إِلا اللَّهُ عَصّمٌ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلا بِحَقِّهِ. وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».
٣٣ - ٣٤- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٣٤) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ «أُمِرْتُ أَنْ أَقَائِلَ النّاسَ حَنِّى
يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقَّهَا. وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
٣٤- ٣٥ عَنْ جَابِرٍ ﴾(٣٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «أُمِرْتُ أَنْ أَقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا:
لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءِهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقُّهَا. وَحِسَابُهُمْ
عَلَى اللَّهِ». ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢].
(٣٢) حَدَّنَا قُنَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَّا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةٌ
(٣٣) وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى وَأَحْمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالَ أَحْمَدُ حَدََّنَا وَقَالَ الآخَرَانِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَبِي يُونُسُ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَّ حَدَّتِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً أُخبره
(٣٤) خَذََّا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الصَّبِيُّ أَخْرَنًا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنِ الْعَلاءِ حِ وَحَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُّ بِسْطَامَ وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدَّقْنَا تَزِيدُ
ابْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا رَوْعٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَّنِّ بْنٍ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣٥) وحَّدَُّا أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِيَ شَيْبَةٌ حَدَّقْنَا حَفْصُ بَنْ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ وَعَنْ أَبِي صَّالِحٍ عَنْ
أبي هُرَيْرَةً قَالاً قَالَ رَّسُولُ اللَّهِ :﴿ أَمِرْتُ أَنْ أُقَائِلَ النَّاسَ بِمِثْلٍ خَدِيثٍ أَبْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً حٍ وَحَدْفِي
أَبَّو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا وَكِيمٌ حَ وَحَدََّبِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُفْنِّىَ حَدَّقْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي أَبْنَ مَهْدِيِّ قَالا جَمِيعًا
حَدَقْنَا سُفْيَكُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ
٧٦

٣٥ - ٣٦- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا(٣٦)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «أَمِرْتُ أَنْ
أُقَاتِلَ النَّاسَ خَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْثُوا
الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصّمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقَّهَا. وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
٣٦ - -٣٧- عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ عَ﴾(٣٧) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِعَ﴿ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ لا
إِلَّهَ إِلا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ».
٣٧- ٣٨ .- عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ عَ﴾(٣٨) أَنّهُ سَمِعَ النّبِيِّلَّ يَقُولُ «مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
المعنى العام
فى أواخر أيام الرسول # ارتد ناس من مذحج وعلى رأسهم الأسود العنسى الذى استولى على
اليمن وأخرج عمال رسول اللَّه كما ارتد ناس من بنى حنيفة وعلى رأسهم مسيلمة الكذاب الذى
كتب إلى رسول اللَّه ◌ُ ل: من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه ((أما بعد)) فإن الأرض نصفها
لى ونصفها لك.
فأجابه الرسول ((من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب ((أما بعد)) فإن الأرض للَّه يورثها
من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)».
وتوفى رسول اللَّه ◌ِ * فارتد ناس من بني تميم قوم سجاح التى تنبأت، وارتد غسان قوم جبلة ابن
الأيهم، وفزارة، وغطفان، وبنو سعد، كل هؤلاء وكثير غيرهم ارتدوا عن الإسلام وأنكروا الشرائع وتركوا
الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه فى الجاهلية.
وانكمش المتمسكون بدينهم، وخافوا بطش المرتدين، وأخفوا عبادتهم، حتى لم يعد يصلى فى
بسيط الأرض إلا فى ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبدالقيس بالبحرين.
وهناك فريق آخر ظلوا مسلمين، لكنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض
الزكاة، وأنكروا وجوب أدائها إلى الإمام، وكان ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة إلا
أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى، وقبضوا على أيديهم فى ذلك، كبنى يربوع، فإنهم جمعوا صدقاتهم،
وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبى بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك، وفرقها فيهم.
استقبل أبوبكر الصديق فى فجر خلافته هذه الصورة المزعجة، بناء الإسلام الشامخ يتصدع
(٣٦) حَدََّا أَبُو غَسَّاتُ الْمِسْمَعِىُّ مَالِكُ بْنُّ عَبْدِ الْوَاحِدِ حَدََّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّحِ عَنْ شُعْبَةً عَنْ وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَبْدِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ
(٣٧) وحَدََّا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَّرَ قَالا حَدْنَا مَرْوَانُ يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ
(٣٨) وحَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّقَا أَبُو خَالِدٍ الأَخْمَّرُ حِ وَحَذَّلِهِ زُهَيَّرُ بْنُ حَرَّبٍ حَذََّا يَزِيدَ بْنُ هَارُونَ كِلاهُمَّا عَنْ أَبِي
مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ
٧٧

ويتهاوى، وترتعد جوانبه، ويتفاقم فى كل يوم صدعه، ويتسع خرقه، وترجف الأرض من تحته، وهو
خليفة رسول الله:﴿، المسئول أمام اللّه عن دينه فى أرضه. فماذا تراه يفعل؟
إن من أبرز صفات أبى بكرلينه فى خلقه، ورقة قلبه، وإرهاف حسه إلى حد اشتهر معه فى
المواقف المؤلمة بالبكاء، وكل هذه الصفات لا تتناسب والظروف المحيطة بالإسلام.
لكن شاءت إرادة الله أن يتحول أبوبكر من اللين إلى الصلابة، ومن الرقة إلى الشدة، ومن
الإرهاف العاطفى إلى خشونة العقل وصرامة الحكمة، ففكر وقرر لكنه ماكان له أن يمضى إلى ما
رأى حتى يعرض الخطة على كبار الصحابة، عملا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَرَّمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فجمعهم، واستعرض الحالة معهم، وأعلن لهم أنه يرى قتال كل من غير وبدل، وأنه يرى العلاج فى
الحزم، والحكم للسيف.
فقال له عمر بن الخطاب: إذا قاتلنا من ارتد وكفر، ومن ادعى النبوة، ومن تابعه فكيف نقاتل من
منع الزكاة وهو يشهد أن لا إله إلا اللّه وقد قال رسول اللَّهِ ﴾: أمرنى ربى أن أقاتل الناس حتى
يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فمن قال: لا إله إلا اللَّه فقد حقن منى دمه، وحفظ منى ماله وحسابه فيما وراء
ذلك على اللَّه؟.
فقال له أبوبكر: أرأيت إذا لم يصلوا؟ فسلم عمر بقتال من امتنع من الصلاة. وسكت وسكت
الناس، فقال أبوبكر - وقد سكن قلبه إلى الرأى وشرح الله صدره لتنفيذه- قال بصوت الحكيم
الحازم: واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الصلاة حق النفس والزكاة حق المال، فمن
صلى عصم نفسه، ومن زكى عصم ماله، ومن لم يصل قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يزك أخذت الزكاة
منه قهرا، فإن نصب لنا الحرب قاتلناه، والله لو منعونى جديا أو حبلا كانوا يعطونه لرسول اللّه خلال
لقاتلتهم عليه.
ومرة أخرى سكت عمر وسكت الناس، لكنه فى هذه المرة لم يكن سكوت شك أو اضطراب، بل
كان سكوت رضى وإذعان، حتى عمر نفسه، لقد شرح الله صدره لخطة أبى بكر، وبان له بالحجة
والبرهان أنها الحق، ووافق الجميع على القتال. وجهز أبو بكر جيشا على رأسه خالد ابن الوليد لقتال
مسيلمة وأتباعه، فنصر الله الإسلام، وقتل مسيلمة باليمامة على يد وحشى قاتل حمزة ه وكان
وحشى يقول: قتلت خير الناس فى جاهليتى وشرها فى الإسلام.
وقتل العنسى بصنعاء، وإنفضت جموعهم. وهلك أكثرهم.
ولم يحل الحول إلا وقد أعاد الإسلام نشر لوائه على ربوعه، وتماسك بناؤه، واستمسك به أبناؤه.
فنضر اللَّه وجه أبى بكر، وشكر له صالح سعيه، ورضى عن شهداء المسلمين فى حروب الردة،
وجزى قادة الإسلام خير الجزاء.
٧٨

المباحث العربية
(لما توفى رسول اللّه #) يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة من ربيع الأول سنة إحدى
عشرة من الهجرة.
( واستخلف أبو بكر بعده ) السين والتاء للصيرورة، أى وصار أبو بكر خليفة بعده، وفى رواية:
((وكان أبو بكر خليفة )».
(وكفر من كفر من العرب) ((مَن)) موصولة و((مِن)) حرف جر للتبعيض، وقال العينى:
للبيان، وهو حسن إذا جعلت ((أل)) فى ((العرب)) للجنس الصادق بالبعض.
( كيف تقاتل الناس؟) الاستفهام إنكارى، و(أل)) فى ((الناس)) للعهد، والمراد بهم
مانعوالزكاة [كما سيأتي بيانه فى فقه الحديث] وفى رواية ((أتريد أن تقاتل العرب))؟ فـ((أل)) فى
((العرب)» للعهد أيضا، لأن عمر لا يتردد فى قتال المرتدين.
(وقد قال رسول اللَّه :﴿) الجملة فى محل النصب على الحال.
(أمرت ) بالبناء للمجهول، أى أمرنى ربى، وحذف الفاعل لتعينه، لأن الرسول {# إذا قال
أمرت فهم منه أن اللَّه تعالى هو الذى أمره، فإذا قال الصحابى: أمرت فهم منه أن الرسول/ هو
الذى أمره، فإن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم أن الرئيس هو الذی أمر.
( أن أقاتل الناس ) ((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف
والتقدير: أمرت بمقاتلة الناس. قال بعضهم: إن ((أل)) فى ((الناس)) للجنس لايخرج عنه إلا الجن،
فهم وإن كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لهم إجماعا لكنه غير مأمور بمقاتلتهم لتعذرها.
وهذا الرأى بعيد، لأن لفظ الناس حينئذ يشمل المؤمنين، فيلزمه أن يقول: إن المراد من ((الناس))
الكافرون، وقال بعضهم: إن ((أل)) للعهد، والمراد بالناس عبدة الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون:
لا إله إلا اللّه، ويقاتلون حتى يقولوا: محمد رسول اللَّه أو يعطوا الجزية.
وقال بعضهم: هو من العام الذى خص منه البعض، وقال العينى بدخول أهل الكتاب فى مدلول
((الناس)) وخروجهم بدليل آخر كقوله تعالى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجزيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] [وستأتى زيادة
إيضاح لهذا فى فقه الحديث].
(حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه) وفى الرواية الثانية والرابعة ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه))
وفى الرواية الخامسة ((من قال: لا إله إلا اللَّه وكفر بما يُعْبَد من دون اللَّه)) والمعنى فى الكل واحد.
و((حتى)» حرف غاية لما قبلها، وهوهنا القتال، فإن قيل: الأصح دخول الغاية فى المغيابحتى؛
كما فى قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، فإن الأكل شامل للرأس، حتى زعم بعضهم وجوب دخول
٧٩

مابعد حتى، وحينئذ يكون الحديث مفيدا أن القتال موجود مع الإتيان بالشهادتين وما بعدهما، مع
أنه ليس كذلك، فالجواب أن محل ذلك إذا كان ما قبلها وما بعدها متجانسين، ولم تقم قرينة تقتضى
عدم دخول ما بعدها، وهنا قامت القرينة بقوله صلى الله عليه وسلم ((فمن قال لا إله إلا اللَّه فقد عصم
منی ماله ونفسه».
وذكر شهادة أن لا إله إلا اللَّه يراد معه وأن محمدا رسول اللَّه، لأنهما لتلازمهما وعدم قبول
إحداهما بدون الأخرى اشتهر اختصار الرواة والاكتفاء بذكر الأولى، وقد جاء التصريح بالشهادة
الثانية فى الرواية الرابعة.
( ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) جاءت هذه الزيادة فى الرواية الرابعة.
( ويؤمنوا بما جئت به ) وهذا التعميم جاء فى الرواية الثانية.
( فمن قال لا إله إلا الله) وفى الرواية الثالثة ((فإذا قالوا لا إله إلا اللَّه)) وفى الرواية الرابعة
((فإذا فعلوا)) وفى الرواية الثانية ((فإذا فعلوا ذلك)) فالإشارة إلى الشهادتين والإيمان بما جاء به صلى
الله عليه وسلم. ومعنى ((فعلوا ذلك)) أتوا به، فيعم القول فقط وهو الشهادتان والمركب من القول
والفعل وهو الصلاة، والفعل المحض وهو الزكاة.
( عصم منى ماله ونفسه) وفى الرواية الثانية والثالثة والرابعة ((عصموا منى دماءهم
وأموالهم)). وفى الرواية الخامسة ((حرم ماله ودمه)).
ومعنى العصم فى اللغة المنع، والمراد حقنوا دماءهم وحفظوا أموالهم.
( إلا بحقه) أى بحق الإسلام، وفى الرواية الثانية والثالثة والرابعة ((إلا بحقها)) أى بحق
الدماء والأموال فى الإسلام. والاستثناء مفرغ، لتضمن العصمة معنى النفى والمستثنى منه عموم
الأسباب، أى لا تهدر دماؤهم ولا تستباح أموالهم بسبب من الأسباب إلا بسبب حق الإسلام. أو إلا
بسبب حقها فى الإسلام من قتل النفس المحرمة، أو زنى المحصن، أو ترك الصلاة أو منع الزكاة.
(وحسابه على اللَّه) وفى الرواية الثانية والثالثة والرابعة ((وحسابهم على اللَّه)) أى فيما
يستسرون به ويخفونه، دون ما يخلون فى الظاهر من الأحكام الواجبة، و((على)) بمعنى اللام، أو
بمعنى إلى، فما أفهمته من الوجوب غير مراد لأن اللَّه عز وجل لا يجب عليه شىء.
( ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرَهٍ لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرِ﴾) أى قرأ صلى اللَّه عليه وسلم الآية
استشهادا على أنه منذر مأمور بالعمل بالظاهر، وليس مالكاً مسيطرا على دواخلهم حتى يحاسبهم
على سرائرهم.
؟
(لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) بتخفيف راء ((فرق)) وتشديدها، والمعنى لأقاتلن
من أطاع بالصلاة، وجحد الزكاة أو منعها.
٨٠