Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
استحباب دخول الكعبة والتكبير فى نواحيها. الجمع بين ما ورد من نفى صلاه التى فى الكعبة وإثباتها
شىء. والاستقسام استفعال من القسم - بكسر القاف - أى طلب إظهار القسم من الرزق وما
يلتمسونه. ونسبتهم الاستقسام إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ماهو إلا محض
افتراء وكذب عليهما . فإنهم كانوا يعدون أن أول من أحدث الاستقسام بالأزلام عمرو بن
لحىّ وهو متأخر فى الزمن كثيرا عنهما. وهو أيضا أول من أحدث الأصنام فى الكعبة. وذلك
أنه لما سار إلى بلاد الشام ورأى أهله يعظمون التماثيل ويتقربون بها مالت نفسه الخبيثة إلى
الاقتداء بهم فأخذ بعض هذه التماثيل وأقامها على الكعبة ودعا العرب لتعظيمها فأجابوه
وصاروا يقيمون التماثيل للعظماء وذوى الأثر الصالح فيهم . فكانت الأصنام العديدة حول
الكعبة حتى أزالها رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال) ابن عباس (ثم دخل) النبى صلى الله عليه
وسلم (البيت) الكعبة (فكبر فى نواحيه وفى زواياه) أى قال: الله أكبر فى جوانب البيت وفى
أركانه (ثم خرج) منه (ولم يصل فيه ) تقدّم عن بلال وعمر رضى الله عنهما إثبات أن النبي
صلى الله عليه وسلم صلى فى الكعبة، وأنه مقدم على نفى أسامة بن زيد وابن عباس رضى الله
عنهم (١) وبيان المذاهب فى حكم الصلاة فى الكعبة (٢).
(الفقه) دل الحديث: (١) على أنه يجب على المؤمن أن يتباعد عن محل المنكر وأن
يعنى بإزالته والرد على مرتكبيه وإبطال مايزعمون من تضليل وافتراء .
(ب) وعلى أنه يستحب دخول الكعبة والتكبير فى نواحيها وأن النبى صلى الله عليه وسلم
لم يصل فيها. وهذا معارض لما تقدّم عن ابن عمر. فيمكن الجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم
دخل البيت مرتين: فمرة صلى كما فى حديث ابن عمر. وأخرى لم يصل بل كبر. وهو ما فى حديث
ابن عباس ((قال ، الحافظ: قال ابن حبان : الأشبه عندى فى الجمع أن يجعل الخبران فى وقتين.
فيقال : لما دخل الكعبة فى الفتح صلى فيها على مارواه ابن عمر عن بلال . ويجعل نفى ابن
عباس الصلاة فى الكعبة فى حجته التى حج فيها ، لأن ابن عباس نفاها وأسنده إلى أسامة. وابن
عمر أثبتها وأسند إثباته إلى أسامة أيضا. فإذا حمل الخبر على مابينا بطل التعارض. وهذا جمع
حسن لكن تعقبه النووى بأنه لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح لا فى حجة
الوداع. ويشهد له ماروى الأزرقى فى كتاب مكة عن سفيان عن غير واحد من أهل العلم أنه
صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح. ثم حج فلم يدخلها. وإذا كان
الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين . ويكون المراد بالواحدة فى خبر ابن
(١) انظر ص ٢١٤ (شرح الحديث رقم ٢٨٣) وص ٢١٩ (فقه الحديث رقم ٢٨٦).
(٢) تقدم ص ٢١٦ (فقه الحديث رقم ٢٨٣).

٢٢٢
الحق مع من أثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فى الكمية
عيينة وحدة السفر لا الدخول (١) . ويؤيد صلاته صلى الله عليه وسلم فى الكعبة أن من أثبتها
أكثر من نفاها. فقد أثبتها بلال وعمر وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان . ونفاها ابن عباس ولم
يكن مع النبى صلى الله عليه وسلم يومنذ. وإنما أسنده «تارة، لأسامة وقد جاء عنه خلافه
فقد قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى البيت. أخرجه أحمد (٢).
[٤٠٨]
((وعن ) ابن عمر قال: أخبر نى أسامة بن زيد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى فى الكعبة
بين الساريتين ومكثت معه عُمْرا لم أسأله كم صلى؟ أخرجه ابن حبان بسند صحيح (٣) [٤٠٩]
(وتارة ، أُسند عدم الصلاة لأخيه الفضل بن عباس (روی، عمرو بن دينار أن ابن عباس
كان يخبر أن الفضل بن عباس أخبر أنه دخل مع النبى صلى الله عليه وسلم البيت وأن النبى
صلى الله عليه وسلم لم يصل فى البيت حین دخله ولکنه لما خرج فنزل ركع ركعتين عند باب
البيت. أخرجه أحمد بسند جيد(٤) [٤١٠] ((ويقال، فى نفى الفضل الصلاة ما قيل فى نفى أسامة
(والحديث) أخرجه أيضا البخارى والبيهقى (٥) .
٩٦ - باب الصلاة فى الحجر
وفى بعض النسخ (باب فى الحجر)) وفى بعضها إسقاط الترجمة. وهو خطأ من النساخ،لأن
الحديث غير مناسب للترجمة السابقة. وهى ((الصلاة فى الكعبة، إلا أن يقال إن الحجر قطعة من
الكعبة. والحجر - بكسر فسكون - الحطيم. وتقدم بيانه (٦).
(٢٨٨) ﴿ص﴾ حَدَّثَنَا الْفَعْنَيِّ ثَنَاَ عَبْدُ الْعَزِيرِ عَنْ عَلْقَمَةً عَنْ أُمَّهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ
قَالَتْ: كُنْتُ أُحُ أَنْ أَدْخُلَ الَيْتَ فَأُصَلّىَ فِيهِ فَأَخَذَ رَسُولُ الهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمْ
يَدِى قَدْخَلَى فِ الْحِجْرِ فَقَالَ: صَلَى فِ الْحِبْرِ إِذَا أَرَدَتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَإِمَا هُوَ قَطَْةٌ
مِنَ اْلَيْتِ فَإِنَّ قَوْمَك آقْصَرُوا حينَ بَنُوا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَ جُوهُ مِنَ الْبَيْتِ .
(١) انظر س ٣٠٥ ج ٣ فتح البارى (الشرح - من كبر فى نواحى الكعبة) .
(٢) انظر ص ١٤ ج ١٣ - الفتح الرباني (دخول الكعبة ... ) .
(٣) انظر س ٣٢٠ ج ٢ نصب الراية (٤) انظر ص ١٣ ج ١٣ - الفتح الربانى.
(٥) انظر ص ٣٠٤ ج٣ فتح البارى (من كبر فى نواحى الكعبة) وص ١٥٨ ج٥ بيهقى (دخول البيت والصلاة فيه)
(٦) تقدم ص ٢٠٩ ج١ فتح الملك المعبود (معنى الحديث رقم ١٤٩ - استلام الأركان)

ترجمة علقمة بن أبى ماقمة وأمه مرجانة. يشترط لصحة الطواف أن يكون خارج الحجر. استحباب الصلاة والدعاء فيه ٢٢٣
(ش) (السند) (القعنى) عبد الله بن مسلمة. و(عبد العزيز) بن محمد الدراوردى.
و ( علقمة) بن أبى علقمة بلال المدنى مولى عائشة. روى عن أمه وأنس بن مالك وسعيد بن
المسيب . وعنه سليمان بن بلال ومالك بن أنس وحمزة بن عبد الواحد وجماعة . وثقه النسائى
وأبو داود وابن معين وابن عبد البر. وقال أبو حاتم : صالح الحديث لا بأس به. روى له الجماعة
و ( عن أمه) هكذا فى رواية النسائى. ورواية الترمذى عن علقمة عن أبيه. لكن لم يذكر فى
تهذيب التهذيب أن أباه من مشايخه. وعلى فرض صحة رواية الترمذى، يحتمل أن علقمة روى
مرة عن أمه . ومرة عن أبيه. وأمه اسمها مرجانة المدنية . روت عن عائشة ومعاوية. وعنها
بكير بن الأشج وابنها علقمة . قال العجلى: تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان فى الثقات . وقال
فى التقريب : مقبولة من الثالثة. روى لها الثلاثة وكذا البخارى تعليقا .
(المعنى) ( كنت أحب أن أدخل البيت ) أى الكعبة (فأصلى فيه) وكأنها قالت ذلك للنبي
صلى الله عليه وسلم (فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فأدخلى فى الحجر) أى حجر
إسماعيل. أضيف إليه لأنه تربى بجواره. وبه دفنت أمه هاجر (فقال) النبى صلى الله عليه وسلم
( صلى فى الحجر فإنما هو قطعة من البيت ) ولذا وجب على الطائف الخروج بكل بدنه عن
الحجر وقت طوافه . وهو الآن محاط ببناء من حجر أصفر يميل إلى البياض على شكل قوس
تحت ميزاب الرحمة . والمطاف خارجه . وإذا كان خروج البدن كله شرطا فى صحة الطواف .
يجب على المقبل للحجر الأسود أن ينصب قامته معتدلا بعد التقبيل ثم يطوف لأنه لو طاف
مطأطنا كان بعض بدنه فى البيت فلا يصح طوافه (فإن قومك اقتصروا) بين فى رواية البخارى
السابقة أن سبب الاقتصار هو أن النفقة قصرت بهم، لأنهم كانوا لا ينفقون فى بناء الكعبة إلا
ما كانوا يعتقدونه حلالا خالصا . ذكر ابن إسحاق أن أبا وهب بن عابد قال لقريش لا تدخلوا
فيه أى فى بناء البيت من كسبكم إلا الطيب ولا تدخلوا فيه مهر بغىّ ولا بيع ربا ولا مظلمة
أحد من الناس .
(الفقه) دل الحديث: (١) على استحباب الصلاة فى الحجر وأن الصلاة فيه كالصلاة
فى الكعبة لأنه من البيت . فيستحب الإكثار من دخوله والدعاء فيه لأنه مستجاب فيه
كما تقدم (١) (ب) وظاهر قوله: فإنما هو قطعة من البيت أن الحجر كله من الكعبة:
وكذا قول عائشة: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجَدْر أمن البيت هو؟ قال نعم. قلت
فما لهم لم يدخلوه فى البيت ؟ قال: ألم ترى قومك قصرت بهم النفقة؟ قلت : فما شأن بابه
(١) تقدم س ٢٤١ ج ١ فتح الملك المعبود (فقه الحديث رقم ١٧٢ )

٢٢٤ الحجر ليس كاء من الكعبة بل الذى منها سنة أذرع. المذاهب فى حكم الطواف خارج الحجر، الشاذروان
مرتفعا؟ قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا . ولولا أن قومك
حديث عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر فى البيت وأن ألصق بابه فى
الأرض. أخرجه البخارى(١) [٤١١] يعنى لفعلت جواب لولا محذوف (وقال) الرافعى:
الصحيح أنه ليس كله من البيت بل الذى منه قدر ستة أذرع متصل بالبيت لما تقدّم أن النبى
صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها
بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر . فإن قريش!
اقتصرتها حيث بنت الكعبة (٢). وستة الأذرع المذكورة مقدرة بثلاثة أمتار. وإذا ثبت أن
الحجر كله أو بعضه من البيت فلا تصح صلاة من استقبل شيئا منه وهو غير مستقبل لشىء من
الكعبة ، لأن الأحاديث المتعلقة بالحجر أحاديث آحاد تفيد الظن. وقد أمرنا باستقبال البيت الحرام
يقينا. وهذا مذهب الحنفيين ومالك وصححه الرافعى والنووى (٣). وكذا يشترط لصحة الطواف عند
مالك والشافعى وأحمد كونه خارج الحجر والشاذروان (٤) . لقول ابن عباس رضى الله عنهما:
من طاف بالبيت فليطف وراء الحجر ولا تقولوا الحطيم. أخرجه البخارى (٥) [٤١٢]
فإن طاف ماشيا على الشاذروان ولو فى خطوة لم تصح طوفته ، لأنه طاف فى البيت
لا بالبيت ((وقال)) الحنفيون: الطواف وراء الحجر واجب يحبر بدم لأن الذى منه من الكعبة
ستة أذرع كما تقدّم فى حديث عائشة ((قال)) النووى: فإن طاف فى الحجر وبينه وبين البيت
أكثر من ستة أذرع ففيه وجهان لأصحابنا : أحدهما يجوز لظواهر هذه الأحاديث. ورجحه
جماعات من الخراسيين . والثانى: لا يصح طوافه فى شىء من الحجر ولا على جداره ولا يصح
حتى يطوف خارجا من جميع الحجر . وهذا هو الصحيح الذى نص عليه الشافعى. وبه قال
جميع علماء المسلمين سوى أبى حنيفة فإنه قال : إن طاف فى الحجر وبقى فى مكة أعاده . وإن
رجع منها بلا إعادة أراق دما وأجزأه طوافه . واحتج الجمهور بأن النبى صلى الله عليه وسلم
طاف من وراء الحجر وقال: لتأخذوا مناسككم. ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه صلى اللّه عليه
وسلم إلى الآن. وسواء أكان كله من البيت أم بعضه فالطواف يكون من ورائه كما فعل النبي
صلى الله عليه وسلم (٦).
(١) انظر ص ٢٨٥، ٢٨٦ ج ٣ فتح البارى (فضل مكة) و (الجدر) بفتح فسكون لغة فى الجدار كما فى رواية
المستعلى. والمراد به الحجر (٢) تقدم بالشرح رقم ١٩٤ ص ٢٠٩ ج١ فتح الملك المعبود (.فى الحديث رقم ١٤٩)
(٣) انظر ص ٢١٩ ج٩ عمدة القارى (الشرح - فضل مكة) (٤) (الشاذروان) بشين معجمة وذال مفتوحة
أو مكورة وراء ساكتة، القدر الذى ترك من عرض أساس السكنية خارجا عن عرض الجدار مرتفعاعن وجه الأرض
قدر ثلثى ذراع (٥) انظر ص ٢٦٧، ٢٦٨ ج ١ تيسير الوصول (الطواف وراء الحجر )
(٦) انظر ص ٩١ ج ٩ شرح مسلم (نقض الكمية وبنيانها)
٠٠

٢٢٥
ندم النبى صلى الله عليه على دخوله الكعبة رحمة بالأمة. هل دخلها فى غير عام الفتح؟
(والحديث) أخرجه أيضا النسائى والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (١).
٩٧ - باب فى دخول الكعبة
-
هكذا فى بعض النسخ. وفى بعضها إسقاط الترجمة وهو خطأ من النساخ.
(٢٨٩) ﴿ص﴾ حَدِّثَنَا مُسَدّدٌ ثَاَ عَدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ إِسْمَاعِلَ بْن عَبْدِ الَْك
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْ أَبِ مُلَيْكَ عَنْ عَائِشَةَ أَنْ النِيْ صَلّى اَلهُ عَلَيْهِ وَلَمْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا
وَهُوَ مَسْرُورُ ثْ رَجَعَ إِلَىْ وَهُوَ كَتِبُ فَقَالَ: إِى دَخَلْتُ الْكُمْبَةَ وَلَو ◌ْتَقْبَلْتُ مِنْ
أَمْرَى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَدَ خَلُهَ. إِى أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّى .
(ش) (المعنى) (خرج من عندها وهو مسرور) وعند أحمد: قالت: خرج النبى صلى الله
عليه وسلم من عندى وهو قرير العين طيب النفس . وهو كناية عن الفرح والسرور (ثم رجع
إلى وهو كثيب) أى حزين من كثب بوزن سلمٍ، أى حزن (فقال إنى دخلت الكعبة) جواب لمقدر
ذكره أحمد بلفظ: فقلت: يا رسول الله إنك خرجت من عندى وأنت قرير العين طيب النفس
ورجعت ، أنت حزين فقال: إنى دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت (ولو استقبلت من
أمرى) أى لو علمت أول أمرى مثل ماعلمته آخرا (مادخلتها) أى الكعبة. قال ذلك صلى اللّه
عليه و لم رأفة بأمته لعلمه بأنهم يُعْنَون بالاقتداء به فى أفعاله. فقد يثق عليهم دخول الكعبة
كما قال (إنى أخاف أن أكون قد شققت على أمتى) وعند أحمد والترمذى: ووددت أني لم أكن
فعلت إنى أخاف أن أكون أتعبت أمتى من بعدى. ندم النبى صلى الله عليه وسلم على دخوله الكعبة
وعزم على عدم الدخول فى المستقبل إشفاقا على أمته من التنافس فى الدخول والازدحام الذى
ربما أدى إلى ضرر أو حرمان بعض الناس من الدخول. فيرجع إلى بلده عير مسرور كما فى
رواية لأحمد دخلت البيت فأخشى أن يجىء الرجل من أُفُق من الآفاق فلا يستطيع دخوله فيرجع
وفى نفسه منه شىء .
(الفقه) دل الحديث: (١) على أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فى غير عام
الفتح، لأن عائشة لم تكن معه صلى الله عليه وسلم عام الفتح بل فى حجته . وبه جزم البيهقى.
(١) انظر ص ٣٥ ج ٢ مجمتى (الصلاة فى الحجر) وص ٩٧ ج٢ تحفة الأحوذي (ماجاء فى الصلاة فى الحجر)
(٢ - ٢٩ - ج ٢ - فتح الملك المعبود)

٢٢٦ الحق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل الكعبة فى حجة الوداع. هل دخولها من المناسك؟
وقال ابن القيم وجماعة: لم يدخل النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع الكعبة ، لأنه
صلى الله عليه وسلم لم يدخلها إلا عام الفتح ((وأجابوا، عن حديث الباب باحتمال أن يكون
النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح . وهو بعيد جدا
(ب) ودل قوله صلى الله عليه وسلم: لو استقبلت من أمرى ما استدبرت مادخلتها، على
أنْ دخول الكعبة ليس من المناسك. وهو قول الجمهور. وحكى القرطى عن بعض العلماء أنّ
دخولها من المناسك . وإنما يستحب دخولها إذا لم يتأذ الداخل ولم يؤذ أحدابدخوله. فإن
تأذى أو آذى لم يدخل . وهذا مما يخطئ فيه كثير من الناس يتزاحمون زحاما شديدا يؤذى
بعضهم بعضا وربما انكشفت عورة بعضهم أو زاحم المرأة ولامسها. وهذا خطأ شفيع. وكيف
يحاول العاقل فعل سنة بارتكاب محرم من الأذى وغيره (١) .
(والحديث) أخرجه أيضا أحمد والترمذى والحاكم وصححاه وابن ماجه والبيهقى بلفظ
تقدمت الإشارة إليه . وقال البيهقى : وهذا يكون فى حجته.وحديث ابن أبى أوفى فى عمر ته فلا
يكون أحدهما مخالفا للآخر (٢). وفى تصحيح الحديث نظر، فإن فى سنده إسماعيل بن
عبد الملك . قال ابن حبان: يقلب ماروى فكان ابن مهدى يحدث عنه ثم أمسك وقال : اضرب
على حديثه . وكان يحيى لا يحدّث عنه فإذاً لاحاجة إلى التوفيق بين الحديثين (٣). وحديث ابن
أبى أو فى الذى أشار إليه البيهقى هو ماروى إسماعيل بن أبى خالد: قلت لعبد الله بن أبى أوفى:
أدخل النبى صلى الله عليه وسلم فى عمرته البيت؟ قال لا. أخرجه مسلم والبيهقى (٤) [٤١٣]
(٢٩٠) ﴿ص﴾ حَدَّثَنَا ابْنُ الَّرْحِ وَسَعِيدُ بنُ مَنْصُورِ وَمُسَدِّدٌ قَالُوا: ثَنَا سُفْيَانُ
عَنْ مَنْصُورِ الْحَيْ حَدْثَى حَالٍ عَنْ أَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيَْةَ قَالَتْ: سَعْتُ الْأَسْلَيَّةُ تَقُولُ:
قُلْتُ لُعَْنَ: مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ حينَ دَعَاكَ؟ قَالَ: إِّى نَسِيتُ
أَنْ أَمْرَكَ أَنْ تُخَّرَ الْقَرْنَيْنِ فَإنَّهُ لَيْسَ يَنْغَى أَنْ يَكُونَ فىِ الْيَّتِ شَىْ يَشْغَلُ الْصُلّ.
قَالَ أَبُْ الْحِ: خَالِ مُسَافِعُ بْنُ شَيَّةَ.
(٢) انظر ص ١٤ ج ١٣ - الفتح الربانى ( دخول الكعبة .. )
(١) انظر ص ٢٧٠ ج ٨ شرح المهذب
وص ٩٦ ج ٢ تحفة الأحوذي (دخول الكمية) وص ٤٧٩ ج ١ مستدرك. وص ١٣٠ج٢ - ابن ماجه (دخول الكعبة)
وص ١٠٩ ج ٥ بيهنى ( ما يستدل به على أن دخوله ليس بواجب) (٣) انظر ص ١٥٩ ج ٥ - الجوهر النقى
(٤) انظر ص ٨٧ ج ٩ نووى مسلم ( دخول الكعبة الحاج وغيره ) وص ١٥٩ ج • بيهقى

٢٢٧
ترجمة مسافع بن شيبة والأسلمية وعثمان بن طلحة العبدرى
(ش) (السند) (ابن السرح) أحمد بن عمرو. و(سفيان) بن عيينة. و (منصور) بن
عبد الرحمن (الحجبى) بفتحتين. نسبة إلى حجبة - جمع حاجب على غير قياس والقياس حاجى
نسبة إلى المفرد. والمراد أنه من بنى عبد الدار بن قصى حجبة الكعبة . و(حدثنى خالى) هكذا
فى نسخ المصنف التى رأيناها. وعند أحمد عن خاله مسافع يعنى ابن عبد الله بن شيبة. والصحيح
أنه ابن خال منصور لاخاله. قال الحافظ فى ترجمة مسافع: روى عن أبيه وجده وعمته صفية .
وعنه ابن عمته منصور والزهرى . ومصعب بن شيبة وغيرهم . فإطلاق الخال على مسافع مجاز
أو سقط من الفساخ لفظ ابن. روى له مسلم والمصنف والترمذى. و ( الأسلمية ) امرأة من
بنى سليم لا يعرف اسمها ولا حالها . روت عن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة حديث الباب .
روى لها المصنف وأحمد والبيهقى. و (عثمان) بن طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن
عثمان بن عبد الدار بن قصى العبدرى الحجى . أسلم بعد صلح الحديبية وهاجر مع خالد بن
الوليد ثم سكن مكة. روى عن النبى صلى الله عليه وسلم. وعنه ابن عمه شيبة بن عثمان الحجبى
وابن عمر وامرأة من بنى سليم لها صحبة وعروة بن الزبير. وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿إن الله
يَأْمُرُ كَمْ أَنْ تُؤْذُّوا الأماناتِ إلى أَهْلِها (١١) ) (( قال) ابن عمر: أقبل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عام الفتح على ناقة لأسامة بن زيد حتى أناخ بفناء الكعبة . ثم عثمان بن طلحة فقال: اثتنى
بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه. فقال: والله لتُعْطِينَه أو لَيخرُ جَنّ هذا السيف من صلبي
فأعطته إياه . بناء به إلى النبى صلى الله عليه وسلم فدفعه إليه ففتح الباب (الحديث) أخرجه
مسلم (٢) [٤١٤] ثم سأل العباس النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه المفتاح فنزلت الآية.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ففعل. مات بمكة سنة ٤٢ هـ . وقيل
مات فى أول ولاية معاوية ((وما قيل ، إنه استشهد بأجنادين ((باطل)) روى له مسلم حديثا
وأبو داود آخر .
(المعنى) ( ماقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاك ) أى طلبك بعد خروجه
من الكعبة (قال) عثمان: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم (إنى نسيت أن آمرك أن تخمر) بضم
التاء وشدّ الميم مكسورة. أى تغطى (القرنين ) أى قرنى الكبش الذى فدى به "إسماعيل عليه
الصلاة والسلام . يعنى فاسترهما (فإنه) أى الحال والشأن (ليس ينبغى أن يكون فى البيت شىء
يشغل المصلى ) ولا يضر نسيان النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا، لأنه ليس من الأمور التى
أمر بتبليغها (قال) أحمد بن عمرو (بن السرح ) أحد شيوخ المصنف فى روايته: قال منصور
(١) سورة النساء آية: ٠٨ (٢) انظر ص ٨٤، ٨٥ ج ٩ نووى مسلم (دخول الكعبة الحاج وغيره .. )

٢٢٨ صون المسجدعما يشغل المصلى. ترجمة عبدالرحمن بن محمد الكوفى. احتراق الكعبة فى عهد يزيد بن معاوية
حدثنى (خالى مسافع بن شيبة) فصرح باسم خاله ونسبه إلى جده. وقد علمت أنه ابن خاله
(الفقه) دل الحديث على أنه ينبغى لمن تلبس بمخالفة وأقلع عنها ألا يبقى على شىء من آثارها
بل يمحوها بالكلية
( والحديث) أخرجه أيضا البيهقى. وأحمد عن امرأة من بنى سليم قالت : أرسل
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة. وقال مرة: إنها سألت عثمان بن طلحة الم دعاك النبى
صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إنى كنت رأيت قرنى الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن
آمرك أن تخمر هما خمرهما فإنه لا ينبغى أن يكون فى البيت شىء يشغل المصلى. قال سفيان:
لم تزل قرنا الكبش فى البيت حتى احترق البيت فاحترقا (١).
٩٨ - باب فى مال الكعبة
أی فی المال الذى يهدى للكعبة أيجوز صر فه فى وجوه الخير غیر شئونها ؟
(٢٥) (ص) حَدَثَنَا أَحَدُ بْنُ خْبَلٍ تَنَ عَبْدُ الرَّحْنِ بْنُ مُحَمْدِ الْحَارِ عَنَ
الْبَانِى عَنْ وَاصِلِ الْأَحْدَبِ عَنْ شَفِيْقٍ عَنْ شَيْبَةَ يَعْى آبْنَ ◌َُْنَ قَالَ: قَدَ عُرُ بْنُ
الْخَطّبِ فى مَقْعَدِكَ الْدِى أَنْتَ فِهِ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتّى أَقْسِمَ مَالَ الْكُمَْةَ قَالَ: قُلْتُ
مَا أَنْتَ بِفَاعِلِ قَالَ: بَ لَأَفَْنْ. قَالَ: قُلْتُ مَا أَنْتَ بِفَعِلِ قَالَ لِمَ؟ قُلْتُ لِأَنْ
رَسُولَ الله عَلَّى اللهُ عَلَيْهْ وَسَلْ قَدْ رَأَى مَكَنَهُ وَأَبُو بَكْر وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَال
فَ يُحْرِكَاهُ فَقَامَ لَرَجَ .
﴿ش﴾ هذا أثر (السند) (عبد الرحمن بن محمد) بن زياد أبو محمد الكوفى . روى عن
إسماعيل بن أبى خالد والأعمش ويحيى بن سعيد الأنصارى وفطر بن خليفة وجماعة. وعنه هناد بن
السرى وأحمد بن حنبل وهارون بن إسحاق ومحمد بن سلام وثقه ابن معين والدارقطنى والنسائى
(١) انظر ص ٤٣٨ ج ٢ بيهقى (كيفية بناء المساجد) وص ٦٨ ج ٤ مسند أحمد ( حديث امرأة من بني سليم
رضى الله عنها) وص ٦٦ ج ٣ - الفتح الربانى ( ماتصان عنه المساجد) و (احتراق البيت) كان ذلك فى عهد يزيد بن
معاوية بعد وقعة الحرة بالمدينة سرى الجيش إلى مكة وحاصروا ابن الزبيروقاتلوه ورموا البيت بالمنجنيق فى صفر سنة ٦٤هـ
وأحرقت شرارة نيرانهم أستار الكعبة وسقفها وقرنى السككبش الذى قدى الله به إسماعيل وكان فى السقف. وأهلك
اله يزيدبن معاوية فى نصف شهر ربيع الأول س:٤ ٦٤ هـ

٢٢٩
ترجمة شيبة من عثمان العبدرى. محاررة بينه وبين عمر فى شأن مال الكمية
وقال : ليس به بأس. وذكره ابن حبان فى الثقات . وقال أبو حاتم : صدوق إذا حدّث عن
الثقات ، ويروى عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه وقال ابن سعد: كان ثقة كثير
الغلط وقال الساجى : صدوق بهم. قيل توفى سنة ١٩٥ خمس وتسعين ومائة روى له الجماعة .
و (المحاربى) نسبة إلى محارب قبيلة. و (الشيبانى) أبو إسحاق سليمان بن أبى سليمان فيروز.
و (واصل) بن حيان (الأحدب) و(شقيق) بن سلمة بن وائل. و (شعبة بن عثمان) بن عبد الله
أن عبد العزى بن عثمان الحجبى العبدرى المكى . روى عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن
أبى بكر وعمر وعثمان بن طلحة. وعنه ابنه مصعب وابن ابنه مسافع بن عبد الله وعكرمة . كان
من حجاب الكعبة الذين دفع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاحها يوم فتح مكة .
وقال له: أنت أمين اللّه على بيته. توفى سنة ٥٩ تسع وخمسين. روى له البخارى
وأبو داود وابن ماجه .
(المعنى) (قال) شيبة الشقيق وهو جالس معه فى الكعبة ( قعد عمر بن الخطاب فى مقعدك
الذى أنت فيه ) ففي رواية البخارى عن واصل عن أبى وائل ((شقيق بن سلمة)) قال: جلست
مع شيبة على الكرسىّ فى الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضى الله عنه (( الحديث))
وقد بين فى رواية ابن ماجه والطبرانى سبب ذهاب شقيق إلى الكعبة ((فقد روى)) واصل عن
شقيق قال : بعث رجل معى بدراهم هدية إلى البيت . فدخلت البيت وشبيبة جالس على كرسى
فناولته إياها. فقال: ألك هذه؟ فقلت لا. ولو كانت لى لم آتّك بها. فقال: أما لئن قلت ذلك
لقد جلس عمر بن الخطاب مجلسك الذى أنت فيه ((الحديث)) (لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة)
أى أفرق المال المهدى للكعبة على فقراء المسلمين . وفى رواية للبخارى : لقد هممت ألا أدع
فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته . يريد بذلك الذهب والفضة المدفونين فى الكعبة لا الحلى
((قال ) القرطبى : غلط من ظنّ أن المراد بذلك حلية الكعبة . وإنما أراد الكنز الذى بها .
وهو ما كان يهدى إليها فيدخر ما يزيد عن الحاجة. وأما الحلى فحبّسة عليها كالقناديل .
فلا يجوز صرفها فى غيرها (١) (قال) شيبة (قلت) لعمر ( ما أنت بفاعل قال) عمر (بلى لأفعلن
قال) شيبة (قلت ما أنت بفاعل قال) عمر (لم) قلت ذلك؟ ( قلت لأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد رأى مكانه) أى علم بوجودهذا المال (و) كذلك (أبو بكر) علم بوجوده (وهما) أى والحال
أنهما (أحوج منك إلى المال فلم يحزكاه) أى لم يخرجاء من مكانه مع حاجتهما إلى المال دونك
(فقام) عمر رضى الله عنه (خرج) ولم يقسم المال، لأنه كان وقًّافا عند الحق خصوصا عندما
(١) انظر ص ٢٩٥ ج ٣ فتح البارى (الشرح - كسوة الكعبة)

م
٢٣٠ لم لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مال الكعبة؟ متى يقسم؟ حكم التصرف فى كسوتها
يعلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا لا يتفق وما عزم عليه. وفى رواية البخارى: ثال
هما المرءان يقتدى بهما، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه قسمة مال
الكعبة ، لاحتمال أن يكون رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم لهذا
الغرض . ويؤيده ما عند مسلم عن عائشة فى بناء الكعبة: « لولا أن قومك حديثو عهد بكفر
لأنفقت كنز الكعبة فى سبيل الله عز وجل ولجعلت بابها بالأرض)) (الحديث). وهذا التعليل هو
المعتمد لا ما قيل : إنما تركا ذلك لأن ماجعل فى الكعبة ووقف عليها يجرى مجرى الأوقاف
فلا يغير عن وجهه وفى ذلك تعظيم الإسلام وترهيب العدو . وقد وقع مثل هذه القصة لعمر
رضى الله عنه مع أبي بن كعب («روى)) عن الحسن البصرى أن عمر أراد أن يأخذ كنز
الكعبة فينفقه فى سبيل الله. فقال له أبي بن كعب: قد سبقك صاحباك. فلو كان فضلا لفعلاه.
أخرجه عبد الرزاق وعمر بن شبة (١)
[٤١٥]
(الفقه) دل الأثر: (١) على ما كان عليه الصحابة رضى الله عنهم من التناصح
والرجوع إلى الحق (ب) وعلى أنه لا يجوز التعرض لمال الكعبة ولا إخراجه ولا التصرف
فيه لغير مصلحتها خشية الفتنة كما ترك النبى صلى الله عليه وسلم بناءها على قواعد إبراهيم لذلك.
حكى الفاكهى فى كتاب مكه أن النبى صلى الله عليه وسلم وجد فيها يوم الفتح ستين أوقية فقيل له:
لو استعنت بها على حربك فلم يحركه (٢) (( أى المال، وإن أمنت الفتنة جاز إنفاق مال الكعبة
فى وجوه البر وعلى الفقراء والمساكين ، كما جاز. لابن الزبير بناؤها على قواعد إبراهيم لزوال
سبب الامتناع . هذا .
وقد اختلف العلماء فى التصرف فى كسوة الكعبة فقال بعض الشافعية : لا يجوز قطع أستار
الكعبة ولا نقل شىء منها ولا بيعها ولا شراؤها خلاف ما يفعله العامة. يشترونه من بنى شيبة .
ومن حمل منه شيئا لزمه رده وارتضاه الرافعى. وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها
فى بعض مصارف بيت المال بيعاوعطاء واحتج بمارواه الأزرقى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه
كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج (٣). وروى علقمة بن أبى علقمة عن أمه عن عائشة
رضى الله عنها قالت: دخل علىّ شيبة بن عثمان الحجبى فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا
فتكثر فنعمد إلى آبار فنحفر ها فتُغْيِقها ثم ندفن ثياب الكعبة فيها كى لا يلبسها الجنب والحائض.
فقالت له عائشة: ما أحسنت ولبقسما صنعت. إن ثياب الكعبة إذا نزعت منها لم يضر ها أن يلبسها الجنب
والحائض ولكن بعها واجعل ثمنهافى المساكين وفى سبيل اللّه فكان شيبة بعد ذلك يرسل بها إلى اليمن فتباع
(١) انظر ص ٢٩٥ ج ٣ فتح البارى (الصرح - كسوة الكعبة) (٢) انظر ص ٢٩٥، ٢٩٦ منه
(٣) انظر ص ٤٥٩ ج ٧ شرح المهذب

٢٣١
من قال بجواز بيع كسوة الكعبة يحرم أخذ شىء من طيبها
هناك ثم يجعل ثمنها فى المساكين وفى سبيل اللّه وابن السبيل. أخرجه الفاكهى بسند حسن
((قال) النووى : وهذا حسن متعين للا يؤدى إلى
|٤١٦
والبيهقى بسند فيه ضعيف (١)
تلفها لطول الزمان . وروى الأزرقى عن ابن عباس وعائشة رضى الله عنهما قالا: تباع كسوتها
وتجعل فى سبيل الله والمساكين وابن السبيل . وقال ابن عباس وعائشة وأم سلمة : ولا بأس
بأن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما . ولا يجوز أخذ شىء من طيب
الكعبة لا للتبرك ولا لغيره . ومن أخذ شيئا منه لزمه رده إليها. فإن أراد التبرك أتى بطيب من
عنده فمسحها به ثم أخذه (٢).
(والحديث) أخرج نحوه أحمد والبخارى وابن ماجه والبيهقى (٣).
0 .-
1100
٩٩ - باب
أى باب فى حرمة الجناية على صيد وشجر وجّ بالطائف وفى بعض النسخ إسقاط: باب.
ولعله سهو من النساخ. فإن الحديث الآتى غير مناسب للترجمة السابقة . وقد بوب البيهقى لهذا
الحديث (( باب كراهية قتل الصيد وقطع الشجر بوجٌ من الطائف، وهى أنسب بالحديث.
وقد ذكر الخطابى الحديث فى ((باب تحريم المدينة ، وليس بمناسب.
(٢٩١) (ص﴾ حَدَا حَامِدُ بْنُ يَحَ قَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ الْخَارِثِ عَنْ مُحَمِّدِ بِنْ
عَبْدِ اللهِ بِ إِنْسَانِ الطِّّ عَنْ أَيِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزَيْرِ عَنِ الَّرِ قَالَ: لَّا أَقْنَ مَعَ
رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهْ وَسَلَّمَ مِنْ لِيَّةً حَتَّى إِذَا كُنَّا عِنْدَ السُّورَةِ وَقَفَ رَسُولُ الله
صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَمْ فِ طَرَفِ الْقُرْنِ الْأَسْوَدِ حَْوَهَا فَلْتَغْبَلَ نَخْباً بَصَرِهِ وَقَلَ مَّةُ
وَادِيَهُ وَوَقَفَ حَتّى أَتْعَ النَّاسُ كُلْ نَمْ قَالَ: إِنْ صَيْدَ وَجٍ وَعِضَامَهُ حَرَّمٌ مُحُرِّمٌ ◌ِهِ
(١) انفار ص٢٩٧ ج ٣ فتح البارى ( الشرح - كسوة الكعبة) وفى ١٠٩ج٥ بيهقى (مال الكعبة وكسوتها)
(٢) انظرص ٤٦١ ج ٧ شرح المهذب. وانظر تمام الكلام على كسوة الكعبة بس ٣٣٦ ج٦ - الدين الخالص
(٣) انظرص ٤١٠ج ٣ - مسند أحمد (أحاديث شيبة بن عثمان الحجى رضى الله عنه) وص ٢٩٥ ج ٣ فتح البارى
(كسوةالكعبة) وص ١٤٠ ج ٢ - ابن ماجه (مال السكعبة)

٢٣٢
ترجمة عبد الله بن الحارث. ومحمد بن عبد الله بن إنسان وأبيه عبد الله بن إنسان
تَعَالَى. وَذَلكَ قَبْلَ نُزُوله الطَّائفَ وَحصَارِه الثَقَيف .
(ش) (السند) (عبد الله بن الحارث) بن عبد الملك المخزومى المكى أبو محمد . روى عن
الضحاك بن عثمان وداود بن قبس وابن جريج ويونس بن يزيد وجماعة . وعنه حامد بن يحيى
البلخى والشافعى وقتيبة بن سعيد ويعقوب بن حميد وآخرون. وثقه يعقوب بن شيبة. وذكره
ابن حبان فى الثقات. روى له مسلم والأربعة. و( محمد بن عبد الله بن إنسان ) الثقفى . روى
عن أبيه وعبد الله بن عبد ربه. وعنه عبد الله بن الحارث. قال ابن معين: ليس به بأس وقال
فى التقريب: ليّن من السادسة . وقال أبو حاتم : ليس بالقوى فى حديثه نظر. وذكره ابن
حبان فى الثقات . وقال البخارى لما ذكر حديث الباب : لم يتابع عليه . روى له المصنف هذا
الحديث. و (أبوه) عبد الله بن إنسان الثقفى الطائفي. روى عن عروة بن الزبير. وعنه ابنه محمد . قال
البخارى: لم يصح حديثه . وقال ابن حبان: كان يخطئ. وقال فى التقريب : ليّن من السادسة .
روى له المصنف هذا الحديث فقط .
(المعنى) (لما أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية) بكسر اللام وشد الياء ممنوع
من الصرف للعلمية والتأنيث. فإنه علم على واد بالطائف . مر به النبي صلى الله عليه وسلم حين
انصرافه من حنين وأمر بهدم حصن مالك بن عوف النصرى رئيس غطفان (حتى إذا كنا عند
السدرة) شجرة الغبق (فى طرف القرن الأسود) أى فى آخر القرن - بفتح فسكون - الجبل
الصغير أو القطعة المنفردة عن الجبل قرب الطائف ( حذوها ) أى مقابل السدرة التى كانت
هناك وقتئذ (فاستقبل نخبا) - بفتح النون وكسر الخاء المعجمة - واد بالطائف. فعند أحمد: يعنى
واديا. ينظر إليه (ببصره وقال) الراوى (مرة) فاستقبل (واديه) أى الطائف ببصره (ووقف)
النبى صلى الله عليه وسلم طويلا (حتى اتقف الناس) أى توقفوا معه صلى الله عليه وسلم (كلهم
ثم قال: إن صيد وج) بفتح الواو وشد الجيم - أرض بالطائف (وعضاهه) - بكسر العين -
وهو شجر عظيم له شوك أى وقطع أشجاره (حرم) بفتحتين ، أى حرام (محزم) أى مؤكد تحريمه.
قال عروة (وذلك) أى أن تحريمه صلى اللّه عليه وسلم لصيدوجّ وقطع شجره كان (قبل نزوله)
أى نزول النبى صلى الله عليه وسلم (الطائف وحصاره لثقيف) لعله يشير بهذا إلى أن التحريم
المذكور كان ثم نسخ، لكن لا دليل على النسخ ((فقد) ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم
التحريم أيضا بعد الطائف (( قال)) محمد بن إسحاق: إن رجالا من ثقيف قدموا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم المدينة بعد وقعة الطائف وإسلامهم فضرب عليهم قبة فى ناحية مسجده.
وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى

كتاب تحريم صيد وج وقطع شجره. لم يرد فى ضمانه دليل. الجمهور عدم تحريم صيده ٢٣٣
كتبوا كتابهم وكان هو الكاتب له. ونص الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبى
رسول اللّه إلى المؤمنين: إنّ عِضَاهَ وَجٍ وصيده حرام لا يعضد. من وجد يصنع شيئا من ذلك
فإنه يجلد وينزع ثيابه . فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به النبى محمد، وإن هذا أمر النبي محمد
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله. فلا
يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله (١).
(الفقه) دل الحديث على تحريم صيد وجّ وقطع شجره. وبه قال جماعة من الشافعية.
ونقل عن الشافعى أنه مكروه تحريما. فمن صاد فيه أوقطع شجرا منه فهو آثم يؤذبه الحاكم
بما يرى. ولا يلزمه ضمان، لأنه لم يرد شىء عن الشارع يفيد ذلك. ولأن الأصل عدمه. وقال
بعضهم: حكمه فى الضمان حكم صيد مكة والمدينة وشجرهما ((وقال، الحنفيون ومالك وأحمد
والجمهور: لا يحرم صيده ولا قطع شجره ((قال)) الخطابى: ولست أعلم لتحريمه صلى اللّه عليه
وسلم وجًا معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين. وقد يحتمل أن
يكون ذلك التحريم إنما كان فى وقت معلوم وفى مدة محصورة. ثم نسخ، ويدل على ذلك قوله :
وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره لثقيف . ثم عاد الأمر إلى الإباحة كسائر بلاد الحل .
ومعلوم أن عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزلوا بحضرة الطائف وحصروا أهلها
ارتفقوا بما نالته أيديهم من شجر وصيد ومرفق. فدل ذلك على أنها حل مباح (٢) ((وقال)) فى
النيل : والظاهر من الحديث تأييد التحريم. ومن ادعى الفسخ فعليه الدليل ، لأنّ الأصل
عدمه . وأما ضمان صيده وشجره على حد ضمان صيد الحرم المكى ، فموقوف على ورود دليل
يدل على ذلك، لأن الأصل براءة الذمة ولا ملازمة بين التحريم والضمان (٣). وأجاب الجمهور
بأن الحديث ضعيف لا يثبت به تحليل ولا تحريم.
(والحديث) أخرجه أحمد والبخارى فى التاريخ الكبير والبيهقى (٤).
وفى سنده: (١) محمد بن عبد الله بن إنسان. قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوى وفى
حديثه نظر. وذكر البخارى له هذا الحديث وقال: لا يتابع عليه (ب) وأبوه لا يعرف .
روى عنه غير ابنه. وقال البخارى وابن حبان والأزدى: لا يصح حديثه وذكر الخلال فى العلل
أن أحمد ضعفه. وصحح الشافعى حديثه واعتمده. كذا فى الميزان (٥).
(١) انظر ص ١٩٨ ج ٢ زاد المعاد (غزوة الطواف) (٢) إننار ص ٢٢٥ ج ٢ معالم السنن
(٣) انظر ١٠٧ ج . نيل الأوطار (ماجاء فى صيد وج) (٤) انظر ص ١٦٥ج ١ مسند أحمد (مسند الزبير
ابن العوام رضى الله عنه) وص ٢٠٠ ج ٥ بيهقى ( كراهية قتل الصيد وقطع الشجر بوج من الطائف)
(٥) انظر ص ٢٠٠ ج ٥ - الجوهر النقي
(٢ - ٣٠ - ج ٢ - تح الملك المعبود)

٢٣٤
هل المراد بالمسجد الحرام خصوص موضع الصلاة أو عموم الحرم؟
١٠٠ - باب فى إتيان المدينة
.00
أى حضورها لاغتنام الأجر وتحصيل الثواب. وهى مدينة النبى صلى الله عليه وسلم. وهى
العاصمة الثانية للحجاز وهى شمال مكة على بعد ٤٧٠ كيلومتر . وهى فى صحراء مستوية متسعة
مكشوفة من جهاتها الأربع. ولها أسماء أشهرها ما نطق به القرآن والسنة وتقدّم بيانها (١).
(٢٩٢) (ص) حَدَّثَنَا مُسَدّدُ ثَنَا سُفْيَنُ عن الزُّهْرِىُّ عَنْ سَعِيْدِ بْنِ الْمُسَيْبِ عَنْ
أَبِ هُرَيْرَةَ عَنِ الِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَ قَالَ: لَتْعَدُّ الرَّحَالُ إِلَّ إِلَى ثَلَثَةَ مَسَاجِدَ :
مَسجِدِ الْخَرَامِ. وَمَسْجِدِى هَذَا. وَالْسَجِدِ الْأَقْصَى.
٠٠
٠
٠
(ش) (السند) (سفيان) بن عيينة. و (الزهرى) محمد بن مسلم بن شهاب.
(المعنى) (لا تشد) مبنى للمفعول (الرحال) جمع رحل. وهو للبعير كالسرج للفرس. وشدّها
كناية عن السفر ولو ماشيا. وذكر الرحال خرج مخرج الغالب. ففى رواية لمسلم: إنما يسافر
إلى ثلاثة مساجد. وعدل عن النهى إلى النفى لإظهار الرغبة فى الامتثال، ولحمل السامع على
الترك بألطف وجه فإن النفى أبلغ من صريح النهى كأنه قال: لا ينبغى أن يقصد بالزيارة إلا
هذه البقاع ، لاختصاصها بالفضل الكثير والثواب الجزيل ( إلا إلى ثلاثة مساجد ) الاستثناء
فيه مفرغ. قيل: وتقديره لا تشد الرحال إلى أىّ موضع إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. فالمستثنى
منه عام . فيكون السفر إلى أى موضع غير المساجد الثلاثة ممنوعا « لكنه، غير مسلم . وحق
الكلام أن يقدر المستثنى منه عاما مناسبا للمستثنى فى نوعه أو وصفه فيقال هنا: لا تشد الرحال
إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد. ونظيره: مارأيت إلا محمدا فيقدر فيه مارأيت أحدا أو رجلا
إلا ممدا . ولا يقال: ما رأيت شيئا أو حيوانا إلا محمدا (مسجد الحرام ) بالجزّ على البدلية
ويجوز الرفع على الاستئناف. وفى رواية الشيخين : المسجد الحرام بأل. قيل المراد به موضع
الصلاة دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم. قال الطبرى: ويتأيد بقوله: ومسجدى هذا
لأن الإشارة إلى مسجد الجماعة فينبغى أن تكون المستثنيات كذلك ((وقيل)) المراد بالمسجد
الحرام جميع الحرم. ويؤيده مارواه الطيالسى من طريق عطاء أنه قيل له: هذا الفضل فى المسجد
(١) تقدم ص ٢٢٢، ٢٢٣ ج ١ فتح الملك المعبود (معنى الحديث رقم ١٦٠ - باب فى الرمل) وانظر تمام وصف
المدينة برامش ص ٣٣٥ وما بعدها بكتاب إرشاد الناسك.

لا يحل السفر للصلاة فيه غير المساجد الثلاثة. ما يطلب ممن نذر الصلاة فيها أو فى غيرها ٢٣٥
وحده أو فى الحرم ؟ قال: بل فى الحرم لأنه كله مسجد. وصحح هذا النووى (١) (ومسجدى
هذا) يعنى به مسجد المدينة . وفى رواية للبخارى: ومسجد المدينة بإضافة المسجد إلى الاسم
الظاهر . ولعل العدول عن إضافته إلى ضمير المتكلم من تصرفات الراوى أو إشارة إلى التعظيم.
قال النووى : ينبغى أن يحرص المصلى على الصلاة فى الموضع الذى كان فى زمانه صلى الله عليه
وسلم دون مازيد فيه بعده، لأن التضعيف إنما ورد فى مسجده وقد أكده صلى الله عليه وسلم
بقوله هذا (٢) (والمسجد الأقصى) يعنى به مسجد بيت المقدس. ووصف بالأقصى لبعده عن
المسجد الحرام، أو لأنه أقصى موضع من الأرض ارتفاعا وقربا إلى السماء ..
(الفقه) دل الحديث: (١) على أنه لا تشد الرحال إلى مسجد غير هذه المساجد الثلاثة
واختلف العلماء فى هذا فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى جواز شد الرحال لزيارة قبر
النبي صلى الله عليه وسلم للإجماع على جواز شد الرحال إلى الجهاد وطلب العلم والتجارة وسائر
مطالب الدنيا. قالوا فشدالرحال إلى زيارة قبره صلى الله عليه وسلم أولى. وللاتفاق على مشروعية
زيارة القبور وأمره صلى الله عليه وسلم بذلك كما تقدم بيانه فى كتاب الجنائز ((وقال ، الجوينى
الشافعى : إنّ شد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة حرام . واختاره القاضى عياض .
ومال إليه ابن تيمية فقال: إنها غير مشروعة لأن المعنى فى حديث الباب أن الرحال لا تشد
إلى موضع من المواضع سوى هذه المساجد الثلاثة (( لكنه)، غير مسلم للاتفاق على مشروعية
شد الرحال إلى الجهاد وطلب العلم والتجارة كما تقدم. ويؤيد ما ذهب إليه الجمهور - من أن المستثنى منه
فى الحديث عموم المساجد لا المواضع - ماروى شهر بن حوشب قال: سمعت أباسعيد الخدرى رضى الله.
عنه وذكرت عنده صلاة فى الطور فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغى للمعلى
أن تشدر حاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا
أخرجه أحمد بسند حسن. وشهر بن حوشب قد وثقه جماعة من الأئمة (١٣
[٤١٧ ]
(ب) وعلى فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومريتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء
صلوات الله وسلامه عليهم. وعلى فضل الصلاة فيها. ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه
قصده لحج أو عمرة. ولو نذر الذهاب إلى المسجدين الآخرين فقولان الشافعى أصحهما: يستحب
قصدهما ولا يجب . والثانى يحب. وبه قال كثير من العلماء. وأما باقى المساجد سوى الثلاثة فلا
يجب قصدها بالنذر ولا ينعقد نذر قصدها. وهذا مذهب العلماء كافة إلا محمد بن مسلمة المالكى
(١) انظر ص ٤٢ ج ٣ فتح البارى (الشرح - فضل الصلاة فى مسجد مكة والمدينة) (٢) انظر ص ٤٤ منه
(٣) انظر ص ٦٤ ج ٣ مسند أحمد (مسند أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه) وص ٣ ج ٤ مجمع الزوائد (لاكد
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)

٢٣٦
وجه فضل المساجد الثلاثة. ما ورد فى مضاعفة ثواب الصلاة فيها
فقال: إذا تَذَّر الذهاب إلى مسجد قباء لزمه قصده ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل
سبتٍ راكبا وماشيا (( وقال)، الليث بن سعد: يلزمه قصد ذلك المسجد أىّ مسجد كان. وعلى
مذهب الجماهير لا ينعقد نذره ولا يلزمه شىء. وقال أحمد: يلزمه كفارة يمين (١) ((ووجه ، فضل
هذه المساجد الثلاثة أن المسجد الحرام قبلة الناس وإليه حجهم . ومسجد الرسول صلى الله عليه
وسلم خَصّهُ اللّه تعالى بهذه المزية إكراما له صلى الله عليه وسلم. فإنه أفضل الخلق على الإطلاق.
والمسجد الأقصى كان قبلة للأمم السابقة ، ولأن الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة
فيما سواه من المساجد. وفى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بألف صلاة. وفى المسجد الأقصى
بخمسمائة صلاة (( قال)) أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة فى المسجد
الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة فى مسجدى بألف صلاة . والصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة
صلاة. أخرجه الطبرانى فى الكبير والبزار. وقال: إسناده حسن (٢)
[٤١٨]
(وقال) جابر بن عبد اللّه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((صلاة فى مسجدى هذا
أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة
ألف صلاة فيما سواه، أخرجه أحمد وابن ماجه بسند جيد (٣)
[٤١٩]
ولا يعارض هذين الحديثين ماروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
صلاة الرجل فى بيته بصلاة . وصلاته فى مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة . وصلاته فى
المسجد الذى يُحَمّع فيه بخمسمائة صلاة. وصلاته فى المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة.
وصلاته فى مسجدى بخمسين ألف صلاة. وصلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. أخرجه
ابن ماجه (٤) [٤٢٠] (( لأنه، حديث ضعيف فى سنده أبو الخطاب الدمشقى لا يعرف.
وقال الحافظ : مجهول وفيه زريق أبو عبد اللّه الألهانى. فيه مقال وذكره ابن حبان فى الضعفاء
وقال: ينفرد بالأشياء لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق (٥) ((وقال) ابن حجر: قيل إنه
حدیث منکر لأنه مخالف لما رواه الثقات . وقد یمکن الجمع بينه و بین مارووه بأن رواياتهم
أن صلاة الجماعة تعدل صلاة المنفرد بخمس أو سبع وعشرين تحمل على أن هذا كان أولا ثم
زيد هذا المقدار فى المسجد الذى تقام فيه الجمعة . وكذا ماجاء أن صلاة فى المسجد الأقصى
بألف فى سائر المساجد. وصلاة بمسجده عليه الصلاة والسلام بألف صلاة فى المسجد الأقصى
(١) انظر ص ١٠٦ ج ٩ شرح مسلم (سفر المرأة مع محرم .. ) (٢) انظر ص ٧ ج ٤ مجمع الزوائد (الصلاة
فى المسجد الحرام .. ) (٣) انظر ص ٣٤٣ج ٣ مسند أحمد (مسندجابر بن عبداقه رضى الله عنه) وص ٢٢١ ج ١-
ابن ماجه (فضل الصلاة فى المسجد الحرام .. ) (٤) انظر س ٢٢٢ منه (ماجاء فى الصلاة فى المسجد الجامع) و (مسجد
القبائل) مسجد الحى و (الذى يجمع فيه) أى يصلى فيه الجمعة. (٥) انظر س ٢٢٢ج ١ سندى ابن ماجه
١

مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة عند الجمهور. المذاهب فى تفضيل مكا على المدينة ٢٣٧
كان أولا ثم زيد فيهما جعل الأول بخمسين ألفا فى سائر المساجد. والثانى بخمسين ألفا فى
المسجد الأقصى. ومسجد مكة بمائة ألف فى مسجده عليه الصلاة والسلام. وحينئذ تزداد المضاعفة
فى مسجد مكة بأضعاف مضاعفة فتأمله ضاربا مائة ألف فى خمسين ألف ألف ثم الحاصل فى
خمسين ألفا تجد صحة ماذكرته . قاله العلامة على القارى (١). وهذا التفضيل خاص بالمكتوبة
دون النافلة ، لحديث زيد بن ثابت أنّ النبى صلى الله عليه وسلم قال: صلاة المرء فى بيته أفضل
من صلاته فى مسجدى هذا إلا المكتوبة . أخرجه أبو داود (٢)
[ ٤٢١]
(((وظاهر، هذه الأحاديث أن المسجد الحرام أفضل من مسجد المدينة. وبه قال الجمهور
(((وقال)) مالك فى المشهور عنه: مسجد المدينة أفضل من مسجد مكة . ولا دليل له على ذلك
هذا. واختلفوا أيضا فى تفضيل مكة والمدينة (( فقال)) الحنفيون والشافعى وأحمد والجمهور
وابن وهب ومطرف وابن حبيب من أصحاب مالك: إن مكة أفضل البلاد ، لحديث عبد الله بن
عدىّ بن الحمراء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحَزْوَرَةِ فى سوق مكة يقول:
والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ماخرجت.
أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح (٣)
[٤٢٢]
(((وقال، الحافظ: هو حديث صحيح أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذى وابن خزيمة
وابن حبان وغيرهم(٤). والمشهور عن مالك تفضيل المدينة على مكة ((لحديث، أبى هريرة
رضى الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: مابين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.
أخرجه مالك والشيخان والترمذى وصححه (٥) [٤٢٣] ((ولقول)، رافع بن خديج: أشهد لسمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المدينة خير من مكة. أخرجه الطبرانى وفيه محمد بن
عبد الرحمن بن داود مجمع على ضعفه (٦) [٤٢٤] (وأجاب، الجمهور: (١) عن حديث
أبى هريرة بأنه خارج عن محل النزاع. فإن الكلام فى تفضيل مكة على غيرها لا فى خصوص
الروضة الشريفة . قال ابن عبد البر : هذا استدلال بالخبر فى غير ما ورد فيه ولا يقاوم النص
(١) انفار ص ٤٧٧ ج ١ مرقاة المفاتيح (الفصل الثالث من باب المساجد)
(٢) انظر ص ١٧٧ ج ٦ - المنهل العذب المورود (صلاة الرجل التطوع فى بيته) (٣) انفارس ٣٠٥ ج ٤ مندأحمد (حديث
• بدام بن عدى رضى الله عنه) وص ١٣٨ ج٢ - ابن ماجه (فضل مكة) وص ٣٧٥ج ٤ تحفة الأحوذي (فضل مكة). و(حزورة)
فتح فكون كورة - وق كان مكة أدخل فى المسجد (٤) انظر ص ٤٥ ج ٣ فتح البارى (الشرح. فضل الصلاة
فى مسجدمكة.) (٥) انفار س ٣٥٧ج ١ زرقانى الموطإ (مسجدالنى صلى الله عليه وسلم) وس ٧٠ ج ٤ فتح البارى (باب)
وص ١٦٢ج ٩ نووى مسلم (فضل ما بين قبر، صلى الله عليه وسلم ومنبره) (وبنتى) هو الذى دفن فيه النبيصلى الله عليه وسلم و(روضة)
أى كروضة من رياض الجنة فى نزول الرحمة وحصول السعادة. هذا وبين القبر والمنبر ٥٣ ذراعا وشجر
(٦) انظر س ٢٩٩،٢٩٨ ج ٣ مجمع الزوائد (فضل المدينة)

٢٣٨
ما ورد فى فضل المدينة والترغيب فى سكناها
الوارد فى فضل مكة. وساق حديث عبد الله بن عدى وقال: هذا نص فى محل الخلاف فلا
ينبغى العدول عنه (١) (ب) وعن حديث رافع بأنه ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة
الواردة فى تفضيل مكة ولذا رجع عن هذا القول كثير من المالكية . ومحل الخلاف فى غير
البقعة التى دفن فيها النبى صلى الله عليه وسلم. فهى أفضل البقاع بإجماع العلماء. حكاه عياض
وغيره (٢). هذا وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على فضل المدينة والترغيب فى سكناها ودفع
الضرر عن أهلها « منها، حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: إنى أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عِضاهها أو يقتل صيدها وقال: المدينة خير لوكانوا
يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل اللّه فيها من هو خير منه ولا يثبت أحد على لأوائها
وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة. أخرجه مسلم (٣)
[٤٢٥]
((وحديث)) أبى هريرة قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى النبى صلى الله عليه
وسلم. فإذا أخذه قال: اللهم بارك لنا فى ثمرنا . وبارك لنا فى مدينتنا . وبارك لنا فى صاعنا.
وبارك لنا فى مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنى عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة
وأنا أدعوك للمدينة بمثل مادعاك لمكة ومثله معه (الحديث) أخرجه مسلم (٤) [٤٢٦]
((وحديث)) سفيان بن أبى زهير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يفتح الشام فيخرج من
المدينة قوم بأهليهم بيسون والمدينة خير لهم لوكانوا يعلمون . ثم يفتح اليمن فيخرج من المدينة
قوم بأهليهم يبسون والمدينة خير لهم لوكانوا يعلمون. ثم يفتح العراق فيخرج من المدينة قوم
بأهليهم يبون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. أخرجه مسلم (٥)
[٤٢٧]
إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على فضل المدينة والترغيب فى الإقامة
بها حبا فى ساكنها سيد الكائنات وقربامنه عليه الصلاة وأتم التسليمات وآله ومن نهج نهجه القويم
(والحديث) أخرجه أيضا باقى السبعة والبيهقى (٦) .
(١) انظرص ٤٥ ج ٣ فتح البارى (الشرح - فضل الصلاة فى مسجد مكة والمدينة) (٢) انظر ص ٣٠٨ ج ١
زرتانى الموطإ (الشرح - ماجاء فى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم) (٣) انظر س ١٣٦ ج ٩ نووى مسلم (فضل المدينة)
و(لا بتيها) تثنية لابة وهى أرض ذات حجارة سود. والمدينة لابتان شرقية وغربية و«العضاة)) بكسر وفتح شجر لهشوك.
و((لأواؤها)» بسكون الهمزة الأولى شدتها ((وجهدها)) بفتح الجيم أوضمها مشقتها مما يجد فيها شدة الحر وكرية الغربة
وإيذاء أهلها ((وشفيعا أو شهيدا)» أو التقسيم أى شفيعا المامين من أهلها شفاعة خاصة زائدة على الشفاعة العامة
وشهيدا الطائعين (٤) انظر ص ١٤٥، ١٤٦ منه (٥) انظر ص ١٥٨ منه ((الترغيب فى سكنى المدينة))
و((يبسون)) بفتح فكسر أو ضم وبضم فكسر يقال بت الناقة وأبتها إذا سقتها وزجرتها
(٦) انظرص ٢٧٨ ج ٢ مسند أحمد (مسندأبي هرير. رضى الله عنه) وص ٤٢،٤١ ج ٣ فتح البارى (فضل الصلاةفى مسجد
مكة والمدينة) وص ١٦٧ ج ٩ نووى مسلم (فضل المساجد الثلاثة) وص ١١٤ ج١ مجمني (ماتشد إليه الرحال من المساجد)
وس ٢٢٢ ج١ - ابن ماجه (الصلاة فى مسجد بيت المقدس) وص ٢٧٠ ج ١ تحفة الأحوذي (ماجاء فى أى المساجد أفضل)

٢٣٩
ترجمة يزيد بن شريك التيمى. ثور جبل بالمدينة خلف أحد
١٠١ - باب فى تحريم المدينة
أى فى تحريم صيدها وقطع شجرها وإحداث بدعة فيها .
(٢٩٣) (ص) حدّثَنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ أَخْبَنَاسْفَيَانُ عنِ الأَعْمَشِ عَنْ إبرَاهِيمَالَّيِْ
عن أَبيِهِ عَنْ عَلَى قَال: ما كَتَبْنَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَيهِ وَسَلَّمَإِلاّ الْقُرْآنَ وَمَا فِى هَذَه
الصَّحِيفَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلَمَ: المدينَةُ حَرَامُ مَابَيْنَ عَارِ إلى نَوْرِ فَنَّ
أَحْدَثَ حَدَثَ أوْ آَدِى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَهُ اللّه والملائكة والناسِ أَجْمَينَ لايَقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ
وَلَ صَرْفُ. وَذَمَّةُ الْلِينَ وَاحِدَةٌ يَشْعَى ◌ِاَ أَدْنَهٌ. فَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فَعَّهِ لَعْنَهُ اللّه
وَالْلَئِكَةُ وَالنّاسِ أَبْصَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلُ وَلَ صَرْفُ. وَمَنْ وَالَ قَوْمَا بِغَيرِ إِذْنَ
مَوَالِيهِ فَعَلْهُ لَعْنَهُ الله والملائكة والناس أَبْعَيْنَ. لا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلُ، لَاصَرْفُ
﴿ش) (السند) (سفيان) الثورى. و(الأعمش) سليمان بن مهران. و(إبراهيم التيمى)
ابن يزيد. و ( أبوه ) يزيد بن شريك بن طارق التيمى الكوفى. روى عن عمر وعلى وأبى ذر
وابن مسعود وغيرهم. وعنه إبراهيم النخعى والحكم بن عتيبة وهمام بن عبد الله وجماعة. وثقه
ابن معين وابن سعد ذكره ابن حبان فى الثقات. روى له الجماعة.
(المعنى) (ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) شيئا من أحكام الشريعة (إلا القرآن
وما فى هذه الصحيفة) يشير إلى صحيفة كانت عنده فى قراب سيفه، فعند أحمد ومسلم عن إبراهيم
التيمى عن أبيه قال : خطبنا على بن أبى طالب فقال : من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا
كتاب الله وهذه الصحيفة (قال وصحيفة معلقة فى قراب سيفه) فقد كذب (قال) على رضى الله
عنه (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور) عائر بالهمز على وزن
فاعل جبل جنوب المدينة ويقال له عير - بسكون الياء - وثور: جبل شمالها. قال فى القاموس :
وثور جبل بالمدينة ومنه الحديث الصحيح: المدينة حرم مابين عير إلى ثور. وأما قول أبى عبيد
ابن سلام وغيره من الأكابر: إن هذا تصحيف. والصواب إلى أحد، لأن نورا إنما هو
بمكة ، فغير جيد لما أخبرنى الشجاع البَعلىّ الشيخ الزاهد عن الحافظ أبى محمد عبد السلام

٢٤٠
التنفير من الابتداع فى المدينة وإيواء المبتدع. عهد المسلمين واحد يتولاه أدناهم
البصرى أن حذاء أحد جانحا إلى ورائه جبلا صغيرا يقال له ثور وتكرر سؤالى عنه طوائف
من العرب العارفين بتلك الأرض فكل أخبرنى أن اسمه ثور. وكتب إلىّ الشيخ عفيف الدين
المطرى عن والده الحافظ الثقة قال: إن خلف أحد عن شماليه جبلا صغيرا مدورا يسمى نورا
يعرفه أهل المدينة خلفا عن سلف (فمن أحدث حدثا) وعند الشيخين: فمن أحدث فيها حدثا
أى من ابتدع فى المدينة بدعة ليست من الشرع أو أمرا منكرا (أو آوى) أى ضم إليه (محدثا)
بكسر الدال المهملة ، أى مبتدعا فى الدين أو بفتحها ، أى أمرا محدثا وعملا مبتدعا لم تجربه سنة
ولم يتقدم به عمل (فعليه لعنة الله) أى غضبه وطرده عن رحمته (٤) لعنة (الملائكة والناس أجمعين
لا يقبل) بالبناء للمفعول (منه صرف ولا عدل) وفى رواية لمسلم: لا يقبل اللّه منه صرفا - بفتح
الصاد والعين المهملتين - أى لا يقبل اللّه الفرض ولا النفل من هذا المبتدع. بل يردهما عليه
فالصرف الفرض والعدل النفل . وعليه الجمهور . وقال الحسن البصرى : الصرف النفل
والعدل الفرض ووجهه أن معنى العدل الواجب الذى لابد منه ومعنى الصرف الريح والزيادة.
ومنه صرف الدراهم والدنانير والنوافل زيادات على الأصول فلذا سميت صرفا (١) . وقال
الأصمعى : الصرف التوبة والعدل الفدية . وقيل فيهما غير ذلك . قال القاضى عياض : وقيل
المعنى لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضا وإن قبلت قبول إجزاء . وقيل يكون القبول هنا
بمعنى تكفير الذنب بهما . ومعنى الفدية هنا ألا يجد فى القيامة فداء يفتدى به . بخلاف غيره
من المذنبين الذين يتفضل الله عز وجل على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهودي أو نصرانى
كما ثبت فى الصحيح (٢) ( ذمة المسلمين) أى أمانهم وعهدهم (واحدة يسعى بها) أى يتولاها
(أدناهم) فإذا أقن واحد من المسلمين كافرا مضى أمانه ويحرم التعرض له بأذى لا فرق فى ذلك
بين شريف ووضيع وذكر وأنى وحر وعبد، لأن المسلمين كنفس واحدة . وهذا خاص بأمان
بعض الكفار دون جماعتهم فلا يجوز لمسلم أن يعطى أماما عاما لجماعة الكفار . فإن فعل ذلك
لا ينفذ أمانه لأن ذلك يؤدى إلى تعطيل الجهاد أصيلا وهذا غير جائز (٣) (فمن أخفر مسلما)
أى من نقض عهده الذى عاهده عليه (فعليه لعنة اللّه الخ) يقال أخفرت الرجل إذا نقضت
عهده . أما خفر بدون همز فمعناه الأمان . يقال خفرته إذا أمنته ( ومن والى قوما بغير إذن
مواليه) أى من اتخذ من المعتقين أولياء له بغير إذن معتقه (فعليه لعنة اللّه الخ) والتقييد بالإذن
ليس شرطا فى ذلك . بل لأنه الغالب والتنبيه على المانع من اتخاذ أولياء أخر وهو إبطال حق
مواليه ((قال) الخطابى: ظاهر قوله بغير إذن مواليه يوهم أنه شرط حتى يجوز له أن يوالى غير
(١) انظر ص ١٢٤ ج ٢ معالم السنن (٢) انظر ص ١٤١ ج ٩ شرح مسلم (فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله
عليه وسلم فيها بالبركة) (٣) انظر ص ٢٢٤ ج ٢ معالم السنن