Indexed OCR Text
Pages 481-500
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٨١ الرابع: المُناولَة الأوزاعي قائلاً به؛ لأنَّه روي عنه أنَّه أجاز المناولة وفعلها(١)، ورُوي عنه أنَّه يعمل بها ولا يحدِّث بها (٢)، فقال عياض: ولعل قوله - يعني: الثّاني - فيمن لم يأذن في الحديث به عنه(٣). (والأصحّ) أنَّها بدون إذن (باطلة) لم نر - كما قال الخطيب - من فعلها (٤)، لعدم التَّصريح بالإذن فيها، فلا تجوز الرِّواية بها . قال ابن الصَّلاح: وعاب غيرُ واحدٍ من الفقهاء والأصوليين على المحدِّثين تجويزَها وإساغةَ الرِّواية بها(٥) . قلت: منهم الغزالي، فإنه قال في ((المستصفى)): مُجرَّد المناولة دون قوله: حدِّث به عنّي لا معنى له، وإذا قال: حدِّث به عني فلا معنى للمناولة، بل هو زيادة تكلُّف، أخذ به بعض المحدِّثين بلا فائدة(٦). بل أطلق النووي في ((تقريبه)) حكاية البطلان عن الفقهاء وأصحاب الأصول(٧)، وهو مقتضى كلام السَّيف الآمدي، حيث اشترط الإذن في الرواية (٨) . ولكن صنيع ابن الصَّلاح في عدم التَّعميم أحسن، لعدم اشتراط جماعة من الأصوليين، منهم الرازي في ((المحصول)) الإذن(٩)، بل ولا المناولة، حتَّى قالوا: إن الشَّيخ لو أشار إلى كتاب وقال: هذا سَماعي من فلان جاز لمن سمعه أن يرويه عنه، سواء ناوله إيّاه أم لا، خلافاً لبعض المحدِّثين، وسواء قال له: اروه عني أم لا . وقيل: إنَّه لم يقل به من الأصوليين سوى القاضي أبي بكر الباقلاني وأتباعه، ووجَّهه القاضي أبو بكر بأنَّه يجوز أن يناوله الكتاب الذي يشكُّ فيما فيه، وقد يصحّ عند الغير من حديثه ما يعتقد في كثير منه أنّه لا يحدِّث به، (١) انظر ما تقدم (ص ٤٧٥، ٤٧٦). (٢) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٣٧)، و((الإلماع)) (ص٨٢). (٤) ((الكفاية)) (ص ٤٩٣). (٣) ((الإلماع)) (ص٨٢). ((علوم الحديث)) (ص١٤٩). (٥) (٧) ((التقريب)) (ص٢٧٣) مع التدريب. (٩) ((المحصول)) (٦٤٨/١/٢ - ٦٤٩). (٦) ((المستصفى)) (١٦٦/١). (٨) ((الإحكام)) (١٠١/٢). الرابع: المُناولَة ٤٨٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث لعلل في حديثه هو أعرف بها، كما أنَّه قد يتحمل الشَّهادة من لا يجوز عنده أن يقيمها، ولا أن يشهد عليها، فإذا شهد على شهادته كان ذلك بمثابة أدائه لها، وعلم أنَّه في نفسه على صفة تجوز إقامته لها، فكذلك الإجازة والمناولة من (١) . . العدل الثقة. انتهى وقد مال شيخُنا للتَّسوية بين هذا النَّوع، وبين ثاني النَّوعين - أيضاً - من القسم بعده(٢)، وقال: إنَّه لم يظهر لي فرق قوي بينهما، إذا خلا كلٌّ منهما عن الإذن(٣). (١) ((الكفاية)) (ص٤٩٩). (٢) يعني: الآتي في (ص٥٠١). (٣) ((شرح نخبة الفكر)) (ص ١٤٠)، وفي حاشية م: ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه. ملحوظة: انظر: بحث المناولة في: ١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص١٤٦ - ١٥٠). ٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٨٩/٢ - ٩٧). ٣ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٦٨ - ٢٧٤). ٤ - (توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣٢٩/٢ - ٣٣٦). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٨٣ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة كيف يقول من روى ما تحمله (بالمناولة و) بـ (الإجازة) الماضيتين (واختلفوا) أي: الأئمة من المحدِّثين وغيرهم (في) ما يقول (من روى ما ٥١٦ نوولا) المناولة المعتبرة مما تقدم: (فمالك) هو ابن أنس(١) (وابن شهاب) الزّهري(٢) (جعلا إطلاقه)، أي: ٥١٧ الرَّاوي (حدثنا وأخبرا) أي: و[أخبرنا](٣) (يسوغ، وهو) أي: الإطلاق (لائق بـ) مذهب (من يرى) كما تقدَّم في محله (٤) (العرض) في المناولة (كـ) عرض ٥١٨ (السَّماع). وممَّن حكى هذا الإطلاقَ عن مالك الخطيب(١)، وأنَّه قال: قل ما شئت من [حدثنا وأخبرنا](٥) وروى - أيضاً - عن الحسن أنه قال: يسعه أن يقول: حدثني فلان عن فلان(٦) . واجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب على أنَّه يقول: أخبرني(٧)، وعن أحمد بن حنبل فيمن روى الكتاب بعضه قراءة، وبعضه تحديثاً، وبعضه مناولة، وبعضه إجازة أنه يقول في كلِّه [أخبرنا](٣). (٨). (بل أجازه) أي: إطلاقهما (بعضهم) كابن جُريج وجماعةٍ من المتقدِّمين حسبما عزاه إليهم عياض(٩)، وكمالك - أيضاً - وأهل المدينة كما حكاه عنهم صاحب الوجازة (١٠) . (١) ((الكفاية)) (ص٤٧٥). (٢) المصدر السابق (ص ٤٧٠). (٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٤) (ص٤٦٩ - ٤٧٠). (٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): نا وأنا. (٦) ((الكفاية)) (ص٤٧٥). (٧) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٤٠ - ٤٤١)، و((الكفاية)) (ص٤٧٦). (٨) ((الكفاية)) (ص٤٧٦). (١٠) ونقله عنه عياض في المصدر السابق. (٩) في ((الإلماع)) (ص١٢٨). كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٨٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (في مطلق) أي: في الرِّواية بمطلق (الإجازة) يعني: المجرّدة عن المناولة، حتَّى قيل: إنَّه مذهب عامَّة حفَّاظ الأندلس، ومنهم ابن عبد البر، فيقولون فيما يجاز: حدَّثنا [وأخبرنا](١). وعن عيسى بن مسكين، قال: الإجازة رأس مال كبير، وجائز أن يقول فيها : حدثني وأخبرني (٢). واختاره بعض المتأخّرين، وقال: إن الإجازة كيفما كانت إخبار وتحديث فيجوز ذلك فيها، والاتِّصال السَّنَدي واقع به؛ إذ كلّ واحدٍ من نوعي الإجازة والسَّماع طريق تحمّل، والتّعرض لتعيين النَّوع المتحمل به ليس بلازم، ولا العمل متوقف عليه. وقال أبو مروان الطبني: له أن يقول في الإجازة بالمعين: حدثني(٣). وذهب إلى جوازه كذلك إمام الحرمين، والحكيم التِّرمذي(٤) في ((نوادر الأصول)) محتجاً له بأنّ مدلول التَّحديث لغة: إلقاء المعاني إليك، سواء ألقاه لفظاً أو كتابة، أو إجازة. وقد سمَّى الله [تعالى](٥) القرآن حديثاً (٦)، حدَّث به العبادَ وخاطبهم به، فكلّ مُحدِّث أحدث إليك شفاها أو بكتاب أو بإجازة فقد حدثك به، وأنت صادق في قولك: حدثني، ويسمى الواقع في المنام حديثاً، كما قال تعالى: ﴿ وَلِنُعَلِمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾(٧). (٨). (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٢) ((الإلماع)) (ص٩١)، وانظر ما تقدم (ص٣٩٨). (٣) («الإلماع)) (ص٩٠). (٤) هو: محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي، الزاهد على هفوات بدت منه، عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة. ((طبقات الصوفية)) للسلمي (ص٢١٧ - ٢٢٠)، و((لسان الميزان)) (٣٠٨/٥ - ٣١٠). (٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س). (٦) في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا﴾ الآية ٢٣ من سورة الزمر. كما سماه بذلك رسوله و بقوله: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله .... ))، رواه مسلم في ((صحيحه): باب خطبته وَلقر في الجمعة: كتاب الجمعة (١٥٣/٦) عن جابر بن عبد الله. (٧) سورة يوسف: الآية ٢١. (٨) ((نوادر الأصول)) الحكيم الترمذي (ص ٣٩٠). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤٨٥ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٥١٩ (و) كذا أبو عبيد الله محمَّد بن عمران بن موسى بن عبيد (المرزُباني) - بضم الزاي نسبة لجد له اسمه المرزبان - البغدادي، صاحب إخبار ورواية للأدب، وتصانيف كثيرة، وكان في داره خمسون ما بين لحافٍ ومحبرةٍ لمن يبيت عنده، مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة(١). (وأبو نُعيم) الأصبهاني الحافظ صاحب التَّصانيف الكثيرة في علم الحديث أطلقا في الإجازة لفظ (أخبر) أي: أخبرنا خاصة من غير بيان. وممَّن حكاه عنهما الخطيب(٢)، وعن ثانيهما فقط أبو الفضل ابنٍ طاهر، وحكى الخطيب أنَّ أولهما عِيب بذلك(٣)، وكذا نقل ابن طاهر ثم الذّهبي في (ميزانه)) عن الخطيب أنَّه عاب ثانيهما - أيضاً - به، فقال: رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، مثل أن يقول في الإجازة: [أخبرنا] (٤) من غير بيان(٥). بل أدخله لذلك ابن الجوزي ثم الذَّهبي في ((الضُّعفاء))، وقال: إنَّه مذهبٌ رآه هو وغيره، قال: وهو ضرب من التدليس(٦) .. قلت: أمَّا عَيْبُ الأول به فظاهر، لكونه لم يُبيِّن اصطلاحَه وأَكْثَرَ مع ذلك منه، بحيث إنَّ أكثر ما أورده في كتبه بالإجازة، لا السَّماع، وانضمَّ إلى ذلك أنَّه رمي بالاعتزال، وبأنَّه كان يضع المحبرة وقنينة (٧) النّبيذ، ولا يزال يكتب ويشرب(٨). وأمَّا ثانيهما فبعد بيان اصطلاحه لا يكون مدلِّساً، ولذا قال ابن دحية: (١) مترجم في: (تاريخ بغداد)) (١٣٥/٣ - ١٣٦)، و((معجم الأدباء)) (٢٦٨/١٨). (٣) المرجع السابق (١٣٦/٣). (٢) في ((تاريخ بغداد)) (١٣٥/٣). (٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٥) ((ميزان الاعتدال)) (١١١/١)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٠٩٦/٣)، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد (ص٥١). (٦) ((الضعفاء والمتروكين)) لابن الجوزي (٧٧/١)، و((ميزان الاعتدال)) (١١١/١)، و ((المغني في الضعفاء)) (٤٤/١). (٧) القنينة - بكسر القاف والتشديد - هي: ما يجعل فيه الشراب، والجمع قناني. انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٠٦/٢/٢). (٨) ((تاريخ بغداد)) (١٣٦/٣). كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٨٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث سخم(١) الله وجه من يعيبه بهذا، بل هو الإمام عالم الدنيا (٢). وقال شيخنا: إنَّهم وإن عابوه بذلك فيجاب عنه: بأنَّه اصطلاح له خالف فيه الجُمهور، فإنَّه كان يرى أن يقول في السَّماع مطلقاً سواء قرأ بنفسه أو سمع من لفظ شيخه، أو بقراءة غيره على شيخه: [حدثنا](٣) بلفظ التَّحديث في الجميع، ويخصّ الإخبار بالإجازة، يعني: كما صرَّح هو باصطلاحه، حيث قال: إذا قلت [أخبرنا](٤) على الإطلاق من غير أن أذكر فيه إجازة، أو كتابة أو كتب لي، أو أذن لي، فهو إجازة، أو [حدثنا](٣) فهو سماع. ويقوي التزامه لذلك أنّه ورد في ((مستخرجه على علوم الحديث)) للحاكم عدَّة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقاً، وقال في آخر الكتاب: الذي رويته عن الحاكم بالإجازة. فإذا أطلق الإخبار على اصطلاحه عرف أنَّه أراد الإجازة، فلا اعتراض عليه من هذه الحيثية، بل ينبغي أن ينبه على ذلك، لئلا يعترض عليه، انتهى. ومع كونه بين اصطلاحه فقد قال ابن النَّجَّار: إنّه إنَّما يفعله نادراً، لاستغنائه بكثرة المسموعات الَّتي عنده، فقد قرأت ((مستخرجه على مسلم)) فما وجدت فيه شيئاً بالإجازة إلا مويضعات يسيرة: حديثاً عن الأصم(٥)، وآخر عن خيثمة (٦)، وعن غيرهما . وكذا اعتذر عنه غيره بالنُّدور، وكلام المنذري - أيضاً - مُشْعِر به، فإنَّه قال: هذا لا ينقصه شيئاً، إذ هو يقول في معظم تصانيفه: [أخبرنا](٧) فلان إجازة. قال: وعلى تقدير أن يطلق في الإجازة [أخبرنا](٧) بدون بيان، فهو مذهبُ جماعةٍ، فلا يبعد أن يكون مذهباً له أيضاً. (١) سخم: سود من السخم ــ محركة - السواد، كما في ((القاموس)) مادة (سخم). (٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٢) أداء ما وجب لابن دحية (ص١٣٧). (٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٥) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٥٥/١٥). (٦) انظر: المرجع السابق (٤١٣/١٥)، وخيثمة هو: ابن سليمان بن حيدرة، أبو الحسن القرشي، الطرابلسي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. (تذكرة الحفاظ)) (٨٥٨/٣ - ٨٦٠)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٣٥٣ - ٣٥٤). (٧) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٨٧ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة على أنَّ شيخنا جوَّز أنَّ الحافظَ أبا نصر أحمد بن عمر الغازي الأصبهاني(١) مَمَّن كان يفعل ذلك - أيضاً - وذلك أنَّ الحافظ ابن السَّمعاني لما قال في ترجمته: إنَّه كان لا يفرق السَّماع من الإجازة (٢)، وقال الذَّهبي: يريد أنَّ السَّماع والإجازة سواء في الاتصال، أو الاحتجاج، وإلَّا فمن له أدنى معرفة يريد - أي: يفهمِ - أن السَّماع شيء، والإجازة شيء(٣)؛ قال (٤) شيخنا: ما أظنه أراد ما فهمه الذّهبي، وإنَّما مراده أنَّه إذا حدَّث لا يميز هذا من هذا، بل يقول مثلاً في كل منهما: [أخبرنا](6) ولا يعين في الإجازة كونها إجازة. انتهى. وأغرب من هذا كلِّه ما قيل من أنَّ أبا نُعيم كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه، بل رواه إجازة: [أخبرنا](6) فلان فيما قرئ عليه، ولا يقول: وأنا أسمع، فيشتدّ الالتباس على من لم يعرف حقيقة الحال. وفي ((تاريخ أصبهان)) له شيء من ذلك، كقوله: [أخبرنا](6) عبد الله بن جعفر(٦) فيما قرئ عليه(٧) . [بل وكذا في ترجمة محمَّد بن يوسف الأصبهاني(٨) من ((الحلية)) له: (١) الحافظ، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. ((العبر)) (٨٦/٤)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٤٦٢ - ٤٦٣). (٢) أشارت محققة التحبير في ((المعجم الكبير)) للسمعاني (٢٦١١) أن ترجمة أبي نصر المذكور قد سقطت من النسخة التي بيدها، ونقله عن ابن السمعاني الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)» (١٢٧٦/٤ - ١٢٧٧). (٣) ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٧٧/٤). (٤) قال هنا جواب ((لما قال)) المتقدمة قبل أربعة أسطر. (٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٦) هو: عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني، أبو محمد، مسند أصبهان، المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة . ((أخبار أصبهان)) (٢/ ٨٠)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٣/١٥ - ٥٥٤). (٧) ((أخبار أصبهان)) (١٧٤/١) وفي (١/ ٨٢): حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قراءة عليه غير مرة. (٨) هو: محمد بن يوسف بن معدان بن سليمان، أبو عبد الله الأصبهاني، يعرف بعروس الزهاد، توفي سنة أربع وثمانين ومائة. ((حلية الأولياء)) (٢٢٥/٨ - ٢٣٧)، و((أخبار أصبهان)) (١٧١/٢ - ١٧٣). كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٨٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث [أخبرنا](١) عبد الله بن جعفر فيما قُرئ عليه، زاد فيها: وحدّثني عنه أبو محمّد ابن حيان(٢). وهذه الزّيادة مما يتّضح بها المراد، فإنَّها تُشعر أنَّه رواه عالياً عن الأوَّل إجازة، وبنزول عن الثاني سماعاً. وأصرح منه قوله في ترجمة عبد الرَّحمن بن مهدي من ((الحلية)) - أيضاً -: [أخبرنا](١) عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه](٣) وأذن لي فيه (٤). ولكن قد حكى ابن طاهر في ((أطراف الأفراد)) هذا المذهب - أيضاً - عن شيخه الدَّار قطني(٥)، وهو اصطلاح لهما غريب، وكأنَّ النكتة في التَّصريح عن شيخه بذلك اعتماده المروي. [ونحوه من يقول: وجدت بخطّ فلان وأجازنيه، وكذا قال عياض: ثنا أبو علي الجياني الحافظ إجازة وعارضت بكتابه(٦)](٧). (والصَّحيح) المختار (عند) جمهور (القوم) - وهو مذهب علماء الشَّرق، واختاره أهل الثَّحرِّي والورع - المنع من إطلاق كل من [حدثنا وأخبرنا](٨) ونحوهما في المناولة والإجازة، خوفاً من حمل المطلق على الكامل. ٥٢٠ و(تقييده) أي: المذكور منها (بما يبين) أي: يوضح (الواقعا) في كيفية التَّحمُّل من السَّماع أو الإجازة أو المناولة بلفظ لا إشكال فيه، بحيث يتميز كل واحد منها عن الآخر. كأن يقول: [أخبرنا أو حدثنا](٩) فلان (إجازة) أو [أخبرنا أو حدثنا](٩) (تناولا) أو (هما معا) أي: إجازة مناولة، أو فيما (أذن لي) أو فيما (أطلق لي) ٥٢١ (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٢) ((حلية الأولياء)) (٢٣٣/٨). (٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٤) ((حلية الأولياء)) (١٤/٩). (٥) أطراف الغرائب والأفراد لابن طاهر (٥٥/١). (٦) في ((الإلماع)) (ص٩٦): أخبرنا أبو علي الجياني فيما كتب به إلي. وانظر: (ص١٤٨، ١٤٩، ١٥٤، ٢٢٧)، والغنية - فهرست شيوخ القاضي عياض - (ص٢٠١). (٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٨) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا وأنا. (٩) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا أو ثنا. ٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٨٩ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة روايته عنه، أو فيما (أجازني) أو فيما (سوغ لي) أو فيما (أباح لي) أو فيما (ناولنی) . قال الخطيب: وقد كان غير واحد من السَّلف يقول في المناولة: أعطاني فلان، أو دفع إلي كتابه، وشبيهاً بهذا القول، وهو الذي نستحسنه(١). هذا مع أنَّه اختلف في ذلك - أيضاً -، فحكى ابن الحاجب في ((مختصره)) قولاً أنَّه لا يجوز مع التقييد - أيضاً (٢) .-. وإليه ميل ابن دقيق العيد فإنَّه قال: والَّذي أراه أن لا يستعمل فيها - أي: في الإجازة [أخبرنا](٣) لا بالإطلاق ولا بالتقييد، لبعد دلالة لفظ الإجازة عن الإخبار، إذ معناها في الوضع الإذن في الرِّواية. انتهى(٤). وليس ما قاله متفقاً عليه، كما قاله في أول ثالث أقسام التّحمل(٥) . وممَّن كان يسلك التقييد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال، فإنَّه يقول في كتابه ((اشتقاق الأسماء)): [أخبرنا](٣) فلان إجازة، وكذا أجاز لنا محمَّد بن أحمد الواعظ (٦) أنَّ عبد الله بن محمَّد البغوي(٧) أخبرهم. وقال أبو بكر الحازمي: مما يحسن الاستشهاد به للتقييد هنا - أيضاً - إن ألجأت ضرورة من يريد تخريج حديث في باب، ولم يجد مسلكاً سواه - أعني: الرواية بالإجازة العامَّة - استخار الله - تعالى - وحرر ألفاظه، نحو أن يقول: أخبرني فلان إجازة عامة، أو فيما أجاز من أدرك حياته، أو يحكي لفظ المجيز (١) ((الكفاية)) (ص ٤٧٢). (٢) ((مختصر ابن الحاجب)) (٦٩/٢) مع شرحه وحواشيه. (٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٥) (ص٣٨٩). (٤) ((الاقتراح)) (ص ٢٣٠ - ٢٣١). (٦) هو: محمد بن أحمد البغدادي، أبو الحسين بن سمعون الواعظ، القدوة الناطق بالحكمة، المتوفى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (٢٧٤/١ - ٢٧٧)، و ((العبر)) (٣٦/٣ - ٣٧). (٧) هو: عبد الله بن محمد البغوي الأصل، البغدادي، الحافظ الكبير المسند، المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (٧٣٧/٢ - ٧٤٠)، و((طبقات الحفاظ)) (ص٣١٢ - ٣١٣). كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٩٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث في الرواية، فيتخلَّص عن غوائل التَّدليس، والتَّشَبُّع بما لم يُعط، ويكون حينئذٍ مقتدياً ولا يعد مفتریاً. انتهى. وإذا كان الإطلاق في العامَّة مع الاضطرار للرِّواية بها، يعد فاعله مفترياً، فما بالك بمن الوقت في غنية عن تحديثه لو سمع لفظاً، فضلاً عن كونه مقلًّا من المسموع والشّيوخ، ويروي بالإجازة العامَّة من غير بيان ولا إفصاح. ٥٢٢ (وإن أباح الشَّيخ) المجيز (للمجاز) له (إطلاقه) [حدثنا](١) [أو](٢) [أخبرنا] (٣) في المناولة أو الإجازة الخاصة، فضلاً عن العامة، كما فعله قوم من المشايخ في إجازاتهم، حيث قالوا لمن أجازوا له: إن شاء قال [حدثنا](١) وإن شاء قال: [أخبرنا](٣) ووجد ذلك ــ كما حكي عن شيخنا، وجزم به ابن الجزري - في إجازات المغاربة، (لم يكف) ذلك (في الجواز) وإن علَّل ابن الصَّلاح - كما تقدم في أثناء التفريعات التَّالية لثاني أقسام الثَّحمل (٤) - المنع من إبدال [حدثنا](١) بأخبرنا وعكسه، باحتمال أن يكون مذهبُ الرَّاوي عدمَ التَّسوية بين الصِّيغتين، لتعقُّب المصنف له هناك من ((نكته)) بأنَّه ليس بجيد، من حيث إنَّ الحكم لا يختلف في الجائز والممتنع بكون الشَّيخ يرى الجائز ممتنعاً، والممتنعَ جائزاً(٥) . فرع : لو قرأ على شيخ شيئاً بالإجازة إن لم يكن سماعاً من شيخه، ثمَّ تَبَيَّنَ أنَّه سمعه، فالأحسن حكاية الواقع بأن يقول: إجازةً إن لم يكن سماعاً، ثمّ ظهر سماعُه. كما وقع لأبي زرعة المقدسي(٦) في ((سنن ابن ماجه))(٧)، وللصَّلاح ابن (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): و. (٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٤) ((علوم الحديث)) (ص١٢٨)، وانظر ما تقدم (ص٣٦٦). (٥) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٧٧). (٦) هو: طاهر ابن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني، أبو زرعة، المتوفى سنة ست وستين وخمسمائة. ((العبر)) (١٩٢/٤ - ١٩٣)، و((شذرات الذهب)) (٢١٧/٤). (٧) انظر: ملء العيبة - رحلة ابن رُشيد - (٣٩٩/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩١ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة أبي عمر (١) في بعض المسانيد من ((مسند أحمد)) حيثُ أخبر فيها كذلك، لعدم الوقوف على الأصل فيها، ثم ظهر [له](٢) سماعه لها . بل قال بعض الحفّاظ: إنَّه لا بدَّ من التَّصريح بذلك، ولكن اتَّفق رأيُ المحقّقين على عدم اشتراطه، وأنَّ إطلاقَ السَّماع كافٍ، وهذا ما صحَّحه ابن تيمية والمزِّي وغيرهما ممَّن عاصرهما، كابن المحبِّ شيخ شيوخنا . ونحوه إخبار الزَّيْن ابن الشَّيخة بالإجازة العامَّة من الحَجَّار، ثمَّ بان أنَّ له منه إجازةً خاصَّة(٣) . (وبعضهم) أي: وبعض المحدِّثين لم يقتصر على ما مضى كالحاكم حيث ٥٢٣ (أتى بلفظ موهم) تجوزاً فيما أجازه فيه شيخه بلفظه شفاهاً، وهو [أخبرنا] (٤) فلان مشافهة، أو (شافهني) فلان، وفيما أجازه شيخه بكتابه [أخبرنا] (٤) فلان كتابة أو مكاتبة، أو في كتابه، أو (كتب لي) أو إلي(٥). وحكي الشّق الثَّاني عن أبي نعيم، فقال ابن النَّجَّار: إنَّه كان يقول في الإجازة: حدّثني فلان في كتابه. وقال غيره: إنَّه كثيراً ما يقول: [أخبرنا] (٤) أبو الميمون ابن راشد(٦) في كتابه، وكتب إلي جعفر الخلدي(٧)، وكتب إلي أبو العبّاس الأصمّ. (١) هو: محمد بن أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر صلاح الدين، ابن قدامة المقدسي، المتوفى سنة ثمانين وسبعمائة. ((إنباء الغمر)) (٧٨٠/١)، و((الدرر الكامنة)) (٣٩٢/٣ - ٣٩٣). (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (س). (٣) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به. (٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٥) ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٢٦٠)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٠/٢). (٦) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي، الدمشقي، الأديب المحدث، المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. ((العبر)) (٢٧٦/٢)، و((شذرات الذهب)) (٣٧٥/٢). (٧) هو: أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير البغدادي، الخلدي، الزاهد، الصوفي، المتوفى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (٢٢٦/٧ - ٢٣١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥٥٨/١٥ - ٥٦٠). كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٩٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وهذه الألفاظ وإن كثر استعمالها، كذلك بين المتأخِّرين من بعد الخمسمائة، وهلُمَّ جَرّاً، (فما سلم) من استعملها مطلقاً من الإيهام وطرف من التَّدلیس. أمَّا المشافهة فَتُوهِم مشافهته بالتحديث، وأمَّا الكتابة فَتُوهِم أنَّه كتب إليه بذلك الحديث بعينه، كما يفعله المتقدِّمون، على ما سيأتي في القسم الذي يليه(١). ولذا نصَّ الحافظ أبو المظفَّر الهمداني(٢) في جزء له في الإجازة على المنع من هذا، معللاً بالإيهام المذكور. ٥٢٤ (وقد أتى بخبر) نا - بالتَّشديد - أبو عمرو (الأوزاعي فيها) أي: في الإجازة خاصَّة، وجعل [أخبرنا](٣) - بالهمز - للقراءة(٤)، (ولم يخل) أيضاً (من النّزاع) من جهة أن معنى خبّر وأخبر في اللُّغة، وكذا الاصطلاح واحد، بل قيل: إن خبر أبلغ(٥) . وكان للأوزاعي - أيضاً - في الرِّواية بالمناولة اصطلاح، قال عمرو بن أبي سلمة: قلت له في المناولة أقول فيها: [حدَّثنا](٦)؟ فقال: إن كنت حدثتك فقل: [حدثنا](٦) فقلت: فما أقول؟ قال: قل قال أبو عمرو، أو عن أبي عمرو (٧). ٥٢٥ (ولفظ أن) بالفتح والتشديد (اختاره) أو حكاه الإمام أبو سليمان حَمْد (الخطَّبي) نسبة لجده خَطَّاب، فكان يقول فيما حكي عنه في الرِّواية بالسَّماع (١) (ص٥٠٩). (٢) هو: منصور بن سليم بن منصور بن فتوح، وجيه الدين الإسكندارني، المتوفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. («تذكرة الحفاظ)) (١٤٦٧/٤ - ١٤٦٨)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٣٧٥/٨ - ٣٧٦). (٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٤) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٣٢)، و((الكفاية)) (ص٤٣٤). (٥) لأنها تدل على التكرار، بخلاف أخبر التي لا تدل عليه. (٦) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٧) ((الكفاية)) (ص٤٧٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩٣ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة عن الإجازة: [أخبرنا](١) فلان أنَّ فلاناً حدَّثه أو أخبره(٢). قال صاحب الوجازة: وكأنَّه جعل دخول ((أنَّ) دليلاً على الإجازة في مفهوم اللّغة، وقد تأمَّلته فلم أجد له وجهاً صحيحاً، لأنَّ ((أَنَّ) المفتوحة أصلُها التّأكيد، ومعنى [أخبرنا](١) فلان أنَّ فلاناً حدثه، أي: بأنَّ فلاناً حدَّثه، فدخول الباء - أيضاً - للتأكيد، وإنما فتحت لأنَّها صارت اسماً، فإن صحَّ هذا المذهبُ عنه كانت الإجازة أقوى عنده من السَّماع، لأنَّه خَبَرٌ قارنه التّأكيد، وهذا لا يقوله أحدٌ. انتهى. وليس بجيد. فقد سبق حكاية تفضيل الإجازة عن بعضهم(٣)، بل لم ينفرد الخطّابي بهذا الصَّنيع، فقد حكاه القاضي عياض عن اختيار أبي حاتم (٤) الرازي (٤). قال: وأنكره بعضُهم وحقُّه أن ينكر، فلا معنى له يتفهم منه المراد، ولا اعتيد هذا الوضع لغةً، ولا عُرْفاً، ولا اصطلاحاً(٥). ولذا قال ابن الصَّلاح: إنَّه اصطلاح بعيدٌ بعيدٌ عن مقاصد أهل الأفكار القويَّة من أهل الاصطلاح، لبُعْده عن الإشعار بالإجازة، إلّا أنَّه قال: (وهو مع) سماع (الإسناد) خاصَّة لشيخه من شيخه، وكون الإجازة له فيما وراء الإسناد، أي: من حديث ونحوه(٦) (ذو اقتراب) فإنَّ في هذه الصِّيغة إشعاراً بوجود أصل الإخبار، وإن أجمل الخبر ولم يذكره تفصيلاً (٧). ونحوه قول ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)): إذا أخرج الشَّيخ الكتاب وقال [أخبرنا](٨) فلان وساق السَّند، فهل يجوز لسامع ذلك منه أن يقول: [أخبرنا](٨) فلان ويذكر الأحاديث كلَّا أو بعضاً؟. الَّذي أراه أنَّه يجوز من جهة الصّدق، فإنَّه تصريح بالإخبار بالكتاب، وغاية ما فيه أنَّه إخبارٌ جُمْلِيٍّ، ولا فرق في معنى الصِّدق بين الإجمال والتَّفصيل. (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٣) (ص٣٩٠). (٢) ((الإلماع)) (ص١٢٩). (٤) ((الإلماع)) (ص١٢٨). (٥) المصدر السابق (ص١٢٩). (٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٥٢). (٨) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٦) في حاشية (س): كشعر وتصنيف. كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٩٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث نعم. فيه نظر من حيث إنَّ العادة جارية بأن لا يطلق الإخبار إلَّ فيما قُرئ، ويسمَّى مثلُ هذا مناولةً، وليس هذا عندي بالمتعيِّن من جهة الصِّدق، فإن أوقع تهمة فقد يمنع من هذا الوجه. انتهى(١). ومع القرب الَّذي قاله ابن الصَّلاح فهو يلتبس باصطلاح ابن المديني في أنَّه إذا زاد في نسب شيخ شيخه على ما سمعه من شيخه يأتي بلفظ ((أن))(٢). ٥٢٦ (وبعضهم يختار في الإجازة) لفظ (أنبأنا كـ) الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد الغُمْري - بالمعجمة المفتوحة، وقيل: المضمومة والميم الساكنة نسبة إلى الغمر بطن من غافق(٣) - الأندلسي المالكي الأديب الشّاعر (صاحب الوجازة) وشيخ الحاكم(٤). بل حكى عياض عن شعبة أنَّه قالها مرة فيها: ((قال)) وروى عنه - أيضاً - [أخبرنا](٥). (٦). واستبعد ذلك المصنّف عنه(٧)، فإنَّه لم يكن ممن يرى الإجازة، كما سبق في محلّه(٨)، نعم. اصطلح قوم من المتأخّرين على إطلاقها فيها . ٥٢٧ (واختاره) أي: لفظ ((أنبأنا)) (الحاكم) أبو عبد الله (فيما شافهه) شيخه (بالإذن) في روايته (بعد عرضه) له عرض المناولة (مشافهة). قال: وعليه عهدت أكثر مشايخي، وأئمة عصري(٩). ٥٢٨ (واستحسنوا) كما أشعره صنيع ابن الصَّلاح(١٠) ومن بعده (للبيهقي) الحافظ (مصطلحا) وهو (أنبأنا إجازة(١١)، فصرحا) بالإجازة، ولم يطلق الإنباء، (١) ((الاقتراح)) (ص٢٥٥ - ٢٥٦). (٢) ((الكفاية)) (ص٣٢٣). انظر: ((الأنساب)) للسمعاني (١٠/ ٧٣ - ٧٤). (٣) (٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٥١ - ١٥٢). (٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٧) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠١/٢). (٦) ((الإلماع)) (ص١٢٨). (٨) (ص٣٩٤). (٩) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٦٠). (١٠) في ((علوم الحديث)) (ص١٥٢). (١١) ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٨٥/١)، والقراءة خلف الإمام له (ص٥٠)، و((علوم الحدیث» (ص١٥٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩٥ كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة لكونه عند القوم فيما تقدم بمنزلة الإخبار، وراعى في التَّعبير به عن الإجازة اصطلاح المتأخّرين؛ لا سيَّما ولم يكن الاصطلاح بذلك انتشر. بل قال ابن دقيق العيد: إنَّ إطلاقها في الإجازة بعيد من الوضع اللّغوي، إلا أن توضع اصطلاحاً(١). (وبعض من تأخر) من المحدِّثين (استعمل) كثيراً لفظ (عن) فيما سمعه من ٥٢٩ شيخه الرَّاوي عمن فوقه (إجازة) فيقول: قرأت على فلان عن فلان (وهي)، أي: عن (قريبة لمن) أي: لشيخ (سماعه من شيخه فيه يشك) مع تحقق إجازته منه. ٥٣ (وحرف عن بينهما) أي: السَّماع والإجازة (فمشترك) وأدخلت الفاء على الخبر على حد قوله: ويحدث ناس والصَّغير فيكبر(٢) وهو رأي الأخفش خاصَّة، لا الكسائي(٣). وهذا الفرع وإن سبق في العنعنة (٤)، وأنَّه لا يخرج بذلك عن الحكم له بالاتصال، فإعادته هنا لما فيه من الزِّيادة، وليكون منضماً لما يشبهه من الاصطلاح الخاصّ. ٥٣١ (وفي) صحيح (البخاري قال لي) فلان (فجعله حیرِيُّهم) أي: المحدّثين، وهو بالمهملة أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي النّيسابوري الحيري، أحد الحفّاظ الزّهاد، المجابي الدَّعوة فيما رواه الحاكم عن ولده (١) ((الاقتراح)) (ص٢٢٩). (٢) عجز بيت من بحر الطويل صدره: يموت أناس أو يشيب فتاهم والشاهد فيه قوله ((فيكبر)» حيث جاءت الفاء زائدة دخولها كخروجها ((المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية)) (٣٤٩/١). وانظر: ((مغني اللبيب)) لابن هشام (١٦٥/١ - ١٦٦)، و((خزانة الأدب)) للبغدادي (٢١٨/١ - ٢١٩). (٣) هو: علي بن حمزة الأسدي، أبو الحسن، المعروف بالكسائي، النحوي الكوفي، أحد أئمة القراءات، المتوفى سنة ثمانين ومائة. ((معجم الأدباء)) (١٦٧/١٣ - ٢٠٣)، و((إنباه الرواة)) (٢٥٦/٢ - ٢٧٤). (٤) (٣٠١/١ - ٣٠٢). كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة ٤٩٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث أبي عمرو(١) عنه(٢). (للعرض) أي: لما أخذه البخاريّ على وجه العرض (والمناولة) وانفرد أبو جعفر بذلك، وخالفه غيرُه فيه. بل الذي استقرأه شيخنا - كما أسلفته في آخر أول أقسام الثَّحمل(٣) - أنَّه إنَّما يستعمل هذه الصِّيغة في أحد أمرين: * أن يكون موقوفاً ظاهراً، وإن كان له حكم الرفع. * أو يكون في إسناده من ليس على شرطه، وإلَّ فقد أورد أشياء بهذه الصِّيغة، هي مروية عنده في موضع آخر بصيغة التَّحديث. (١) هو: محمد بن أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري، النحوي، المتوفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة. ((العبر)» (٣/٣)، و((لسان الميزان)) (٣٨/٥). (٢) انظر ما تقدم (ص٣٣٦). و((جامع التحصيل)) (ص١٤٤). (٣) (ص٣٣٦ - ٣٣٧). ملحوظة: انظر: بحث ما يقوله الراوي بالإجازة والمناولة في: ١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص ١٥٠ - ١٥٣). ٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٩٧/٢ - ١٠٣). ٣ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٧٤ - ٢٧٧). ٤ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣٣٦/٢ - ٣٣٨). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩٧ الخامس: المكاتبة القسم الخامس من أقسام التحمل المكاتبة إلى الطَّالب من الرَّاوي، والصِّيغة الَّتي يؤدى بها، وإلحاقها بالمناولة. (ثم الكتابة) من الشَّيخ بشيء من مرويه حديثاً فأكثر، أو من تصنيفه، أو نظمه، ويرسله إلى الطَّالب مع ثقة مؤتمن بعد تحريره بنفسه، أو بثقة معتمد، وشده وختمه احتياطاً، ليحصل الأمن من توهم تغييره، وذلك شرط إن لم يكن الحامل مؤتمناً . ٥٣٢ تكون (بخطّ الشَّيخ) نفسه، وهو أعلى (أو بإذنه) في الكتابة (عنه) لثقة غيره، سواء كان لضرورة أم لا، وسواء سئل في ذلك أم لا، (لغائب) عنه في بلدٍ آخر، أو قرية أو نحوهما، بل (ولو) كانت (لحاضر) عنده في بلده دون مجلسه . ٥٣٣ ويبدأ في الكتاب بنفسه(١) اقتداء بالنَّبِي وَلَّ(٢)، فيقول بعد البسملة: من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، فإن بدأ باسم المكتوب إليه، فقد كرهه غير واحد من السَّلف(٣). (١) في قول جمهور العلماء، بل حكى النحاس إجماع الصحابة، والحق إثبات الخلاف. انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (١٠٨/١٢)، و((فتح الباري)) (٣٨/١). (٢) انظر - مثلاً -: كتاب النبي وله إلى هرقل عظيم الروم في ((صحيح البخاري))، كتاب بدء الوحي (٣٢/١ - ٣٣)، ومسلم: باب كتب النبي 8* كتاب ((الجهاد والسير)) (١٠٧/١٢ - ١١١) مطولاً، وفيه: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم)). (٣) ((الكفاية)) (ص٤٨٣) لكن قال النووي في ((شرح مسلم)) (١٠٨/١٢) نقلاً عن أبي جعفر النحاس في كتابه ((صناعة الكتاب)): رخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه، وذكر منهم: زيد بن ثابت، ومحمد بن الحنفية، وبكر بن عبد الله، وأيوب السختياني. الخامس: المكاتبة ٤٩٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وكان أحمد بن حنبل يستحب إذا كتب الصَّغير إلى الكبير أن يقدم اسم المكتوب إليه، وأما هو فكان يبتدئ باسم من يكاتبه كبيراً كان أو صغيراً تواضعاً(١). وهي كالمناولة على نوعين: (فإن أجاز) الشَّيخ بخطِّه أو بإذنه (معها) أي: الكتابة بقوله: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك، أو نحو ذلك من عبارات الإجازات، وهي الَّوع الأول المُسمَّى بالكتابة [المقترنة](٢) بالإجازة. (أشبه) حينئذٍ في القوة والصِّحَّة حيث ثبت عند المكاتب أنَّ ذلك الكتاب هو من الراوي المجيز تولاه بنفسه، أو أمر معروفاً بالثقة بكتبه عنه (ما) إذا (ناول) مع الاقتران بالإجازة، كما مشى عليه البخاري في ((صحيحه)) في مطلق المناولة والمكاتبة، إذ سوی بينهما(٣). فإنَّه قال: وذكر المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان: إن عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالكاً رأوا ذلك جائزاً (٤). ولكن قد رجَّح قومٌ منهم الخطيب المناولة عليها، لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة(٥)، وهذا وإن كان مرجحاً فالمكاتبة تترجح - أيضاً - بكون الكتابة لأجل الطَّالب. ثم مقتضى الاستواء فضلاً عن القول بترجيح المناولة أن يكون المعتمد أنَّ المروي بها أنزل من المروي بالسَّماع، كما هو المعتمد هناك (٦). ويستأنس له بمناظرة وقعت بين الشَّافعي وإسحاق بن راهويه بحضرة أحمد بن حنبل في جلود الميتة إذا دبغت. فقال الشَّافعي: دباغها طهورها. (١) («الكفاية)) (ص ٤٨٣). (٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): المقرونة. (٣) في حاشية (س): أي في الذكر وأصل الجواز. (٤) (صحيح البخاري)): باب ما يذكر في المناولة - كتاب العلم (١/ ١٥٣). (٥) ((الكفاية)) (ص ٤٨٠). (٦) (ص٤٧١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩٩ الخامس: المكاتبة قال إسحاق: فما الدَّليل؟ قال: حديث ابن عباس عن ميمونة: ((هلَّا انتفعتم بجلدها))(١)، يعني: الشاة الميتة. فقال إسحاق: حديث ابن عكيم: كَتب إلينا النبيُّ ونَ ﴿ قبل موته بشهر: ((لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عَصْبٍ))(٢) يشبه أن يكون ناسخاً له، لأنَّه قبل موته بيسير. فقال الشَّافعي: هذا كتاب، وذاك سماع. فقال إسحاق: إنَّ النَّبِي وَ ﴿ كتب إلى كسرى وقيصر، وكان حجَّة عليه، فسكت الشّافعي(٣)، مع بقاء حُجَّته، كما قاله ابن المفضل المالكي، يعني: فإن كلامه في ترجيح السَّماع، لا في إبطال الاستدلال بالكتاب. وكأن إسحاق لم يقصد الردّ؛ لأنَّه مِمَّن يرى أنَّ المناولة أنقص من (١) رواه مسلم: باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، كتاب الطهارة (٥١/٤ - ٥٢)، وأبو داود: باب في أهب الميتة، كتاب اللباس رقم (٤١٢٠)، والنسائي: باب جلود الميتة، كتاب الفرع والعتيرة (١٧١/٧ - ١٧٣)، وابن ماجه: باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، كتاب اللباس رقم (٣٦١٠)، والترمذي: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت من أبواب اللباس رقم (١٧٢٧)، ولم يذكر فيه عن ميمونة. (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣١١/٤)، وأبو داود: باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، كتاب اللباس رقم (٤١٢٧، ٤١٢٨)، والترمذي: باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت من أبواب اللباس رقم (١٧٢٩)، والنسائي باب ما يدبغ به جلود الميتة، كتاب الفرع والعتيرة (٧/ ١٧٥)، وابن ماجه: باب من قال: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، كتاب اللباس رقم (٣٦١٣)، والبيهقي (١٤/١). وصححه ابن حبان بروايته له، كما في الإحسان (٩٣/٤ ح ١٢٧٧) طبعة الرسالة. وحسنه الترمذي، والحازمي في الاعتبار (ص٣٨). وقد أعل بالانقطاع والاضطراب، كما في ((التلخيص الحبير)) (٤٧/١ - ٤٨). إلا أن له شواهد ينجبر بها الانقطاع، ويمكن ترجيح بعض رواياته على بعض، فيرتفع الاضطراب، ويجمع بينه وبين الحديث الذي قبله، بأن يحمل حديث ميمونة على ما بعد الدبغ، وحديث ابن عكيم على ما قبل الدبغ. (٣) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٥٣ - ٤٥٤)، و((الاعتبار)) للحازمي (ص٣٩)، و((الإلماع)) (ص٨٦ - ٨٧). الخامس: المكاتبة ٥٠٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث السَّماع، كما سلف هناك (١)، بل هو ممَّن أخذ بالحديث الأول، كالشَّافعي(٢)، خلافاً لأحمد(٣). وممَّن استعمل المكاتبة المقرونة بالإجازة: أبو بكر ابن عياش، فإنَّه كتب إلى يحيى بن يحيى: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أمَّا بعد: عصمنا الله وإياك من جميع الآفات، جاءنا أبو أسامة فذكر أنَّك أحببت أن أكتب إليك بهذه الأحاديث، فقد كتبها ابني إملاءً مِنِّي لها إليه، فهي حديثٌ مِنِّي لك عمَّن سمّيت لك في كتابي هذا، فاروها وحدِّث بها عنِّي، فإِنِّي قد عرفت أنَّك هويت ذلك، وكان يكفيك أن تسمع ممَّن سمعها منِّي، ولكن النفس تطلع إلى ما هويت، فبارك الله لنا ولك في جميع الأمور، وجعلنا ممَّن يهوى طاعته ورضوانه، والسَّلام عليك(٤) . وقال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لَمَّا أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتَّى أرويها عنك، قال مالك: فكتبتها ثمَّ بعثتها إليه(٥) . بل صرَّح ابن النفيس بنفي الخلاف عن صِحَّة الرواية بها . وألحق الخطيب بهذا النَّوع في الصِّحَّة الكتابةَ بإجازة كتاب معيَّن، أو حديثٍ خاصٍّ، كما كتب إسماعيل بن إسحاق القاضي لأحمد بن إسحاق بن بهلول التنّوخي بالإجازة بكتاب ((الناسخ والمنسوخ))(٦) عن ابن زيد بن أسلم(٧)، وبـ ((العلل)) عن ابن المديني، وبـ ((الردّ على محمد بن الحسن))، (١) (ص٤٧١). (٢) انظر: ((الأم)) للشافعي (٩/١)، و((المجموع)) للنووي (٢١٧/١). (٣) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٥٤/١ - ٥٦) مع ((الشرح الكبير)). (٤) ((الكفاية)) (ص٤٨٥ - ٤٨٦). (٥) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٣٨)، و((الكفاية)) (ص٤٩٤) بنحوه. (٦) انظر: ((تاريخ التراث العربي)) لفؤاد سزكين (٦٣/١). (٧) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، مولاهم، المدني، ضعيف الحديث، صالح في نفسه، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (٢٣٣/٢/٢ - ٢٣٤)، و((تهذيب التهذيب)) (١٧٧/٦).