Indexed OCR Text

Pages 261-280

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦١
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
يسمعه إيَّاه إلَّا أن يحمل إليه خمسة أمناء(١) عود، فامتنع وألحَّ على الشَّيخ في
تكفير يمينه فما فعل، ولا حمل هو شيئاً، ومات الشَّيخ ولم يُسمع ابنَه الجزء.
ولكنَّه في المتأخرين أكثر.
ومنهم: من كان يمتنع من الأخذ من الغرباء خاصَّة، فروى السِّلَفي في
((معجم السفر)) له من طريق سهل بن بشر الإسفرائيني(٢)، قال: اجتمعنا بمصر
طبقة من طلبة الحديث فقصدنا عليَّ بن منير الخلال(٣) فلم يأذن لنا في
الدُّخول، فجعل عبد العزيز بن علي النخشبي(٤) فاه على كوة (٥) [ببابه](٦) ورفع
صوته بقوله: قال رسول الله وَّيقول: ((من سئل عن علم ... الحديث))(٧).
قال: ففتح الباب ودخلنا، فقال: لا أحدِّث اليوم إلَّا من وزن الذَّهب،
فأخذ مِن كلّ مَن حضر من المصريِّين، ولم يأخذ من الغرباء شيئاً، وكان فقيراً
لم يكن له من الدّنيا شيء، وهو من الثقات(٨).
ومنهم من لم يكن يشرط شيئاً ولا يذكره، غير أنَّه لا يمتنع من قَبول ما
يعطى بعد ذلك أو قبله.
ومنهم من كان يقتصر في الأخذ على الأغنياء.
ومنهم من كان يمتنع في الحديث [ونحوه](٩)، قال أبو أحمد ابن
(١) في حاشية (س): المن والمنا: رطلان، والجمع أمنان، وجمع المنا أمنا. وانظر:
((القاموس المحيط)) مادة (من).
(٢) أبو الفرج الإسفرائيني ثم الدمشقي، الصوفي المحدث، المتوفى سنة إحدى وتسعين
وأربعمائة. انظر: العبر (٣٣١/٣).
(٣) أبو الحسن المصري الشاهد، الشيخ الصدوق، المتوفى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة.
انظر: ((سير أعلام النبلاء)» (١٧ /٦١٩ - ٦٢٠).
(٤) الذي في مصادر ترجمته: عبد العزيز بن محمد النخشبي، وهو الشيخ الرحال الحافظ
المفيد، المتوفى سنة سبع وخمسين وأربعمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١١٥٦/٣ - ١١٥٧).
(٥) الكوة - تفتح وتضم ـ: الثقبة في الحائط. انظر: ((المصباح المنير)) مادة (كوى).
(٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): بابه.
(٨) معجم السفر للسلفي (ص١٦٩).
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): خاصة.
(٧) تقدم تخريجه (ص٢٥١).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٦٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
سكينة(١): قلت للحافظ ابن ناصر(٢): أريد أن أقرأ عليك شرحَ ديوان المتنبي
لأبي زكريا(٣)، وكان يرويه عنه، فقال: إنَّك دائماً تقرأ عليَّ الحديث مجّاناً،
وهذا شعر، ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه؛ لأنه ليس من الأمور
الدينية.
قال: فذكرت ذلك لوالدي فدفع إلي كاغداً (٤) فيه خمسة دنانير، فأعطيته
إياه، وقرأت عليه الكتاب. انتهى(٥). وكان مع ذلك فقيراً.
ونحوه أن أبا نصر محمَّد بن موهوب البغدادي الضَّرير الفرضي(٦) كان
يأخذ الأجرة ممن يعلمه الجبر والمقابلة دون الفرائض والحساب، ويقول:
الفرائض مهمّة، وهذا من [الفضل](٧). حكاهما ابن النَّجَّار(٨).
ومنهم من كان لا يأخذ شيئاً، ولكن يقول: إن لنا جيراناً محتاجين،
فتصدَّقوا عليهم، وإلّا لم أحدِّثكم، قاله زيد بن الحباب عن شيخه أنَّه كان
يفعله .
(١) هو: الشيخ الإمام العالم الفقيه المحدث الثقة المعمر ضياء الدين أبو أحمد
عبد الوهاب بن علي بن سكينة البغدادي الصوفي الشافعي، المتوفى سنة سبع
وستمائة .
((التكملة)) للمنذري (٢٠١/٢ - ٢٠٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥٠٢/٢١).
(٢) هو: الإمام المحدث، مفيد العراق، أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد السلامي
البغدادي، المتوفى سنة خمسين وخمسمائة.
((المنتظم)) (١٦٢/١٠)، و((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) (ص٣٨ - ٤٠).
(٣) هو: أبو زكريا يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني، الخطيب
التبريزي، الإمام اللغوي، المتوفى سنة اثنتين وخمسمائة.
(«معجم الأدباء)) (٢٥/٢٠ - ٢٨)، و((وفيات الأعيان)) (١٩١/٦ - ١٩٦).
(٤) الكاغد - بفتح الغين المعجمة -: هو القرطاس، فارسي معرب. نقله الزبيدي في:
(تاج العروس)) مادة (كغد) عن الصاغاني.
(٥) ((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٩/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٢٩٠/٤) نقلاً عن ابن النجار.
(٦) المتوفى سنة ثلاثين وخمسمائة. انظر: ((المنتظم)) لابن الجوزي (٦٤/١٠)، و((الأعلام))
للزركلي (٣٤٢/٧).
(٧) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): النفل.
(٨) هو: أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن البغدادي، الحافظ الكبير، المتوفى سنة
ثلاث وأربعين وستمائة. ((العبر)) (١٨٠/٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦٣
معرفة صفة من تقبل روايته ... إلخ
ثمَّ إنَّ ما تقدَّم من كون الأخذ خارماً هو حيث لم يقترن بعذر من فقر
مرخص، أو تعطيل عن كسب.
(فإن) كان ذا كسب، ولكن (نبذ) بنون ثم موحدة، وذال معجمة، أي:
ألقى (شغلا به) أي: لاشتغاله بالتَّحديث (الكسب) لعياله (أجز) أيها الطَّالب له
الأخذ (إرفاقا) أي: لأجل الإرفاق به في معيشته، عوضاً عما فاته من الكسب
من غير زيادة.
٣١٤
فقد (أفتى به) أي: بجواز الأخذ (الشَّيخ) الولي (أبو إسحاقا) الشِّيرازي،
أحد أئمّة الشَّافعية، حين سأله مسند العراق في وقته أبو الحسين ابن النقور(١)،
لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله(٢)، فكان يأخذ كفايته،
وعلى نسخة طالوت بن عباد [أبي عثمان الصَّيرفي](٣) بخصوصها ديناراً (٤).
واتَّفق أنه جاء غريب فقير فأراد أن يسمعها منه، فاحتال [بأن اقتصر على
كنية طالوت، لكونه لم [يكن](6) يعرفه بها، وذلك أنَّه قال له: أخبرك أبو
القاسم ابن حبابة(٦)](٧). قال: ثنا البغوي، ثنا أبو عثمان الصَّيرفي، وساق
النُّسخة إلى آخرها، فبلغ مقصوده بدون دينار(٨)، [لكون ابن النقور لم يعلم أن
أبا عثمان الصيرفي هو طالوت] (٩).
(١) هو: الشيخ الجليل، مسند العراق، أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن
النقور البغدادي البزاز، المتوفى سنة سبعين وأربعمائة.
((تاريخ بغداد)) (٣٨١/٤ - ٣٨٢)، و((العبر)) (٢٧٢/٣ - ٢٧٣).
(٢) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٧).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). وأبو عثمان هذا قال فيه أبو حاتم: صدوق، توفي
سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
((ميزان الاعتدال)) (٣٣٤/٢)، و((لسان الميزان)) (٢٠٥/٣).
(٤) ((المنتظم)) لابن الجوزي (٣١٤/٨).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٦) هو: عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة البغدادي المتوثي، البزاز، أبو القاسم،
مسند بغداد، المتوفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. ((العبر)) للذهبي (٤٤/٣)، و((شذرات
الذهب» (١٣٢/٣).
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م)، وفيها: بأن أخبره عن شيخه.
(٨) ((سير أعلام النبلاء)) (٣٧٣/١٨ - ٣٧٤).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (م).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٦٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وسبق إلى الإفتاء بالجواز ابن عبد الحكم(١)، فقال خالد بن سعد
الأندلسي(٢): سمعت محمَّد بن فطيس(٣) وغيره يقولون: جمعنا لابن أخي ابن
وهب - يعني: أحمد بن عبد الرَّحمن(٤) - دنانير وأعطيناه إياها، وقرأنا عليه
موظّأ عمِّه وجامِعَه.
قال محمّد: فصار في نفسي من ذلك، فأردت أن أسأل ابن عبد الحكم،
فقلت: أصلحك الله! العالم يأخذ على قراءة العلم؟ فاستشعر - فيما ظهر لي -
أنّي [إنَّما](٥) أسأله عن أحمد، فقال لي: جائز عافاك الله، حلال أن لا أقرأ
لك ورقة إلَّا بدرهم، ومن أخذني أن أقعد معك طول النَّهار، وأدع ما يلزمني
من أسبابي ونفقة عيالي(٦).
إذا علم هذا فالدَّليل لمطلق الجواز - كما تقدَّم (٧) - القياس على القرآن،
فقد جوَّز أخذ الأجرة على تعليمه الجُمهور (٨)، لقوله وَ لّ في الحديث
الصحيح: ((أَحَقُّ ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله))(٩).
(١) في حاشية (س): ومن هنا كان بعض الفضلاء من شيوخ شيخنا يأخذ على تقرير كل
بيت من ألفية ابن مالك درهماً.
(٢) هو: أبو القاسم خالد بن سعد القرطبي، الحافظ، أحد أركان الحديث بالأندلس،
المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
((العبر)): (٢٩٥/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩١٩/٣).
(٣) هو: محمد بن فطيس بن واصل الغافقي الألبيري، أبو عبد الله، الفقيه المالكي،
المتوفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
((بغية الملتمس)) للضبي (ص١٢١)، و((الديباج المذهب)) (١٩١/٢).
(٤) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم القرشي، أبو عبيد الله المصري،
المتوفى سنة أربع وستين ومائتين.
(الجرح والتعديل)) (٥٩/١/١ - ٦٠)، و((تهذيب الكمال)) (٣٨٧/١).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) ((جذوة المقتبس)) (ص٧٨ - ٧٩)، و((بغية الملتمس)) (ص١٢١ - ١٢٢).
(٧) (ص٢٥٢).
(٨) انظر: ((فتح الباري)) (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٩) أخرجه البخاري: باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب، كتاب الطب (١٩٨/١٠ -
١٩٩) عن ابن عباس مطولاً. وفي باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب، كتاب
الإجارة (٤٥٢/٤) معلقاً مختصراً.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٦٥
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك لا تَنهض بالمعارضة؛ إذ ليس
فيها ما تقوم به الحجَّة، خصوصاً وليس فيها تصريحٌ بالمنع على الإطلاق؛ بل
هي وقائع أحوال محتملة للتَّأويل لتوافق الصَّحيح (١)، وقد حملها بعض العلماء
على الأخذ فيما تعيّن عليه تعليمه؛ لا سيَّما عند عدم الحاجة.
وكذا يمكن أن يقال في تفسير أبي العالية(٢) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ
◌ِجَابَتِي ثَمَنَا قَلِيلًا﴾(٣)، أي: لا تأخذوا عليه أجراً، وهو مكتوبٌ عندهم في
الكتاب الأول(٤): يا ابن آدم عَلِّم مجاناً كما عُلِّمْتَ مجاناً(٥).
وليس في قول عازب لأبي بكر حين سأله أن يأمر ابنه البراء [*](٦)
بحمل ما اشتراه منه معه: لا، حتى تحدثنا بكذا (٧)، متمسك للجواز، لتوقفه -
كما قال شيخنا (٨) - على أن عازباً لو استمرَّ على الامتناع من إرسال ابنه،
لاستمرَّ أبو بكر على الامتناع من [الحديث](٩)، يعني: فإنَّه حينئذٍ لو لم يجز
لما امتنع أبو بكر، ولا أقر عازباً عليه.
ولكن ليس هذا بلازم، لاحتمال أن يكون امتناعه تأديباً وزجراً، وتقريره
عازباً فلكونه فهم عنه قصد المبادرة لإسماع ابنه، وكونه حاضراً معه خوفاً من
(١) ((فتح الباري)) (٤٥٣/٤)، وانظر: الآثار الواردة في الجواز والمنع في ((المحلى)) لابن
حزم (٢١/٩ - ٢٦).
(٢) هو: رفيع بن مهران الرياحي البصري، أبو العالية، أحد الأعلام، المتوفى سنة
تسعین، وقيل: ثلاث وتسعين.
((حلية الأولياء)) (٢١٧/٢ - ٢٢٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٧/٤ - ٢١٣).
(٣) سورة البقرة: الآية ٤١. والآية بتمامها: ﴿وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًّا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ
أَوَّلَ كَاِفِرٍ بِ، وَلَا تَشْتَرُواْ بَِابَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًاً وَإَِىَ فَاتَّقُونِ
(٤) يعني: التوراة، كما في ((حلية الأولياء)).
(٥) ((تفسير الطبري)) (٥٦٥/١)، و((حلية الأولياء)) (٢٢٠/٢)، و((الكفاية)) (ص٢٤١).
(٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٧) قصة البراء مع أبي بكر: أخرجها البخاري: باب مناقب المهاجرين، كتاب ((فضائل
الصحابة)) (٨/٧)، ومسلم: باب في حديث الهجرة في أواخر ((صحيحه)) (١٨ /١٤٧ -
١٥١) وليس فيها مشارطة.
(٨) ((فتح الباري)) (١٠/٧).
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): التحديث.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٦٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الفوات، لا خصوص هذا المَحْكِي، وعلى هذا: فما بقي فيهما متمَسَّك.
وعلى كل حال: فقد سبق للمنع من الاستدلال به الخَطّابي(١) وابن
الجوزي، وقال: ومن المُهِمِّ هنا أن نقول: قد علم أن حرص الطَّلبة للعلم قد
فتر؛ لا بل قد بطل، فينبغي للعلماء أن يحببوا لهم العلم، وإلَّ فإذا رأى طالب
الأثر أن الإسناد يباع، والغالب على الطّلبة الفقر ترك الطَّلب، فكان هذا سبباً
لموت السنَّة، ويدخل هؤلاء في معنى الَّذين يصدُّون عن ذكر الله، وقد رأينا من
كان على مأثور السَّلف في نشر السُّنَّة بورك له في حياته وبعد مماته، وأمَّا من
كان على السِّيرة التي ذممناها لم يبارك له على غزارة علمه. انتهى.
وقد حكى ابن الأنماطي الحافظ (٢)، قال: رغبت أبا علي حنبل بن
عبد الله البغدادي الرصافي راوي مسند أحمد في السَّفر إلى الشَّام، وكان فقيراً
جداً، فقلت له: يحصل لك من الدنيا طرف صالح، ويقبل عليك وجوه النَّاس
ورؤساؤهم، فقال: دعني فوالله ما أسافر لأجلهم، ولا لما يحصل منهم، وإنَّما
أسافر خدمة لحديث رسول الله * أروي أحاديثه في بلدٍ لا تُروى فيه.
قال: ولما علم الله [تعالى](٣) منه هذه النية الصَّالحة، أقبل بوجوه النَّاس
إليه، وحرَّك الهمم للسَّماع عليه، فاجتمع إليه جماعة لا نعلمها اجتمعت في
مجلس سماع قبل هذا بدمشق، بل لم يجتمع مثلها قطّ لأحد ممَّن روى
(٤)
المسند().
نسأل الله [تعالى] (٣) الإخلاص قولاً وفعلاً(٥).
(١) نقله الحافظ ابن حجر في: (فتح الباري) (٧/ ١٠) عنه.
(٢) هو: الحافظ البارع مفيد الشام تقي الدين أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن
عبد المحسن بن الأنماطي الشافعي، المتوفى سنة تسع عشرة وستمائة.
((ذيل الروضتين)) لأبي شامة (ص١٣١)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٤٠٣/٤ - ١٤٠٥).
(٣) ما بين المعقوفين في الموضعين زيادة من (م).
(٤) ((سير أعلام النبلاء)) (٤٣٢/٢١ - ٤٣٣)، وهو مخالف لما ذكره الذهبي في ((العبر))
(١٠/٥): أنه ما تهنى بالذهب الذي ناله في دمشق وقت سماعهم عليه.
(٥) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك نفع الله به.
وفي حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به قراءة علي. كتبه مؤلفه.
ملحوظة: انظر: مسألة أخذ الأجرة على التعليم في : -
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٦٧
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
الثاني عشر: في التساهل وغيره مما يخرم الضبط:
٣١٥
(ورد) عند أهل الحديث (ذو تساهل في الحمل) أي: التّحمل للحديث
وسماعه (ك) المتحمل حال (الثَّوم) الكثير الواقع منه، أو من شيخه مع عدم
مبالاته بذلك، فلم يقبلوا روايته.
وما وقع لهم من قبول الإمام الثقة الحجّة عبد الله بن وهب مع وصف
ابن المديني وغيره له بأنَّه كان رديءَ الأخذ (١)، وقول عثمان بن أبي شيبة: إنَّه
رآه هو وأخوه أبو بكر وغيرهما من الحفاظ وهو نائم في حال كونه يقرأ له على
ابن عيينة، وإن عثمان قال للقارئ: أنت تقرأ وصاحبك نائم، فضحك ابن
عيينة.
قال عثمان: فتركنا ابن وهب إلى يومنا هذا، فقيل له: ولهذا تركتموه؟
قال: نعم. أتريد أكثر من ذا؟ رواه الخطيب(٢) - فلكونه في ذلك ماشياً على
مذهب أهل بلده في تجويز الإجازة، وأن يقال فيها: حدَّثني(٣).
بل قال أحمد: إنه كان صحيح الحديث، يَفْصِل السَّماع من العرض،
والحديث من الحديث، ما أصَّ حديثَه، فقيل له: أليس كان يسيء الأخذ؟
قال: قد كان، ولكنك إذا نظرت في حديثه عن مشايخه وجدته صحيحاً (٤).
ثم إنه لا يَضُرُّ في كل من التَّحمل والأداء النّعاس الخفيف الذي لا يختلّ
معه فهم الكلام؛ لا سيَّما من الفطن، فقد كان الحافظ المزّي ربَّما ينعس في
حال إسماعه، ويغلط القارئ، أو يزل فيبادر للرد عليه(٥)، وكذا شاهدت شيخَنا
غيرَ مرة.
١ - ((المدونة)) (٦١/١١ - ٦٢).
=
٢ - ((المحلى)) لابن حزم (٢٢/٩ - ٢٦).
٣ - ((تفسير القرطبي)) (٣٣٥/١).
٤ - ((المعيار المعرب)) للونشريسي (٢٥٢/٨).
(١) ((الكفاية)) (ص٢٣٧ - ٢٣٨)، و((الكامل)) لابن عدي (١٥١٨/٤).
(٣) انظر ما سيأتي (ص٤٨٣).
(٢) انظر: المصدرين السابقين.
(٤) ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٨٩/٢/٢ - ١٩٠)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٢٣/٢).
(٥) ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٤٩٩/٤)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢٣٤/٥).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٦٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بل بلغني عن بعض العلماء الرَّاسخين في العربية(١) أنَّه كان يقرأ شرح
ألفية النَّحو لابن المصنف وهو ناعس.
وما يوجد في الطّاق من التَّنبيه على نعاس السَّامع أو المُسْمِع لعلَّه فيمن
جُهِل حالُه، أو عُلِم بعدم الفهم.
وأما امتناع التَّقي ابن دقيق العيد من التَّحديث عن ابن المقير(٢) مع صحّة
سماعه منه، لكونه شكَّ هل نعس حال السَّماع أم لا(٣)؟ فلورعه، فقد كان من
الورع بمكان.
ونحوه أنَّه قيل لعلي بن الحسن بن شقيق المروزي(٤): أسمعت الكتاب
الفلاني؟ فقال: نعم، ولكن نهق حمار يوماً فاشتبه علي حديث، ولم أعرف
تعیینه، فترکت الکتاب کلّه(٥) .
(و) كذلك رد عندهم ذو تساهل في حالة (الأداء) أي: التَّحديث (ك)
المؤدِّي (لا من أصل) صحيح، مع كونه هو أو القارئ أو بعض السَّامعين غير
حافظ حسبما يأتي في بابه(٦) .
ومن ذلك من كان يحدِّث بعد ذَهاب أصوله واختلالِ حفظه، كفعل ابن
لَهِيعة فيما حكاه هشام بن حسَّان، فقال: جاء قوم ومعهم جزء فقالوا: سمعناه من
ابن لهيعة، فنظرت فلم أجد فيه حديثاً واحداً من حديثه، فأتيته وأعلمته بذلك،
فقال: ما أصنع؟ يجيئوني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك، فأحدِّثهم به(٧) .
(١) في حاشية (م): هو الشيخ محيي الدين البوصيري.
(٢) هو: الشيخ المسند الصالح أبو الحسن علي بن أبي عبيد الله الحسين بن علي بن
منصور بن المقير البغدادي الأزجي الحنبلي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
((سير أعلام النبلاء)) (١١٩/٢٣ - ١٢١)، و((شذرات الذهب)) (٢٢٣/٥).
(٣) ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٨١/٤)، و((الوافي بالوفيات)) (١٩٣/٤)، و((الدرر الكامنة))
(٤/ ٢١١ - ٢١٢)، و((البدر الطالع)) (٢٣٠/٢).
(٤) العبدي مولاهم، أبو عبد الرحمن، أخرج له الجماعة، مات سنة إحدى، وقيل: ثنتي
عشرة ومائتين.
((الجرح والتعديل)) (١٨٠/١/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩٨/٧ - ٢٩٩).
(٥) (تهذيب الكمال)) (٣٧٣/٢٠)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩٩/٧).
(٦) (١١٦/٣) وما بعدها.
(٧) ((الكفاية)) (ص٢٣٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٦٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
ونحوه ما وقع لمحمَّد بن خلَّاد السكندري(١) جاءه رجلٌ بعد أن ذهبت
كتبه بنسخة ضمام بن إسماعيل (٢)، ويعقوب بن عبد الرحمن(٣)، فقال له: أليس
هما سَماعك؟ [قال](٤): نعم. قال: فحدِّثْني بهما، قال: قد ذهبت كتبي، ولا
أحدِّث من غير أصل، فما زال حَتَّى خدعه، ولذا من سمع منه قديماً قبل
ذَهابٍ كتبه كان صحيحَ الحديث، ومن تأخّر فلا (٥).
وممَّن وصف بالتَّساهل فيهما(٦) قُرَّة بن عبد الرَّحمن(٧)، قال يحيى بن
معين: إنَّه كان يتساهل في السَّماع وفي الحديث، وليس بكذَّاب(٨).
والظاهر أنَّ الرَّدَّ بذلك ليس على إطلاقه، وإلَّا فقد عرف جماعة من
الأئمة المقبولين به، فإمَّا أن يكون لما انضمَّ إليهم من الثِّقة وعدم المجيء بما
ينكر، وكلام أحمد الماضي قريباً(٩) يشهد له، أو لكون التَّسَاهل يختلف، فمنه
ما يقدح، ومنه ما لا يقدح.
(١) هو: محمد بن خلاد بن هلال الإسكندراني، أبو عبد الله، قال الذهبي: لا يدرى من
هو، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
(«ميزان الاعتدال)) (٥٣٧/٣)، و((لسان الميزان)) (١٥٥/٥ - ١٥٦).
(٢) هو: ضمام بن إسماعيل بن مالك المرادي المعافري، أبو إسماعيل المصري،
صدوق، مات سنة خمس وثمانين ومائة.
((الجرح والتعديل)) (٤٦٩/١/٢)، و(تهذيب التهذيب)) (٤٥٨/٤ - ٤٥٩).
(٣) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد، القاري المدني، نزيل
الإسكندرية، ثقة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة.
يحيى بن معين وكتابه التاريخ (١٧٢/٣)، والتقريب (ص٣٨٦ - ٣٨٧).
(٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): فقال.
(٥) ((المجروحين)) (٦٣/١)، و((الكفاية)) (ص٢٣٩)، و((لسان الميزان)) (١٥٦/٥).
(٦) في حاشية (م): في السماع والإسماع.
(٧) هو: قرة بن عبد الرحمن بن حيويل بن ناشرة المعافري، المصري، أبو محمد، ضعفه
أحمد وابن معين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، مات سنة سبع وأربعين ومائة.
((الثقات)) لابن حبان (٣٤٢/٧ - ٣٤٤)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٥٨١/٢٣).
(٨) ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٤/٨)، وفي رواية الدقاق عن يحيى (ص٦٨) مصري ليس بقوي
الحدیث.
(٩) (ص ٢٦٧).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٧٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣١٦
وكذا من اختلَّ ضبطه بحيث أكثر من القلب أو الإدراج، أو رفع
الموقوف أو وصل المرسل (أو قبل التلقين) الباطل ممن يلقِّنه إيَّاه في الحديث
إسناداً أو متناً، وبادر إلى التَّحديث بذلك، ولو مرَّة، لدلالته على مجازفته
وعدم تثبته، وسقوط الوثوق بالمتَّصف به؛ لا سيّما وقد كان غير واحد يفعله
اختباراً، وتجربة لحفظ الراوي وضبطه وحذقه.
قال حمَّاد بن زيد فيما رواه أبو يعلى في ((مسنده)): لقنت سلمة بن علقمة(١)
حديثاً فحدثني به، ثُمَّ رجع فيه، وقال: إذا أردت أن تكذب صاحبك - أي تعرف
كذبه - فلقّنه(٢)، وكذا قال قتادة: إذا أردت أن تكذب صاحبك فلقّنه(٣) .
ومنهم من يفعله ليرويه بعد ذلك عمَّن لقَّنه، وهذا من أعظم القدح في
فاعله، قال عبدان الأهوازي: كان البغداديون كعبد الوهّاب بن عطاء (٤) يُلقِّنون
المشايخ، وكنت أمنعهم(٥) .
وكذا قال أبو داود: كان فَضْلَك(٦) يدور على أحاديث أبي مسهر وغيره
يلقنها هشام بن عمار - يعني: بعدما كبر - بحيث كان كلما دفع إليه قرأه، وكلَّما
لُقِّن تَلقَّن [ويحدِّث(٧) بها، قال: وكنت أخشى أن يفتق في الإسلام فتقاً(٨).
(١) هو: سلمة بن علقمة التميمي، أبو بشر البصري، ثقة فقيه، مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص١٩٧)، و(تهذيب التهذيب)) (١٥٠/٤).
(٢) مسند أبي يعلى (٥٥/٥). ((الكامل)) لابن عدي (٤٦/١)، و((الكفاية)) (ص٢٣١،
٢٣٤ - ٢٣٥).
(٣) ((الكامل)) لابن عدي (٤٥/١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٧٤/٥).
(٤) هو: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أبو نصر العجلي، مولاهم، البصري، وثقه ابن
معين، وقال البخاري: ليس بالقوي، مات سنة أربع أو ست ومائتين. ((تاريخ بغداد))
(٢١/١١ - ٢٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥٠/٦ - ٤٥٣).
(٥) ((الكامل)) لابن عدي (٤٦/١).
(٦) في حاشية (س): لقب الفضل بن العباس الرازي.
وفي حاشية (م): هو لقب رجل يسمى الفضل بن العباس الرازي، وهو: الحافظ الناقد
أبو بكر الصائغ، أحد الأئمة، المتوفى سنة سبعين ومائتين. ((تاريخ بغداد)) (١٢/
٣٦٧)، و((تذكرة الحفاظ)) (٦٠٠/٢).
(٧) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ويحدثه.
(٨) سؤالات الآجري بتحقيق البستوي (١٩١/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧١
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
ولكن قد قال عبد الله بن محمَّد بن سيَّار: لمَّا لمته على [قَبول](١)
التَّلقين، قال: أنا أعرف حديثي، ثمَّ قال لي بعد ساعة: إن كنت تشتهي أن
تعلم فأدخل إنساناً في شيء، فتفقدت الأسانيد الَّتي فيها قليل اضطراب، فسألته
عنها فكان يَمرُّ فيها، وكان - أيضاً - يقول: قال الله [تعالى](٢): ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ
بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإَِّاٌ إِثْمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾(٣)(٤).
ومن الأول(٥) ما وقع لحفص بن غياث، فإنه لقي هو ويحيى القطّان
وغيرهما موسى بن دينار المكي (٦)، فجعل حفص يضع له الحديث، فيقول:
حَدَّثتك عائشة ابنة طلحة (٧) عن عائشة [رَّا](٨) بكذا وكذا، فيقول: حدَّثتني
عائشة، ويقول له: وحدَّثك القاسم بن محمَّد عن عائشة بمثله، فيقول: حدّثني
القاسم بن محمَّد عن عائشة بمثله.
أو يقول: حدَّثك سعيد بن جبير عن ابن عبّاس بمثله، فيقول: حدَّثني
سعيد بن جبير عن ابن عبّاس بمثله، فلما فرغ حفص مدَّ يده لبعض من حضر
ممن لم يعلم المقصد، وليست له نباهة، فأخذ ألواحَه الَّتي كتب فيها ومحاها،
وبَيَّن له كذب موسى (٩).
ومن الثَّاني (١٠): من عمد من أصحاب الرَّأْي إلى مسائل عن أبي حنيفة
(١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨١.
(٤) ((ميزان الاعتدال)) (٣٠٣/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٥٣/١١).
(٥) في حاشية (س): وهو الاختبار.
وفي حاشية (م): وهو اختبار حفظ الراوي.
(٦) هو: موسى بن دينار المكي، ضعفه البخاري والدارقطني وغيرهما، وقال أبو حاتم:
مجهول .
((ميزان الاعتدال)) (٢٠٤/٤)، و((لسان الميزان)) (١١٦/٦ - ١١٧).
(٧) هي: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التميمية، أم عمران، ثقة، من الثالثة.
(تقريب التهذيب)) (ص ٤٧٠)، والخلاصة (ص٤٢٥).
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٩) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (١٥٧/٤)، و((المجروحين)) لابن حبان (٥٨/١)، و((جامع
الأصول)) لابن الأثير (١٤٣/١ - ١٤٤).
(١٠) في حاشية (م): أي التلقين للرواية.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٧٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
فجعلوا لها أسانيد عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عبّاس ووضعوها
في كتب خارجة بن مصعب(١)، فصار يُحدِّث بها (٢). في جماعة ممَّن كان يقبل
التلقين أفردوا بالتأليف.
٣١٧
(أو قد وصفا) من الأئمّة (بـ) رواية (المنكرات) أو الشَّواذ (كثرة) أي:
حال كونها ذات كثرة (أو عرفا بكثرة السَّهو) والغلط في روايته، كما نصَّ عليه
الشافعي في ((الرسالة))(٣) حال كونه حدث من حفظه (وما حدث من أصل
صحيح فهو)، أي: المتَّصف بشيءٍ مما ذكر، (رد) أي: مردود عندهم؛ لأنَّ
الاتصاف بذلك كما قال ابن الصَّلاح: يخرم الثُّقة بالرَّاوي وضبطه(٤) .
قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشَّاذ إلَّا من الرَّجل الشَّاذُ(٥)، وقيل له
- أيضاً -: من الذي تترك الرِّواية عنه؟ قال: إذا أكثر من الرِّواية عن المعروف
بما لا يعرف، وأكثر الغلط(٦).
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني فيما حكاه الخطيب عنه: من عُرف بكثرة
السَّهو والغفلة، وقلَّة الضَّبط رُدَّ حديثُه، قال: وكذا يُردُّ حديثُ من عُرف
بالتَّساهل في الحديث النبوي، دون المتساهل في حديثه عن نفسه وأمثاله، وما
ليس بحكم في الدِّين(٧)، يعني: لأمن الخلل [فيه](٨)، وتبعه غيره من
الأصوليين فيه(٩).
(١) هو: خارجة بن مصعب الضبعي، أبو الحجاج السرخسي، الفقيه، وهاه أحمد، وكذبه
ابن معين، مات سنة ثمان وستين ومائة.
((الكامل)) لابن عدي (٩٢٢/٣ - ٩٢٧)، و((ميزان الاعتدال)) (٦٢٥/١).
(٢) انظر: ((تهذيب الكمال)) (٢٠/٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٧٧/٣)، وانظر ما تقدم
(ص ١٢٠)،
(٣) (ص٣٨٢)، ونقله الخطيب في ((الكفاية)) (ص٢٢٨).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص١٠٨).
((الكامل)) لابن عدي (٨١/١)، و((الكفاية)) (ص٢٢٤).
(٦) ((المجروحين)) (٦١/١، ٦٤) و((الكفاية)) (ص٢٢٥ - ٢٢٦، ٢٢٩).
(٥)
(٧) ((الكفاية)) (ص٢٣٩).
(٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٩) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (١٦٢/١)، و((المحصول)) للرازي (٦١٠/١/٢ - ٦١١)،
و((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص ٣٧٠).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٧٣
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
ويخالفه قول ابن النَّفيس: من تشدَّد في الحديث وتساهل في غيره،
فالأصحّ أنّ روايته تُردّ، قال: لأنَّ الظّاهر أنَّه إنّما تشدَّد في الحديث لغرض،
وإلَّا للزم التَّشدُّد مطلقاً، وقد يتغيَّر ذلك الغرض، أو يحصل بدون تشدّد
فيكذب. انتهى. إلا أن يحمل على التَّساهل فيما هو حكم في الدِّين.
ولم ينفرد ابن النفيس بهذا؛ بل سبقه إليه الإمام أحمد وغيره(١)، لأنَّه قد
يجرّ إلى التَّساهل في الحديث(٢)؛ وينبغي أن يكون محلُّ الخلاف في تساهلٍ لا
يُفضي إلى الخروج عن العدالة، ولو فيما يكون به خارماً للمروءة فاعلمه.
أمَّا من لم يكثر شذوذه ولا مناكيره، أو كثر ذلك مع تمییزه له وبيانه، أو
حدّث مع انِّصافه بكثرة السَّهو من أصل صحيح، بحيث زال المحذور في
تحديثه من حفظه فلا، وكذا إذا حدَّث سيء الحفظ عن شيخ عُرف فيه
بخصوصه بالضَّبط والإتقان كإسماعيل بن عياش(٣)، حيث قبل فَي الشَّامِيِّينَ
خاصَّة (٤)، دون غيرهم(٥).
على أنَّ بعضَ المتأخِّرين توقَّف في ردِّ من كثرت المناكير وشبهها في
حديثه، لكثرة وقوع ذلك في حديث كثير من الأئمة، ولم تُردَّ روايتهم.
ولكن الظاهر أنَّ المراد من كثر ذلك في رواياته مع ظهور إلصاق ذلك به
لجلالة باقي رجال السَّند.
(ثم إن بُين له) بضم أوله ونون ساكنة مدغمة في اللام، أي: الرَّاوي الَّذي ٣١٨
سها أو غلط ولو مرة (غلطه فما رجع) عن خطئه، بل أصرَّ عليه (سقط عندهم)
أي: [عند] (٦) المحدثين (حديثه) بل مرويه (جُمَع) بضم الجيم وزن مضر.
(١) كالإمام مالك. انظر: ((الكفاية)) (ص٢٤٩).
(٢) ((المسودة)) (ص٢٦٦).
(٣) هو: إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن
أهل بلده، مخلط في غيرهم، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة. ((تقريب
التهذيب)) (ص٣٤)، والخلاصة (ص ٣٠).
(٤) انظر: ((التاريخ الكبير)) (٣٦٩/١/١)، و((الجرح والتعديل)) (١٩٢/١/١)، و((المعرفة
والتاريخ)) (٤٢٤/٢)، و((تاريخ بغداد)) (٢٢٤/٦).
(٥) في حاشية (س): وحماد بن سلمة في ثابت البناني.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (م).

٣١٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٧٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وممَّن صرَّح بذلك شعبة وغيره، كما سيأتي آخر المقالة، و(كذا)
عبد الله بن الزُّبير (الحميدي(١) مع ابن حنبل(٢)) الإمام أحمد (وابن المبارك)
عبد الله (٣)، وغيرهم (رأوا) إسقاط حديث المتَّصف بهذا (في العمل) احتجاجاً
ورواية، حتَّی ترکوا الكتابة عنه.
٣٢٠
(قال) ابن الصلاح: (وفيه نظر (٤))، وكأنَّه لكونه قد لا يثبت عنده ما قيل
له، إما لعدم اعتقاده علم المبين له وعدم أهليته، أو لغير ذلك.
قال: (نعم إذا كان) عدم رجوعه (عناداً) محضاً (منه) لا حجَّة له فيه،
ولا مطعن عنده يبديه، فـ (ما ينكر ذا) أي: القول بسقوط رواياته وعدم الكتابة
(٤)
عنه(٤).
ويرشد لذلك قولُ شعبة حين سأله ابن مهدي: من الَّذي تترك الرِّواية
عنه؟ ما نصه: إذا تمادى في غلط مُجْمع عليه، ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم،
أو رجلٌ يُتَّهم بالكذب(٥) .
ونحوه قول ابن حبَّان: من تَبيَّن له خطؤُه وعَلِمَ فلم يرجع وتمادى في
ذلك كان كذَّاباً بعلمٍ صحيحٍ(٦) .
قال التَّاج التبريزي: لأنَّ المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله
بالباطل، وأمَّا إذا كان عن جهل فأولى بالسّقوط، لأنَّه ضم إلى جهله إنكاره
الحقّ، وكأنَّ هذا فيمن يكون في نفسه جاهلاً مع اعتقاده علم من أخبره.
الثالث عشر: في عدم مراعاة ما تقدم في الأزمان المتأخرة.
(وأعرضوا) أي: المحدثون فضلاً عن غيرهم (في هذه الدّهور) المتأخّرة
(عن) اعتبار (اجتماع هذه الأمور) التي شرحت فيما مضى في الراوي [و](٧)
٣٢١
(١) ((الكفاية)) (ص٢٢٨، ٢٢٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق (ص٢٢٧، ٢٢٩).
(٤)
((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٨).
.(٥)
((المجروحين)) (٦٦/١)، و((الكفاية)) (ص٢٢٩).
(٦) ((المجروحين)) (٦٦/١)، وقوله: بعلم صحيح غير موجود في الطبعة الهندية، بل هو
موجود في طبعة دار الوعي بحلب (٧٩/١) وقد وضعها المحقق بين قوسين.
(٧) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): في.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٧٥
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٣٢٢
ضبطه، فلم يتقيدوا بها في عملهم (لعسرها) أو تعذر الوفاء بها .
(بل) استقرّ الحال بينهم على اعتبار بعضها، وأنّه (يكتفى) في [الرواية](١)
(بالعاقل المسلم البالغ غير الفاعل للفسق) وما يخرم المروءة (ظاهراً) بحيث ٣٢٣
يكون مستورَ الحال.
(و) يكتفى (في الضَّبط بأن يثبت ما روى بخطٍ) ثقةٍ (مؤتَمن) سواء الشَّيخ
أو القارئ أو بعض السّامعين، كتب على الأصل، أو في ثبت(٢) بيده، إذا كان
الكاتب من أهل الخبرة بهذا الشَّأن، بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا
الرَّاوي عليه؛ بل على الثّقة المفيد لذلك.
(وأنه يروي) حين يحدِّث (مِنَ اصْل) بنقل الهمزة (وافقا لأصل شيخه كما ٣٢٤
قد سبقا لنحو ذاك) الحافظ الكبير (البيهقي) فإنَّه لمّا ذكر تَوسُّع من تَوسَّع في
٣٢٥
السماع من بعض محدِّثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته
من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل
سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث.
قال: فمن جاء اليوم بحديثٍ واحدٍ لا يوجد عند جميعهم لم يُقبل
منه(٣)، أي: لأنَّه لا يجوز أن يذهب على جميعهم، ومن جاء بحديث معروف
عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجَّة قائمة برواية غيره.
وحينئذٍ (فلقد آل السَّماع) الآن (لتسلسل السَّند) أي: بقاء سلسلته بحدثنا
وأخبرنا، لتبقى هذه الكرامة التي خصّت بها هذه الأمة، شرفاً لنبيها وَل﴿ يعني:
الذي لم يقع التبديل في الأمم الماضية إلّا بانقطاعه.
قلت: والحاصل أنّه لما كان الغرض أولاً معرفة التَّعديل والتَّجريح،
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أهلية الراوي.
(٢) الثَّبَت محركة: الفهرس الذي يجمع فيه المحدث مروياته وأشياخه، كأنه أخذ من
الحجة، لأن أسانيده وشيوخه حجة له. انظر: تاج العروس مادة (ثبت)، وفهرس
الفهارس للكتاني (٦٨/١ - ٦٩).
وفي حاشية (س): الورق الذي يثبت فيه سماعه.
(٣) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٣٢١/٢)، وانظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح
(ص١٠٩)، والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري (٥٤٩/٢).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٧٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان، ليتوصّل بذلك إلى التَّصحيح والتَّحسين
والتضعيف، حصل التَّشدُّد بمجموع تلك الصِّفات، ولما كان الغرض آخراً
الاقتصار في التَّحصيل على مجرَّد وجود السِّلسلة السَّندية اكتفوا بما ترى.
ولكن ذاك بالنَّظر إلى الغالب في الموضعين، وإلَّا فقد يوجد في كلِّ
منهما من نمط الآخر، وإن كان التَّساهل إلى هذا الحدِّ في [المتقدِّمين](١)
قليلاً .
وقد سبق البيهقيَّ إلى قوله شيخُه الحاكمُ، ونحوه عن السِّلفي، وهو الَّذي
استقرَّ عليه العمل، بل حصل التّوسع فيه - أيضاً - إلى ما وراء هذا، كقراءة غير
الماهر في غير أصل مقابل، بحيث كان ذلك وسيلة لإنكار غير واحد من
المحدِّثين، فضلاً عن غيرهم عليهم (٢).
(١) كذا في (ح)، وفي (س)، (م): المقدمتين.
(٢) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك.
ملحوظة: انظر معرفة من تقبل روايته ومن ترد في : -
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٩٤ - ١٠٩).
٢ - ((اختصار علوم الحديث))، لابن كثير (ص٩٢ - ١٠٥).
٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٢٨٨/١ - ٣٤٨).
٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٩٧ - ٢٢٩).
٥ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (١١٤/٢ - ٢٦١).
٦ - ((منهج ذوي النظر))، للترمسي (ص٩٧ - ١١١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧٧
مراتب التَّعديل
مراتب التّعديل
وهي ست، وقدمت لشرفها، و[لموازاة](١) الباب قبلها، الَّتي هي [وما
بعدها](٢) من تتماته؛ ولذا أردفه بها .
(والجرح والتعديل) المنقسمان إلى أعلى وأدنى، وبين ذلك حسبما دلَّ ٣٢٦
عليه تنويعهم للألفاظ المصطلح عليها لهما اختصاراً، مع شمول القبول والردِّ
لها .
(قد هذَّبه) بالمعجمة، أي: هذَّب كلّ منهما، حيث نقى اللَّفظ الصَّادر
منهم فيهما (ابن أبي حاتم) بغير تنوين للوزن، وبه مع [ترك] (٣) همزة ما بعده،
هو الإمام [أبو محمّد عبد الرحمن] (٤) ابن الإمام أبي حاتم محمّد بن إدريس
الرازي (إذ رتبه) في مقدمة كتابه ((الجرح والتّعديل))(٥) فأجاد وأحسن، كما قال
(٦)
ابن الصّلاح (٦) .
٣٢٧
(والشّيخ) ابن الصّلاح (زاد) عليه (فيهما) ألفاظاً أخذها من كلام غيره من
الأئمة(٧)، (و) كذا (زدت) على كل من ابن الصَّلاح وابن أبي حاتم (ما في
كلام) أئمة (أهله) أي: الحديث (وجدت) من الألفاظ في ذلك، يعني: بدون
استقصاء، وإلّا فمن نظر كتب الرجال، ككتاب ابن أبي حاتم المذكور،
والكامل لابن عدي، والتهذيب، وغيرها ظفر بألفاظ كثيرة.
ولو اعتنى بارع بتتبعها، ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها، مع شرح
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): لتوازي.
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): نقل.
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أبو عبد الرحمن.
(٥) (٣٧/١/١).
(٧) انظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١١٤).
(٦) في ((علوم الحديث)) (ص١١٠).

مراتب التّعدیل
٢٧٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
معانيها لغة واصطلاحاً، لكان حسناً، وقد كان شيخنا يلهج بذكر ذلك فما
تيسر (١)، والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم
في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك.
٣٢٨
(فأرفع) مراتب (التعديل) ما أتى - كما قال شيخنا - بصيغة أفعل، كأن
يقال: أوثق النَّاس، أو أثبت النَّاس، أو نحوهما(٢)، مثل قول هشام بن
حسَّان: حَدَّثني أصدق من أدركت من البشر محمَّد بن سيرين(٣)، لما تدل عليه
هذه الصِّيغة من الزِّيادة.
وألحق بها شيخنا: إليه المنتهى في التثبت (٤)، وهل يلتحق بها مثل قول
الشَّافعي في ابن مهدي: لا أعرف له نظيراً في الدنيا(٥)؟ محتمل.
ثم يليه - ما هو المرتبة الأولى عند بعضهم - قولهم: فلان لا يسأل عن
مثله، ونحو ذلك.
ثم يليه - ما هو المرتبة الأولى عند الذَّهبي في مقدَّمة ميزانه(٦)، وتبعه
الناظم - (ما كررته) من ألفاظ المرتبة التَّالية لهذه خاصَّة، مع تباين الألفاظ
(كثقة ثبت) أو ثبت حجّة (ولو أعدته) أي: اللَّفظ الواحد كثقة ثقة، أو ثبت
ثبت (٧)، لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الخالي منه.
(١) قام بعض حذاق الوقت بجمع جملة كبيرة منها، وينوي الكلام عليها على ضوء ما
تمناه ابن حجر والسخاوي - رحمهما الله - ووفقه لإتمام هذا العمل الجليل الجميل.
(٢) (شرح النخبة)) (ص١٥٣).
(٣) ((الجرح والتعديل)) (٢٨٠/٢/٣)، و((تهذيب الكمال)) (٣٥٠/٢٥).
(٤) ((شرح النخبة)) (ص١٥٣) ومثالها: قول الإمام أحمد في بهز بن أسد القمي: إليه
المنتهى في التثبت. انظر: ((تهذيب الكمال)) (٢٥٨/٤).
(٥) الإرشاد للخليلي (٢٣٨/١)، وسير أعلام النبلاء (١٩٤/٩).
(٦) (٤/١).
(٧) وهل يلحق بهذا ما ذكره الإمام اللغوي البارع أبو الطيب عبد الواحد بن علي الحلبي،
المتوفى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة في كتابه ((الاتباع)) (ص٣٠) من قولهم: إنه لثقة
تقة - الأولى بالمثلثة، والثانية بالمثناة الفوقية -، و(ص٩٨) من قولهم: إنه لثقة نقة
- الأولى بالمثلثة، والثانية بالنون - وانظر ما كتبه على ذلك تعليقاً محقق الكتاب
الأستاذ عز الدين التنوخي.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧٩
مراتب التَّعديل
وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلاً يكون أعلى منها، كقول ابن سعد في
شعبة: ثقة مأمون ثبت حجّة صاحب حديث(١)، وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك
قول ابن عيينة: [ثنا](٢) عَمُرُو بن دينار، وكان ثقةً ثقةً تسع(٣) مرّات (٤)، وكأنَّه
سكت لانقطاع نَفَسِه [ودونه قول ابن سعد ... ثبت ثبت ستاً أو سبعاً](٥).
٣٢٩
(ثم يليه) - ما هو المرتبة الأولى عند ابن أبي حاتم(٦)، وتبعه ابن
الصَّلاحِ(٧)، والثّانية عند الناظم(٨)، والرّابعة بالنّسبة لما قررناه - (ثقة أو ثَبْت)
بسكون الموحدة الثابت القلب واللسان والكتاب الحجّة، وأمّا بالفتح فما يُثْبِت
فيه المحدِّثُ مسموعَه مع أسماء المشاركين له فيه؛ لأنه كالحجّة عند الشّخص
السَماعه وسَماعٍ غيره(٩).
ومن صِيَغ هذه المرتبة: كأنَّه مصحف (١٠) (او) فلان (متقن او حجّة) [أو
إمام، كما سيأتي في كلام الذَّهبي(١١)، ولذا قال الحاكم: الشَّافعي إمام(١٢)،
(١) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧/ ٢٨٠).
(٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٣) بتقديم المثناة الفوقية، وفي ((توضيح الأفكار)) (١٦٣/٢) سبع بتقديم السين المهملة.
(٤) في ((الجرح والتعديل)) (٢٣١/١/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠/٨): ثقة ثقة ثقة - ثلاث
مرات -.
(٥) ما بين المعقوفين مما انفردت به النسخة (ح)، ولم أستطع استظهار ما قصه المجلد منه.
(٦) في ((الجرح والتعديل)) (٣٧/١/١).
(٧) في ((علوم الحديث)) (ص١١٠).
(٨) انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣/٢، ٤).
(٩) انظر ما كتب تعليقاً على (ص ٢٧٥).
(١٠) في ((الجرح والتعديل)) (٣٦٨/١/٤) عن شعبة: كنا نسمي مسعراً - يعني ابن كدام -
المصحف، وفي ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٣/٤): كان شعبة إذا ذكر الأعمش، قال:
المصحف المصحف، وانظر ما تقدم (ص٤٠).
(١١) (ص٢٨٢).
(١٢) لعل مقالة الحاكم هذه في ((مناقب الشافعي)) له، وقد قالها في الشافعي - أيضاً - الإمام
إسحاق بن راهويه. انظر: ((الكامل)) لابن عدي (١٢٤/١)، و((مناقب الشافعي)) للبيهقي
(٢٦١/٢).
وقالها فيه - أيضاً -: قتيبة بن سعيد، انظر: ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي (١٢٥/١)،
و((تاريخ بغداد)) (٢/ ٦٧).

مراتب التَّعديل
٢٨٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وقال في الربيع: ثقة مأمون](١) .
٣٣٠
(او إذا عزوا) بنقل همزة [الثلاثة](٢) مع التّنوين، وإن اتزن مع تركه
بالقطع، أي: نسب الأئمّة [(الحفظ أو) نسبوا (ضبطاً لعدل) كأن يقال فيه:
حافظ أو ضابط](٣)، إذ مجرَّد الوصف بكل منهما غير كاف في التَّوثيق؛ بل
بين العدل وبينهما عموم وخصوص من وجه؛ لأنَّه يوجد(٤) بدونهما، ويوجدان
بدونه، وتوجد الثلاثة.
ويدلُّ لذلك أنَّ ابن أبي حاتم سأل أبا زرعة عن رجل؟ فقال: حافظ،
فقال له: أهو صدوق؟.
وكان أبو أيوب سليمان بن داود الشَّاذكوني من الحفّاظ الكبار، إلَّا أنَّه
يتهم بشرب النبيذ وبالوضع(٥)، حتَّى قال البخاري: هو أضعف عندي من كلِّ
ضعيف(٦) .
ورُئِيَ بعد موته في النَّوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي،
فقيل: بماذا؟ قال: كنت في طريق أصبهان فأخذني مطر، وكان معي كتب،
ولم أكن تحت سقف ولا شيء، فانكببت على كتبي حتى أصبحت، وهدأ
المطر، فغفر الله (تعالى)](٧) لي بذلك(٨)، في آخرين.
والظاهر أن مجرد الوصف بالإتقان كذلك، قياساً على الضّبط؛ إذ هما
متقاربان، لا يزيد الإتقان على الضَّبط سوى إشعاره بمزيد الضبط.
وصنيع ابن أبي حاتم يشعر به، فإنَّه قال: إذا قيل للواحد: إنَّه ثقة أو
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): المثلثة.
(٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أي: نسب الأئمة الحفظ، كأن يقال: حافظ، أو
نسبوا ضبطاً، كأن يقال: ضابط العدل.
(٤) في (م) زيادة: العدالة.
(٥) انظر: ((تاريخ بغداد)» (٤٥/٩ - ٤٧).
(٦) نقله الخطيب في تاريخه (٤٧/٩) عن الإمام البخاري، وفي التاريخ الأوسط له
(٢٥٦/٢): فيه نظر.
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٨) («تاريخ بغداد)) (٤٨/٩).
.