Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَكْإِ سْلَة مَنْسُورَارِ بُّكِتَة ◌َارِ المنهاج للنشر والتوزيعُ بِالرَّاض ١
فَُّ الْعَلَهُ
بِشَرَ الفِيَّةُ الجَدِيثِ
تأليف الحَافِظِ المؤرّخ
◌َشِسُ الدِّينِ أبِالخِيَرْ محمّد بنْ عَبد الرَّحْمن السّخَاوِيّ الشَّافِيعىّ
المتوفى سنة ٩٠٢ رحمه الله
درَاسَة وَتحقيق
د.عبد الكريم بن عَبد الله بن عبدالرحمنُضِرْ
د. ◌ُحُمّد بن عَبد الله بن فهيدٍ آل فهِيَدُ
المجَلّ الأوّل
مَكتبة دار المنهج
للنشر والتوزيع بالرّيَاضِ
1363LE

مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
السخاوي، أبو الخير محمد بن عبد الرحمن
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. / عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن
الخضير؛ محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد . - الرياض، ١٤٢٦هـ
٥ مج ..- (سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج٤ ١)
ردمك: ٨ - ٠ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٦ - ١ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (ج١)
١ - السخاوي، محمد بن عبد الرحمن ٢ - علوم الحديث أ - الخضير؛
عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن (محقق) - آل فهید؛ محمد بن عبد الله بن
فهيد (محقق) ب- العنوان ج - السلسلة
١٤٢٦/٤١١٢
دیوي ٢٣٠
جميع حقوق الطبع محفوظة الدار المنهاج بالرّاجِ
الطبعة الأولى
١٤٢٦ هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٦٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
مكتبة دار المِهَاج
للنشْر وَالتَوزيْع
المملڪَة العَرَبيَّة السّعُوديَة . الرّيَاضِ
المركز الرئيسي - طريق الملك فهد - شماك الجُوَازَاتْ
هاتف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - صربُّ ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣
الفروع: طريق خالد بن الوليد(إِنكاس سابقًا) ت ٢٣٢٢٠٩٥
طريّ الأمير سعد بن عَبْدُ الرَّحْمُ (تخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩
المدينة النبوية -طبق سُلطانة ت ٤/٨٤٦٧٩٩٩.
مكّة المكرهَة- الشامية - ت ٠٢/٥٧٣٠٩٨٠

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
كلمة الناشر
براسه الرحمن الرحيم
كلمة الناشر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيسرّ (مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض) أن تقدّم إلى الباحثين
في علوم السنّة النّبويّة هذا السّفرَ الجليل والمصدر الأصيل الّذي لا يُعرف بَين
كتب فنّ (مصطلح الحديث) كتابٌ أشمل منه وأوعب، فقد أبدى مؤلّف (فتح
المغيث بشرح ألفية الحديث) وهو الحافظ شمس الدّين السّخاوي (ت٩٠٢هـ)
عبقريةً فذَّةً تَنُمّ عن سعةٍ في الاطلاعِ وبَراعةٍ في تحقيق أصول المسائِل، ولَمِّ
أطرافِ فُروعها، وتوثيقِ مذاهب نُقّادها وعلمائها، بتنسيقٍ جميلٍ وتَسَلْسُلٍ رائِقٍ،
حتى صار كتاباً لا غنى عنه لمن أراد الإلمامَ بموضوع أصول الحديث
ومصطلحات أرباب الفنّ.
وقد قَيّض الله لهذا السِّفر الجليل من خَدمه خدمةً تليق بمكانته، وتتناسب
مع منزلته بين كُتب فنّ الحديث النّبوي الشّريف، فقام الشيخان الجليلان فضيلة
الدّكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير (محقِّق الجزء الأول والثاني)، وفضيلة
الدكتور محمد بن عبد الله آل فهيد (محقِّق الجزء الثالث والرابع) - وكلاهما
عالِمٌ بهذا الفن مُتَمَكِّنٌ من ناصيته، متفرِّغ لخدمته - بتحقيق هذا الكتاب
وإخراجه إخراجاً إن لم يأتِ كما أراده مصنّفه فقد كاد؛ إذ عملا على ضبط
نصوصه، وتوثيق نُقُولِه، وحلِّ رُموزه، وتوضيح مُشْكله، وترجَمة أعلامه، وغير
ذلك مما سيراه القارئ في عمل الشَّيْخين الجلِيلَيْن.
وقد سلك كلٌّ منهما منهجاً ارتآه مناسباً في تحقيق نصوص الكتاب، ونحن
آثرنا إبقاءَ عملِهما كما هو حتّى يُفيد القارئُ من خِبرة كلٍّ منهما وعلمه وبراعته.

كلمة الناشر
ب -
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقد قُمنا بوضع القدر المشروح من أبيات ألفية العراقي في بداية كلِّ
مجلدٍ مرَّقماً ترقيماً تسلسلياً على يمين الصّفحة، ووضعنا على يسارها أرقام
الصّفحات التي تم فيها شرح كلِّ بيت من تلك الأبيات، كما أننا أيضاً وضعنا
رقم كلِّ بيت من أولُّه حيث يَرد في أثناء كلام الشّارح.
ولعلَّنا في نشرنا هذا الكتاب نَكون قد أسهمنا - بجهدِ مُقلِّ - في سبيل
نشر تراث علماء الأمّة وإخراجه لطلبة العلم والباحثين إخراجاً لائقاً بمكانته.
والله الموفِّق وهو الهادي إلى سواء السَّبيل.
النّاشه
عَبْدُ اللّه بن محمّد السّنان

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أصل الكتاب
هذا الكتابُ حصل به محقّقاه على درجة
(الدكتوراه) - مع مرتبة الشَّرف الأولى - من
((قسم السنّة وعلومها)) في كلية أصول الدين
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -
في الرياض عام ١٤٠٧ و ١٤٠٨هـ.
وكان التسجيل فيه عام ١٤٠٣هـ على أن
يقوم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن
عبد الله الخضير بتحقيقه من أوله إلى
نهاية: (النوع الرابع والعشرون: معرفة كيفية
سماع الحديث وتحمّله). ويقوم فضيلة الشيخ
الدكتور محمد بن عبد الله آل فهيد بتحقيقه
من بداية: (النوع الخامس والعشرون: كتابة
الحديث وضبطه) إلى نهاية: (النوع الثالث
والخمسون: المؤتلف والمختلف)، ثم قام بإكماله
بعد ذلك إلى نهاية الكتاب.

١
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٧
المقدمة
المقدمة
الحمد لله نحمده، ونستعينُه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا وسيّئاتِ أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ له،
ونشهدُ أن لا إله إلّا اللَّهُ وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه،
صلَّى الله وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
صلاةً وتسليماً دائمَيْن مُتَعاقِبَين.
أمَّا بعد: فقد أنزل اللَّهُ رَ كتابَه الكريمَ هدايةً للنّاس وإخراجاً لهم من
مُبَيِّنَةً لذلك الكتابِ
الظلمات إلى النُّور بإذن ربهم، وجعل سُنَّةَ رسوله
الخالدِ وكاشفةً لمُرَادِه كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
[النحل: ٤٤].
الْنِهِمْ﴾
ولِعِظَم هذه الوظيفةِ للسُّنّةِ النبويةِ تكفَّل اللَّهُ بحِفْظها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا
جَمْعَهُ وَقُرَْنَهُ ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ ﴿٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (®﴾ [القيامة].
ومن هنا يسَّر اللَّهُ لها عُلماءَ مُخْلصين اهتمُّوا بها أشدَّ الاهتمام وعُنُوا
بخِدمتها أكملَ العنايةِ، فبذَلُوا أوقاتَهم وأَفْنَوا أعمارَهم في جَمْعها وتحصيلِها
ونَشْرِها، وتَمييزِ ثابتِها ممّا دُسَّ فيها، كُلُّ ذلك ضِمْنَ قَوَاعِدَ قَعَّدُوها وضَوَابطَ
حدَّدوها، ◌ُرِفتْ فيما بعد باسم: (عُلوم الحديث).
وقسَّموه إلى (عِلم الحديث رِوَاية) وإلى (علم الحديث دِرَاية)،
وهو المُسَمَّى أيضاً بـ(علم أصول الحديث) و(مصطلح الحديث)، وإليه يَنْصرف
- غالباً - (علمُ الحديث) عند الإطلاق.

المقدمة
٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وعرَّفُوا (علمَ الحديث الخاصَّ بالروايةِ) بأنه: (عِلْمٌ يشتمل على أقوالٍ
النبي ◌َّ﴾، وأفعالِه، ورِوَايتِها، وضَبْطِها، وتَحْرِيرِ ألفاظِها)(١). وعرّفُوا (علمَ
الحديث دِرَايةٌ) بأنه: (عِلْمٌ يُعْرَفُ به - يعني ضِمْنَ قَوَاعَدَ وأُصولٍ - حالُ الرَاوِي
والمَرْوي مِنْ حيثُ القَبولُ والردُ)(٢) .
والمُراد بالراوي هنا: إسنادُ الحديثِ، وبالمَرْوِي: مَثْنُهُ.
وعلى هذا فموضوعُه: السَّندُ والمتنُ.
وغايتُه وثمرتُه: تَمْيِيزُ مَقبولِ الحديثِ مِنْ مَرْدُوده لِيُعملَ بالأولِ ويُتركَ
الثاني.
وقد كانت تلك القواعدُ معروفةً في صدور حُفّاظ الصحابةِ ورُوَاةٍ
الحديث، مثلُ التحرُّزِ في الروايةِ، وعدمٍ قَبولِ روايةٍ كُلِّ أحدٍ قبلَ معرفةِ حاله
والوُثُوقِ بخبره.
ثم دَعَتِ الحاجةُ إلى تَدْوين تلك القواعدِ، والتأليفِ في أنواعِ عِلْم
الحديث، وأولُ ما ابتُدىَ ذلك كان بتدوينِ بعضِ المَباحث الحَدِيثَّةِ(٣)، وأولُ
مَنِ ابتدأ ذلك - فيما يظهرُ لنا - الإمامُ الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤هـ) رحمه الله
تعالى في كتابه ((الرِّسالة))، حيث تعرَّض لذِكْر مسائلَ تتعلَّق بـ(علم مصطلح
الحديث) مثلُ ما يُشْترطُ في الحديث للاحتجاج به، والرواية بالمعنى، والكلام
على قَبولِ الحديث المُرسلِ، والمدلّس.
وألَّف كذلك في (اختلاف الحديث) وهو نوعٌ من أنواع علوم الحديث.
كما ألَّف النَضْرُ بنُ شُمَيلِ (١٢٢ - ٢٠٣هـ)، وأبو عُبَيدِ القَاسِمُ بنُ سَلّام
(١٥٧ - ٢٢٤هـ) في نوع (غريب الحديث).
(١) (تدريب الراوي - ١/ ٤٠) نقلاً عن ابنِ الأَكْفاني. ويُلْحقُ بالأقوالِ والأفعالِ:
التقريراتُ والصفاتُ.
(٢) (فتح الباقي - ١/ ٧).
(٣) (لمحات من تاريخ السنة - ١٠٦)، وفي هذا الكتاب كلامٌ حَسَنٌ مفيدٌ على نَشْأةِ (علم
المصطلح - ١٠٠) وما بعدها، وقد أفدنا منه هنا.

٩
المقدمة
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وبرَّز إمامُ العَصر والدَّهْر عليُّ بنُ المَدِيني (١٦١ - ٢٣٤هـ) ◌َُّهُ، فَأَلَّف
في جُملةِ أنواعٍ منه، ذَكَر الحاكمُ منها في كتابه (معرفة علوم الحديث - ٧١)
ثمانيةً وعشرين مؤلّفاً مختلفةَ الحَجْم ما بين جُزءٍ واحدٍ، وثلاثين جزءاً.
وكان من أبرز المؤلِّفين في هذا القَرنِ أيضاً الأئمةُ: يحيى بنُ مَعِين (١٥٨
- ٢٣٣ هـ)، وأحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١هـ)، والبخاريُّ (١٩٤ - ٢٥٦هـ)،
ومسلمٌ (٢٠٤ - ٢٦١هـ) في (مقدِّمتِه لصحيحه) و(التمييزِ) و(الطبقاتِ) وغيرِها،
والترمذيُّ (٢٠٩ - ٢٧٩ هـ) في كتابَيه (العِلَل الكبير) و(العِلَل الصغير)، وغيرُهم
كثيرٌ جدّاً رحمهم الله تعالى.
كما بَرَّز في القرن الرابع أئمةٌ كثيرونَ في مُقدِّمتِهِم أبو محمد عبدُ الرحمن ابنُ
أبي حاتم (٢٤٠ - ٣٢٧هـ) في عِدَّة كُتبٍ كالعِلَل، و(المَرَاسيلِ)، و(الجرح والتعديل)
- وبخاصّة مقدمته - وأبو حاتم محمدُ بنُ حِبَّانَ المتوفى سنة ٣٥٤، فقد أَورد له
الخطيبُ في (جامعه -٣٠٢/٢) أسماءَ أربعةٍ وأربعين كتاباً كُلُّها في أنواع علومِ
الحديث تَتَراوحُ بين جُزءٍ واحد، وثلاثين جزءاً، وبلغ مجموعُ أجزائها (٣٦٥) جُزءً.
وكانت تلك المباحثُ والقواعدُ مُفرَّقةً ضِمْنَ مصنَّفاتٍ لها ولغيرِها من
العلوم، أو في أجزاءٍ صغيرةٍ، ثم دَعتِ الحاجةُ إلى ضمِّ تلك المباحثِ والقواعدِ
في مصنفاتٍ تخُصُّها، وكان مِن أوَّلِ مَنْ صنَّف فيها تصنيفاً مستقلًا - كما ذكر
الحافظُ في (النُزْهة - ١٥) - الإمامُ الحافظُ أبو محمد الحسنُ بنُ خلّادِ الرَّامَهُرْمُزِيُّ
(٢٦٥ - ٣٦٠هـ) في كتابِهِ العظيم: (المُحَدِّثِ الفَاصِل بين الرَاوِي والوَاعي).
ثم الحاكمُ أبو عبد الله محمدُ بنُ عبد الله النَّيْسَابوري (٣٢١ - ٤٠٥هـ) في
كتابه: (معرفة علوم الحديث)، ثم الحافظُ أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبد الله الأصبهاني
(٣٣٦ - ٤٣٠ هـ) في كتابه (المُسْتَخْرِج)، وقد عَمِلَه مُسْتَخْرِجاً على الحاكم ما
فاته من قواعد وأصولِ هذا الفنّ، ثم الحافظُ الخطيبُ البغداديُّ أحمدُ بنُ
علي بن ثابت (٣٩٢ - ٤٦٣هـ) في كتابَيه الفَرِيدَين: (الكفاية في علم الرواية)،
و(الجامعُ لأخلاق الراوي وآداب السامع)، وقَلَّ فَنٍّ مِنْ فنون الحديث إلَّا

المقدمة
١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وصنَّف فيه كتاباً مُفرداً، ثم القاضي عياضُ بنُ موسى الْيَخْصُبِيُّ (٤٧٦ - ٥٤٤هـ)
في كتابِهِ العظيم: (الإِلْماع إلى معرفة أصول الرواية وتَقِْيد السَّماع).
ولما جاء الإمامُ الحافظُ العلامة أبو عمرٍو عثمانُ بنُ الصَّلَاحِ عبدِ الرحمن
الشَّهْرُ زُوري (٥٧٧ - ٦٤٣هـ)، صَنَّفَ كتابَه ذائعَ الصِّيت: (علوم الحديث) - ويُعْرَفُ
أيضاً بـ(مقدِّمة ابنِ الصلاح) - وجَمعَ فيه ما تفرَّق في كُتُب الفنّ قبلَه وبخاصَّة كُتُبَ
الخطيب البغدادي، وضَمَّ إليها مِنْ غيرها نُخَبَ الفوائد، وهذَّب فنونَه، (فاجتمع
في كتابِهِ ما تفرَّق في غيرِهِ، ولهذا عَكَفَ الناسُ عليه، وساروا بِسَيرِهِ، فلا يُحْصَى
كَم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ، ومُسْتَدرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ، ومُعارِضٍ له ومُنتَصِرٍ))(١).
وَكَان أَشْهَرَ مَنْ نَظَمَ (كتابَ ابنِ الصلاحِ) الإمامُ الحافظُ العراقيُّ في (أَلْفِيَّتَه)
الشَّهيرةِ(٢) التي نالت من كافّة العلماء العنايةَ والاهتمامَ والحُظْوةَ والقَبولَ، فأقبلوا
عليها يُحَاكُونها ويشرَحُونها، وكان من بين الشارحين لها الحافظُ العلّامةُ شمسُ
الدين السخاويُّ في كتابه الشاملِ الحافلِ: (فتح المُغيث بشرح أَلْفيَّة الحديث)،
وهو شَرِحٌ بذلَ فيه مؤلِّفُه غايةَ جُهده إتقاناً وشُمولاً، حتى قال هو عنه (ص٢٨٥):
(فلا تَرَى نَظِيرَه في الإتقان، والجَمْعِ مَعَ التلخيص والتحقيق).
ولأهمِّيةِ هذا الشرح، وغَزَارةِ فوائِدِهِ، وأصالته في فنِّه، ولكونه لم يُخْدَم
الخدمةَ اللائقةَ بمثلِهِ(٣)، وقع اختيارنا على التسجيل في تحقيقه لنيل درجةٍ
الدكتوراه من (قسم السُنَّة وعلومها) بكلية أصول الدين بالرياض.
واشتملَت خُطَّةُ عملنا في إعداد هذه الرسالةِ على مُقدمةٍ، وقِسْمَين،
وخاتمةٍ وفهارس.
فأما المقدمةُ: فألمعنا فيها - كما تقدم - إلى مَكَانةِ (السُنة النبوية)،
وتعريفِ (علم الحديث) مع بيان مَوْضوعه، وثمرتِهِ، وكَلمةٍ مُجْمَلةٍ عن نشأته،
وختمناها بالإشارة إلى سبب اختيارنا لهذا الكتاب، وخُطّة عملنا فيه.
(١) (النزهة - ١٧).
(٢) وقد نشرناها في أبهى حلّة وأوفى تحقيق بعناية الشّيخ العربي الدّايز (النّاشر).
(٣) لزيادة الإيضاح انظر الكلامَ على طبعاته.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١
المقدمة
وأمَّا القسم الأول: فاشتمل على أربعة أبواب:
* الباب الأول: التعريف بالحافظ العراقي، وفيه اثنا عشر فصلاً:
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه.
الفصل الثاني:
في نسبه ولقبه وكنيته وشهرته ومذهبه.
الفصل الثالث: في ولادته ومكانها.
الفصل الرابع: في صفاته الخِلْقية والخُلُقية.
الفصل الخامس: في طلبه العلم ورحلاته من أجله.
الفصل السادس: في شيوخه.
الفصل السابع: في مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
الفصل الثامن: في الأعمال التي قام بها .
الفصل التاسع: في ذكر مصنَّفاته.
الفصل العاشر: في ذكر تلاميذه.
الفصل الحادي عشر: في شعره.
الفصل الثاني عشر: في وفاته وما قيل فيه من المراثي.
* الباب الثاني: التعريف بالشارح شمس الدين السخاوي. وفيه عشرة
فصول :
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه.
الفصل الثاني: في نسبه ولقبه وكنيته وشهرته ومذهبه.
الفصل الثالث: في ولادته ونشأته.
الفصل الرابع: في طلبه العلم ورحلاته من أجله.
الفصل الخامس: في شيوخه.
الفصل السادس: في ثناء العلماء عليه.
الفصل السابع: في الأعمال التي قام بها .
الفصل الثامن: في ذكر مصنَّاته.
الفصل التاسع: في ذكر تلاميذه.
الفصل العاشر: في وفاته ومكانها .

المقدمة
١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
* الباب الثالث: التعريف بألفية العراقي. وفيه تسعة فصول:
الفصل الأول: النظم في (مصطلح الحديث).
الفصل الثاني: تسمية (ألفية العراقي)، ونسبتها إليه.
الفصل الثالث: عدد أبياتها وتاريخ نظمها .
الفصل الرابع: مصادرها .
الفصل الخامس: المقارنة بينها وبين أصلها .
الفصل السادس: المقارنة بينها وبين نظم الخُوَيِّي.
الفصل السابع: المقارنة بينها وبين ألفية السيوطي.
الفصل الثامن: عناية العلماء بها شرحاً وتعليقاً .
الفصل التاسع: طبعاتها ونُسَخُها المخطوطة.
الباب الرابع: التعريف بالشرح: ((فتح المغيث)) وفيه سبعة فصول:
*
الفصل الأول: تحقيق تسمية الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.
الفصل الثاني: مصادره.
الفصل الثالث: منهج الكتاب وتقويمه.
الفصل الرابع: المقارنة بينه وبين الشروح الأخرى.
الفصل الخامس: طبعاته.
الفصل السادس: نسخهُ المخطوطة.
الفصل السابع: منهج التحقيق.
وأما القسم الثاني: فاشتمل على نصِّ الكتاب محققاً ومعلقاً عليه في ضوء
المنهج الذي سنذكره قريباً إن شاء الله. (انظر ص: ١٩٧).
وأما الخاتمة: فذكرنا فيها أهمَّ النتائج التي ظهرت لنا أثناء العمل.
وفي الختام نتوجه بجزيل شكرنا وموفوره لله تعالى، حيث يسَّر لنا إكماله
وأعاننا عليه، كما نشكر كلَّ من مدَّ لنا يد العون بالإفادة والنصح والتسديد أثناء
عملنا وبعده، ونسأل الله تعالى أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، وصلَّى الله
وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه.
المحققان

١٣
الباب الأول
التعريف بالنَّاظم الحافظ العراقي
وفيه اثنا عشر فصلاً:
الفصل الأول: العصر الذي عاش فيه الحافظ العراقي.
الفصل الثاني: في نسبه ولقبه وكنيته وشهرته ومذهبه.
الفصل الثالث: في ولادته ومكانها .
الفصل الرابع: في صفاته الخِلْقية والخُلقية.
الفصل الخامس: في طلبه العلم ورحلاته من أجله.
الفصل السادس: في شيوخه.
الفصل السابع: في مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.
الفصل الثامن: في الأعمال التي قام بها
الفصل التاسع: في ذكر مصنفاته
الفصل العاشر: في ذكر تلاميذه.
الفصل الحادي عشر: في شعره.
الفصل الثاني عشر: في وفاته، وما قيل فيه من المراثي.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٥
العصرُ الَّذي عاش فيه الحافظُ العراقي
الفصلُ الأوّل
العصرُ الَّذي عاش فيه الحافظُ العراقي
عاش الحافظُ العراقيُّ ثلاثة أرباع القرن الثامن الهجري وستَّ سنوات من
القرن الذي يليه، حيث كانت ولادته في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ووفاته
في سنة ست وثمانمائة، كما سيأتي (١).
وقد سبق هذه الفترةَ التي عاشها هذا الإمامُ الجليلُ أحداثٌ جسامٌ مُنِيَ
بها العالمُ الإسلاميُّ، أدَّت إلى تفكّكِه وضَعفهِ؛ لعلَّ من أهمِّها سقوط بغدادَ
مركزِ الخلافة الإسلامية، وقتلَ الأعداد الهائلة من علماء المسلمين وعامَّتهم
حتَّى الخليفة العباسي (٢) المستعصمَ بالله على يد التتار - قَبَّحهم الله - وذلك في
سنة ستِّ وخمسين وستمائة(٣).
على إثر ذلك انتقلت الخلافةُ الإسلامية إلى موقع آخرَ من العالم
الإسلامي هو القاهرة - الذي يسكنه المترجم -، حيث أصبحت حاضرةَ العالم
الإسلامي، والبديلَ لبغداد المنكوبة (٤)، فاتجهت أنظارُ علماء الأمة الإسلامية
إلى مصر، فنشطت الحركة العلميَّةُ فيها، فأصبحت القاهرة تتبوَّأُ مركز القيادة في
مختلف العلوم وصنوف المعارف.
(١) (ص٢١) و(ص٦٤).
(٢) قال العلامة ابن القيم تَخَّتُهُ في ((نونيته)) (ص ٥٠): مبيناً عدد القتلى في هذه الفاجعة:
مِثْلٍ لها مضروبة بوزان
فغدا على سيف التتار الألف في
مضروبة بالعد والحسبان
وكذا ثمان مئينها في ألفها
حتى بكى الإسلامَ أعداه اليهو
د كذا المجوس وعابد الصلبان
(٣) انظر تفصيل هذه الحادثة في: العبر للذهبي (٢٢٥/٥ - ٢٢٦)، والبداية والنهاية لابن
کثیر (٢٠٠/١٣ - ٢٠٥)، وشذرات الذهب (٢٧٠/٥).
(٤) انظر: حسن المحاضرة للسيوطي (٩٥/٢).

العصرُ الَّذي عاش فيه الحافظُ العراقي
١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكان الحكمُ في تلك الحِقْبة التي عاشها الحافظُ العراقي للمماليك الذين
امتَدَّ حكمُهم في مصر من انقضاء عهد الأمويين عامَ ثمانية وأربعين وستمائة(١)،
إلى دخول مصر في ظلِّ الدَّولة العثمانيّة سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة(٢).
وأصل المماليك خليط من الرقيق الذي كان يُجلب إلى مصر من أسواق
الجَرْكس(٣) ومنغوليا (٤) والقوقاز(٥)، ابتاعهم في أول الأمر السلطانُ الصالح
نجم الدين أيوب بن الكامل محمد، المتوفى سنة سبع وأربعين وستمائة(٦)،
ليكونوا له عوناً على أعدائه، فكانوا أطوعَ له من بنانه في السرَّاء والضرَّاء حتى
مَلَكَ مصرَ، فرعى لهم ثباتهم وأكثر من شرائهم حتى قاربوا الألف مملوك،
واتخذهم بطانة وخاصة له، وولَّى كبارهم إماراتِ دولته وقيادةَ جيُوشِه،
وأَسكنهم معه في قلعة الرَّوضة، وسَمَّاهم المماليكَ البحرية(٧).
ولما ماتَ الملكُ الصالحُ حملوا على الإفرنج حملة شديدة، وكان لهم
معهم ما كانَ، فاشتهر أمرهم وعَظُم شأنهم، واستأثروا بالحكم (٨) سنة ثمان
(١) انظر: مختصر دول الإسلام للذهبي (١٥٤/٢)، والبداية والنهاية (١٧٨/١٣ - ١٧٩)،
والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٣/٧ - ١٤).
(٢) مفاكهة الخلان في حوادث الزمان، لابن طولون (٤٣/٢ - ٤٤).
(٣) الجركس: جيل من الناس يسكنون حوالي جبال القوقاز بين البحر الأبيض وبحر
الخزر. انظر: دائرة المعارف لمحمد فريد وجدي (٨١/٣)، وفي دائرة معارف
البستاني (٤٣٩/١٠ - ٤٤١): جركس أو شركس أوتشركسيا: إقليم واسع الأرجاء من
ولاية کوبان في روسيا وأوربا .
(٤) منغوليا: اسم يطلق جغرافياً على إحدى هضاب آسيا الوسطى التي تمتد بين حدود الصين
الشمالية والاتحاد السوفيتي سابقاً. انظر: القاموس السياسي لأحمد عطية الله (ص١٥٤٩).
(٥) القوقاز: مجموعة سلاسل جبلية بالاتحاد السوفيتي سابقاً بين أوروبا وآسيا تمتد لمسافة
١٢٠٦ کم من البحر الأسود إلى بحر قزوين. انظر: الموسوعة العربية الميسرة
(ص١٤٠٨).
(٦) مرآة الزمان (٧٧٥/٨)، والسلوك للمقريزي (٢٩٦/٢/١ - ٣٤٢).
(٧) سموا بذلك لأن ثكناتهم في جزيرة الروضة بالنيل. انظر: الخطط المقريزية (٢/
٢٣٦)، وتاريخ الدول الإسلامية للدكتور أحمد السعيد سليمان (١٥٩/١).
(٨) انظر: خطط المقريزي (٢٣٦/٢ - ٢٤٤)، وتاريخ مصر لهند إسكندر عمون (ص١٩٢ -
٢٢٩)، وتاريخ الدول الإسلامية للدكتور أحمد السعيد (١٥٩/١ - ١٦٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٧
العصرُ الَّذي عاش فيه الحافظُ العراقي
وأربعين وستمائة، واستمرَّ حكمُهم إلى سنة أربع وثمانين وسبعمائة، خَلَفَهم في
الحكم بعد ذلك المماليك البرجية أو الجراكسة (١) الذين امتَدَّ حكمُهم إلى سنة
ثلاث وعشرين وتسعمائة.
وكان الأمراءُ من هاتين الدَّولتين - البحريَّة والبُرجِيَّة - يُشَجِّعون على
العلوم بصفة عامة وعلى علوم الدين بصفة خاصة، حتى كان منهم من يحفظ
الحديث ويرويه، حتى روى عنه بعض الأئمة، فهذا الحافظ ابن حجر يسمع من
السلطان المؤيَّد(٢).
ولمحبتهم العلمَ وأهلَه أنشئ في القاهرة كثير من المدارس ذكر المقريزي
في خططه منها أكثر من سبعين مدرسة(٣) تدرَّس فيها العلوم الشرعية وغيرها .
كما أنشئ فيها دور الكتب، ففي كلِّ مدرسة (٤) وفي كلِّ جامع من
جوامعها التي بلغت أكثرَ من مائتي جامع(٥) خزانة كتب زُوِّدت بالمراجع التي
تُعينَ الدارسين فيها .
وكان لكلِّ ما ذكر أثرٌ كبيرٌ في إثراء الحركة العلمية التي آتت ثمارَها يانعة
متمثِّلةً في الأعداد الهائلة من العلماء الذين زخرتْ بهم كتبُ التراجم (٦) ونشاط
حركة التأليف بحيث امتلأت خزائنُ الكتب الخاصَّة والعامَّة من مؤلفات أهل
هذه الحِقْبة، وكان من هؤلاء العلماء: الحافظُ العراقي، الذي سنتحدَّثُ عنه
بشيء من التفصيل فيما سيأتي.
(١) سموا بذلك لأنهم من أصل جركسي، وكانت ثكناتهم في أبراج قلعة القاهرة. انظر:
الخطط المقريزية (٢٤١/٢)، وتاريخ مصر لهند إسكندر (ص٢١٥).
(٢) إنباء الغمر (٤٣٥/٧ - ٤٣٧)، والضوء اللامع (٣٠٨/٣ - ٣١١)، وحسن المحاضرة
(٢/ ١٢١).
(٣) الخطط للمقريزي (٣٦٢/٢ - ٤٠٥).
(٤) المرجع السابق (٤٠٨/١ - ٤٠٩).
(٥) حسن المحاضرة (٢٣٧/٢).
(٦) من نظر في الدرر الكامنة للحافظ ابن حجر، والضوء اللامع للسخاوي، عرف ذلك.

في نسب العراقي ولقِه و کنیته ... إلخ
١٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الفصلُ الثاني
في نسب العراقي ولقبِه وكنيته وشهرته ومذهبه
هو: عبدُ الرحيم(١) بن الحسين بن عبد الرحمن(٢) بن أبي بكر ابن
إبراهيم الرازناني (٣) الأصل، المهراني(٤) العراقي(٥) المصري الكردي(٦)،
الشافعي، زينُ الدين الأثري أبو الفضل، الحافظُ الكبيرُ المتقنُ المفيدُ المحرِّر
الناقدُ، محدِّثُ الديار المصريّة (٧) .
تنبيهان:
الأوَّلُ: أكثرُ المصادر التي وقعنا عليها تصف العراقيَّ بأنه الحافظُ، فهل
ينطبق عليه تعريف الحافظ اصطلاحاً؟
(١) في التحفة اللطيفة للسخاوي (٥٥٨/٢): عبد الرحمن، وهو خطأ لأمرين:
الأول: اتفاق المصادر التي وقعنا عليها على تسميته عبد الرحيم.
الثاني: قوله في افتتاح ألفيته:
يقول راجي ربه المقتدر
عبد الرحيم بن الحسين الأثري
(٢) كذا في جميع المصادر التي ترجمت للعراقي ما عدا البدر الطالع للشوكاني (٣٥٤/١)
ففيه : عبد الرحيم
(٣) هذه النسبة لرازنان بلدة من أعمال إربل، كما في الضوء اللامع (١٧١/٤).
(٤) هذه النسبة لمنشأة المهراني التي ولد فيها، كما سيأتي، لا إلى مهران - نهر السند -
كما زعم محقق تغليق التعليق (١٣٦/١).
(٥) هذه النسبة لعراق العرب، وهو القطر الأعم، وليست إلى العراق بالمعنى الأخص هو
أرض بابل، كما سيأتي في أول الكتاب المحقق (ص٤).
(٦) نسبة إلى الأكراد، طائفة معروفة ينسب إليها كثير من العلماء، كما في اللباب لابن
الأثير (٣٥/٣).
(٧) انظر: طبقات القراء لابن الجزري (٣٨٢/١) وإنباء الغمر لابن حجر (١٧٠/٥)،
وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣٣/٤)، وذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد
(ص٢٢٠)، وشذرات الذهب لابن العماد (٥٥/٧).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٩
في نسب العراقي ولقبِه وكنيته ... إلخ
للجواب عن هذا السؤال: ينبغي أن نقدم شروط التسمية بالحافظ عند
المحدثین.
قال الحافظ ابن حجر: للحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت
في الراوي سَمَّوه حافظاً:
١ - الشهرةُ بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف.
٢ - المعرفةُ بالتَّجريح والتَّعديل، وتمييزُ الصحيح من السقيم، حتّى يكونَ ما
يستحضره من ذلك أكثرَ مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من
المتون(١).
إذا عُرِفَ هذا، فالعراقيُّ قد اشتُهر بطلب الحديث، وأكبرُ دليل على ذلك
رحلاته من أجله وكثرة شيوخه، التي نتج عنها كثرة مصنفاته في الحديث
والرجال، وأماليه التي كان يمليها من حفظه محرَّرةً متقنةً، كما سيأتي.
فالعراقي حافظٌ قطعاً .
الثاني: من العلماء من يرى أن الحافظ العراقي هو المجدِّد على رأس
المائة الثامنة، ومنهم من يرى أن الأولى بذلك البُلقيني(٢)، قال السيوطي في
منظومته التي ذكر فيها أسماء المجددين:
والثامن الحبر هو البلقيني
أو حافظ الأنام زين الدين(٣)
فعلى أيهما ينطبق هذا اللقب؟
قبل الجواب عن هذا السؤال، ينبغي أن نذكر حديثَ التجديد فنقول:
روى أبو داود في سننه، والحاكم في المستدرك من حديث أبي
هريرة عنه عن رسول الله وَّه قال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ
مائة سنة من يجدِّدُ لها دينَها)) (٤).
(١) النكت على ابن الصلاح (٢٦٨/١)، وتدريب الراوي للسيوطي (ص١٠، ١١).
(٢) المقاصد الحسنة للسخاوي (ص١٢٢)، وكشف الخفاء للعجلوني (٢٨٣/١)، وفهرس
الفهارس والأثبات (٨١٧/٢ - ٨١٨).
(٣) كشف الخفاء (٢٨٣/١)، وعون المعبود شرح سنن أبي داود (٣٩٤/١١).
(٤) رواه أبو داود في سننه - باب ما يذكر في قرن المائة، كتاب الملاحم رقم =

في نسب العراقي ولقبِه وكنيتِه ... إلخ
٢٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
والمرادُ بالتجديد إحياءُ ما اندرسَ من العمل بالكتاب والسنة(١).
إذا عُلم هذا فلا يبعد دخولهما معاً في عموم هذا الحديث، إذ ظاهره يَعُمُّ
حملةَ العلم من كلِّ طائفة من مفسرين ومحدّثين وفقهاء وغيرهم.
قال ابن الأثير: ولا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً
واحداً، وإنما قد يكون واحداً وقد يكون أكثر منه، فإن لفظة ((مَنْ)) تقع على
الواحد والجمع(٢).
كما أنه يشمل غيرَهما - أيضاً - ممن انقضت المائة الثامنة وهو حيٍّ
معلوم مشهور مشار إليه، ذو معرفة بالعلوم الدينية، وذو دأب على إحياء السنن
ونصر أصحابها، وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوِها وكسرِها باللسان، أو
تصنيف الكتب أو التدريس(٣).
٤٢٩١، والحاكم في المستدرك (٥٢٢/٤)، وابن عدي في الكامل (١٢٣/١)،
=
والطبراني في الأوسط، وإسناده صحيح كما في المقاصد الحسنة (ص١٢٢).
(١) السراج المنير شرح الجامع الصغير للعزيزي (٣٧٨/١) نقلاً عن العلقمي.
(٢) جامع الأصول، لابن الأثير (٣٢٠/١١).
(٣) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لشمس الحق العظيم آبادي (٣٨٩/١١ -
٣٩٠، ٣٩١ - ٣٩٢).