Indexed OCR Text

Pages 201-220

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٠١
فروعٌ سبعة
المسيب أنَّ بلالاً لمَّا ماتَ النبي ◌َّ أراد أن يخرجَ إلى الشام، فقال له أبو
بكر: تكونُ عندي، قال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت
أعتقتني لله فذرني، فذهبَ إلى الشام فكان بها حتى مات(١)، وهو أصح مما
قبله](٢).
[نعم هو](٣) مقتضى قولٍ مالك: لم يؤذِّن لغير النبي ◌َّهُ سوى مرة لعمر
حين دخل الشام، فبكى الناس بكاء شديداً (٤).
ومن أدِلَّة الأكثرين سوى ما تقدم: ما رواه البخاريُ في صحيحه عن
الزهري عن سالم بنِ عبد الله بن عمر أن الحجّاج (٥) عام نزلَ بابن الزبير، سأل
عبد الله - يعني ابن عمر ﴿بًا -: كيف تصنع في الموقف يومَ عرفة؟
فقال سالم: إن كنتَ تريدُ السُّنَّةَ فهجِّر بالصلاة يومَ عرفة، فقال ابن عمر:
صدَقَ، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة، قال الزهري: فقلت
السالم: أفعله رسول الله وَ﴾؟ فقال: وهل يتَّبعون في ذلك إلا سنته؟! انتهى (٦).
وكل ما سلفَ فيما إذا لم يُضِف السُّنَّةَ إلى النبي ◌َّ، فلو أضافها كقول
عمر للصُّبَي بن معبد(٧): هُدِيَت لسنة نبيك [كَلَوْ](٨). فمقتضى كلام الجمهور
(١) انظر: ((صحيح البخاري)): باب مناقب بلال بن رباح، كتاب فضائل الصحابة (٩٩/٧)،
وطبقات ابن سعد (٢٣٦/٣ - ٢٣٧)، و((حلية الأولياء)) (١٥٠/١ - ١٥١)، و((الاستيعاب))
(١٨١/١).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) كذا في (س)، (م). وفي (ح): (وهو).
(٤) انظر: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٨١/١)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٣٥٧/١)،
و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٧٩/٧).
(٥) هو: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، والي العراق، من قبل
عبد الملك، المتوفى سنة خمس وتسعين .
((وفيات الأعيان)) (٢٩/٢ - ٥٤)، و((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) (٤٨/٤).
(٦) ((صحيح البخاري)): باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، كتاب الحج (٥١٣/٣).
(٧) هو: الصبي، بصيغة التصغير، ابن معبد التغلبي، له إدراك، وحج في عهد عمر
فاستفتاه عن الجمع بين الحج والعمرة. اهـ. من الإصابة (٤٦٠/٣) وقد جعله من
القسم الثالث الذين لم يرو أنهم اجتمعوا بالنبي وَ ﴿ فليسوا بصحابة .
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح)، وقصة عمر مع الصُّبي: أخرجها الإمام أحمد في=

فروعٌ سبعة
٢٠٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
السابق الرَّفْع، بل أولى، وابنُ حزم يخالف فيه كما تقدم(١).
بل نقل أبو الحسين ابنُ القطان عن الشافعي أنَّه قال: قد يجوز أن يُرادَ
بذلك ما هو الحق من سنة النبي وَل﴾ (٢).
وجزم البلقينيُ في محاسنه(٣) بأنَّها على مراتبَ في احتمال الوقف قرباً
وبعداً، فأرفعُها مثل قول ابن عباس: الله أكبرُ سنة أبي القاسم ◌َليَ(٤)، ودونها
قول عمرو بن العاص: لَا تُلبسوا علينا سنة نبينا [{ #](٥) عدة أم الولد كذا (٦)،
ودونها قول عمر لعقبة بن عامر: أصبْتَ السُّنَّةَ(٧)؛ إذ الأوَّلُ أبعد احتمالاً،
والثاني أقربُ احتمالاً، والثالثُ لا إضافة فيه. انتهى.
وقال غيرُه في قول عمرو بن العاص: قال الدارقطني(٨): الصواب فيه لا
تُلبسوا علينا ديننا، موقوف؛ فدل قولُه هذا على أن الأوَّلَ مرفوع.
أمَّا إذا صرَّح بالآمر، كقوله: أَمرنَا رسولُ الله ◌َّهِ بكذا، أو سمعته يأمر
بكذا، فهو مرفوع بلا خلاف؛ لانتفاء الاحتمال السابق.
(«المسند» (١٤/١، ٢٥)، وأبو داود: باب في الإقران، من كتاب الحج رقم (١٧٩٨)
=
مختصراً (١٧٩٩) مطولاً، والنسائي: باب القران، من كتاب المناسك (١٤٦/٥ - ١٤٨)،
وابن ماجه: باب من قرن الحج والعمرة رقم (٢٩٧٠)، وإسنادها صحيح.
(١) (ص١٩٧).
(٢) نقله عنه: الزركشي في ((البحر المحيط)) (٣٧٧/٤).
(٣) (ص١٢٨).
(٤) أخرجه مسلم: باب جواز العمرة في أشهر الحج، كتاب الحج (٢٢٧/٨)، وأخرجه
البخاري: باب التمتع والقران والإفراد بالحج، من كتاب الحج (٤٢٢/٣) بلفظ:
( ... سنة النبي {َ ل)).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣٣٨/٢٩ ح ١٧٨٠٣) طبعة الرسالة من طريق قبيصة بن
ذؤيب عن عمرو بن العاص، ولم يسمع منه كما قال الدارقطني فهو منقطع. وذكر
الإمام أحمد أنه حديث منكر لا يصح. انظر كلام المحقق في الموضع المشار إليه.
(٧) رواه الدارقطني (١٩٥/١ - ١٩٦).
(٨) في سننه (٣٠٩/٣).
.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٠٣
فروعٌ سبعة
لكن حكى القاضي أبو الطيب الطبري(١)، وتلميذه ابن الصباغ (٢) في
((العدة)) عن داود الظاهري(٣)، وبعض المتكلمين: أنَّه لا يكونُ حجة حتى ينقل
لفظَه؛ لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي، فيحتمل أن يكونَ سمع صيغة
ظَنَّهَا أمراً أو نهياً، وليست كذلك في نفس الأمر(٤).
وقال الشارحُ: إنَّه ضعيف مردود، ثم وجَّهه بما له وجه في الجملة(٥)،
ووجَّهه غيره بجواز أن نحوَ هذا من الرواية بالمعنى، وهم ممن لا يجوزها .
وأما شيخُنا فرّه أصلاً فيما نقله عن غيره حيث قال: وأجيبَ بأنَّ الظاهر
من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أنَّه لا يطلق ذلك إلا فيما
تحقَّقَ أنه أمر أو نهي من غير شك، نفياً للتلبيس عنه بنقل ما يوجب على
سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما ليس أمراً ولا نهياً (٦).
(١) هو: طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري ثم البغدادي الفقيه الشافعي، المتوفى سنة
خمسين وأربعمائة.
(تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٤٧/٢/١)، و((مرآة الجنان)) (٧٠/٣ - ٧٢).
(٢) هو: عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي أبو نصر بن الصباغ، فقيه الشافعية
بالعراق، المتوفى سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
طبقات ابن قاضي شهبة (٢٦٩/١ - ٢٧٠)، و((شذرات الذهب)) (٣٥٥/٣).
(٣) هو داود بن علي الأصبهاني البغدادي أبو سليمان، فقيه أهل الظاهر، المتوفى سنة
سبعين ومائتين.
(«تذكرة الحفاظ)) (٥٧٢/٢ - ٥٧٣).
(٤) انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢٧/١)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٥٢٢/٢)، و((الإحكام))
لابن حزم (١٩٤/١)، ومقدمة ((جامع الأصول)) (٩٢/١)، و ((المسودة)» لآل تيمية (ص٢٩٣).
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢٧/١)، والتوجيه: هو قوله إلا أن يريدوا بكونه لا يكون حجة،
أي: في الوجوب؛ ويدل على ذلك تعليله للقائلين بذلك، فإن من الناس من يقول: المندوب
مأمور به، ومنهم من يقول: المباح مأمور به أيضاً، وإذا كان ذلك مرادهم كان له وجه.
وقال البقاعي في ((النكت الوفية)) (ل١٠٠/ أ - ب): قوله: كان له وجه، أي: في
الجملة، لا أنه وجه صحيح، فإن الحق أن الصحابة ﴿ه من أهل اللسان عارفون
مواقع الكلام العربي، فلا يقول أحدهم: أمرنا رسول الله وَ له إلا وقد علم أن النبي وَلـ
وجه الخطاب بصيغة ((افعل))، وسأل سائل ابن حجر: هل يستثنى من الصحابة من لم
يكن عربياً حتى لا يدل قوله ذلك على الوجوب؟ فقال: نعم.
(٦) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٥٢٢/٢).

فروعٌ سبعة
٢٠٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
تَتِمَّة :
قولُ الصحابي: إني لأشبهُكم صلاةً بالنبي ◌َِّ(١)، وما أشبهه، كـ(لأقربنَّ
لكم صلاة النبي ◌ٍَّ﴾(٢) كلَّه مرفوع.
وهل يلتحقُ التابعي بالصحابي في ((مِنَ السنة)) أو ((أُمِرْنا))؟ سيأتي في
خامس الفروع(٣).
وقول النبي وَلّ: أمرتُ، هو كقوله: أَمَرنِيَ الله؛ لأنه لا آمر له إلَّ الله،
كما سيأتي نظيره في يَرفعُه ويرويه (٤).
وأمثلته كثيرة، فمن المتفق عليه: ((أُمرْتُ بقرية تأكلُ القرى، يقولون:
يثرب))(٥). ومن غيره: ((أُمِرْنا أن نضَعَ أيمَانَنَا على شمائلنا في الصَّلاة))(٦).
(١) قاله أبو هريرة فيما رواه البخاري: باب إتمام التكبير في الركوع، كتاب الأذان
(٢٦٩/٢)، ومسلم: باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، كتاب
الصلاة (٩٧/٤ - ٩٨)، والنسائي: باب قراءة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) (١٣٤/٢)،
وأحمد في ((المسند)) (٢٣٦/٢).
(٢) قاله أبو هريرة - أيضاً - فيما رواه البخاري باب - من غير ترجمة - كتاب الأذان
(٢٨٤/٢)، ومسلم: باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين
نازلة، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١٧٨/٥)، وأبو داود: باب القنوت في
الصلوات، كتاب الصلاة رقم (١٤٤٠)، والنسائي: باب القنوت في صلاة الظهر،
كتاب الصلاة (٢٠٢/٢).
(٣) (ص٢٢١).
(٤) (ص٢٢٠).
(٥) أخرجه مالك في الموطأ: باب ما جاء في سكنى المدينة والخروج منها، كتاب الجامع
(٨٨٧/٢)، والبخاري باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس، من كتاب فضائل المدينة
(٤/ ٨٧)، ومسلم: باب المدينة تنفي خبثها، من كتاب الحج (٩/ ١٥٤).
ومعنى تأكل القرى كما في ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير، مادة (أكل): أي
يغلب أهلها وهم الأنصار بالإسلام على غيرها من القرى، وينصر الله دينه بأهلها،
ويفتح القرى عليهم، يغنمهم إياها، فيأكلونها . اهـ.
(٦) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (ص٣٤٦)، والدارقطني في ((سننه)) (٢٨٤/١)،
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩٩/١١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٨/٤)
عن ابن عباس بلفظ: ((إنا معاشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا، ووضع
أيماننا على شمائلنا في الصلاة)).
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٥
فروع سبعة
والحاصلُ: أن من اشتهرَ بطاعة كبير إذا قال ذلك، فُهِمَ منه أن الآمر له
هو ذلك الكبير، والله أعلم.
* (و) الفرعُ الثاني: (قولُه) أي: الصحابي (كُنَّا نرى) كذا، أو نفعلُ ١٠٧
کذا، أو نقولُ کذا، أو نحو ذلك.
وحكمُه أنه (إن كان) ذلك (مع) ذكر (عصر النبي) وَلّ، كقول جابر: ((كُنَّا
نَعزلُ على عهد رسولِ اللهِوَّ﴾(١))). أو: ((كُنَّا نأكل لحومَ الخيلِ على عهدٍ
رسول الله وَلٍ))(٢).
وقول غيره: كُنَّا لا نرى بأساً بكذا، ورسولُ الله ◌ِوَلّ فينا، أو كان يقال
كذا وكذا على عهده، أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته، إلى غيرها من
الألفاظ المفيدة للتكرار والاستمرار.
فهو وإن كان موقوفاً لفظاً (من قبيل ما رَفَع) الصحابي بصريح الإضافة،
كما ذهبَ إليه الجمهورُ من المحدثين وغيرهم، وقطع به الخطيبُ(٣)، ومن قبله
الحاكم(٤)، كما سيأتي(٥).
وصحَّحَه من الأصوليين الإمامُ فخر الدين(٦)، وأتباعه، وعلَّلوه بأن غرض
الراوي بيانُ الشرع؛ وذلك يتوقف على علم النبي وَّر وعدِم إنكاره(٧).
= قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠٥/٢): رجاله رجال الصحيح.
وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني في ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٦٧/٢ - ٢٦٨).
(١) رواه البخاري: باب العزل، من كتاب النكاح (٣٠٥/٩)، ومسلم: باب حكم العزل،
كتاب النكاح (١٤/١٠).
(٢) رواه النسائي: باب الإذن في أكل لحوم الخيل، من كتاب الصيد والذبائح (٧/ ٢٠١)
ورجاله ثقات.
ورواه ابن ماجه: باب لحوم البغال، من كتاب الذبائح رقم (٣١٩٧)، وليس فيه على
عهد رسول الله وَطير. وفي (تهذيب التهذيب)) (٣٧٥/٦): قال صالح بن أحمد عن
علي بن المدنية: قلت ليحيى بن سعيد: حدث عبد الكريم عن عطاء في لحم البغال
فقال: قد سمعته وأنكره یحیی.
(٣) في ((الكفاية)) (ص٥٩٥).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٢). (٥) (ص٢٠٧).
(٦) يعني: الرازي فيما نقله عنه الإسنوي في: ((نهاية السول)) (٨٠٣/٣).
(٧) انظر: ((نهاية السول)) للإسنوي (٨٠٣/٣ - ٨٠٥).

فروعٌ سبعة
٢٠٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال ابنُ الصلاح: وهو الَّذي عليه الاعتمادُ، لأنَّ ظاهرَ ذلك مشعر
بأنه وَّ اطّلع عليه، و[قررهم)] (١) وتقريره كقوله وفعله(٢)، قال الخطيبُ: ولو
علم الصحابي إنكاراً منه وَّ في ذلك لَبَّنْه (٣).
قال شيخُنا: ويدلُّ له احتجاجُ أبي سعيد الخدري على جواز العزل
بفعلهم له في زمن نزول الوحي، فقال: «كُنَّا نَعزِل والقرآنُ ينزلُ، لو كان شيء
ينهى عنه لنهى عنه القرآن))(٤). [وهو استدلال واضح؛ لأنَّ الزمانَ زمانُ
(٥).(٦)
تشريع(٥)] (٦).
[وفي كونه مرفوعاً بذلك نظر، فإنه ممَّا يخفى، وإن كان الزمانُ زمانَ
تشريع، نعم. أصرح منه ما في البخاري من حديث الثوري عن عبد الله بن دینار
عن ابن عمر، قال: ((كُنَّا نَتَّقي الكلام والانبساطَ إلى نسائنا على عهد رسول الله وَه
هيبة أن ينزل فينا شيء، فلما توفي النبي (وَلّ تكلَّمْنَا وانبسطنا))(٧)](٨).
وكذا يدل له مجيء بعض ما أتى ببعض هذه الصيغ بصريح الرفع.
(وقيل: لا) يكونُ مرفوعاً، حكاه ابنُ الصلاح عن البرقاني بلاغاً أنه سأل
الإسماعيلي عنه فأنكر أن يكون مرفوعاً (٩)، كما خالفَ في نحو أُمِرْنا (١٠)، يعني
١٠٨
(١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أقرهم.
(٢) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٣).
(٣) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص٥٩٤ - ٥٩٥).
(٤) رواه البخاري: باب العزل، من كتاب النكاح (٣٠٥/٩)، ومسلم: باب حكم العزل،
كتاب النكاح (١٠/١٠ - ١١)، وأحمد في ((المسند)) (٣٠٩/٣)، وابن ماجه: باب
العزل، كتاب النكاح رقم (١٩٢٦)، وفيه: أنهم سألوا رسول الله وَليه؟ فقال: أو إنكم
لتفعلون؟ ... الحديث)). وحينئذ فلا يتم به الاستدلال على المراد، فالاستدلال
بحديث جابر الذي تقدم قريباً أتم.
(٥) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٥١٥/٢).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (س)، (م).
(٧) رواه البخاري: باب الوصاة بالنساء، كتاب النكاح (٢٥٣/٩)، وابن ماجه: باب ذكر
وفاته ودفنه ، كتاب الجنائز رقم (١٦٣٢).
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٩) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٣).
(١٠) المرجع السابق (ص ٤٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٧
فروعٌ سبعة
بل هو موقوف مطلقاً، قَيَّدَ أم لا، بخلاف القول الأول فهو مفصل، فإن قَيَّدَ
[بالعصر النبوي](١) - كما تقدم(٢) -، فمرفوع (أو لا) أي: وإن لم يقيد (فلا)
يكون مرفوعاً .
(كذاك له) أي: لابن الصلاح حيث جزمَ به(٣)، ولم يحكِ فيه غيره (و)
كذا (للخطيب) أيضاً في الكفاية (٤)، كما زاده الناظمُ(٥)، مع أنه قد فهم عن
مشترطي القيد في الرفع - وهم الجمهورُ كما تقدم(٦) - القول به، ولذلك قال
النووي في شرح مسلم: وقال الجمهور من المحدثين وأصحابُ الفقه
والأصول: إن لم يُضِفْه فهو موقوف(٧).
(قلتُ: لكن) قد (جعله) أي: هذا اللفظ الذي لم يقيد بالعصر النبوي
(مرفوعاً الحاكم) أبو عبد الله النيسابوري.
١٠٩
وعبارتُه في علومه: ومنه - أي: وممَّا لم يصرِّح فيه بذكر الرسول اَله -
قولُ الصحابي المعروف بالصحبة: أُمِرْنا أن نفعل كذا، ونُهينا عن كذا، وكُنَّا
نؤمرُ بكذا، وكُنَّا ننهى عن كذا، وكنا نفعلُ كذا، وكنّا نقولُ ورسول الله وَ لّ فينا
كذا، وكُنَّا لا نرى بأساً بكذا، وكان يقال: كذا وكذا، وقولُ الصحابي: من
السنة كذا، وأشباه ما ذكرناه إذا قاله الصحابي المعروف بالصحبة فهو حديث
مسند(٨)، أي: مرفوع.
(و) كذا جعله مرفوعاً الإمامُ فخر الدين (الرازي) نسبة - بإلحاق
الزاي ـ للرَّي مدينة مشهورة كبيرة من بلاد الدَّيْلم(٩)، بين
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (بعصر النبي).
(٣) في ((علوم الحديث)) (ص٤٣).
(٢) (ص٢١٥).
(٤) (ص٥٩٥).
(٥) أي: في ألفيته، وانظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص٦٦).
(٦) (ص٢١٥).
(٧) (شرح النووي على مسلم)) (٣٠/١)، وانظر أيضاً: ((المستصفى)) للغزالي (١٣١/١)،
و((الإحكام)) للآمدي (٩٩/٢)، و((نهاية السول)) للإسنوي (٨٠٥/٣)، و((شرح الكوكب
المنير)) (٤٨٤/٢).
(٨) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٢).
(٩) انظر: ((الأنساب للسمعاني)) (٣٣/٦ - ٣٦)، و((معجم البلدان)) لياقوت (١١٦/٣ - ١٢٢).

فروعٌ سبعة
٢٠٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قُومِس(١) والجبال(٢)، صاحبُ التفسير والمحصولِ، ومناقبِ الشافعي، وشرح
الوجيز للغزالي، وغيرها، وأحدُ الأئمة.
وهو: أبو عبد الله وأبو الفضائل محمد (بن الخطيب) بالرَّي، تلميذ
محيي السنة البغوي، الإمامُ ضياء الدين عمرُ بن الحسين بن الحسن بن علي
القرشي البكري التميمي الشافعي، توفي بهراة في سنة ست وستمائة، عن ثلاث
وستين سنة (٣)، كما نصَّ على ذلك في ((المحصول))(٤)، ولم يفرقا بين المضاف
وغيره، وحينئذ فعن الفخر في المسألة قولان(٥) .
وقال ابنُ الصباغ في ((العدة): إنه الظاهر، قال الناظمُ تبعاً للنووي في
شرح المهذب: (وهو القوي) يعني: من حيث المعنى، زاد النووي: أنه ظاهر
استعمال كثير من المحدثين وأصحابِنا في كتب الفقه (٦)، واعتمده الشيخان في
صحيحيهما وأكثر منه البخاري.
قلت: وممَّا خرَّجه من أمثلة المسألة حديثُ سالم بن أبي الجعد(٧) عن
جابر: ((كُنَّا إذا صَعَدْنا كَبَّرنا، وإذا هَبَظْنا سبَّحنا)(٨)، ويتأيد القولُ بالرفع بإيراد
(١) قُومِس - بالضم ثم السكون وكسر الميم وسين مهملة -: تعريب كومش، كورة كبيرة
واسعة بين الري ونيسابور، انظر: ((معجم ما استعجم)) للبكري (١١٠٣/٣)، و((معجم
البلدان» (٤١٤/٤ - ٤١٥) وفيه: تعريف كومس بالسين.
(٢) الجبال: جمع جبل. اسم علم للبلاد المعروفة اليوم باصطلاح العجم بالعراق، وهي
ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور، والري، وما بين ذلك من البلاد
الجليلة والكور العظيمة، وتسمية العجم له بالعراق غلط لا أعرف سببه، وهو اصطلاح
محدث لا يعرف في القديم، قال ذلك ياقوت الحموي في: ((معجم البلدان)) (٩٩/٢).
(٣) ترجمة الفخر الرازي في: ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/٤ - ٢٥٢)، و((إخبار العلماء بأخبار
الحكماء)) للقفطي (ص ١٩٠ - ١٩٢)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٤٢٦/٤ - ٤٢٩).
(٤) (٦٤٣/١/٢).
(٥) هما: الإطلاق كما هنا، والتقييد بالعصر النبوي كما تقدم (ص٢١٥).
(٦) ((المجموع شرح المهذب)) (٥٩/١ - ٦٠)، و((شرح صحيح مسلم)) (٣٠/١ - ٣١).
(٧) هو: سالم بن أبي الجعد رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة يرسل كثيراً،
مات سنة سبع أو ثمان وتسعين، وقيل: سنة مائة.
(تقريب التهذيب)) (ص١١٤)، والخلاصة (ص١١١).
(٨) أخرجه البخاري: باب التسبيح إذا هبط وادياً، وباب التكبير إذا علا شرفاً، كتاب
الجهاد (١٣٥/٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٠٩
فروعٌ سبعة
النسائي له من وجه آخر عن جابر، قال: «كُنَّا نسافرُ مع رسولِ الله وَلَوَ فإذا
صَعَدْنا ... وذكره))(١).
فتحصَّلَ في المسألة ثلاثةُ أقوال: الرفعُ مطلقاً، الوقفُ مطلقاً، التفصيلُ،
وفيها رابع - أيضاً - وهو تفصيل آخر، بين أن يكون ذلك الفعلُ مما لا يخفى
غالباً فمرفوع، أو يخفى كقول بعض الأنصار: ((كُنَّا نجامعُ فنكْسَلُ ولا
نغتسلُ))(٢). فموقوف، وبه قطع الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي(٣)، وكذا قاله ابن
السمعاني(٤)، وحكاه النووي في شرح مسلم عن آخرين(٥).
وخامسٌ: وهو أنَّه إن أورده في معرض الاحتجاج فمرفوع، وإلّا
فموقوف، حكاه القرطبي(٦).
(١) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (ص٣٦٦) عن الحسن عن جابر، بلفظ: ((كنا إذا
كنا مع رسول الله ﴿ في سفر فصعدنا كبرنا وإذا انحدرنا سبَّحنا))، ثم قال النسائي
بعده (ص٣٦٧): الحسن عن جابر صحيفة وليس بسماع. اهـ. وله شاهد عن ابن عمر:
(كان النبي ◌َ ﴿ وجيوشه إذا علوا الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبَّحوا)). أخرجه أبو داود:
باب ما يقول الرجل إذا سافر، كتاب الجهاد رقم (٢٥٩٩) مطولاً.
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٥/٥ - ٣٦) عن رفاعة بن رافع الأنصاري بلفظ: ((كنا
نفعله على عهد رسول الله (مقر فإذا لم ننزل لم نغتسل)). قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد)) (٢٦٥/١ - ٢٦٦): رجاله رجال الصحيح ما خلا ابن إسحاق وهو ثقة، إلا
أنه مدلس.
قلت: وقد رواه ابن إسحاق بالعنعنة.
(٣) ((التبصرة في أصول الفقه)) (ص٣٣٣).
(٤) ((القواطع)) لابن السمعاني (٤٧٢/٢). وابن السمعاني هو: أبو المظفر منصور بن
محمد بن عبد الجبار التميمي المروزي الحنفي ثم الشافعي، المتوفى سنة تسع وثمانين
وأربعمائة.
((المنتظم)) لابن الجوزي (١٠٢/٩)، و((العبر)) للذهبي (٣٢٦/٣).
(٥) ((شرح النووي على مسلم)) (٣٠/١).
(٦) انظر: ((المفهم)) للقرطبي طبعة دار ابن كثير (٢٣/٣)، و((النكت على ابن الصلاح))
لابن حجر (٥١٦/٢)، والقرطبي هو: أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري
المالكي، الفقيه المحدث، المتوفى سنة ست وخمسين وستمائة.
(«البداية والنهاية)) (٢١٣/١٣)، و((نفح الطيب)) (٣٧٠/٣ - ٣٧١).

فروعٌ سبعة
٢١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وسادس(١): وهو إن كان قائلُه من أهل الاجتهاد فموقوف، وإلا
فمرفوع (٢) .
وسابع: وهو الفرق بين كُنَّا نرى وكُنَّا نفعل، بأن الأوَّلَ مشتق من الرأي،
فيحتمل أن يكون مستندُه تنصيصاً أو استنباطاً(٣).
وتعليلُ السيف الآمدي(٤) وأتباعه كون ((كُنَّا نفعلُ)) ونحوه حجة: بأنه
ظاهر في قول كل الأمة (٥)، لا يحسن معه إدراجهم مع القائلين بالأول كما
فعل الشارعُ(٦) لاختلاف المدركين(٧) .
وكلُّ ما أوردناه من الخلاف حيث لم يكن في القصة اطلاعه وَلير، أما إذا
كان كقول ابن عمر: «كُنَّا نقولُ ورسول الله وَّرِ حيٍّ: أفضلُ هذه الأمة بعد
نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمعُ ذلك رسولُ الله ◌ِّ﴿ فلا ينكره))(٨)؛
فحكمه: الرفعُ إجماعاً .
ثم إن النفي كالإثبات فيما تقدم، كما عُلم من التمثيل، ولذلك مَثَّلَ ابنُ
(١) في حاشية (س): في التفصيل السادس نظر؛ لأن الفرض أن قائله صحابي، ولجميع
الصحابة من الاجتهاد بالنور الذي قذف في قلوبهم من رؤية محمد وَله .
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٥١٦/٢): ولم أر من صرح بنقله.
(٣) ((النكت)) لابن حجر (٥١٧/٢).
(٤) هو: علي بن أبي علي بن محمد التغلبي الآمدي سيف الدين أبو الحسن الشافعي
الأصولي المتكلم، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
(لسان الميزان)) (١٣٤/٣ - ١٣٥)، و((الفتح المبين في طبقات الأصوليين (٥٧/٢ - ٥٨).
(٦) في ((التقييد والإيضاح)) (ص٦٧).
(٥) ((الإحكام)) للآمدي (٩٩/٢).
(٧) قال الإسنوي في ((نهاية السول)) (٨٠٤/٣ - ٨٠٥): وينبني على المدركين ما أشار إليه
الغزالي في المستصفى (١٣١/١) وهو الاحتجاج به إذا كان القائل تابعياً، وكلام
المصنف - يعني البيضاوي - يقتضي أن الاحتجاج به متوقف على تقييده بعهد الرسول.
(٨) رواه الطبراني في الكبير (٢٨٥/١٢ - ٢٨٦)، والأوسط (٣٢٠/٩ ح ٨٦٩٧)، وأبو
يعلى في مسنده (٤٥٢/٩ ح ٥٦٠١). وفي («مجمع الزوائد)) (٥٨/٩)، قال الهيثمي:
ورجاله وثقوا وفيهم خلاف. اهـ.
وفي البخاري: باب فضل أبي بكر الصديق بعد النبي 18 كتاب فضائل الصحابة (١٦/٧)
عن ابن عمر بلفظ: ((كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي ◌َّ فنخير أبا بكر ثم عمر بن
الخطاب، ثم عثمان بن عفان

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١١
فروعٌ سبعة
الصباغ للمسألة بقول عائشة: ((كانَتِ اليدُ لا تُقطَّعُ في الشيء الثَّافِه)»(١).
(لكن حديث: «كان بابُ المصطفى) وَّ هِ (يُفْرَعُ) من الصحابة (بالأظفار) ١١٠
تأدباً وإجلالاً له، كما عُرِف ذلك منهم في حقه، وإن قال السهيلي: إنه لأن
بابَه الكريم لم يكن له حلق يطرق بها(٢).
(مما وُقِفا حكماً) أي: حكمُه الوقف (لدى) أي: عند (الحاكم)، فإنه قال ١١١
بعد أن أسنده كما سيأتي(٣): هذا حديث يتوهّمه من ليس من أهل الصنعة
مسنداً لذكر رسول الله وَ ليل به، وليس بمسند، فإنه موقوف على صحابي حكى
عن أقرانه من الصحابة فعلاً، وليس يسنده واحد منهم(٤).
(و) كذا عند (الخطيب) [أيضاً](٥) في جامعه نحوه، وإن أنكرَ البلقيني
تبعاً لبعض مشايخه وجوَّده فيه(٦)، فعبارتُه في الموقوف الخفي الذي ذكر من
أمثلته هذا الحديث نصها: قد يتوهم أنه مرفوع لذكر النبي وَّ فيه، وإنما هو
موقوف على صحابي حكى فيه عن غير النبي بٍَّ فعلاً(٧).
وذلك متعقب عليهما (والرفع) في هذا الحديث (عند الشيخ) ابن الصلاح
(ذو تصويب) قال: والحاكمُ [معترف](٨) بكون ذلك من قبيل المرفوع، يعني
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٤٧٦/٩ - ٤٧٧) عن عائشة بلفظ: ((لم يكن يقطع على
عهد النبي ◌َّ ر في الشيء التافه))، بسند صحيح.
ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٣٤/١٠ - ٢٣٥) مرسلاً مطولاً، والبيهقي في ((سننه))
(٢٥٥/٨ - ٢٥٦)، وذكر أنه روي عن عائشة موصولاً وأرسله جماعة، وكل من رواه
موصولاً حفاظ أثبات.
(٢) ((الروض الأنف)) للسهيلي (٢٦٨/٤).
(٣) (ص٢١٣ - ٢١٤).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١٩).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) ((محاسن الاصطلاح)) للبلقيني (ص١٢٧) وليس فيه أنه تبع بعض مشايخه، وعبارته: ما
ذكر عن الخطيب أنه ذكر في جامعه نحو ما ذكر الحاكم لم أقف عليه في جامع
الخطيب، فلينظر.
نعم. وجدت في جامع الخطيب حديث القرع بالأظافير من حديث أنس، ولم يتعرض
لقوله موقوفاً . اهـ.
(٧) ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٢٩١/٢).
(٨) كذا في (ح)، (م)، وفي (س) (متعرف).

فروعٌ سبعة
٢١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
لأنَّه جَنَحَ إلى الرفع في غير المضاف، فهو هنا أولى، لكونه كما قال ابنُ
الصلاح: أحرى باطلاعه وَ ي﴿ عليه، قال: وقد كُنَّا عددنا هذا فيما أخذنا عليه،
ثم تأولناه له على أنه أراد أنه ليس بمسند لفظاً؛ بل هو موقوف لفظاً كسائر ما
تقدم، وإنَّما جعلناه مرفوعاً من حيث المعنى. انتهى(١). وهو جيد.
وحاصله - كما قال شيخُنا -: إن له جهتين: جهةُ الفعل وهو صادر من
الصحابة فيكون موقوفاً، وجهةُ التقرير، وهو مضاف إلى النبي ◌َّ من حيث إن
فائدة قَرع بابه أنه يعلم أنه قرع، ومن لازم علمه بكونه قُرعَ مع عدم إنكار ذلك
على فاعله التقريرُ على ذلك الفعل فيكون مرفوعاً .
لكن يخدشُ فيه أنه يلزم منه أن يكونَ جميعُ قسم التقرير يجوز أن يسمى
موقوفاً؛ لأنَّ فاعلَه غير النبي وَلَّ قطعاً، وإلا فما اختصاص حديث القرع بهذا
الإطلاق(٢)؟.
قلت: والظاهر أنه يلتزمه في غير التقرير الصريح كهذا الحديث، وغيره
لا يلزمه، ويستأنس له بمنع الإمام أحمد وابن المبارك(٣) من رفع حديث:
((حذفُ السَّلام سنة))(٤). كما سيأتي في آخر هذه الفروع(٥).
على أنه يحتمل أن الحاكمَ ترجَّح عنده احتمالُ كون القرع بعده وَّ بأن
(١) ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٤٤).
(٢) ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٥١٩/٢).
(٣) هو: الإمام الحافظ الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم
المروزي، المتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة.
(«تذكرة الحفاظ)) (٢٧٤/١ - ٢٧٩)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٨٧).
(٤) رواه أبو داود: باب حذف التسليم، كتاب الصلاة رقم (١٠٠٤)، والترمذي: باب ما
جاء أن حذف السلام سنة من أبواب الصلاة رقم (٢٩٧)، وقال: حديث حسن
صحيح، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥٣٢/٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٣١/١)
وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
وفي ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل٩٩/ أ): أن أبا الحسن بن القطان ضعف هذا الحديث
بقرة بن عبد الرحمن. قلت: وقرة روى له مسلم في ((صحيحه)) مقروناً بغيره. ومنع
الإمام أحمد وابن المبارك من رفع الحديث في ((سنن أبي داود)» بعد رواية الحديث.
(٥) (ص٢٣٦).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢١٣
فروعٌ سبعة
الاستئذان في حياته كان ببلال، أو [ب] (١) رباح، أو بغيرهما، وربما كان
بإعلام المرء بنفسه.
بل في حديث بسر بن سعيد(٢) عن زيد بن ثابت: ((احْتَجَرَ النبيِ نَّ في
المسجد حُجرة. وفيه: أنه لم يخرج إليهم ليلة، قال: فَتَنَحْنَحُوْا ورفَعُوا
أصواتَهم وحَصَبُوْا بابه))(٣).
ولم يجئ في خبر [صريح](٤) الاستئذانُ عليه بالقرع، وأنَّ فائدة ذكر
القرع مع كونه بعده ما تضمنه من استمرارهم على مزيد الأدب بعده؛ إذ حرمتُه
ميتاً كحرمتِه حياً، وإذا كان كذلك فهو موقوف مطلقاً، فالله أعلم.
والحديثُ المشارُ إليه أخرجه الحاكم في علومه(٥)، وكذا في الأمالي،
كما عزاه إليها البيهقي في مدخله(٦)، حيث أخرجه عنه عن راو، ورواه أبو
نعيم في المستخرج على علوم الحديث له، عن راو آخر، كلاهما عن أحمد بن
عمرو الزِّيبقي (٧) - بالزاي المكسورة المشددة ثم تحتانية - عن زكريا بن يحيى
(١) الباء ليست في (م).
(٢) هو: بسر بن سعيد المدني العابد، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل، مات سنة مائة.
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٢٨١/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٣٧/١).
(٣) رواه البخاري: باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله - تعالى - كتاب الأدب،
(٥١٧/١٠)، وفي باب ما يكره من كثرة السؤال، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة
(٢٦٤/١٣)، ومسلم: باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد
(٦٨/٦ - ٧٠)، وأبو داود: باب في فضل التطوع في البيت كتاب الصلاة رقم
(١٤٤٧)، والترمذي: باب ما جاء في فضل صلاة التطوع في البيت من أبواب
الصلاة برقم (٤٥٠) مختصراً، والنسائي: باب الحث على الصلاة في البيوت
والفضل في ذلك، كتاب قيام الليل (١٩٧/٣ - ١٩٨).
(٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (صحيح).
(٥) (ص١٩).
(٦) لم أقف عليه في القطعة المطبوعة من المدخل للبيهقي.
(٧) كذا في الأصول، والذي في ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم: محمد بن أحمد الزيبقي.
وهو: أبو الحسين أحمد بن عمرو بن أحمد البصري الزيبقي، كما في ((الأنساب))
للسمعاني (٣٦٢/٦ - ٣٦٣).

فروعٌ سبعة
٢١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المنقري عن الأصمعي(١) عن كيسانَ مولى هشام بن حسان(٢) - في رواية أبي
نعيم - عن هشام بن [حسان](٣)، وفي رواية الآخرين عن [محمد بن حسان](٣)
زاد البيهقيُّ: هو أخو هشام بن حسان، وهو حسنُ الحديث.
ثم اتفقوا عن محمد بن سيرين، زاد أبو نعيم في روايته عن عمرو بن
وهب(٤)، ثم اتفقوا عن المغيرة بن شعبة نظ الله قال: ((كان أصحابُ رسول الله وَله
يقرعونَ بابَه بالأظافير))(٥) .
وفي الباب عن أنس أخرجه الخطيبُ في جامعه من طريق أبي غسان
مالك بن إسماعيل النهدي(٦)، وضرار بن صُرد(٧) شيخ حميد بن الربيع(٨) فيه،
(١) هو: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك أبو سعيد الأصمعي، صاحب اللغة والنحو
والغريب والأخبار، أثنى عليه ابن المديني، وقال أبو داود: صدوق، توفي سنة ثلاث
عشرة ومائتين.
(«تاريخ بغداد)) (٤١٠/١٠ - ٤٢٠)، و((تهذيب التهذيب)) (٤١٥/٦ - ٤١٧).
(٢) هو: هشام بن حسان القردوسي الأزدي أبو عبد الله البصري، أحد الأعلام، المتوفى
سنة ست أو سبع أو ثمان وأربعين ومائة.
((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٥٤/٢/٤ - ٥٦)، و((تهذيب الكمال)) للمزي
(١٨١/٣٠).
(٣) ما بين المعقوفين في الموضعين مما قصه المجلد من حاشية (ح)، وكلمة (ابن) لا
توجد في (م).
(٤) هو: عمرو بن وهب الثقفي، وثقه النسائي وابن حبان والعجلي وابن سعد، من الثالثة.
((الثقات)) لابن حبان (١٦٩/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (١١٧/٨)، والتقريب
(ص٢٦٣).
(٥) أخرجه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص١٩).
(٦) هو: مالك بن إسماعيل بن درهم النهدي، مولاهم الكوفي الحافظ، الثقة المتقن،
المتوفى سنة تسع عشرة ومائتين.
((التاريخ الكبير)) (٣١٥/١/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٣/١٠ - ٤).
(٧) هو: ضرار بن صرد التيمي أبو نعيم الطحان الكوفي، قال البخاري والنسائي: متروك.
وقال أبو حاتم: صدوق صاحب قرآن، يكتب حديثه ولا يحتج به، مات سنة تسع
وعشرين ومائتين.
((الضعفاء)) للنسائي (ص٥٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥٦/٤ - ٤٥٧).
(٨) هو: حميد بن الربيع بن حميد بن مالك أبو الحسن اللخمي الخزاز الكوفي، قال=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١٥
فروعٌ سبعة
كلاهما عن المطلب بن زياد الثقفي(١) ثم افترقا، ففي رواية أبي غسان أخبرني
أبو بكر بن عبد الله [الأصبهاني](٢) عن محمد بن مالك بن المنتصر (٣).
وفي رواية حميد ثنا عمر بن سويد - يعني: العِجْلي(٤) - كلاهما عن
أنس بن مالك، قال: ((كان بابُ رسولِ الله وَ﴿ يُفْرَعُ بالأظافر)»(٥). لفظ حميد،
ولفظ الآخر: ((كانتْ أبوابُ النبي ◌َّر ... )) والباقي سواء(٦).
وكذا أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))(٧)، و((التاريخ)) (٨) عن أبي
غسان، والبزار(٩) في مسنده(١٠) عن حُميد بن الربيع عن ضرار به (١١).
= ابن عدي: يسرق الحديث ويرفع الموقوف، وقال النسائي: ليس بشيء، مات سنة
ثمان وخمسين ومائتين.
((الكامل)) لابن عدي (٦٩٦/٢ - ٦٩٧)، و((لسان الميزان)) (٣٦٣/٢).
(١) هو: المطلب بن زياد بن أبي زهير الثقفي مولاهم الكوفي، وثقه ابن معين، وقال أبو
حاتم: لا يحتج به، وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم، مات سنة خمس وثمانين
ومائة.
(«ميزان الاعتدال)) (١٢٨/٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٣٩).
(٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): (ابن الأصبهاني). وهو: أبو بكر بن عبد الله الثقفي
الأصبهاني، قال الذهبي: غير معروف.
((ذكر أخبار أصبهان)) لأبي نعيم (٣٦٥/٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٠٦/٤).
(٣) هو: محمد بن مالك بن المنتصر، قال الذهبي: لا يعرف، وقال ابن حجر: مجهول
من الخامسة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(«ميزان الاعتدال)) (٢٣/٤)، والتقريب لابن حجر (ص٣١٧).
(٤) هو: عمر بن سويد بن غيلان الثقفي، ويقال: العجلي الكوفي، وثقه ابن معين، وفرق
هو والبخاري بين الثقفي والعجلي، وقال الخطيب: هما واحد.
((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٦٢/٢/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٥٨/٧).
(٥) ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٢٩١/٢).
(٦) ((ذكر أخبار أصبهان)) لأبي نعيم (٣٦٥/٢).
(٧) (٥٢٩/٢) مع شرحه.
(٨) ((التاريخ الكبير)) (٢٢٨/١/١).
(٩) هو: العلامة الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، المتوفى سنة
اثنتين وتسعين ومائتين.
((تذكرة الحفاظ)) (٦٥٣/٢ - ٦٥٤).
(١٠) ((كشف الأستار عن زوائد البزار)) (٤٢١/٢).
(١١) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به قراءة علي وتحقيقاً، عوداً على بدء. كتبه مؤلفه.

فروعٌ سبعة
٢١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٢
* (و) أمَّا (عدُّ ما فسَّره الصحابي) الذي شاهد الوحيَ والتنزيلَ من آي
القرآن (رفعاً) أي: مرفوعاً، كما فعل الحاكمُ، وعزاه للشيخين(١)، وهو الفرع
الثالث؛ (فمحمول على الأسباب) للنزول ونحوِها، مما لا مجال للرأي فيه،
لتصريح الخطيب فيها بقوله في حديث جابر الآتي: قد يتوهم أنه موقوف،
وإنما هو مسند؛ لأنَّ الصحابي الذي شاهدَ الوحي إذا أخبر عن آية نزلت في
كذا كان مسنداً (٢)، وتبعه ابنُ الصلاح(٣)، وقَيَّد به إطلاق الحاكم(٤).
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ من التفسير ما ينشأ عن معرفة طرق البلاغة
واللغة، كتفسير مفرد بمفرد، أو يكون متعلقاً بحكم شرعي، ونحو ذلك مما
للرأي فيه مجال، فلا يُحكم لما يكون من هذا القبيل بالرفع، لعدم تحتُّم
إضافته إلى الشارع.
أما اللغة والبلاغة، فلكونهم في الفصاحة والبلاغة بالمحل الرفيع، وأمَّا
الأحكامُ فلاحتمال أن يكون مستفاداً من القواعد، بل هو معدود في
الموقوفات.
ومنه - وهو المرفوع - ما لا تعلُّق للسان العرب به، ولا مجال للرأي
فيه، كتفسير أمر مغيب من أمر الدنيا أو الآخرة، أو الجنة أو النار، أو
[تعيين](٥) ثواب أو عقاب، ونحو ذلك من سبب نزول.
(١) ((المستدرك على الصحيحين)) (٢٥٨/٢، ٢٦٣).
(٢) ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٢٩١/٢ - ٢٩٢).
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٥).
(٤) وكذلك الحاكم نفسه قيده في أسباب النزول في ((معرفة علوم الحديث)) له (ص١٩ - ٢٠)
حيث قال: ومن الموقوف الذي يستدل به على أحاديث كثيرة ... ثم ساق بسنده إلى
أبي هريرة ◌َُّه في قول الله وَك: ﴿لَوََّةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] قال: تلقاهم جهنم يوم
القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك لحماً على عظم إلا وضعت على العراقيب، قال:
وأشباه هذا من الموقوفات تعد في تفسير الصحابة، فأما ما نقول في تفسير الصحابي
مسند فإنما نقوله في غير هذا النوع، فإنه كما أخبرنا، ثم ذكر بسنده حديث جابر
المذكور ... ثم قال: هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة، فإن
الصحابي الذي شاهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا
وكذا، فإنه حدیث مسند. اهـ.
١
(٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): (تعين).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢١٧
فروعٌ سبعة
كقول جابر: «كانت اليهودُ تقول: من أتى امرأتَه من دُبُرِها في قُبُلِهَا جاء
الولدُ أحولَ، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية(١))(٢).
على أنَّه قد يقال: إنه يكفي في تسويغ الإخبار بالسبب البناءُ على ظاهر
الحال، كما لو سمع من الكفار كلاماً ثم أنزل الله تعالى ما يناقضه؛ إذ الظَّاهرُ
أنه نزل ردّاً عليهم من غير احتياج إلى أن يقول له النبي وَله: هذا أُنزِلَ بسبب
كذا، فقد وقع الإخبار منهم بالكثير، بناء على ظاهر الحال.
ومن ذلك: قولُ الزبير ◌ُبه في قصة الذي خاصمه في ((شراج الحرة))(٣):
إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(٤)(٥). وهو وإن كان في بعض الروايات جزم الزبيرُ
بذلك(٦)، فالرَّاجح الأولُ وأنه كان لا يجزم به(٧)، وإذا كان كذلك فطرقه
الاحتمال.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٣، وقد كتب في (ح): ﴿فَأَتُوْ حَرْتَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ثم طمس عليه.
(٢) الحديث: أخرجه البخاري: باب نساؤكم حرث لكم، من كتاب التفسير (١٨٩/٨)،
ومسلم: باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض
للدبر، كتاب النكاح (٥/١٠ - ٧).
(٣) في: ((النهاية)) لابن الأثير، مادة (شرح): الشرجة مسيل الماء من الحرة إلى السهل،
والشرج جنس لها، والشراج جمعها .
(٤) سورة النساء: الآية ٦٥.
(٥) قصة الزبير: أخرجها البخاري: باب سكر الأنهار، كتاب المساقاة (٣٤/٥)، ومسلم:
باب وجوب اتباعه ◌َ*، كتاب الفضائل (١٠٧/١٥ - ١٠٨)، وأبو داود: أبواب من
القضاء، كتاب الأقضية رقم (٣٦٣٧)، والترمذي: باب ما جاء في الرجلين يكون
أحدهما أسفل من الآخر في الماء، أبواب الأحكام رقم (١٣٦٣)، والنسائي: باب
الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان، كتاب آداب القضاة (٢٣٨/٨)، وابن
ماجه: باب تعظيم حديث رسول الله وَ ليل من المقدمة رقم (١٥).
(٦) هي رواية ابن جريج، وقد رواها البخاري: باب شرب الأعلى إلى الكعبين، كتاب
المساقاة (٣٩/٥)، وعبد الرحمن بن إسحاق عند الطبري في ((تفسيره)) (٥٢١/٨ - ٥٢٢)
كلاهما عن الزهري عن عروة.
(٧) انظر: ((فتح الباري)) (٣٧/٥) وفيه: لكن وقع في رواية أم سلمة عند الطبري (٥٢٢/٨
- ٥٢٣)، والطبراني في «الكبير» (٢٩٤/٢٣ - ٢٩٥)، الجزم بذلك، وأنها نزلت في
قصة الزبير وخصمه . اهـ.
=

فروعٌ سبعة
٢١٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وأما التَّقييدُ في قائل ما لا مجال للرأي فيه بكونه ممن لم يعرف بالنظر
في الكتب القديمة، فسيأتي في سادس الفروع(١).
١١٣
* (و) الفرعُ الرابعُ: وأخر لصدور ألفاظه ممن دون الصحابي (قولُهم)
أي: التابعي فمن دونه بعد ذكر الصحابي (يرفعه) أو رَفَعَهُ، أو مرفوعاً.
كحديث سعيد بن جبير (٢) عن ابن عباس: ((الشِّفاءُ في ثلاث: شربةٍ عسل،
وشرطةِ مِحْجَم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكيّ)) (٣) رفع الحديث.
وكذا قولهم: (يَبْلُغُ به) أو (رواية) أو يرويه كحديث أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة يَبْلُغُ به: ((الناسُ تبع لقريش)) (٤). وبه عن أبي هريرة
رواية: ((تقاتلون قوماً صغارَ الأعين)»(٥).
وكحديث سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رواية:
((الفطرةُ خمس))(٦) .
وفي سند الطبري شيخه عبد الله بن عمير الرازي ولم أقف له على ذكر فيما بين يدي
=
من المراجع .
وفي سند الطبراني: يعقوب بن حميد، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٦/٧): وثقه
ابن حبان وضعفه غيره.
(١) (ص٢٢٨ - ٢٣٠).
(٢) هو: سعيد بن جبير الأسدي، مولاهم الكوفي المقرئ، الفقيه، أحد الأئمة الأعلام،
قتله الحجاج في شعبان سنة خمس وتسعين.
((تذكرة الحفاظ)) (٧٦/١ - ٧٧)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٢٠).
(٣) رواه البخاري: باب الشفاء في ثلاث: كتاب الطب (١٣٦/١٠)، وأحمد في (المسند))
(٢٤٦/١)، وابن ماجه: باب الكي، كتاب الطب، رقم (٣٤٩١).
ورواه البخاري في الباب المذكور عن ابن عباس عن النبي ◌َطّ ر ... فذكره.
(٤) رواه مسلم: باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، كتاب الإمارة (١٩٩/١٢)،
وتمامه: في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم)).
(٥) رواه البخاري: باب قتال الذين ينتعلون الشعر، كتاب الجهاد (١٠٤/٦)، ومسلم
كتاب الفتن (١٨/ ٣٧) بصيغة يبلغ به، وأبو داود باب في قتال الترك، كتاب الملاحم
رقم (٤٣٠٤)، وابن ماجه: كتاب الفتن، باب الترك رقم (٤٠٩٦) بصيغة يبلغ به.
(٦) وتمامه: ((الختان والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب)).
أخرجه البخاري: باب قص الشارب، كتاب اللباس (٣٣٤/١٠)، ومسلم: باب
خصال الفطرة، كتاب الطهارة (١٤٦/٣)، وأبو داود: باب في أخذ الشارب، كتاب=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١٩
فروع سبعة
أو (يَنْمِيه) بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم، كحديث مالك عن أبي
حازم(١) عن سهل بن سعد، قال: ((كان الناسُ يُؤْمَرُونَ أن يَضَعَ الرَّجلُ يدَه
اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)). قال أبو حازم: لا أعلمُ إلا أنه يَنْمِي
ذلك(٢).
وكذا قولهم: يُسنِدُه أو يأثره مما الحاملُ عليه وعلى العدول عن التصريح
بالإضافة إما الشك في الصيغة التي سمع بها، أهي قال رسول الله، أو نبي الله،
أو نحو ذلك كسمعت أو حدثني، وهو ممن لا يرى الإبدال، كما أفاد حاصله
المنذري(٣)، أو طلباً للتخفيف وإيثاراً للاختصار، أو للشك في ثبوته، كما
قالهما شيخُنا (٤)، أو ورعاً حيث علم أن المروي بالمعنى.
(رفع) أي: مرفوع بلا خلاف، كما صرَّح به النووي(٥)، واقتضاه قول
ابن الصلاح: وكلُّ هذا وأمثالُه كناية عن رفع الصحابي الحديثَ إلى
رسول الله وَل﴿ وحكمُ ذلك عند أهل العلم حكمُ المرفوع صريحاً. انتهى(٦).
ويدلُّ لذلك مجيء بعض المكني به بالتصريح، ففي بعض الروايات لحديث:
((الفطرةُ خمس)): يبلغُ به النبي ◌ِِّيَ(٧)، وفي بعضها: قال رسولُ الله ◌ِينَ(٨)،
الترجل رقم (٤١٩٨) - بصيغة يبلغ به - والنسائي: باب تقليم الأظفار، وباب نتف
=
الإبط، كتاب الطهارة (١٤/١ - ١٥)، والترمذي: باب ما جاء في تقليم الأظفار من
أبواب الأدب رقم (٢٧٥٧)، وابن ماجه: باب الفطرة، كتاب الطهارة وسننها رقم
(٢٩٢) عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بصريح الرفع إلى رسول الله وَلمار.
(١) هو: سلمة بن دينار المدني الأعرج، أبو حازم أحد الأعلام، المتوفى سنة ثلاثين
ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين.
((الكاشف)) للذهبي (٣٨٣/١)، والتقريب لابن حجر (ص ١٣٠).
(٢) رواه الإمام مالك في الموطأ: باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى، كتاب قصر
الصلاة في السفر (١٥٩/١)، والبخاري: باب وضع اليمنى على اليسرى، كتاب
الأذان (٢ /٢٢٤).
(٣) ((النكت)) لابن حجر (٥٣٧/٢ - ٥٣٨).
(٤) المرجع السابق.
(٥) في ((التقريب)) (ص١١٥) مع التدريب.
(٦) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٤٦).
هي رواية أبي داود كما تقدم التنبيه عليها عند التخريج.
(٧)
(٨) هي رواية الإمام مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه.

فروعٌ سبعة
٢٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وفي بعضها لحديث سهل: يَنْمِي ذلك إلى النبي وَلَّ(١)، وفي بعضها: قال
مالك: يَنْمي أي: يرفعُ الحديث(٢).
والاصطلاحُ في هذه اللفظة موافق للغة، قال أهلها: نَمَيْتُ الحديثَ إلى
غيري نمياً إذا أسندته ورفعته (٣)، وكذا في قوله: ((وأنهى أمتي عن الكي))(٤)؛
دليل لذلك. (فانتبه) لهذه الألفاظ وما أشبهها مما الاصطلاح على الكناية بها
عن الرفع.
تتمة :
وقع في بعض الأحاديث قولُ الصحابي عن النبيِ وَِّ يرفَعُه، وهو في
حكم قوله: عن الله رشبت .
وأمثلته كثيرة، منها: حديثُ حسن عند البزار عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله وَل﴿ يرفعه: ((إنَّ المؤمنَ عندي بمنزلة كلِّ خير، يَحمَدُني وأنا أنزع
نفسه من بين جنبيه)»(٥)
وهذا من الأحاديث الإلهية، وقد جمع منها ابن المفضل(٦) الحافظ
طائفة (٧)، وأفردها غيره(٨).
(١) هي رواية البخاري.
(٢) هي رواية معن بن عيسى وابن يوسف عند الإسماعيلي والدارقطني، كما في ((فتح
الباري)) (٢٢٥/٢)، ولم أجد التصريح بذلك في ((سنن الدارقطني)).
(٣) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (٥١٧/١٥)، و((الصحاح)) للجوهري، و((لسان العرب))
مادة (نمى).
(٤) تقدم تخريجه قريباً (ص٢١٨).
(٥) رواه البزار في مسنده عن شيخه أحمد بن أبان الخرشي كما في ((مجمع الزوائد» (٣٢١/٢)
وقال الهيثمي: شيخه لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وقال ابن حجر في ((النكت)) (٥٣٩/٢): حديث حسن رواته من أهل الصدق.
(٦) هو: الإمام الحافظ المفتي شرف الدين علي بن المفضل بن علي أبو الحسن اللخمي
المقدسي ثم الإسكندراني، الفقيه المالكي، المتوفى سنة إحدى عشرة وستمائة.
((التكملة لوفيات النقلة)) (٣٠٦/٢)، و((العبر)) (٣٨/٥ - ٣٩).
(٧) في كتاب سمَّاه: ((الأربعين الإلهية)). انظر: ((الرسالة المستطرفة)) (ص٦٨).
(٨) كابن عربي الحاتمي في كتاب سمَّاه: ((مشكاة الأنوار فيما روي عن الله ◌ُعَلَ من
الأخبار)) طبع قديماً في حلب، والشيخ عبد الرؤوف المناوي في كتاب سمَّاه : =