Indexed OCR Text

Pages 61-80

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٦١
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
عُمَرَ، وعن الرَّاوَنْدِية تفضيلَ العباسِ، وعن ابنِ حَزْمِ تفضيلَ أمَّهَاتِ
المؤمنين(١).
والقاضي عياضٌ(٢): أنَّ ابنَ عبدِ البَرّ وطائفةً ذهبوا إلى أنَّ مَنْ تُوفي من
الصحابة في حياةِ النبيِّ ◌َّ﴿ أفضلُ ممّن بَقِيَ بعدَه، لِقولِهِ وَّ في بعضِهم: ((أنا
شهيدٌ على هؤلاء)»(٣)، وعَيَّنَ بعضَهم، منهم جعفرُ بنُ أبي طالب(٤) .
وكلُّ هذا مردودٌ بما تقدَّم مِن حكايةِ إجماع الصحابة والتابعين على
أَفْضِليَّةِ أبي بكرٍ وعُمرَ على سائر الصحابة، ثم عُثمانَ، ثم عليٍّ.
وهو المذكورُ في المَجَامع، والمَشاهد، وعلى المَنَابر.
ولبعضِهم :
وفَاروقٌ فَتَى الجَنَّةْ
أَبو بكرٍ عَلَى السُنَّةُ
وعثُمانٌ به المِنَّةُ عَلِيٌّ حُبُّه جُنَّةْ
ولذا قال شيخُنا - عَقِبَ القولِ بتفضيل عُمرَ تَمَسُّكاً بالحديثِ في المنامِ
الذي فيه في حقِّ أبي بَكر: ((وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ))(٥) - ما نَصُّه: ((وهو تَمَسُّكُ
واهِي))، وعَقِبَ القولِ بتفضيلِ العباس: ((إنّه مرغوبٌ عنه، ليس قائلُه(٦) من أهل
السنة، بل ولا مِن أهلِ الإيمان»(٧).
وقال النوويُّ عَقِبَ آخِرِها: ((وهذا الإطلاق غيرُ مَرْضِيٍّ، ولا مَقْبُولٍ))(٨).
وقد روى البيهقيُّ في ((الدلائل)) وغيرِه من طريق ابن سِيرِين قال: ((ذَكَر
رجالٌ على عهد النبي ◌ِّرِ عُمَرَ، فكأنَّهم فضَّلُوه على أبي بكر، فبلغ ذلك عُمَرَ -
يعني بعدَ موتِهِ بَ لهـــ فقالَ: واللهِ وَدِدْتُ لو أنَّ عَمَلي كلَّه مثلُ عَمَلِه يوماً واحداً
(١) ((الفِصَل)) (١٨٣/٤).
(٢) يعني: وحكى القاضي عياضٌ.
(٣) جزءٌ من حديثٍ أخرجه البخاريُّ في ((الجنائز)) (٢١٢/٣) من حديثٍ جابرٍ في قَتْلَى
أُحُدٍ .
(٤) قاله النووي في ((شرح صحيح مسلم)) (١٤٨/١٥)، والحافظُ في ((الفتح)) (١٧/٧).
(٥) جزءٌ من حديثٍ أخرجه البخاري في ((فضائل الصحابة)): بابُ قولِ النبي وَّ: لو كنتُ
متَّخِذاً خليلاً (٢٢/٧) عن ابنِ عمر.
(٦) في (ح): قابله. من الناسخ.
(٨) ((شرح صحيح مسلم)) (١٤٨/١٥).
(٧) ((الفتح)) (١٧/٧).

مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٦٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
من أيامه، وليلةً واحدةً من ليالِيه، أما ليلتُه فذكر قِصَّةَ الغار، وأما يومُه فَذَكر
الرِدَّةَ»(١) .
وثَبَت عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ كما في ((البخاري))(٢) وغيرِهِ أنَّه قال: ((خيرُ
الناس بعدَ رسولِ اللهِوَ ◌ّ أبو بكر، ثم عمرُ، ثم رجلٌ آخرُ. فقال له ابنُه
محمدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ: ثمَّ أنتَ يا أَبةِ؟ فقال: ما أنا إلَّا رجلٌ من المسلمين)).
ولأجلِ هذا قال أبو الأَزْهَر: ((سمعتُ عبدَ الرزاق يقول: أُفَضِّلُ الشيخَين
بتفضيل عليّ إيّاهما على نفسِه، ولو لم يُفَضِّلْهما ما فضَّلْتُهما، كفى بِي إزْرَاءَ أنْ
أُحِبَّ عَلِيًّا ثم أخالفَ قولَه))(٣) .
ولا يخدش في ذلك ما أخرجه الترمذي(٤) - وقال: إنَّه حسنٌ صحيح.
وصحَّحه ابن حِبَّان(٥) وغيرُه - من حديثِ أبي قِلَابةً عن أنسِ رَُّه قال: قال
رسولُ اللهِ وَمَ: ((أَرْحَمُ أُمَّتي بأمتي أبو بكر، وأشدُّهم في أمرٍ الله عُمرُ،
وأصدقُهم حَيَاءً عثمانُ، وأقرَؤُهم لكتابِ الله أُبَيٌّ، وأفَرَضُهم زيدُ بنُ ثابت،
وأعلَمُهم بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل))(٢).
وكذا ما أخرجه الترمذيُّ أيضاً، والنَّسَائيُّ، وابنُ ماجه وغيرُهم من حديثٍ
حُبْشِي بِنِ جُنَادَة ◌َُّه مرفوعاً: ((عليٍّ منِّي وأنا مِن عليّ، لا يُؤَدِّي عنِّي إلا أنا
أَوْ عَلِيّ»(٧)، وأخرَجه(٨) الترمذيُّ وغيرُه من حديث عليٍّ: أنَّ النبيَّ وَِّ قال: أَنَا
(١) أخرجه البيهقيُّ في ((الدلائل)) (٢/ ٤٧٦) من طريق ابنٍ سِيرين مقتصراً على قصة الغار،
وأخرجه (ص٤٧٧) من طريق ضَبَّةَ بنِ مِحْصَن العَنَزِي عن عُمرَ بذكر قصة الغار والردّة.
(٢) في ((فضائل الصحابة)): باب قول النبي وَلّ: لو كنت متخذاً خليلاً (٧/ ٢٠) بلفظ مقارب.
(٣) ((الكامل)) لابن عدي (١٩٤٩/٥).
(٤) في ((المناقب)): باب مناقب معاذ بن جبل، و ... و (٦٦٥/٥).
(٥) أخرجه في ((صحيحه)). ((الموارد)) (٥٤٨).
(٦) هو أيضاً في ((الإحسان)) (١٣١/٩، ١٣٦، ١٨٧).
(٧) الترمذي في ((المناقب)): بابُ وحدثنا سفيانُ بن وكيع، برقم (٢١) (٦٣٦/٥)،
والنسائي في ((الكبرى)) - كما في ((تحفة الأشراف)) (٣/٣) وابن ماجه في ((المقدمة))
(٤٤/١)، وقد علَّقه البخاريُّ بصيغة الجَزْم في ((فضائل الصحابة)): باب مناقب علي
(٧/ ٧٠) مختصراً بلفظ: (وقال النبي وَ لّ لعلي: أنت مني وأنا منك).
(٨) يعني: وما أخرجه.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٣
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
دارُ الحِكْمَةِ وعليٍّ بابُها))(١)، فَمَا انْفَرَدَ به الصِدِّيقِ أَعْلَى وأَغْلَى وأشملُ وأكملُ،
ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.
وقد قال بكرُ بنُ عبد الله المُزَنِي - حسبما أورده الحكيمُ الترمذي في ((نوادر
الأصول)) له عنه، بل أَوردَه الغَزَالي في ((العلم)) من ((الإحياء))(٢) مرفوعاً -: ((ما
فَضُلَ أبو بكرٍ الناسَ بكثرةٍ صلاةٍ ولا بكثرةٍ صيامٍ، ولكنْ بشيءٍ وَقَر في قلبه))(٣) .
واعلم أنَّه قد أفردَ مناقبَ أبي بكرٍ وعُمَرَ أبو جَعفَرِ الطبريُّ، وأَسَدُ بنُ موسى.
ومن المتأخرين المُحِبُّ الطَبَرِي.
ومناقبَ أبي بكرٍ وحدَه أبو طالب العُشَارِي (٤)، وابنُ كثير، وهي في
مجلَّد لطيفٍ من تاريخ ابن عساكر.
(١) أخرجه الترمذي في (المصدر السابق ٦٣٧/٥)، وقال: (غريبٌ منكر ... وفي الباب
عن ابن عباس)، وقال الدارقطني في ((العلل)) (٢٤٨/٣) عن حديث علي: (والحديث
مضطَرِبِ غيرُ ثابت). وأخرجَه الحاكمُ عن ابن عباس في ((المستدرَك)) (١٢٦/٣)
بلفظ: (أنا مدينة العلم وعليٍّ بابُها ... )، ثم قال: (هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم
يخرجاه، وأبو الصلت ثقةٌ مأمون ... ) وخالَفه الذهبي فقال: بل موضوع، وعلق على
قول الحاكم في أبي الصلت بقوله: (لا والله، لا ثقةٌ ولا مأمون).
وجاء الحديثُ أيضاً عن جابر أخرجه عنه ابنُ عدي في (الكامل)) (١٩٥/١) بلفظ
حديثِ ابنِ عباس وقال: (هذا حديث منكر موضوع ... ).
وقد أخرج ابنُ الجوزي في ((الموضوعات)) (٣٤٩/١ - ٣٥٥) حديثَ عليٍّ من خمسةِ
طرق، وحديثَ ابنِ عباس من عشرة طرق، وحديثَ جابر من طريقَين.
ثم عزا إلى يحيى بنِ مَعِين أنه قال: (هذا الحديثُ كَذِبٌ ليس له أصلٌ)، وأوردَ عن ابن عَدِيِّ وابنِ
حِبَّانِ وأحمدَ ما يُشِيرُ إلى ذلك. ثم قال: (والحديثُ لا أصلَ له). وقد حَسَّنَ العلائي في ((النقد
الصحيح)) (٨٨)، والسخاويُّ في ((المقاصد)) (٩٨) حديثَ ابنِ عباس، بل هناك من صححه.
والكلامُ في هذا الحديثِ طويل وعريضٍ، وأكثر أَجِلَّاءُ الأئمةِ المُتَقَدِّمين على القولِ
بوضعه. والله أعلم.
(٢) (٢٣/١). وقال العراقي: (أخرجه الترمذي الحكيم في (النوادر) من قول بَكرٍ (فيه أبي
بكر. خطأ) بنِ عبد الله المزني، ولم أجِده مرفوعاً).
(٣) ((نوادر الأصول)) (٣١)، وأخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) برقم: (١١٨) بسند
صحیح إلی بکر.
(٤) محمدُ بن عليّ بن الفتح، محدثٌ حافظ. مات سنة ٤٥١، والعُشَاري لقبُ جدِّه لأنه
كان طويلاً. ((الأنساب)) (٤٥٩/٨)، و((السير)) (٤٨/١٨).

٦٤
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ولأبي بكرٍ جعفرِ بنِ محمدِ الفِرْيَابِي جزءٌ فيه: ((سوابقُ الصِدِّيق وفضائلُه،
وما خصه الله به دون سائر المسلمين)).
وعُمَرَ وحدَه أبو عُمرَ عَبدُ الله بنُ أحمدَ بن دِيزِيل الدِمشقي الحنبلي، وابنُ
الجوزي .
ومناقبَ عُثمانَ: ابنُ حَبِيبٍ(١).
ومناقبَ علي: النسائيُّ في ((الخصائص)).
ومناقبَ الخلفاءِ الأربعة ابنُ زَنْجُويه(٢)، وأبو نُعَيم، في آخَرِين لكلِّ منهم.
وفضائلَ العشرةِ المُحِبُّ الطَّبَرِي، وفضائلَ الصحابةِ مطلقاً أَسَدُ بنُ
موسى، وبكرُ القاضي(٣)، وأبو سعيدِ ابنِ الأعرابي، وأبو المُطَرِّف
عبدُ الرحمن بن فُطَيس قاضي ((قُرْطُبةَ)) وهو في مائتين وخمسينَ جُزءاً حدَيْثِيَّة.
وهذا بابٌ لا انتهاءَ له.
٨٠٣
(3) يلي الخلفاءَ الأربعةَ (السِتُ الباقون) من العشرة الذين بشّرهم النبيُّ ◌َّ
بالجَنَّة وهم: طلحةُ، والزُبيرُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وعبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ، وأبو
عُبِيدةَ بنُ الجَرّاحِ ﴿َ أجمعين(٤). وقد نظمهُم شيخُنا مع الأربعةِ في بيت مُفْرَدٍ
لم يُسبَق إليه فقال - فيما أنشدَنِيه غيرَ مَرَّةٍ -:
لَقَدْ بِشَّر الهادِي من الصَّحْبِ زُمرةً بجناتِ عَدْنٍ كلُّھم فضلُه اشتَهَرْ
(١) عبدُ الملك بنُ حَبِيب السُلَمي، أبو مروان فقيةٌ، أندلسيٍّ، مات سنة ٢٣٨. ((ترتيب
المدارك)) (٣٠/٢) و ((السير)) (١٠٢/١٢).
(٢) يظهر أنَّه حُمَيد بنُ مَخْلَد، أبو أحمدَ، الحافظُ الكبيرُ. مات سنة ٢٥١ ((تاريخ بغداد))
(١٦٠/٨)، و((السير)) (١٩/١٢).
(٣) بكرُ بن محمد بن العلاء، العلامة أبو الفضل، المالكي مات سنة ٣٤٤.
((العبر)) (٦٧/٢) و((السير)) (٥٣٧/١٥).
(٤) أخرجه أبو داود في ((السُنَّة)): باب في الخلفاء (٣٧/٥ - ٣٩) في ثلاثةِ أحاديثَ عن
سعيدِ بنِ زيد. وليس فيها أبو عُبيدَةَ بنُ الجراح، وذَكَره الترمذيُّ في ((المناقب)): باب
مناقبٍ عبد الرحمن بن عوف (٦٤٨/٥) من حديث سعيدِ بنِ زيد وفي: باب مناقب
سعيد بن زيد (ص٦٥١) عن سعيدٍ بإسقاط أبي عبيدة. وقال: (حديث حسن صحيح)،
وأخرجه أحمد (١٩٣/١) من حديث عبد الرحمن بن عوف وعدّ أبا عُبيدة. وصحَّح
إسنادَه أحمدُ شاكر (١٣٦/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٥
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
سَعيدٌ، زُبِيرٌ، سعدُ، طلحةُ، عامرٌ
ولغيرِهِ ممَّن تقدّم:
أبو بكرٍ، عثمانُ، ابنُ عوف، عَلِيْ، عُمَرْ
هُمُ العَشْرِ ظُرّاً بُشِّرُوا بِجِنَانٍ
خيارُ عبادِ الله بعدَ نبيِّهِم
وَسَعْدَانٍ (١)، والصِّهْرَانِ(٢)، والخَتَنَانِ(٣)
زُبَیرٌ، وطَلْحٌ، وابنُ عوفٍ، وعامرٌ
قال الإمام أبو منصور عبدُ القاهر التمِيميُّ البغدادي(٤): ((أصحابُنا
مُجْمِعُونَ على أنَّ أفضلَهم الخلفاءُ الأربعةُ، ثم الستةُ الباقون إلى تَمَام
العَشَرة))(٥)، (هـ) يليهم الطائفةُ (البَدْرِيّةُ) أي الذين شهدوا بدراً، وهو ثلاثمائة
وبضعةَ عشر - فالمهاجرون نَيِّفٌ على ستين، والأنصارُ نَيِّفٌ وأربعونَ ومائتان -
فقد قال رَ﴿ في بعضِ مَنْ شَهِدَهَا(٦): ((أليس من أهلٍ بَدْرٍ؟ لعلَّ اللهَ قد الظَّلَعَ
على أهلٍ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم فقد وجبتْ لكم الجَنَّةُ، أو قَد غفرتُ
لكم، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمرَ))(٧).
قال العلماءُ: ((والترجِّي في كلام اللّهِ وكلام رسوله للوقوع، ويتأيَّدُ بوقوعِهِ
بالجزم في بعض الروايات: ((أنَّ اللهَ اطّلع على أهل بدر فقال ... )) وذَكَرِه،
وفي حديثٍ آخَرَ: ((لن يدخلَ النارَ أَحَدٌ شَهِدَ بدراً))(٨).
(هـ) يليهم (أُحُدٌ) أي أهلُ أُحُد الذين شهدوها، وكانوا - فيما قاله عُروة -:
(١) يعني سعدَ بنَ أبي وقّاص وسعيدَ بنَ زيدٍ .
(٢) يعني أبا بكرٍ وعُمَرَ.
(٣) يعني عُثمانَ وعليًّا.
(٤) العلّامة البارعُ الأستاذُ المتفَنِّن عبدُ القاهر بن طاهر بن محمد، الشافعي، مات سنة
٤٢٩. ((فوات الوفيات)) (٣٧٠/٢)، و ((السير)) (٥٧٣/١٧).
(٥) ((أصول الدين له)) (ص٣٠٤)، وتتمةُ كلامه: ( .... ثم البَدْرِيُّون، ثم أصحابُ أُحُد،
ثم أهلُ بيعةِ الرِضوان بالحديبية)، وسيذكر المصنفُ هذه البقيّةَ بالمعنى.
(٦) في حاشية (س): (وهو حاطِبُ بن أبي بَلْتَعَةَ). وانظر تخريجَ الحديث.
(٧) أخرجه البخاري في ((المغازي)): باب فضل مَن شهد بدراً (٧/ ٣٠٤) ومسلمٌ في
((فضائل الصحابة)): بابٌ في فضائل أهل بدر (١٩٤١/٤) من حديث علي في قصة
الكتاب الذي بعث به حاطبُ بنُ أبي بَلْتَعَةَ لقريش. واللفظُ قريبٌ جداً من لفظٍ
البخاري.
(٨) أخرجه أحمد (٣٩٦/٣) من حديث جابر، قال الحافظ في ((الفتح)) (٣٠٥/٧): (إسنادهُ
على شرط مسلم)، ورَمز السيوطيُّ لحسنه في ((الجامع الصغير)) (٣٠٢/٥).

مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٦٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
حين خروجِهم ألفاً، فرَجَع عبدُ الله بنُ أُبَيِّ بثلاثِمائة، وبقي مع النبي ◌ِّ
سبعُمائة استُشهِد منهم الكثيرُ(١).
(ف) يليهم (البيعةُ المَرْضِيةُ) أي أهلُ بيعةِ الرِّضْوان بـ((الحُدَيْبِية)) التي نزل
فيها: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... ) الآية(٢).
وقد قال ابنُ عبد البَر في أواخرٍ خُطبةِ ((الاستيعابِ)): ((وليس في
غَزَوَاتِهِ ﴿ ما يَعْدِلُ بها - يعني بدراً - في الفضل، ويقرُبُ منها إلا غزوةٌ
الحُدَيْبية حيثُ كانت بيعةُ الرِّضْوان، وكانوا ألفاً وأربعَمائة على المُعتَمد، وقال
لهم النبيُّ ◌َّرَ: ((أنتم خيرُ أهلِ الأرض))(٣).
(قال) ابنُ الصَّلَاح(٤): (وفضلُ السابقين) الأولين من المهاجرين
والأنصارِ (قد ورد) في القرآنِ إيماءً لا نَصَّا. نَعَمْ، النَّصُ الصريحُ في تفضيلٍ
مَنْ أَنْفَقَ مِن قبلِ الفتح وقاتلَ.
٨٠٤
وقد اختلف في السابِقِين (فقيلَ) كما قال الشعبيُّ: (هُمْ) أي الذين شَهِدُوا
بيعةَ الرِّضوان عامَ الحُدَيبية رواه سُنَيْدٌ، وعَبْدٌ في ((تفسيرِه)) بسندٍ صحيح عنه(٥)،
(وقيل) كما قال محمدُ بنُ كعب القُرَظي، وعطاءُ بن يَسَار: (بَدْرِيٌّ) أيّ أهلُ بَدْر
حكاه ابنُ عبد البرّ عن سُنَّدٍ بسندٍ ضعيفٍ إليهما (٦). (وقد قيل: بل أهلُ) - بالنقل -
(القِبلتَين) الذين صَلَّوا إليهِما مع رسولِ الله وَّ قاله أبو موسى الأشعري.
٨٠٥
ورواه سُنَيدٌ، وعبدٌ أيضاً بسنَدٍ صحيحٍ عن سعيدٍ بن المُسَيب، وابنٍ
سيرين، وقتادةَ، وهو عندَ عبدِ الرزاق في ((تفسيرِهِ)) ومن طريقِه عَبْدٌ عن قَتَادَة
وحدَه. وكذا رُوِي عن الحَسَن.
بل عن الحسن - كما رَواه سُنَيد بسندٍ صحيح عنه - أنَّهم الذين كان
إسلامُهم قبلَ فتح ((مكة))(٧). وصحّح بعضُ المتأخرين: أنَّهم الذين آمنوا،
(١) ((السيرة)) لابن هشام - القسم الثاني - (٦٤، ٦٥).
(٢) سورة الفتح: الآية ١٨.
(٣) ((الاستيعاب)) (٣/١).
(٤) في ((علوم الحديث)) (٢٦٩).
(٥) وأخرجه من طريق سُنَيدٍ ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) (٧/١).
(٦) ((الاستيعاب)) (٧/١).
(٧) أخرج هذه الرواياتِ ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) (٦/١، ٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٧
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
وهاجروا قبلَ بيعةِ الرِّضْوان وصُلْح الحُدَيْيبة، لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ
أَنْفَقَ مِن قَبْلِ اٌلْفَتْحِ وَقَتَلُ ... ﴾ الأَية(١)، قال: ((والفتحُ هو صُلْحُ الحُدَيبيةِ على
الأرجح، وفيها نزلَت: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾﴾(٢).
ولذا لمَّا سُئِل ابنُ تَيْمِيَّةَ عن المفاضَلَةِ بينَ العبّاسِ وبلالٍ ﴿ه قال: ((بِلَالٌ
وأمثالُه من السابقين الأولين أفضلُ من العباسِ وأمثالِه من التابعين لهم
بإحسان، لأنَّ قَّد التابِعِين بشرطِ الإحسانِ.
والحاصلُ: أنَّ مَنْ قَاتَل مع النبي ◌ََّ، أو في زمانه بأَمْره، أو أَنْفَق شيئاً
من مالِهِ بسبِبه لا يَعْدِلُه في الفضل أحدٌ بعدَه كائناً مَنْ كان))(٣). ولكنْ لم يُوَافَقِ
ابنُ تيمية على أَفْضليّة بلالٍ مع قولِ أبي سفيان بن الحارث: كان العباسُ أعظَمَ
الناسِ عندَ رسولِ اللهِ وَلّه، والصحابةُ يعتَرِفُون للعباسِ بفَضْله، ويشاوِرونَه،
ويأخذُون برأيه. وقَولِهِ وََّ: ((عَمُّ الرجلُ صِنْوُ أَبِيه))(٤) إلى غير ذلك من المَنَاقب
المُفْرَدَةِ في عِدَّةِ تآليفَ، كاستسقاءِ عُمَرَ بِه ◌َا(٥)، وإنْ كان إنَّما أسلمَ وهاجَرَ
قُبَيلَ الفَتْحِ، وكَمْ له تَظُهُ مِنْ مَآثرَ حسنةٍ قَبْل إسلامِهِ (٦).
(١) سورة الحديد، الآية ١٠.
(٢) مطلع سورة الفتح، والمرادُ السورةُ كُلُّها .
(٣) قال الإمامُ ابنُ تيمية في ((الفتاوى)) (٢٢٢/١١): (والسابِقُونَ الأولونَ من المهاجرين
والأنصار أفضلُ مِنْ سائر الصحابة، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ اٌلْفَتْحِ
وَقَتَلَّ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَىَّ﴾ [الحديد: ١٠]
ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ السابقين الأولين هُمُ الذين أنفقوا وقاتَلُوا قبلَ صُلْحِ الحُدَيْبِيةِ.
(٤) أخرجه مسلم في ((الزكاة)): باب في تقديم الزكاة ومنعها (٦٧٦/٢) عن أبي هريرة.
(٥) أخرجه البخاري في ((الاستسقاء)): باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قُحِطُوا (٢/
٤٩٤) عن أنس.
(٦) جاء في حاشية (س) تعليقاً على هذا ما نَصُّه: (هذا الذي مَشَى عليه الشارحُ مخالِفٌ
لِقَوَاعِدِ التفضيلِ، لأنَّ مَنْ شَهِد بدراً كيف يُعادِلُ مَنْ كان مِنْ أَسْرَاها. وبلالٌ كانَ يومَ
بدْر مِن المقاتلين بينِ يَدَي رسولِ اللهِ وَِّ، فهو مِن السابِقِين بالاتفاق، والعباسُ وإنْ
كان عمَّ النبي ◌َّ إلَّا أنّه لم يشهدْ بدراً. وبلالٌ مقطوعٌ لَه بالجِنة في قوله وَّه: ((إني
أَرَى دَفَّ نَعْلَيك بين يدَي في الجنة))، وقَدْ قال ◌َّهِ: ((مَنْ بَظَّأَ بهِ عَمَلُه لَمْ يُسْرِعْ به
نَسَبُه))، وإِنْ عُدِّدَت مآثرُ العباس فمآثرُ بلالٍ أكثرُ. فما قالَه ابنُ تيميةَ فَهُوَ الحَقُّ فَافْهِمْ.
كَتَبَهُ عُمرُ ابنُ العُرْضِي الشافعي القادري). انتهى.
=

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٦٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ورَوَى ابنُ جَرِيرٍ وغيرُه عنْ مُحَمَّدٍ بن كعب القُرَظي قال: ((مَرَّ عُمرُ بَرَجُلٍ
يقرأُ: ﴿وَالسَّبِقُونَ ... ) الآية(١)، فأَخَذَ بيدِه فقال: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذَا؟ فقال:
أُبَيُّ بنُ كَعْب، فقال: لا تفارِقْني حتى أذهبَ بك إليه، فلما جاءه قال له عُمرُ:
أَأَنْتَ أقرأتَ هذا هذه الآيةَ هكذا؟ قال: نَعَم. قال: سَمِعْتَهَا مِن رسول اللهِ وَه؟
قال: نعم، قال: لقد كنتُ أرى أنَّا رُفِعْنا رِفْعَةً لا يبلُغُها أَحدٌ بعدَنا(٢)! فقال
أُبَيِّ: تصديقُ هذه الآيةِ في أوَّلِ سُورَةِ ((الجمعة)): ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾(٣)، وفي سورة ((الحشر)): ﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ﴾(٤)، وفي ((الأَنْفَال)):
... ﴾(٥) الآية(٦))).
.(٦).
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ
تَتِمَّةٌ :
كان وِزَانُ ما ذَكَرَ في أفضلِ التابعياتِ - كما سيأتي(٧) - ذِكْرَ أَفْضَلِ
الصحابياتِ، وهو دائرٌ بين خديجةَ، وفاطمةَ، وعائشةَ رضي الله عنهن كما بُسِطَ
٣. (٨)
في مَحَالِّه(٨).
وابنُ العُرْضِي هذا هو مُفْتِي حَلَبَ ومحدِّثُها، وفقيُهها في عصرِه، مات سنة ١٠٢٤، له
=
ترجمة في ((الأعلام)» (٢١٣/٥). وقولُه: ((إني رأيتُ دَفَّ))، كذَا ذكرَها ولفظُ الشيخَين:
(إني سَمِعتُ دَفَّ). والذَّفّ: الصوتُ.
هذا وقد قال الحافظُ في ((الفتح)) (٧٧/٧): (ولأجل أنَّه - يعني العباسَ ◌َظُه - لم
يهاجرْ قبلَ الفتح لم يُدْخِلْه عُمرُ في أهلِ الشورى مع معرفَتِهِ بِفَضْلِهِ واسْتِسْقَائِهِ به).
(١) سورة التوبة: الآية ١٠٠ ونَصُّها - وقد تَقدَّمَتْ: ﴿وَالسَّبِقُونَ أَلْأَّوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَاُلْأَنْصَارِ
وَالَّذِينَ أَثَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا
اٌلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(٢) لأن عُمَر ◌َظَه كان - كما عندَ ابن جَرِير في «تفسيره)) (٨/١١) يَقْرَأُ الآيةَ هكذا:
﴿والسَّابِقونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنصارُ الذينَ اتَّبعوهم بإحسانٍ﴾ بِرَفْعٍ كلمةٍ
((الأنصار))، وحذف الواو بعدَها.
(٣) الآية: ٣ منها.
(٤) من الآية: ١٠ منها.
(٥) سقطت من النسخ، وهي ضِمْن الآية الأخيرة من الأنفال.
(٦) أخرج ذلك ابن جرير في ((تفسيره)) (٨/١١).
(٧) في نوع (معرفة التابعين) (ص١٠٤).
(٨) انظر - مثلاً - ((الفتح)) (١٠٥/٧، ١٠٦، ١٣٣ - ١٤١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٩
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
(و) العاشرةُ: في أوَّلِهم إسلاماً، وآخِرِهم مَوْتاً.
فأمَّا الأولُ فـ (اخْتَلَفَ أَيَّهُمُ) بالنصب (أَسْلَم قبلُ مَنْ سَلَف) أي اختلفَ
السَّلَفُ مِن الصحابةِ والتابعين، فمَن بعدَهم في أيِّ الصحابةِ أوَّلُ إسلاماً على
أقوالٍ: فـ (قيل) كما لابنِ عباس، والنَّخَعِي وغيرِهما، ممّن سأحكِي عنه: ٨٠٦
(أبو بكر) الصِدّيقُ، لقوله - كما في ((الترمذي)) مِن حديث أَبِي سعيد الخُدْري
عنه -: ((أَلَستُ أَوَّلَ مَن أسلمَ)) (١)؟، ولقولِهِ وَّهِ لَعَمْرِو بِنِ عَبَسَةً حين سَأَلَه: مَنْ
مَعَك على هذا الأمرِ؟: (حُرٍّ وعَبْدٌ))(٢) يعني أبا بكرٍ، وبِلَالاً. ولقولِ الشَّعْبِي
لِمَن سألَه عن ذلك(٣): أَمَا سَمِعتَ قولَ حَسّانَ:
فاذْكُر أخاكَ أبا بكرٍ بمَا فَعَلَا
إِذَا تذكَّرتَ شَجْواً مِن أخِي ثِقَةٍ
بعدَ النَبِيِّ، وَأَوْفَاها بما حَمَلَا
خيرَ البَرِيَّةِ أَتْقَاهَا، وأَعْدَلَهَا
والثانِيَ الثَّالِيَ المَحمودَ مَشْهَدُه
وَأَوَّلَ الناسِ مِنْهُم صَدَّقَ الرُّسُلَا (٤)
ولقَولِ أبِي مِحْجَنِ الثَّقَفِي:
سِوَاك يُسَمَّى باسْمِه غير منكر
وَسُمِّيتَ صِدِّيقاً وكلُّ مُهَاجِرٍ
وكنتَ جَلِيساً فِي العَرِيشِ المُشَهَّرِ (٥)
سَبَقتَ إلى الإسلامِ واللهُ شاهِدٌ
(وقيل: بل) أوَّلُهم إسلاماً (عليٌّ) بنُ أبي طالب، لقولِهِ على المِنْبَر:
(١) الترمذي في ((المناقب)): باب في مناقب أبي بكر وعُمَرَ ﴿مَا كِلَيهما (٦١١/٥) عن أبي
نَضْرَة عن أبي سعيد قال: قال أبو بكر. وقال غريب. ثم أخرجه عن أبي نَضْرَة عن
أبي بکر وقال: وهذا أصُ.
(٢) من حديثٍ طويلٍ أخرَجه عنه مسلمٌ في ((صلاة المسافرين)): بابُ إسلامٍ عَمْرٍو بنِ عَبَسَةَ
(٥٦٩/١).
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في ((فضائل الصحابة)) لأبيه برقم (١٠٣) وابن عبد البر في
الاستيعاب (٢٤٤/٢) من رواية الشعبي قال: سألت ابن عباس، أو سئل. والسند ضعيف.
(٤) أَوَرَدَ ابنُ عبدِ البَر هذه الأبياتَ بلفظِها عدَا قولِه في البيتِ الأخيرِ: (وأولُ الناس منهم)
فعنده: (وأول الناس ممَّن). وهي في ((ديوان حسان)) (١٧٩) بزيادةٍ بيتَين آخَرَين مع
اختلافٍ ترتيِها، وبعضٍ ألفاظِها .
(٥) أوردَهما ابنُ عبدِ البَر في ((الاستيعاب)) (٢٤٦/٢) بلفظِهِما ونِسْبَتِهِمَا إلى أبي مِحْجَنٍ
الثقفي وأوردَ معها بيتاً ثالثاً هو:
وَبالغارِ إِذْ سُمِّيتَ بالغارِ صاحِباً وكُنتَ رفيقاً للنَبِيِّ المُطَهَّر

مَعْرِفَةُ الصَحَابَة
٧٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
((اللهم لا أعرِف عَبَدَكَ قبلي غيرَ نبيِّك - ثلاثَ مرَّاتٍ - لقد صليتُ قبلَ أنْ يُصَلِّيَ
الناسُ سبعاً))، وسَنَدُه حَسَنٌ (١).
ولقولِه ــ مما أنشدَه القُضَاعِي -:
سَبَقْتُكُمُ إلى الإسلامِ ظُرًّا
صَغِيراً ما بلَغْتُ أَوَانَ حُلْمٍ (٢)
ولِمَا رُوي في ذلك عن أَنَسٍ، وجابٍ، وخَبَّاب، وخُزَيمةً، وزيدِ بنِ
أَرْقَمَ، وسَلمانَ، وابنِ عباس أيضاً، وعَفِيفَ الكِندي، ومَعْقِلِ بنِ يَسَار،
والمِقْدَادِ بنِ الأسودِ، ويَعلى بن مُرَّةَ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وأَبِي ذَرِّ، وأبي رَافِعٍ، وأبي
سَعِيد الخُذْري في آخَرِين منهم مُسلِم المُلَائي(٣).
وأنشد أبو عُبيدِ الله المَرْزُبَانِي (٤) لخُزَيمةَ(٥):
(١) أخرج ابنُ ماجه في ((المقدمة)) (١ /٤٤) الجزءَ الأخيرَ منه بلفظ: ( .... صَلَّيَتُ قبلَ الناسِ لسبع
سِنِينٍ)، عن المِنْهَال بنِ عَمْرو عن عَبَّادِ بنِ عبد الله عن علي. قال في ((الزوائد)): هذا إسنادٌ صحيحٌ،
رجاله ثقات. رواه الحاكم في ((المستدرك)) عن المِنْهَال وقال: صحيح على شرط الشيخين).
قلتُ: لم أرَ كلامَ الحاكم هذا في المطبوع من ((المستدرك)) (١١٢/٣)، ولكن رأيتُه في كلام
الذهبي في ((التلخيص)) مَّعْزُوًّا إلى الحاكم وأَعْقَبَه بقولِه: (بل حديث باطل، وعباد قال ابنُ
المَدِيني: ضعيف). وأخرجه أحمد (٩٩/١) - ضِمْنَ حديث - بلفظٍ مقارِبٍ عن عليٍّ، وسنَدُه
ضعيفٌ كما قال الشيخُ أحمدُ شاكر (١١٩/٤). وقد علَّق الذهبيّ في ((التلخيص)) (١١٢/٣)
على رِوَايَةِ السبعِ سنين بقولِهِ: (هذا باطِلٌ، لأنَّ النبيَّ ◌َ مِنْ أوَّلِ مَا أُوحي إليه آمن به خديجةُ،
وأبو بكرٍ وبلالٌ، وزيدٌ، مع عليّ قبِلَه بساعاتٍ أو بعدَه بساعاتٍ، وعَبَدُوا اللهَ مع نبِيُّه.
فأين السبعُ سِنِين، ولعلَّ السمعَ أخطأَ فيكونَ أميرُ المؤمنين قال: عَبَدتُ الله ولي سبعُ سِنِين،
ولم يضبِطِ الرَاوِيٍ ما سَمِعَ)، ثم ذَكَرَ أنَّ في سنَدِهِ حَبَّةَ العُرَني، وهو شِيعيٌّ جَبَل، قد قالَ ما
يُعلَمُ بُطْلَانُه منْ أَنَّ عَلِيًّا شهد معه ((صِفِّين)) ثمانون بدرياً. قلت: وإذاً فليس سندُه بحسن.
(٢) ذكره منسوباً لعلي أيضاً العراقي في التقييد والإيضاح (٣٠٩)، وعزاه للقضاعي.
(٣) ينظر لهذا المصادرُ التالية:
الترمذي ((حديث: ٣٧٢٨)، وأحمدُ (١٤١/١، ٢٠٩، ٣٢٠، ٣٧٣)، و (((٣٦٨/٤، ٣٧١)،
والحاكمُ (١١١/٣) وقد أسهَب ابنُ عبدِ البَرِّ في ذكر كثيرٍ من الرواياتِ في ((الاستيعاب)) (٣/
٢٦ - ٣٣) في ترجمةِ عليّ ◌ُبه، وانظر أيضاً: ((الرياض النَّضِرة)) (٨٨/١) و(١١٠/٣-١١٢).
(٤) محمدُ بنُ عِمرَان بنِ موسى، علَّامةٌ أخباري، صاحبُ تصانيف، معتزليٌّ شِيعيٍّ مات
سنة ٣٨٤ ((تاريخ بغداد)) (١٣٥/٣) و((الأنساب)) (١٨٩/١٢)، و((الأعلام)) (٢١٠/٧).
(٥) ابن ثابت كما في ((التقييد والإيضاح)) (٣٠٩)، وقد أورَد البيتَين الآتيين بلفظهما إلّا أنَّ
لفظَ آخِرِ الأولِ: (الحَسَنِ).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧١
مَعْرِفَةُ الصَحَابَة
عن هاشم، ثمَّ مِنْها عن أبي حَسَنِ
ما كنتُ أَحسبُ هذا الأمرَ مُنْصَرِفاً
وأعلمَ الّناسِ بالفُرْقَانِ والسُنَنِ
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صلَّى لقبلَتِهِمْ
وأنشدَ ابنُ عبد البر لبكرِ بنِ حمَّاد التَاهَرْتِي :
: هَدمتَ - وَيْلك - لِلإِسلام أَرْكانَا
قُلْ لابْنِ مُلْجِم - والأقْدَارُ غَالِبةٌ -
وأوَّلَ الناسِ إسلاماً وإيمَاناً (١)
قَتَلتَ أفضلَ مَنْ يَمشي على قَدَم
وأنشَد الفَرْغَاني في ((الذيل))(٢) لعبدِ الله بن المُعتَزّ يَذكرُ عَلِيًّا وسابِقَتَه - مع
كونِه يُرمَى بأنَّ نَاصِبِيُّ -:
فأولُ مَن ظلَّ في موقفٍ يُصَلِّي مع الظَّاهِرِ الطَّيِّبِ(٣)
(و) لكن (مُدَّعي إجْمَاعَهُ) أي الإجماعَ في هذا القولِ - وهو الحاكمُ حيثُ
قال في ((علوم الحديث)) له: ((لا أعلمُ فيه خلافاً بينَ أصحابِ التواريخ، وإنَّما
اختَلَفُوا في بلَوَغْ عليٍّ(٤)) - (لَمْ يُقْبَلِ) بل استُنكِر منه كما قالَه ابنُ الصلاح(٥).
وقال ابنُ كثير: ((إنَّه لا دليلَ على إطلاق الأوَّليةِ فيه من وَجْهٍ يَصِحُّ(٦))
هذا مع أنَّ الحاكمَ قال - بعد حكايَتِه الإجماعَ -: ((والصحيحُ عند الجماعةِ أنَّ
أبا بكرٍ أولُ من أسلمَ من الرجال البَالِغِين لحديثِ عَمْرو بنِ عَبَسَةَ»(٧) الماضي.
(وقيل) حسبما ذكره معمرٌ عن الزُّهري: أولُهم إسلاماً (زيدٌ) هو ابنُ حَارِثَةَ(٨).
٨٠٧
(١) ذكرَها ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) (٦٢/٣ - ٦٣) ضِمْنَ عدَّةِ أبياتٍ وعزاهًا لأبي
بكر بن حماد التَّاهَرْتي، وهو خطأً صوابه: بكر بن حماد، كما قال المصنِّفُ هنا .
وانظر: ((الأنساب)) (١٥/٣)، و((الأعلام)): (٣٧/٢).
(٢) ترجم الذهبي في ((السير)) (١٦/ ١٣٢) للأميرِ العالِم أبي محمد عبدِ الله بن أحمدٍ بن
جعفر الفَرْغَاني المتوفى سنة ٣٦٢، وقال في ترجمته: (صاحبُ التاريخ المُذَيَّل على
تاريخ محمدٍ بِنِ جَرِيرِ الطَبَري).
(٣) ذكره منسوباً إلى عبدِ الله بن المعتزِ: العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٠٩) بلفظ:
(وأول ... ).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) (٢٢).
(٥) ((علوم الحديث)) (٢٦٩).
(٦)
((اختصار علوم الحديث)) (١٨٤).
(٧) ((معرفة علوم الحديث)) (٢٣).
(٨) أخرجه ابنُ سعد في ((الطبقات)) (٤٤/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٨٤/٥) عن
الزهري، وذكره ابنُ عبد البر في ترجمة زيدٍ من ((الاستيعاب)) (٥٤٨/١) وعزاه لمعمرٍ
في (جامعه) عن الزهري. قلت: وأسانيدها ضعيفة.

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٧٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(وادَّعى) حالَ كونه (وِفَاقاً) أي مُوَافِقاً لمَنْ سبقَه إلى مُطلَق القولِ كَقَتَادَ،
وابنٍ إسحاقَ صاحبٍ ((المغازي)) - بَلْ رُوي عن ابنِ عباس أيضاً، وعائشةَ،
والزُّهريِّ، ونافع بنِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم - (بعضٌ)(١) كابنِ عبدِ البَر(٢)، والثَّعْلَبِي (على
خديجة) أُمّ المؤمنين في أنَّها أولُ الخَلق إسلاماً (اتِّفاقاً). زاد الثعلبيُّ: ((وأنَّ
الاختلافَ إنَّما هو فيمَن بعدَها))(٣). وزادَ ابنُ عبد البَر، حكايةَ الاتفاق على أنَّ
إسلامَ عليٍّ بعدَها))(٤). قال ابنُ كثير: «وكونُها أولَ الناس إسلاماً هو ظاهرُ
السِّيَاقَات في أولِ البِعثة)»(٥).
وقال النوويُّ: ((إنّه الصوابُ عندَ جماعةِ المُحَقِّقِين))(٦).
وجَمَع ابنُ عبد البر بين الاختلافِ في ذلك بالنسبةِ إلى أبي بكر وعليّ
بأنَّ الصحيحَ أنَّ أبا بكر أولُ من أظهرَ إسلامَه.
ثم روى عن محمد بن كعب القُرَظي: أنَّ عليًّا أخفَى إسلامَه من أبيه أبي
طالب، وأظهَر أبو بكر إسلامَه، ولذلك شُبِّه على الناس))(٧).
ونحوُه قولُ شيخِنا - في قولِ عمّارٍ: رأيتُ النبي ◌َّ وما معه إلا خمسةُ
أَعْبُدٍ وامرَأَتَانِ وأبو بكر (٨) -: ((مُرَادُه ممَّن أظهرَ إسلامَه، وإلّا فقد كان حينئذٍ
جماعةٌ ممَّن أسلمَ لكنَّهم كانوا يُخْفُونَه مِن أقارِبهم)) (٩).
وكذا قال ابنُ إسحاقَ: ((أولُ مَن آمن خديجةُ، ثم عليّ))، قال: ((فكان
أولَ ذَكَرٍ آمَنَ وهو ابنُ عشرِ سنين، ثم زيدٌ، فكان أولَ ذَكَرٍ أسلَم بعدَ عليّ، ثم
أبو بكر فأظهرَ إسلامَه، ودعا إلى اللهِ فأسلَمَ بدُعَائِهِ عثمانُ، والزبيرُ،
(١) فاعلٌ لقولِهِ المتقدم: (واذَّعى).
(٢) ((الاستيعاب)) (٢٩/٣، ٢٨٢/٤).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص ٢٧٠).
(٤) ((الاستيعاب)) (٢٩/٣).
(٥) ((اختصار علوم الحديث)) (١٨٤).
(٧) ((الاستيعاب)) (٢٩/٣).
(٦) ((التقريب)) (٢٢٧/٢).
(٨) أخرجه البخاري في ((فضائل الصحابة)): باب قولِ النبي وَله: لو كنتُ متَّخِذاً خليلاً
(١٨/٧).
(٩) ((الفتح)) (٢٤/٧) وذكر أنَّ الخمسةَ الأَعْبُدَ هم: بلالٌ، وزيدُ بنُ حارثة، وعامر بنُ
فُهَيرَة، وأبو فُكَيهَة مولى صَفْوانَ بنِ أميَّةٍ بن خَلَف، والخامسُ يَحْتَمل أنْ يكون شُقْرَانَ،
وأمَّا المرأتانِ فخديجةُ وأمّ أَيْمَنَ، أَو سُمَيَّةُ والدةُ عَمّار. وذكرَ بعضَ الخلاف.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٧٣
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
وعبدُ الرحمن بنُ عوف، وسعدُ بنُ أبي وقّاص، وطلحةُ، فكان هؤلاءِ الثمانيةُ
أسبقَ الناسِ بالإسلام)»(١).
وقيل - فيما نقلَه أبو الحَسَن المَسعُودِي عن بعضِهم -: ((أولُهم إسلاماً
بلالٌ لحديثِ عَمْرِو بِنِ عَبَسَةَ)) الماضي.
وقد جمعَ ابنُ الصلاح بين هذه الأقوالِ فقال: ((والأَوْرَعُ أنْ يقالَ: أولُ
من أسلم من الرجالِ الأحرارِ أبو بَكْر، ومن الصِّبْيان عليّ، ومن النساءِ
خديجةُ، ومن المَوَالِي زيدٌ، ومن العَبِيدِ بلالٌ))(٢). وهو أحسَنُ ما قيلَ،
لاجتماع الأقوال.
على أنَّه قد سُبِقَ به ما عَدَا بلالاً، فَذَكَر ابنُ قُتَيبةَ أنَّ إسحاقَ بنَ رَاهُويه
ذَكَر الاختلافَ في أولِ من أسلم فقال: «الخبرُ في كلِّ ذلك صحيحٌ، أمّا أولُ
من أسلم من النساءِ فخديجةُ، وأما أولُ من أسلم من الرجال فأبو بكر، وأما
أول من أسلم من الموالي فزَيدٌ، وأما أولُ من أسلم من الصِّبيان فعليّ»(٣).
وكذا جاءَ بدونه وبدون زيدٍ أيضاً عن أبي حَنِيفةَ، فروى الحاكمُ في
ترجمة أحمدَ بنِ عباس بن حَمزة الواعظِ من ((تاريخ نيسابور)) من طريق أبي
مُسْهِر: ((ثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز قال: كان أبو حَنِيفةَ يقولُ: أوَّلُ من أسلمَ من
الرجال أبو بكر، ومن النساءِ خديجةُ، ومن الصبيان عليٍّ)).
وكان البُرْهان التَّنُوخِي يقولُ: ((الأَوْلَى أنْ يقالَ: ((ومن غَيرِ البالغين عليّ))
وهو حسن.
وفي المسألة أقوالٌ أُخَرُ، فعندَ عُمرَ بنِ شَبَّةَ عن خالدِ بنِ سعيد بنِ
العاص قال: ((أَسلمتُ قبل عليّ، لكني كنتُ أَفْرَقُ أَبَا أُحَيْحَة - يعني والدَه -
وكان لا يَفْرَقُ أبا طالب))(٤).
(١) ((السير والمغازي)) لابن إسحاق (١٣٩)، وعزاه ابنُ هشام في ((السيرة)) - القسم الأول -
(٢٤٠، ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥٠) مفَرَّقاً إلى ابنِ إسحاقَ.
(٢) ((علوم الحديث)) (٢٧٠).
(٣) يراجع ((أعلام النبوة)) للماوَرْدي فيظهر أنه نقله فيه عن ابن قتيبة.
(٤) أشار إليه العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (٣٠٩). ومعنى أَفْرَقُ: أخَافُ.

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٧٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وعن ضَمْرَةَ بنِ رَبِيعةَ أنَّ إسلامَ خالدٍ كان مع إسلام أبي بكر(١).
وللدارقُظْني في ((الأفرادِ)) بسندٍ ضعيفٍ من طريقَ ابنَتِهِ أمِّ خالدٍ قالت:
((أَبِي أولُ مَن أسلمَ))، لكنْ في رِوايتِه عنها: ((كان أَبِي خامساً، سَبَقَهُ أبو بكر،
وعليٌّ، وزيدُ بنُ حارثة، وسعدُ بن أبي وَقّاص))(٢).
وعن بعضِهمٍ - كما حكاه المَسْعُودي -: ((أولُهم خَبَّابُ بن الأَرَتِّ))، وكأنَّه
تمسَّك بما قيلَ: إنَّه أولُ مَن أظهرَ إسلامَه.
لكن رَوى البَاوَرْدِي (٣): أنه أسلم سادسَ ستةٍ (٤). وعن ابن قُتَيبةَ فيما
نقَلَه المَاوَرْدِي في ((أعلامِ النُّبُوَّةِ)) له: ((أولُهم أبو بكر ابنُ أسعدَ الحِمْيري))(٥)،
ويحتاج هذا النقلُ إلى تحرير(٦).
ونقل ابنُ سَبْعٍ في ((الخصائص النبوية)»(٧) عن عبد الرحمن بن عوف قال:
(كنتُ أولَهم إسلاماً))، وهو غريبٌ.
والمعروفُ مِن هذا كلِّه الأولُ(٨). لكنْ قال المصنفُ في ((التقييد))(٩).
((ينبغي أنْ يُقالَ: أولُ مَن آمنَ من الرجالِ وَرَقَةُ [بنُ نَوْفَل](١٠)). يعني بناء على
ذِكْرِ ابنِ مَنْدَه وغيرِه له في الصحابةِ.
(و) أمَّا الثاني(١١) وهو مُطْلَقٌ، ومُقَيِّدٌ.
فـ (ماتَ) منهم (آخراً) على الإطلاق (بغيرِ مِرْية) بكسر الميم وضمها،
٨٠٨
(١) ((الاستيعاب)) (٣٩٩/١).
(٢) ((الطبقات)) لابن سعد (٩٥/٤، ٩٦)، و((الاستيعاب)) (٣٩٩/١).
(٣) جاء في حاشية (س): (هو بالباء الموحدة. والذي بعدَه بالمِيم). وقد تقدَّم بيانُ ذلك.
(٤) ((الكبير)) للطبراني (٥٥/٤).
(٥) لمّا ذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ في «أعلام النبوة)) (٢٠٣) أنَّ خديجةَ أولُ مَن أسلمَ قال في (ص ٢٠٤): (واختلف في
أولٍ من أسلم بعدَ خديجةَ على ثلاثةِ أقاويل ... )، فذكرها أحدها أنه علي، والثاني أبو بكر والثالث:
زيد بن حارثة. ولم أجدِ القولَ الذي ذكره المصنفُ في المطبوع من ((أعلام النبوة)). فالله أعلم.
(٦) لم أجد في الكنى من الصحابة صحابياً بهذا الاسم، ويظهر أن فيه تصحيفاً أو سقطاً.
(٧) اسمُه - كما في الرسالة المستطرفة (٢٠٢): (شِفاءُ الصدور في أعلام نبوةٍ الرسول
وخصائصِه)، للإمام الخطيب أبي الرَّبِيع سُلَيمانَ بنِ سَبُع - بضم الباء وإسكانها -
السَّبْتِي. وذكر المصنفُ في ((الإعلان بالتوبيخ)) (١٦٩) أنَّ فيه مناكيرَ كثيرةً.
(٩) ((التقييد والإيضاح)) (٣١٢).
(٨) يعني أبا بكر.
(١٠) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م).
(١١) أي آخرُهم موتاً. وذلك بعدَ أنْ تكلَّمَ على الأولِ وهو (أَوَّلُهم إسلاماً).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٧٥
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
أي شكّ (أبو الطُّفَيلِ) عامرُ بنُ وَائِلَةَ اللّيْئِيُّ كما ثَبَتَ من قولِهِ حيثُ قال:
((رأيتُ رسولَ اللهِوَّهُ وما على وجهِ الأرضِ رَجُلٌ رآهَ غَيرِي))(١). وبذلك جَزَم
مصعبٌ الزُّبَيري، وأبو زكريا ابنُ منده، وخَلْقٌ، بل أجمعَ عليه أهلُ الحديث.
وممَّن جزمَ به مُسلم بنُ الحجّاج(٢)، وأنَّه (مات عامَ مائةٍ)، أي من الهجرة.
وكذا قال ابنُ عبدِ البَرّ(٣)، لكنْ قال خليفةُ: ((إنَّه مات بعد سنةٍ مائة))(٤).
وعن ابنِ البَرْقي: سنةَ اثنتَين ومائة، وعن مُبَارك بنِ فَضالَة: سنةَ سبعٍ، وبه جزمَ
غيرُ واحدٍ(٥).
وعن جَريرِ بن حازم: سنةَ عَشْر(٦). وصحَّحه الذهبيُّ في ((الوفيات))(٧)،
وشيخُنا في ترجمةِ عِكْرَاشَ من ((التهذيب))(٨) .
وكانت وفاته بـ(مكة)) كما قاله ابنُ المَدِيني(٩)، وابنُ حِبّان(١٠)، وغيرُهما،
وقيل: بـ((الكوفة))، والأولُ أصحُّ، وحينئذٍ فيكونُ الصحيحُ أنّه آخِرُ من مات
بـ((مكةَ)) أيضاً من الصحابة، كما جزم به ابنُ حِبّان(١١)، وأبو زكريا ابنُ
مَنْده(١٢)، بل هو آخِرُ المائةِ التي أشارَ إليها رسولُ اللهِ وََّ في أَوَاخِرِ عُمُرِه كما
(١) أخرجه مسلمٌ في ((الفضائل)): باب كان النبيُّ ◌َّ أبيضَ مَلِيحَ الوجه (١٨٢٠/٤).
(٣) ((الاستيعاب)) (١١٦/٤).
(٢) في ((صحيحه)) (الموطن السابق).
(٤) ذكره خليفة في ((تاريخه)) (٣٢٥) في وفيات سنة ١٠١.
(٥) كابن حِبّان في ((الثقات)) (٢٩١/٣) وعزاه لابن البَرْقي وابنٍ فَضَالةَ الحافظُ في
((الإصابة)) (١١٣/٤).
(٦) في (س) و(م): عشرة. من الناسخ.
(٧) قاله العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (٣١٣). وقال الذهبي في وفيات سنة ١٠٠ من
((العبر)) (٨٩/١): (وفيها - وقيلَ في سنةِ عشرٍ ومائةٍ - أبو الطُّفَيل عامرُ بنُ وَاثِلَةَ). ثم
قال في ((وفيات)) سنة ١١٠ (١٠٤/١): (وفيها توفي بمكةَ أبو الطُّفَيل عامرُ بنُ وائلةَ.
قاله جَرِيرُ بنُ حَازِم). وقال في وفيات سنة ١٠٠ من ((دول الإسلام)) (١/ ٧٠): (وفيها
ماتَ أَبُّوَ الطُّفَيل عامرُ بنُ وائِلَةَ الليثي عن نحو مائة سنة).
(٨) («تهذيب التهذيب)) (٢٥٧/٧) ولفظه: (إذِ المُحَدِّثون قد اتفقوا على أنَّ آخِرَ الصحابة
موتاً أبو الطفيل عامرُ بنُ واثِلَةَ، ومات سنة ١١٠ على الصحيح).
(٩) نقله عنه ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) (١١٦/٤).
(١٠) في ((الثقات)) (٢٩١/٣).
(١١) (المصدر السابق).
(١٢) عزاه إليه أيضاً العراقي في التقييد والإيضاح (٣١٣)

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٧٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
صحَّ عنه بقولِهِ: ((أَرَأَيَتَكُم لَيْلَتَكُم هذه فإنَّ رَأْسَ مائةٍ سنةٍ لا يَبْقَى مَمَّن هو اليومَ
على ظهرِ الأرض أَحَدٌ))، أخرجه البخاري في ((السَّمَر في الخَيرِ بَعْدَ العِشَاءِ) مِنَ
((الصلاة))(١)، وفي ((السَّمَرِ)) أيضاً من ((العِلْم))(٢).
وبه تمسَّك هو (٣) وغيرُه للقولِ بمَوت الخَضِر، لكنْ قال النوويُّ: ((إنَّ
الجُمهورَ على خلافِهِ، وأجابَوا عنه بأنَّ الخَضِرَ كان حينئذٍ من ساكِنِي البحر (٤)
فَلَمْ يدخُل في العُموم. قالوا: ومعنى الحديثِ لا يَبْقَى ممَّن تَرَوْنَه أو تَعْرِفُونَه.
فهو عامٌّ أريدَ به الخُصوص. وقالوا أيضاً: خرَج عيسى معظلّا من ذلك مع كونه
حيًّا، لأنَّه في السماءِ لا في الأرض))(٥)، إلى غيرِ ذلك ممَّا له غيرُ هذا
المحلّ (٦). وذكر البيهقيُّ في ((الدلائلِ))(٧) هذا الحديثَ فيما أخبر به النبيُّ وَلِيل
من الكوائِنِ بعدَه، فكان كما أَخْبر.
وأمَّا ما ذَكَرِه ابنُ قُتَيبةَ في ((المعارِفِ)) (٨) وابنُ دُرَيدٍ في ((الاشتقاق))(٩) من أنَّ
◌ِكْرَاشَ بنَ ذُؤَيبٍ - أَحَدَ المَعْدُودِين في الصحابةِ - شَهِدَ ((الجَمَلَ)) مع عائشةَ، فقال
(١) يعني في (باب: السَّمَر في الفقه والخيرِ بعد العشاء من كتاب مواقيت الصلاة) (٢/
٧٣). وقد تقدَّم.
(٢) يعني في (باب: السمر في العلم من كتاب، العلم) (٢١١/١). وقد تقدم.
(٣) يعني البخاريَّ كما في ((الفتح)) (٧٥/٢). ونقلَه عن البخاري أبو بكر بن محمد بن
الحُسين النَقّاش في «تفسيره)»، ذَكَرَ ذلك الحافظُ في ((الإصابة)) (٤٣٥/١).
(٤) قال الحافظ في ((الفتح)) (٤٤٣/٧): (وهو جوابٌ ساقطٌ).
(٥) هذا الكلام نقلَه السخاوي عن الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٧٥/٢).
هذا، وأمَّا إخراجُ عيسى لعلّها لأنَّه في السماء فمِنْ أجلِ النصِّ الواردِ في ذلك وهو
قولُه: (على ظهر الأرض).
وأما الخَضِرُ فقد قال العلامة المُحَقِّقُ سماحةُ الشيخ عبدُ العزيز بن باز - رحمه الله تعالى -
في حاشية ((فتح الباري)) (٢/ ٧٥): (الذي عليه أهلُ التَّحْقِيق أنَّ الخَضِرَ قد ماتَ قبلَ بعثةٍ
النبيِّ وَ لَّ لأَدِلَّةٍ معروفةٍ في محلِّها، ولو كان حيّاً في حياةٍ نَبِّنَا وَ ﴿ لدَخَلَ في هذا الحديثِ
- يعني حديثَ أَرَأَيْتَكُم ليلتكم هذِه - وكان ممَّن أتى عليه الموتُ قبل رأسِ المائة) انتهى.
وأما كونُ الجمهورِ على خلافِهِ فالحقُّ ما عَضَدَهُ الدَّلِيلُ، والله أعلم.
(٦) لقد أسهَب الحافظ في ترجمته من ((الإصابة)) (٤٢٩/١ - ٤٥٢).
(٧) (٥٠٠/٦).
(٩) (ص٢٤٩).
(٨) (ص ٣١٠).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧٧
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
الأحنفُ: كأنَّكُم به وقد أُتِي به قتيلاً، أو بِهِ جِرَاحةٌ لا تفارِقُه حتى يموتَ قال:
فَضُرِبَ ضربةً على أَنْفِهِ عاش بعدها مائةَ سنةٍ وأثرُ الضربةِ به، ((فهذه الحكايةُ - كما
قال شيخُنا - إنْ صحَّت مع انقطاعها حُملت على أنه أكملَ المائةَ من عُمُرِه، لا أنَّه
استأنَفَها من يومئذٍ، وإلَّا لاقْتَضَى ذلك أن يكونَ عاشَ إلى دولةِ بني العبَّاس، وهو
مُحَال))(١)، إذِ المُحَدِّثُون قد اتفقوا على أنَّ أبا الظُّفَيلِ آخِرُ الصحابةِ موتاً .
وسبقَه شيخُه المصنفُ لنَحْوه، فقال: ((وهذا إمَّا باطلٌ، أَوْ مُؤَوّلٌ))(٢).
وكذا توقَّفَ البُلْقِيني في صِحَّتِه(٣).
نَعَم، استَدرَك هو على القولِ بآخِرِيَّة أبي الظُّفَيلِ نافعَ بنَ سُلَيمان العَبْدِي،
فقد رَوى حديثَه إسحاقُ بنُ رَاهُويه في ((مُسْنَدِه)) قال: ((أخبَرَني سليمان بنُ نافعٍ
العَبْدِي بِ ((حَلَبَ) قال: قال لي أَبِي: وَفَدَ المُنذِرُ بنُ سَاوَى من ((البحرين)) حتى
أَتَى مدينةَ الرسولِ وَّهِ ومعه أُناس، وأناغُلَيِّمُ لا أَعْقِل، أُمسِكُ جِمَالَهم، فذهبوا
بسلاحهم فسلّموا على النبيِّ ◌َّۇ، ووضع المُنذر سلاحه، ولبس ثياباً كانت معه،
ومسَحَ لِحْيَتَه بِدُهنٍ فَأَتَى نبيَّ اللهِوَّهِ وأنا مع الجِمَال أنظرُ إلى نبي اللهِ وَلّ كما
أنظر إليك ولكن لَمْ أَعْقِل، فقال المُنذر: قال لي النبيُّ ◌َّهِ: ((رأيتُ منكَ ما لَمْ أَرَ
مِنْ أصحابك! فقلتُ: أشيءٌ جُبِلتُ عليه أم أَحْدَثْتُهُ؟)) قال: لا، بل جُبِلتَ عليه.
فلمَّا أسلموا قال النبيُّ نَّهِ: ((أَسْلَمَتْ ((عبدُ القيس)) طوعاً، وأسلمَ النَّاسُ كُرهاً))
قال سليمانُ: وعاش أبي مائةً وعشرينَ سنةً (٤))، وأخرَجه الطبراني في
(مُعْجَمِهِ)) (٥)، وابنُ قَانِعِ جميعاً عن مُوسى بنِ إبراهيم عن إسحاق(٦).
وكذا أخرجه ابنُ بِشْرَانَ في ((أَمَالِيهِ)) عن دَعْلَج عن مُوسى، وقال موسى:
((ليس عند إسحاقَ أعلى مِن هذا))، انتهى(٦).
(١) ((الإصابة)) (٤٩٦/٢).
(٢) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٥/٣)، ونحوُه في ((التقييد والإيضاح)) (٣١٢).
(٣) ((محاسن الاصطلاح)) (٤٣٦).
(٤) ((محاسن الاصطلاح)) (٤٣٧) مع بعض الاختلاف في الألفاظ والتقديم والتأخير.
(٥) الأوسط كما نص عليه البُلْقِيني، وذكرَ الحافظُ ابنُ حجر في ((اللسان)) (١٠٧/٣) أنَّ
الطبراني أخرجه في (المعجَمَين). يعني الكبيرَ والأوسطّ.
(٦) قاله الحافظ في ((الإصابة)) (٥٤٤/٣). و(أعلى) رسمت في النسخ: (أعلا). من الناسخ.

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٧٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
لكنْ قد ذَكر شيخُنا سليمانَ في كتابِهِ في الضُّعَفَاءِ (١) وقال: ((إنَّه غيرُ
معروف، وذَكَرِه ابنُ أبي حاتِم عن أبيه ولم يَذْكُرْ فيه جَرْحاً))(٢)، قال: ((وإنْ
صحَّ يكونُ نافعٌ قد عاش إلى دولةِ هِشَام. إلَّا أَنّي أظنُّ أنَّ سليمانَ وَهِمَ في سنِّ
أبيه، فمحالٌ أنْ يبقَى أَحَدٌ رَأَى النبيَّ وَّ بعدَ سنةٍ عشرٍ ومائة)»(١)، وقال في
موضع آخَرَ: ((والقِصَّةُ التي ذَكَرها لِلْمُنْذَرِ بنِ سَاوَى معروفٌ للأشجّ - واسمُه
المُنْذِرُ بنُ عَائِذ - قال: ((وأظنُّ سليمانَ وَهِم في ذِكْر سنٌّ أبيه، لأنه لو كان
غُلَاماً سنةَ الوُفُودِ، وعاش هذا القدرَ لَبَقِيَ إلى سنةِ عشرينَ ومائة وهو باطلٌ.
فلعلَّه قال: عاش مائةً وَعَشْراً، لأنَّ أبا الظُّفَيلِ آخِرُ مَنْ رَأَى النبيَّ ◌َِّ موتاً،
وأكثرُ ما قيلَ في وفاته - كما تقدَّم ـ أنها سَنَةُ عَشْرٍ ومائة. وقد ثَبَتَ في
((الصحيحَين)) أنَّه وَله قال في آخر عُمُره: ((لا يَبْقَى بعدَ مائةٍ مِنْ تلكَ الليلةِ على
وجه الأرضِ أَحَدٌ)) وأرادَ بذلكَ انْخِرَامَ قَرْنِهِ، فكان كذلك))(٣).
قلتُ: ودَعوى مَنِ ادَّعى الصُّحبةَ، أو ادُّعِيَتْ له بعدَ أَبِي الُفَيل - وهُم
جُبَيْرُ بنُ الحارث، والربيعُ بنُ محمود المَارِدِيني، ورَتَنُ، وَسَرْبَاتَكُ الهِنْدِيَّن،
ومُعَمَّرٌ، ونُسْطُورُ أو جَعْفَرُ بنُ نُسْطُورَ الرُومِيُّ، ويُسْرُ بنُ عَبْدِ (٤) الله، الذين كان
آخرَهم رَتَنُ، فإنَّه فيما قيل: ماتَ سنة اثنَتَين وثلاثين وستِمائة - باطلةٌ. والكلامُ
في شأنِهم مبسوطٌ في ((لسان الميزان))(٥) لشيخِنا وفي غيرِه من تصانيفه، بل قال
- وقد سُئل عن طُرُق المُصَافَحة إلى المُعَمّر - ما نصُّه: ((لا يخلُو طريقٌ من طُرُق
المُعَمّر عن متوقّفٍ فيه، حتى المُعَمَّرِ نفسِه، فإنَّ مَن يدَّعي هذه الرُّتبةَ يَتَوقَّف
على ثُبوتِ العدالةِ. وإمكانُ ثبوتِ ذلك عِنَادٌ لا يُفِيدُ مع وُرُود الشرع بنفْيه،
فإنه وَّهِ أخبرَ بانْخرَام قَرْنِهِ بعد مائة سنة من يوم مقالَته. فمَن ادَّعى الصُّحبةَ بعد
ذلك لَزِمَ أنْ يكونَ مخالفاً لظاهر الخبر، فلا يُقبَل إلّا بطرقٍ يَنْقَطِعُ العُذْرُ بها،
ويحتاجُ معها إلى تأويلِ الحديث المشار إليه))(٦).
(١) ((لسان الميزان)) (١٠٧/٣).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (١٤٧/٤).
(٣) ((الإصابة)) (٥٤٤/٣).
(٤) في النُسخ: (عبيد الله) مصغر، والمثبتُ من جُملةِ مصادرَ تقدمت (٣٥٤/٣) في التعليق.
(٥) في تراجمهم منه. وقد مضَى ذكرُهم في (نوع العالي والنازل) (٣٥٣/٣، ٣٥٤).
(٦) ذكر الحافظ في ((اللسان)) (٦٩/٦ - ٧١) في ترجمة مُعَمَر حديثَ المُصَافَحة وأخرجه =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٧٩
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
وممّا استَظهرَ به ابنُ الجَزَرِي لِبُظْلان الدَّعْوى في هؤلاءِ کونُ الأئمةِ
كأحمدَ، والبخاريِّ، والدارميِّ وعَبْدٍ - ممَّن رَحَل الأقطارَ، وجابَ الأمصارَ،
وحَرَص على طلبِ الإسنادِ العالي - أَعْلَى ما عندَهم ((الْتُلَاثِيّات)) مع قِلَّتِها جدًّا،
إِذْ خَفَاءُ الصحابةِ على مثلهم بعيدٌ، مع توفّر الهِمَمِ على نَقْلِهِ(١).
وبيّن أنَّ ظُهورَ المُسمَّى بمُعَمَّر المَغْربي المدّعي فيه الصُّحبةَ، ومصافحةً
النبيِ وَ﴿ له، وقولَه له: ((عَمَّرَك اللهُ)) كان في حُدُود السبعِمائة، أو بعدَها، ثم
قال: ((وكلُّ هؤلاءِ كذَّابون دجّالون، لا يُشْتَغَلُ بحديثِهم، ولا بأمثَالِهم)).
(و) أما آخِرُهم موتاً بالنسبةِ إلى النواحي فمات (قبلَه) أي قبلَ أبي الطُّفَيل ٨٠٩
إمَّا (السائِبُ) بنُ يزيدَ ابنُ أختِ النَّمِر (بـ((المدينة))) النبوية (أو سَهْلٌ) هو ابنُ
سعدِ السَّاعِدِي (او جابرٌ) - بالنقل - هو ابنُ عبد الله الأنصاري. أي فيها كما
قيلَ به في كلِّ واحدٍ من الثلاثة، فجزَم به في الأولِ أبو بكر بنُ أبي داود (٢).
وفي الثاني ابنُ المَدِيني والواقِدِي (٣) وإبراهيمُ بنُ المُنذرِ الحِزَامِي(٢)، وابنُ
حِبّان(٤) وابنُ قانِعِ، وأبو زكريا ابنُ منده وابنُ سعد(٥)، وادَّعى نَفْيَ الخِلاف فيه
فقال: ((ليس بينَنًا في ذلك اختلافٌ))، بل أطلَق أبو حازم أنَّه آخرُ الصحابةِ
موتاً، وكأنَّه أخذه من قول سهلٍ نفسِه: «لو مِتُّ لم تَسْمعوا أحداً يقولُ: قال
رسولُ اللهِوَ ◌ّ)). ولكنِ الظاهرُ - كما قال المؤلِّف (٦) - أنّه أرادَ أهلَ ((المدينة))
خاصةً. يعني مع احتياجِه إلى تأويلٍ أيضاً.
وفي الثالثِ: أبو نُعَيم، وقتادةُ، فيما رواه أحمدُ عنه، وصدَّر به ابنُ
الصلاح(٧) كلامه.
بسنَده إِليه، وعقَّب عليه بقوله: ((وكلُّ ذلك ممَّا لا أَعْتَمِدُ عليه، ولا أفرَحُ بِعُلُوُّه، ولا
=
أذكُرُه إلَّ اسْتِظْرَاداً إذَا احتَجْتُ إليه للتعريفِ بحال بعضِ الرُّوَاة)).
(١) حقاً إنه استظهار في محله. وانظر ((الغاية)) (٣٨٩/١) لابن الجزري. و(أعلى) كتبت
في النسخ: (أعلا).
(٢) ((التقييد والإيضاح)) (٣١٤) و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٥/٣).
(٣) ذكره عنه السمعاني في ((القواطع)) (٤٨٤/٢ - ٤٨٥). (٤) ((الثقات)) (١٦٨/٣).
(٥) لم أجد ترجمة لسهل في ((الطبقات)) لابن سعدٍ، فلعلَّه قاله في غيرِهِ، أو في المفقود منه. والله أعلم.
(٦) في ((التقييد والإيضاح)) (٣١٣) و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٥/٣).
(٧) ((علوم الحديث)) (٢٧٠).

مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٨٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
والخلافُ في ذلك مترتِّبٌ عليه في وَفَيَاتِهِم، فأمَّا الأولُ فقيل: إنّها سنةُ
ثمانين، أو بعدَها باثنَتَين فيما قاله أبو نُعَيم، أو بستٌّ، أو بثمانٍ.
وقال الجَعْدُ بنُ عبد الرحمن والفَلَاسُ والواقِديُّ: سنةَ إحدى وتسعين(١)،
وبه جزم ابنُ حِبّان(٢)، ويتأيَّدُ بذِكر البخاري له في ((فصل من مات ما بين
التسعين إلى المائة))(٣)، وقيل: سنةَ أربع وتسعين، وكان مولدُه إمَّا في الثانيةِ،
أو الثالثةِ من الهجرة، وثبَت قولُه: ((حُّ بي مع النبي ◌َّرَ وأنا ابنُ سبعٍ))(٤).
وأمّا الثاني فقيلَ: سنةَ ثمانٍ وثمانين قاله أبو نُعَيم، وقيل: إحدى وتسعينَ
قاله الواقدي(٥) والمدَائِني ويحيى بنُ بُكَير، وابنُ نُمَير وإبراهيمُ بنُ المُنذر
الحِزَامِيُّ، ورجَّحه ابنُ زَبْرٍ (٦) وابنُ حِبّان(٧).
لكنْ مُقْتضى قولِ أبي حاتم: إنّه عاش مائةَ سنةٍ أو أكثرَ(٨) - مع ما ثَبَتَ
مِن أنَّ مولدَه قبلَ الهجرة بخمسٍ سنين - أنْ يكونَ تأخّر إلى سنةٍ ستٍّ وتسعين
أو بعدَها. ونحوُه قولُ الواقدي: إنَّه عاش مائةَ سنةٍ (٩)، وقيل ستاً وتسعين.
وأما الثالثُ فمات قبلَ الثمانين، قيل: سنةَ اثنَتَين (١٠) كما قاله ابنُ زَبْر (١١).
أو ثلاثٍ كما قاله ابنُ سعد (١٢)، والهَيْئَمُ بنُ عَدِيّ، أو أربع كما قاله بعضُهم،
أو سبعٍ كما قالَه محمد بنُ يحيى بنُ حَبَّانَ(١٣) وأبو نُعَيم، أوَ ثمانٍ كما قاله خَلْقٌ
(١) ذكره عن الواقدي السمعاني في «قواطع الأدلة)) (٤٨٤/٢).
(٢) ((الثقات)) (٣/ ١٧٢).
(٣) ((التاريخ الصغير)) (١٩٠/١) والفصل المذكورُ يبدأ من (١٧٩/١) إلى (٢٠٨/١).
(٤) أخرجه عنه البخاري في ((جزاء الصيد)): باب حَجِّ الصِبيان (٧١/٤).
(٥) ذكره عنه السمعاني في ((القواطع)) (٤٨٤/٢-٤٨٥). (٦) ((تاريخ مولد العلماء)) (٢١٩/١).
(٧) ((الثقات)) (١٦٨/٣)، وقد ذكر كلَّ ذلك العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٥/٣).
(٨) ((الجرح والتعديل)) (١٩٨/٤).
(٩) ذكره عنه السمعاني في ((قواطع الأدلة)) (٤٨٥/٢).
(١٠) يعني وسبعين.
(١١) ((تاريخ مولد العلماء)) (١٩١/١).
(١٢) لم أجد ترجمةً لجابر في ((الطبقات)) لابن سعد فلعلَّه قاله في غيره، أو أنها تصحَّفَت
من (ثمان) الآتيةِ قريباً. والله أعلم.
(١٣) بفتح الحاء المهملة، أبو عبد الله الأنصاري، الإمامُ الفقيه. مات سنة ١٢١. ((طبقات
ابن سعد)» القسم المتمم لها (١٣١)، و((السير)) (١٨٦/٥).