Indexed OCR Text

Pages 341-360

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٤١
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
كانوا لكثيرٍ من المُسْنَدات مُستَنكِرِين. وقد قال أبو نُعَيم الفَضلُ بن دُكَين
لمحمد بن يحيى بن كَثِير: سلني، ولا تسألني عن الطويلِ، ولا المُسْنَدِ، أمَّا
الطويلُ فكنا لا نحفظُ (١)، وأما المُسندُ فكان الرجلُ إذاَ وَالَى بين حديثَين
مُسنَدَين رفعنا إليه رؤوسَنا استنكاراً لما جاء به))، انتهى(٢).
والاقتصارُ في الأبواب على ما ثبتَتْ عدالةُ رُوَاته هو الأَوْلى، وبذلك
صرح شيخُنا فقال: ((والأَوْلى أنْ يَقتصرَ على ما صحّ أو حَسُنَ، فإنْ جَمَعَ
الجميعَ فليبيِّنْ عِلَّةَ الضعيف))(٣).
قال ابنُ دقيق العيد: ((ولتكن عِنَايتُه بالأَوْلى فالأَولى، ونحن نرى أنّ
أهمَّها ما يُؤَدّي إلى معرفة صحيح الحديث)). قال: ((ومن الخطأ الاشتغالُ
بالتَِّمَّات، والتكميلات مع تضييع المُهمات))(٤). وليتحرَّ العباراتِ الواضحةَ،
والاصطلاحاتِ المستعملةَ، ولا تقصدْ بشيءٍ منه المُكاثرةَ.
قال ابنُ الصلاح: ((وعليه في كل ذلك تصحيحُ القصدِ، والحذرُ من قَصْد
المكاثرة، ونحوه.
وقد بلَغَنا عن حمزةَ بن محمد الكِنَانِي أَنَّه خَرَّجَ حديثاً واحداً من نحو
مائتَي طريق، فأعجبَه ذلك، فرأى يحيى بنَ معين في مَنَامه، فَذَكَر له ذلك،
فقال له: أخشى أنْ يَدخلَ هذا تحت: ﴿أَلْهَنَكُمُ اَلْتَّكَافُرُ
(٥)
٧٣٦
(وقد رَأَوْا) أي الأئمةُ من المحدثين وغيرِهم (كراهةَ الجَمع) والتأليفِ
(لدى تقصيرٍ) عن بلوغ مرتبتِه، لأنه إمَّا أنْ يتشاغلَ بما سُبق به، أو بما غيرُه
أَوْلى، أو بمَّا لَمْ يتأهَّلَّ بعدُ لاجتناءِ ثمرتِهِ، واقتناصٍ فائدةِ جَمْعِه. ولذا قال ابنُ
المَدِيني: ((إذا رأيتَ الحَدَثَ أَوَّلَ ما يكتبُ الحديثَ يجمعُ حديثَ الغُسْلِ(٦)،
وحديثَ: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ)) فاكتُبْ على قفاه: ((لا يفلح))(٧) .
ونحوُه قولُ الذهبي - كما سيأتي في الباب الذي يليه(٨) -: ((إذا رأيتَ
(١) في ((الجامع)) (٢٨٤/٢): (لا نحفظه). (٢) من ((الجامع)) (٢٨٤/٢).
(٤) ((الاقتراح)) (٢٨٤).
(٣) ((النزهة)) (١٤٤).
(٥) ((علوم الحديث)) (٢٣٠)، وآخره هو سورة التكاثر: الآية ١. وأخرج القصة ابن عبد البر
في ((الجامع)) (١٣٢/٢).
(٦) يوم الجمعة.
(٧) ((الجامع)) (٣٠١/٢). و((علوم الحديث)) (٢٣٠). (٨) (ص٣٥٤).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٤٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المحدثَ يفرحُ بِعوالي أبي هُذْبَة، ويَعْلَى بنِ الأشدق)) - وسَمَّى غيرَهما - («فاعلم
أنه عاميٍّ بعدُ))(١) .
ولله دَرُّ القاضي أبي بكر ابنِ العربي حيثُ قال: ((ولا ينبغي لحصيفٍ
يتصدَّى إلى تصنيفٍ أنْ يعدلَ عن غَرَضَيْن: إمَّا أنْ يخترعَ مَعْنَى، أو يُبْدِعَ وَضْعاً
ومَبْنَى، وما سوى هذَين الوجهَين فهو تَسْوِيدُ الوَرَقِ، والتَّحَلِّي بِحِلْية السَّرَق)»(٢) .
و(كذاك) رَأَى الأئمةُ كَراهةَ (الإخراجِ) ممن يُصَنِّف لشيءٍ من تصنيفِه إلى
الناس (بلا تحريرٍ) وتهذيبٍ، وتكريرٍ لنَظَرٍ فَيه، وتنقيب.
قال ابن المُعْتز: ((لَّحظةُ القلبِ أَسرَعُ خَطْرَةً(٣) مِن لَحظة العين، وأبعدُ
غايةً، وأوسعُ مجالاً، وهي الغائِصةُ في أعماق أوديةِ الفِكر، والمتأملةُ لوجوهٍ
العواقب، والجامعةُ بين ما غابَ وحضَر، والميزانُ الشاهدُ على ما نَفَع وضَرَّ .
والقلبُ كالمُملي للكلام على اللسان إذا نَطَق، واليدِ إذا كَتَبَتْ. فالعاقلُ يكسو
المعانيَ وَشْيَ الكلام في قلبه، ثم يُبْديها بألفاظِ كَوَاسٍ (٤) في أحسنٍ زينة(٥) .
والجاهلُ يستعجلُ بإظهار المعانِي قبلَ العناية بتَزْبين معارِضها، واستكمالٍ
مَحَاسِنها)»(٦) .
وَلْيُعلَم - كما قال هلالُ بن العَلَاءِ : - ((أنَّه يُستدلُّ على عقل المرء بعد
موته بتصنيفِه، أو شِعره، أو رسالته))(٥). وكما قال الأصمعيُّ: ((إنَّ الإنسانَ في
سَلَامةٍ مِن أفواه الناس ما لم يَضعْ كتاباً، أو يَقُلْ شِعراً))(٧). وكما قال
(١) سيأتي (ص٣٥٤) أنّ قولَ الذهبي هذا في كتابه «الميزان)» ولم أعثر عليه في ترجمة أبي
هُذْبَةً وأَضْرَابِهِ. إلّا أنّي وجدتُ في ترجمة أبي الدنيا الأشج المغربي (٥٢٢/٤) قولَ
الذهبي: ((وبكلِّ حالٍ فالأشجُّ المُعِمَّرُ كذابٌ، من بابة رَتَنِ الدجّال، و ... وما يُعْنَى
بروايةِ هذا الضَرْبِ ويَفْرَحُ بعلوِّها إلَّا الجَهَلةُ)».
(٢) مقدمة ((عارضة الأحوذي)) (٤/١).
(٣) في النسخ: خطوة. والتصحيح من ((الجامع)) (٢٨٣/٢).
(٤) في النسخ: (كواش) بالمعجمة. ولعله من الناسخ.
(٥) لفظ ((الجامع)) (٢٨٣/٢): (ثم يُبدِيها، فألفاظُه كَوَاسٍ في أحسنِ زينة).
(٦)
((الجامع)) (٢/ ٢٨٣).
(٧) ((الجامع)) (٢٨٣/٢) عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بنَ العَلَاء يقول: (إن
الإنسانَ في فُسْحَةٍ من عَقله، وفي سلامة ... ) إلخ.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٤٣
آدابُ طالب الحَدِيثِ
العَتّابي (١): ((إنَّ من صنَّف فقد استشرفَ للمديح والذم، فإنْ أحسنَ فقد
استَهدف للحسد والغِيبةِ، وإنْ أساءَ فقد تَعرَّض للشتم، واستُقذِفَ بكل
لسان))(٢).
ونحوُه ما نقلَه القاضي أبو يعلى ابنُ الفَرَّاء عن عبد الله بن المُقَفّع أنه
قال: ((مَن صنَّف فقدِ استَهْدَف، فإنْ أحسنَ فقد استَعْطَف، وإن أساء فقد
اُستَقْذَف)).
(١) كلثومُ بنُ عَمرو التغلبي، كاتب حَسَنُ الترسُّل، وشاعرٌ مُجِيد، رُمي بالزَنْدقة. مات سنة
٢٢٠هـ، له ترجمة في: تاريخ بغداد (٤٨٨/١٢)، و((فوات الوفيات)) (٢١٩/٣).
(٢) ((الجامع)) (٢٨٣/٢ - ٢٨٤).

أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
٣٤٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
أقسامُ (العَالي) من السَّنَدِ (والنازِلِ)(١)
وبيانُ أفضلِهما، وما يلتحقُ بذلك من بيانِ الموافَقَةِ، والبَدَلِ،
والمُصَافَحَةِ، والمُسَاوَاةِ
أَضْلُ الإسنادِ أوّلاً خَصِيصَةٌ فاضلةٌ من خصائص هذه الأمة، وسُنةٌ بالغة
من السُّنَن المؤكَّدة كما أشرتُ إليه قبيلَ ((مراتب التعديل)).
وقد رُوِّينا من طريق أبي العباس الدَّغُولي(٢) قال: ((سمعتُ محمدَ بنَ
حاتم بنِ المُظَفر يقول: إنَّ الله أكرمَ هذه الأمةَ وشرَّفَها وفضَّلَها بالإسناد، وليس
لأحدٍ من الأمم كلِّها قديمها وحديثها إسنادٌ. إنّما هو صُحُفٌ في أيديهم، وقد
خَلَطُوا بكتبهم أخبارَهم، فليس عندهم تمييزٌ بين ما نَزَل من التوراةِ والإنجيلِ
وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غيرِ الثقات.
وهذه الأمةُ إنما تنصُّ الحديثَ عن الثقة المعروفِ في زمانه، المشهورِ
بالصدق والأمانة، عن مثلِه، حتى تَتَناهَى أخبارُهم، ثم يبحثون أشدَّ البحث
حتى يعرفوا الأحفظَ فالأحفظَ، والأضبطَ فالأضبطَ، والأطولَ مجالسةً لمن فوقَه
ممّن كان أقلَّ مجالسةً، ثم يكتبون الحديثَ من عشرين وجهاً أو أكثرَ حتى
يُهَذِّبوه من الغَلَط والزَّلَل، ويضبطوا حروفَه، ويَعدُّوه عَدّاً. فهذا من أفضلٍ
نعم الله على هذه الأمةِ، فَنَسْتَوْزِعُ اللهَ شُكْرَ هذه النعمةِ))(٣) .
وقال أبو حاتم الرازي: ((لم يكن في أمةٍ من الأمم - منذ خلق اللهُ آدَمَ -
(١) وهو (النوع التاسع والعشرون) من كتاب ابن الصلاح.
(٢) أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدَغُولي، الإمام العلامة الحافظ المجود شيخ
خراسان، مات سنة ٣٢٥. ((السير)) (٥٥٧/١٤)، و((الأنساب)) (٣٢١/٥ -٣٢٢)، وفيه
ضَبْطُ (الدغولي): بفتح المهملة، وضم المعجمة نسبةً إلى دَغُول وهو اسم رجل.
(٣) ((شرف أصحاب الحديث)) (٤٠) من طريق أبي العباس الدَغُولي، وفي آخره زيادة.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٤٥
أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
أُمَنَاءُ يحفظون آثارَ الرُّسُلِ إلّا في هذه الأمة))(١).
وقال أبو بكر محمدُ بنُ أحمدَ: ((بلغني أنّ اللهَ خصّ هذه الأمةَ بثلاثةٍ
أشياءَ لم يُعْطِها مَنْ قبلَها: الإسنادٍ، والأنسابِ، والإعرابِ))(٢).
وعند الحاكم في ترجمة عبد الله بنٍ طاهر من ((تاريخه)) بسنده إلى
إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحَنْظَلِي قال: ((كان عبدُ الله بنُ طاهر إذا سألني عن
حديثٍ، فذكرتُه له بلا إسنادٍ سألني عن إسناده، ويقول: رِوايةُ الحديث بلا
إسنادٍ مِنْ عَمَلِ الزَّمْنَى، فإنَّ إسنادَ الحديث كرامةٌ من الله وَّ لأمة محمد
[صلى الله عليه وسلم] (٣) (٤).
ولذا قال ابنُ المبارك: ((الإسنادُ من الدِّين، لولا الإسنادُ لقالَ مَنْ شاءَ ما
شاء))(٥). وفي روايةٍ: ((مَثَلُ الذي يطلبُ أمرَ دينه بلا إسنادٍ كمثل الذي يَرْتَقِي
السَّطْحَ بلا سُلَّم))(٦). وفي روايةٍ عنه - كما في ((مقدمة مسلم)) -: ((بَيْنَنَا وبين
القومِ القَوَائِمُ)) يعني الإسنادَ(٥). وقال أيضاً لمن سأله عن حديثٍ عن الحَجّاجِ بنِ
دينار عن النبي ◌َ ◌ّ - كما في ((المقدمة)) أيضاً -: ((إنَّ بين الحجاج وبين النبي ◌َّل
مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فيها أَعْنَاقُ المَطِيّ))(٧).
وعن الشافعي قال: ((مَثَلُ الذي يطلبُ الحديثَ بلا إسنادٍ كَمَثَلٍ حَاطِبٍ لَيلٍ)»(٨).
وعن الثوري قال: «الإسنادُ سلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاحٌ فبأي
شيء يُقاتِل؟))(٩).
(١) ((شرف أصحاب الحديث)) (٤٣).
(٢) (شرف أصحاب الحديث)) (٤٠). وقد جاء تعليقاً على هذا في المطبوع من ((فتح
المغيث)) (٤/٣): (أما خصوصياتُ هذه الأمة خِلَافَ ذلك فكثيرةٌ، منها: الخيريةُ على
سائرِ الأمم، وظهورُ الحق على لسان طائفةٍ منها إلى يوم القيامة، وعمومُ رسالة نبيها
لسائر البشر إلى يوم القيامة ... إلخ).
(٣) ليست في (ح وم)، وعليها في (س) إشارة إلى أنها زيادة من الناسخ يعني (حاشية).
((أدب الإملاء)) (٦) من طريق الحاكم.
(٥) مسلم في ((المقدمة)): باب بيان أنّ الإسناد من الدين (١٥/١).
(٤)
(٨) ((المدخل) للبيهقي (٢١١).
(٦)
((شرف أصحاب الحديث)) (٤٢).
(٧) مسلم في ((المقدمة)): (١٦/١).
(٩) ((المجروحين)) (٢٧/١)، و((شرف أصحاب الحديث)) (٤٢)، و((أدب الإملاء)) (٨).

أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ
٣٤٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وقال بَقِيَّةُ: ((ذاكرتُ حمادَ بنَ زيد بأحاديثَ، فقال: ما أَجْودَها لو كان
لها أَجْنِحَة)) يعني الأسانيدَ(١).
وقال مَطَرِّ (٢) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾(٣) قال: إسنادُ الحديث(٤).
٧٣٧
(وطلبُ العُلوّ) الذي هو: قِلَّهُ الوسائط في السَّنَد، أو قِدَمُ سماعِ الراوي،
أو وَفَاتِهِ (سُنّةٌ) عمّن سلَف، كما قاله الإمامُ أحمدُ(٥). بل قال الحاكمُ: ((إنّه
سُنة صحيحة))(٦) متمسكاً في ذلك بحديثٍ أنسٍ في مجيء ضِمَامِ بنِ ثَعْلَبَةَ إلى
النبي ◌َ﴾ (٧) ليسمعَ منه مشافهةً ما سَلَفَ سماعُه له من رسوله إليهَم، إذْ لو كان
العلوُّ غيرَ مستحب لأنكرَ عليه سؤالَه عما أخبره به رسولُه عنه، وتَرْكَ اقْتِصَارِهِ
على خبره له(٨) .
ولكنْ إنَّما يتمّ الاستدلالُ بذلك على اختيارِ البخاري في أنَّ قولَ ضِمَامٍ:
(آمنتُ بما جئتَ به)) إخبارٌ. وهو الذي رجَّحه عياض، ولكنَّه قال: «إنه حَضِّر
بعد إسلامه مُسْتَثْبِتاً من الرسول وَلَه لِمَا أَخبر به رسولُه إليهم))(٩) لأنه قال في
حديثٍ ثابت عن أنس - عند ((مسلم)) وغيرِه -: ((فإنَّ رسولَك زَعَمَ))، وقال في
روايةٍ كُرَيبٍ عن ابن عباس عند الطبّرِّي(١٠): ((أَتَتْنا كُتُبُكَ، وأَتَتْنَا رُسُلُك)).
أمَّا على القول: بأنَّ قولَه: ((آمنتُ)) إنشاءٌ - كما هو مقتضَى صنيع أبي داود،
حيثُ ذَكَره في ((باب ما جاء في المُشْرك يدخلُ المسجدَ))(١١)، ورجَّحه القُرْطُبي(٢
(«تاريخ بغداد)) (١٢٤/٧).
(١)
(٢) هو الورَّاق. تقدم التعريفُ به.
(٣) سورة الأحقاف: الآية ٤.
(٤) ((شرف أصحاب الحديث)) (٣٩).
(٥)
((الجامع)) (١٢٣/١).
(٦) ((معرفة علوم الحديث)) (٥).
(٧) أخرج حديثَ أنس المذكورَ: البخاريُّ في العلم: باب ما جاء في العلم (١٤٨/١)،
ومسلمٌ في الإيمان: باب السؤال عن أركان الإسلام (٤١/١).
(٨) ((معرفة علوم الحديث)) (٦)، وفيه: (ولأمرَه بالاقتصار ... ) وهو أظهرُ ممّا هنا.
(٩) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٧١/١) نقلاً عن القاضي عياض.
(١٠) كذا في النسخ. والذي في ((فتح الباري)) (١٥٢/١): (عند الطبراني). ولم أجد الروايةَ الآتيةَ
في حديث كُرَيبٍ عن ابنِ عباس عند الطبراني في ((الكبير)) (٤٠٨/١١ -٤٢٣)، لكن عنده (٨/
٣٦٧) من رواية سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس: ( ... وَجَدْنا في كتابك وأَمَرَتْنا رسلُك).
(١١) من كتاب الصلاة (٣٢٦/١).
(١٢) أبو العباس صاحبُ ((المُفْهِم)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٤٧
أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ
متمَسِّكاً فيه بقوله: ((زَعَمَ)) فإنَّ الزَّعْمَ القولُ الذي لا يُوثَق به فيما قاله ابن
السِّكِّيت(١) وغيرُه - فلا، فإنَّه حينئذٍ إنَّما يكون مجيئُه وهو شاٌ، لكونه لم
يُصدِّقه، وأرسلَه قومُه ليسألَ لهم.
قال شيخُنا: ((وفيه نظر، أمَّا أَوَّلاً فالزَّعْمُ يطلق - أيضاً - على القول
المُحَقَّق، كما نقلَه أبو عُمَرَ الزاهدُ (٢) في ((شرح فصيح شيخه ثعلب))، وأكثر
سيبويه من قوله: ((زعم الخليل)) في مقام الاحتجاج.
وأما ثانياً: فلو كان إنشاءً لكان طَلَبَ معجزة تُوجِبُ له التصديقَ.
على أنَّ القرطبيَّ استدل به على صِحة إيمان المُقَلِّد للرسولِ وَّه، ولو لم
تظهرْ له معجزةٌ، وكذا أشار إليه ابنُ الصلاح))(٣).
وبالجُملة فَطَرَقَهُ الاحتمالُ، ولم يتعيَّنْ أنْ يكونَ ضِمَامٌ قَصَدَ العُلُوَّ .
ونازع بعضُهم في كونه قَصَدَ ذلك بقوله في باقي الخبر: ((وأنا رسولُ مَنْ
ورائي))، وعلى تقدير تَحَتُّم قَصْدِ العُلُوّ فعدمُ الإنكار يُحْتَمَلُ أنْ يكون لكونه جائزاً.
ولكن قد استُدِلَّ له بقول النبي وَلَه لِتَمِيم الدَّارِيّ لمَّا رآه - كما في بعض
طُرُق حديثِه في الجَسَّاسَةِ(٤) -: ((يا تَمِيمُ حَدِّثِ الناسَ بما حَدَّثْتَنِي))(٥)، وبقوله
أيضاً: ((خَيرُ الناس قَرْنِي ... )) الحديث(٦)، فإنَّ العُلُوَّ بقُربه من القرون الفاضلة.
(١) الإمام اللغوي الأديبُ أبو يوسفَ يعقوبُ بنُ إسحاق مات سنة ٢٤٤. ((تاريخ بغداد))
(٢٧٣/١٤)، و((السير)) (١٦/١٢). وما عَزَاه لابن السِّكِّيت لم أجده في كتابه
((الأضداد)»، وعزاه إليه أيضاً الجوهري في ((الصحاح)) زعم.
(٢) يعرف بـ(غلام ثعلب)، الإمام اللغوي المحدث محمد بن عبد الواحد البغدادي، مات
سنة ٣٤٥. ((تاريخ بغداد)) (٣٥٦/٢)، و ((السير)) (٥٠٨/١٥).
(٣) ((صيانة صحيح مسلم)) (١٤٢)، وأكثرُ هذا الكلامِ أَخَذَه المصنفُ من ((فتح الباري)) (١/ ١٥٢).
(٤) حديثُ الجَسَّاسَة أخرجه مسلم في ((الفتن)): باب قصة الجساسة (٢٢٦١/٤) من حديث
فاطمةً بنتِ قیس
(٥) عزا الحافظ هذه الرواية في ((الفتح)) (٣٢٩/١٣) إلى أبي يعلى من حديث أبي هريرة،
ولم أقف عليها في ((مسنده). وقد أخرج حديثَ الجساسةِ مع مسلم أبو داود والترمذيُّ
وابنُ ماجه وأحمدُ وغیرُهم.
(٦) أخرجه البخاري في ((الشهادات)): باب لا يَشهد على شهادة جَوْرٍ إذا أُشهد (٢٥٨/٥)
ومواضعَ أُخَرَ، ومسلمٌ في ((فضائل الصحابة)): باب فضل الصحابة، ثم الذين =

أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
٣٤٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
وقد قال بعضُهم: ((مَن أدركَ إسناداً عالياً في الصِّغَر رَجًا عند الشيخوخة
والكِبَرِ أنْ يكونَ مِن قَرنٍ أفضلَ مِن الذي هو فيه، والذي بعده، ويليه)).
ويُشِيرُ إليه قولُ محمدِ بنِ أَسلمَ الُوسي: ((قُربُ الإسنادِ قُرْبٌ - أو قال:
قُرْبَةٌ - إلى الله رَتْ))(١). فإنَّ القُربَ من الرسول بلا شكِّ قُرْبٌ إلى الله.
ونحوُه قولُ أبي حفص ابنِ شاهينَ في ((جُزْء ما قَرُبَ سندُه من
رسول الله (وَلِ﴾))(٢) مِن تخريجِه: «نَرْجُو بهذه الأحاديثِ أن نكونَ من جُملة من
قال النبيُّ ◌َِّه (٣): ((خيرُ الناس قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم)).
ثم أَسْنَدَ إلى زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى قال: ((القَرِنُ مائةٌ وعشرون عاماً)) (٤).
قلتُ: وهذا أقصى ما قيلَ في تحديدِهِ. ولكنَّ أَشْهَرَهُ ما وقع في حدیث
عبدِ الله بن بُشْرِ عند ((مسلم)) مما يدلُّ على أنَّ القَرْنَ مائةٌ(٥).
ويُمْكِنُ الاستدلال للعلوّ أيضاً بأنَّه وَ﴿ لمَّا أخبره عبدُ الله بن زيدٍ عن
رُؤيتِه - في المنام ـ ((الأَذَانَ))، وأَعْلَمَهُ بألفاظه، وكيفيتِه قال له: ((أَلْقِهْ على
بِلَال))، ولَمْ يُلْقِهِ وَّ بنفسه(٦).
يلونهم .. (١٩٦٣/٤) من حديث ابن مسعودٍ. وبنَحوه عن عمران بن حُصَين وغيرِه.
=
(١) ((الجامع)) (١٢٣/١)، و((علوم الحديث)) (٢٣٢).
(٢) جاء في ((تاريخ التراث العربي)) (٤٢٦/١/١) ضمن آثار ابن شاهين: (ما اجتمع عندي
من الأحاديث التي بيني وبين رسول الله وَل أربعة رجال). فلعله هذا.
(٣) يعني (فيهم).
(٤) أخرجه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٦/١) عن زرارة.
(٥) كذا قال المصنف، ومثلُه في ((فتح الباري)) (٥/٧). ولكنْ ليس لعبد الله بن بسر في
(صحيح مسلم)) إلا حديثٌ واحدٌ وهو قولُه: (نزل رسول الله وَّ ر على أبي، قال:
فَقَرَّبْنَا إليه طعاماً ... ) الحديثَ في الأشربة: باب استحباب وضع النوى خارجَ التمر
(١٦١٥/٣) وليس فيه ذكر للقرن.
وأمّا حديث عبد الله بن بسر في أنَّ القرن مائة فقد أخرجه البخاري في ((التاريخ الصغير))
أنَّ النبيَّ وَ﴿ قال له: ((يعيش هذا الغلام قرناً)) فعاش مائة سنة. الإصابة (٢٨٢/٢)،
وأخرجه أحمد (١٨٩/٤) بلفظ: (لتبلُغن قرناً) ولم يذكر ما بعده. وإسناده حسن.
(٦) هذا الحديثُ أخرجه أبو داود في ((الصلاة)): باب بدء الأذان، وباب كيف الأذان (١/
٣٣٥، ٣٣٧)، والترمذي في الصلاة: باب ما جاء في بدء الأذان (٣٥٨/١) من
حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وقال الترمذي: ((حسن صحيح)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٤٩
أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
وبقولِ ابنِ عباس - حينَ سَمِعَ عن عائشةَ بعضَ الأحاديث -: ((لو كنتُ
أدخلُ عليها لدخلتُ حتى تشافِهَني به))(١).
وكذا مما استُدِل به له استحبابُ الرِّحلةِ، إذْ في الاقتصار على النازل
- كما قال الخطيب(٢) : - إبطالٌ لها وتركُها. وقد رَحَل خلقٌ من العلماء قديماً
وحديثاً إلى الأقطار البعيدة طلباً للعلوّ، كما قَدَّمنا(٣).
قال الإمام أحمدُ: ((وكان أصحابُ عبدِ الله (٤) يَرْحَلون من ((الكوفة)) إلى
((المدينة)) فيتعلَّمون من عُمرَ، ويسمعون منه))(٥).
وهذا كلُّه شاهدٌ لتفضيلِ العلوّ، وهو المشهور. بل لم يَحْكِ الحاكمُ (٦)
خلافَه. وحينئذٍ فلا يُكتَفَى بسماع النازل مع وجود العالي.
وقد حكى الخطيبُ(٧) في الاكتفاء وعَدَمِهِ مذهبَيْن. وذَكَرَ مِن أدلةِ الأوَّلِ
قَوْلَ الْبَرَاءِ ◌َبه: ((ليس كُلُّنا كان يسمعُ حديثَ رسول اللهِ وََّ، كانت لنا ضِيَاعٌ
وأَشغال، ولكنَّ الناسَ لم يكونوا يكذِبون يومئذ، فيحدِّث الشاهدُ الغائبَ))(٨).
وقَوْلَ حماد بنِ زيد: ((كنا نكونُ في مجلس أيوبَ السَّخْتِياني فنسمعُ رجلاً
يحدث عن أيوبَ فنكتُبُه منه، ولا نسألُ مِن أيوبَ عنه))(٩).
وَمَيْلُ أحمدَ: إلى الاكتفاءِ به؛ حيثُ فَوَّتَ بالاشتغال بالعلوّ مَنْ يُستَرشَدُ
بِهِ للاستنباط ونحوِهِ، فإنَّه قال لابن مَعين: ((إنْ فاتَكَ حديثٌ بعلوٍّ وَجَدْتَهُ
بتُزُول، وإنْ فاتك عَقلُ هذا الفتى - وَعَنَى إمامَنَا الشافعيَّ رحمهما الله - أَوْشَكَ
أنْ لا تَرَاه))(١٠).
(وقد فضَّلَ بعضٌ) من أهل النظر - كما حكاه ابنُ خَلّادُ(١١)،
(١) مسلم في صلاة المسافرين وقصرها: باب جامع صلاة الليل (٥١٤/١) بنحوه.
(٣) (ص٢٨٦) وما بعدها.
(٢) في ((الجامع)) (١١٦/١).
(٤) في حاشية (س): (هو ابن مسعود).
(٥) ((الجامع)) (١٢٣/١).
(٧) في ((الجامع)) (١١٦/١).
(٦) في ((معرفة علوم الحديث)) (٥ - ١٢).
(٨) ((المحدث الفاصل)) (٢٣٥)، و((الجامع)) (١١٧/١).
(٩) ((المحدث الفاصل)) (٢٣٦)، و((الجامع)) (١١٩/١) وآخره: (ولا نسأل أيوبَ عنه).
(١٠) ((توالي التأسيس)) (٨٤) من قول أحمدَ للفضل الفَرّاء.
(١١) ((المحدث الفاصل)) (٢١٦).

أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
٣٥٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
والخطيبُ(١) غيرَ مُعَيِّنَيْن له(٢) : - (النزولَ) فإنَّ العُلُوَّ - كما قال بعضُ الزُّهّاد : -
من زينة الدنيا (٣) .
قال ابنُ دقيق العيد: ((وهو كلامٌ واقع، فالغالب على الطالبين ذلك))(٤)
قال: ((وقولُهم: العلوُّ: قُرْبٌ من الله. يحتاج إلى تحقيقٍ وبحث))(٥). وكأنّه لِمَا
لَعَلَّه يتضمَّن من إثبات الجهة(٦) - وذلك غيرُ مُرَادٍ -، ولأنه يجب على الراوي
أنْ يجتهدَ في معرفة جَرْحِ مَنْ يَروِي عنه، وتعديلِه. والاجتهادُ في أحوال رواة
النازل أكثرُ، فكان الثوابَ فيه أَوْفَرَ.
قال ابنُ خَلَّاد: ((وهذا مذهبُ من يزعمُ أنَّ الخبرَ أقوى من القياس))(٧)
يعني من جهةٍ أنَّ البحثَ - والله أعلم - في الخبر أكثرُ منه في القياس الجليّ،
أو لأن تقديمَ النازلِ مع اشتماله على كثرةِ الوسائط المقتضيةِ لتكثيرِ الخبر
تتضمن ترجيحَ الخبرِ في الجُملة.
ويساعد هذا القولَ ظاهرُ قولِ ابنِ مهدي: ((لا يزالُ العبدُ في فُسْحَةٍ مِن
دينه ما لم يطلبِ الإسنادَ - يعني التعاليَ(٨) فيه)(٩) .
واستعمالُ: ((بعضٍ))(١٠) بلا إضافةٍ قليلٌ، كما قدَّمته في ((غَيْرِ)) مِن ((مراتب
(١١)
الصحيح)) (١١).
(وهو) أي القولُ بتفضيل النزول (رَدٌّ) أي مردودٌ على قائلِه لضعفِه وضعفٍ
حُجته - كما قال ابنُ الصلاح(١٢) -، لأنّ كثرةَ المشقّة - فيما قال ابنُ دقيق
العيد - ليست مطلوبةً لنفسها. قال: ((ومراعاةُ المعنى المقصودِ من الرواية وهو
(١) ((الجامع)) (١١٦/١).
(٢) أي لَمْ يُعَيِّنَا ولَم يُسَمِّيا مَنْ قال بتفضيلِ النزولِ على العلوّ.
(٣)
((الاقتراح)) (٣٠١).
(٤) ((الاقتراح)) (٣٠٢).
(٥) ((الاقتراح)) (٣٠١).
(٦) تواترت الأدلةُ من الكتاب والسنة على عُلُوِّ الله فوقَ خَلْقِه ذاتاً وصفةً وقدراً.
(٧) ((المحدث الفاصل)) (٢١٦).
(٨) في النسخ: (التغالي) بالغين المعجمة. من الناسخ.
(٩) ((الجامع)) (١٢٤/١) وفي ((المحدث الفاصل)) (٢٣٦) من قول شعبة، رواه ابن مهدي عنه.
(١٠) يعني في قول الناظم: (وقد فَضَّلَ بعضِ النُزُولَ).
(١١) (١/ ٧٧) .
(١٢) ((علوم الحديث)) (٢٣٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٥١
أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ
الصِّحة: أَوْلى))(١). وأيَّده المصنفُ بأنه بِمَثابةِ مَنْ يَقصِدُ المسجدَ للجماعة
فيسلُكَ الطريقَ الْبَعِيدَ لتكثيرِ الخُطَى رغبةً في تكثيرِ الأجْرِ وإِنْ أدَّاهُ سلوكُها إلى
فَوْت الجماعةِ التي هي المَقصودُ.
وذلك أنَّ المقصودَ من الحديث التوصُّلُ إلى صحته وبُعدِ الوَهْمِ. وكُلَّما
كَثُر رجالُ الإسناد تَطرّق إليه احتمالُ الخطأِ والخَلَلِ، وكلما قَصُر السندُ كان
أسلمَ(٢).
وسبقَه الخطيبُ فقال: ((ومنهم - أي ومن أهلِ النظر - مَن يرى أنّ سماعَ
العالي أفضلُ، لأنَّ المجتهدَ مُخاطِرٌ، وسُقوطَ بعضِ الإسناد مُسقطً لبعض
الاجتهاد، وذلك أقربُ إلى السلامة فكان أَوْلِى))(٣).
وكذا قال ابنُ الصلاح: ((العلوُّ يُبْعدُ الإسنادَ من الخَلَل، لأنَّ كلَّ رجل
مِن رجالِهِ يُحتَمل أنْ يقعَ الخللُ من جهته سَهْواً، أو عَمْداً، ففي قِلَّتِهم قِلَّةُ
جهاتِ الخَلَل، وفي كثرتهم كثرةُ جهات الخَلَل)). قال: ((وهذا جليٍّ
واضح)»(٤).
ونحوُه قولُ ابنِ دقيقِ العيد: ((لا أعلمُ وجهاً جيِّداً لترجيح العُلُوّ إلَّا أنه
أقربُ إلى الصحةِ وقلّةِ الخطأ، فإنَّ الطالِبِين يَتَفَاوَتُون في الإتقان، والغالبُ عدمُ
الإتقان(٥)، فإذا كثُرتِ الوسائطُ، ووَقَعَ من كل واسطةٍ تساهلٌ مّا: كَثُرَ الخطأُ
والزَّلَل. وإذا قلَّتِ الوسائطُ قَلَّ)، انتهى(٦).
وهذا موافقٌ لما ذَكَره الأُصوليون في ترجيح ما قَلَّت وسائطُه على ما
كَثُرت، لأنّ احتمالَ الغلط فيما قلَّت وسائطُه أقلُّ.
ثم إنّ ما عُلِّلَ به تفضيلُ النزولِ قد يُوهم أنَّ الحكمَ كذلك، ولو كان
راوي العالي أحفظَ، أو أوثقَ، أو أضبطَ، ونحوَ ذلك، وليس كذلك جزماً .
(١) ((الاقتراح)) (٣٠٣).
(٢) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٥٣).
(٣) ((الجامع)) (١١٦/١) وقد سبقه إليه ابنُ خَلَاد في ((المحدث الفاصل)) (٢١٦).
(٤) ((علوم الحديث)) (٢٣١).
(٥) في ((الاقتراح)): (عدم الإتقان في أبناء الزمان).
(٦) من ((الاقتراح)) (٣٠٢).

أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ
٣٥٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
كما أنَّه إذا انضمَّ إلى النزول الإتقانُ وكان العلوُّ بضدِّه لا تَرَدُّدَ - كما قاله
ابنُ دقيق العيد - في أنَّ النزولَ أقوى(١). ونحوُه قولُ المصنف(٢). وسأذكر
المسألةَ آخرَ الباب(٣). وحينئذٍ فمحلُّ الاختلافِ عند التساوي في جميع
الأوصافِ ما عَدَا العلوَّ.
ومع ذلك فالعلوُّ أفضلُ، وَطَلَبُهُ - كما قال ابنُ طاهر - ((مِنْ عُلُوِّ هِمَّة
المحدِّث، ونُبْلِ قَدْرِهِ، وجَزَالَةِ رأيه))(٤)، ((ولذا أجمعَ أهلُ النَّقْل على طَلَبِهِم
له، ومَدْحِهِم إياه)»(٥) حتى إنَّ البخاريَّ لم يُورِد في «صحيحه)) حديثَ مالكٍ مِن
جهة الشافعي، لكونه لا يَصِلُ لمالكٍ مِن طريقه إلَّا بواسطتَين، وهو قد استغنى
عن ذلك بإدراكه لأصحابِهِ كالقَعْنَبِيِّ، فلم يَرَ النزولَ مع إمكان العلوّ.
وقال الإسماعيليُّ: ((ولهذا اعتمد البخاريُّ في كثيرٍ من حديث الزهري
على شُعَيب، إذْ كان من أحسنِ ما أدركه مِن الإسناد. وأَفَلَّ من الرواية من
طريق مَعْمر، لأنَّ أكثرَ حديثٍ مَعْمَر وَقَعَ له بنزول)).
على أنَّ البخاريَّ قد روى عن جماعةٍ - ممّن سمع منهم تلميذُه مسلمٌ -
بواسطةٍ بينه وبينَهم كأحمدَ بنِ محمدِ بنِ حنبل، وأحمدَ بنِ مَنِيع، وداودَ بنِ
رُشَيد، وسُرَيجِ بنِ يونسَ، وسعيدٍ بن منصور، وعبَّادِ بن موسى الخُتَّلي،
وعُبيدِ الله بنِ مُّعاذ، وهارونَ بنِ معروف - مع أنَّ فيهم مَن روى عنه بدونها -
إمّا لكونه لم يسمعْ تلك الأحاديثَ إلّا منهم، أو لغيرِ ذلك، كما بسطتُ ذلك
في محله.
وقيل لابن مَعين - في مَرَضِهِ الذي مات فيه -: ((ما تشتهي؟ قال: بيتٌ
(١) المصدر السابق.
(٢) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٥٣/٢) حيثُ ذَكَر أن العلوَّ أفضلُ وأَسْلَمُ قال: (اللهم
إلا أن يكونَ رجالُ السند النازل أوثقَ، أو أحفظَ، أو أفقهَ، ونحوَ ذلك).
(٣) (ص٣٧٥) وما بعدها .
(٤) ((مسألة العلو والنزول في الحديث)) (٥١).
(٥) المصدر السابق (٥٤)، وحكايةُ الإجماع يردُها ما تقدَّم من حكايةِ ابنِ خلَّاد والخطيبِ
للخلاف في ذلك، بل ما جاء عن بعضِهم من تفضيلِ النزولِ كما تقدم.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٥٣
أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
خَالٍ، وإسنادٌ عالٍ))(١).
٧٣٨
(و) قد (قسّموه) أي قسَّم أبو الفضل ابنُ طاهر(٢)، وابنُ الصلاح(٣) - ومَن
تابعهما (٤) - العلوَّ (خمسةً) من الأقسام مع اختلاف كَلَامَي المذكورَين في ماهية
بعضِها(٥). وهي ترجعُ إلى عُلُوٌّ مَسَافٍ - وهو قِلَّهُ الوسائطِ -، وعُلُوِّ صِفَةٍ.
(فالأولُ) من الأقسام - مما هو علوُّ مسافةٍ -: عُلُوٌّ مُظْلَقٌ، وهو ما فيه
(قُربٌ) من حيثُ العَدَدُ (مِنَ الرسول) وَطِّ.
ثم تارةً يكونُ بالنظر لسائر الأسانيدِ، وتارةً بالنسبة إلى سندٍ آخرَ - فأكثرَ -
يَرِدُ به ذلك الحديثُ بِعَيْنِهِ، عَدَدُه أكثرُ.
٧٣٩
(و) هذا القسم (هو الأفضلُ) الأجلُّ من باقي أقسامه، وأعلى مِن سائر
العوالي، ولكنْ محلُّه (إِنْ صحّ الإِسنادُ) - بالنقل -، لأنَّ القربَ مع ضَعْفِه بسببٍ
رُوَاته لا اعْتَدَادَ به، ولا الْتِفَاتَ إليه، خصوصاً إنِ اشتدَّ الضعف، حيث كان من
طريق بعض الكذّابِين الذين ادَّعَوا السماعَ من الصحابة كأَبي هُذْبةَ إبراهيمَ بنِ
هُذْبةَ، وَخِرَاشٍ(٦)، ودينارٍ، وعُثمانَ بنِ الخطاب المَغْربي أَبِي الدُّنيا الأشج،
وكَثير بنِ سُلِّيم، وموسى الطويل ونافع أَبِي هُرْمُزَ، ونَجْدَةَ الحَرُورِيِّ،
ويُسْرِ (٧) مولى أنس، ويَعْلى بنِ الأَشْدَق، ويَغْنَّمَ (٨) بنِ سالِم، وأَبِي خالد السَّقَّاءِ.
أَوِ اذَّعى فيهم الصُّحبةَ كجُبَيرِ بنِ الحارث، والرَّبيعِ بنِ محمود المَارِدِينِي،
ورَتَنَ(٩)، وسَرْبَاتَكَ (١٠) الهندِيَّين، ومُعَمَّرٍ، ونُسْطورَ - أوَ ابنِ نُسْطورَ - الرومي،
(١) ((علوم الحديث)) (٢٣١).
(٢) في ((مسألة العلو والنزول في الحديث)) (٥٧) وهو أولُ من قسَّمها تلك الأقسامَ.
(٣) في ((علوم الحديث)) (٢٣١).
(٤) كابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (٣٠٣ - ٣٠٧)، والعراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٥٣/٢).
(٥) قاله العراقي في المصدر السابق.
(٦) بالمعجمة والراء على وزن (كتاب). ابن عبد الله. أَخْذاً من ((الميزان)) (١/ ٦٥١).
(٧) أوله مثناة تحتية مضمومة ثم مهملة ساكنة وآخره راء.
(٨) بالمثناة التحتية المفتوحة ثم غين معجمة ساكنة ثم نون مفتوحة. وآخره ميم. أَخْذاً من
«الميزان)) (٤٥٩/٤).
(٩) براء ثم مثناة فوقية مفتوحتين.
(١٠) بفتح المهملة وسكون الراء ثم موحدة وبعد الألف مثناة فوقية. ((اللسان)) (١٠/٣).

أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ
٣٥٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ويُسْرِ بنِ عَبد الله(١)، الآتي التنبيهُ عليهم في ((الصَّحَابة))(٢).
وقد أنشدَ الحافظُ السِّلَفِيُّ - فيما رُوِّينَاه عنه - قولَه:
وقولُ أَشَجِّ الغَرْبِ، ثُمَّ خِرَاشِ
حَديثُ ابنِ نُسْطُورٍ، ويُسْرٍ، ويَغْنَم
أَبِي هُذْبَةَ البَصْرِيِّ شِبْهُ فَرَاشِ(٣)
ونُسخةُ دينارٍ، وأَخْبَارُ تِرْبِهٍ
وعَزَّزَهُمَا محمدُ بنُ جابر الوَادِياْشِي بثالثٍ :
ربيعُ بنُ محمودٍ وذلك فاشي (٤)
رَتَنُّ ثامنٌ، والمَارِدِیني تاسعٌ
ولو قال: ((كذا رَتَنٌ)) لكان أصلحَ.
وقد نَظَمَ غالبَ الصِّنْفَين الحافظُ ابنُ ناصرِ الدين فقال:
فَعَدِّ، وَلَا تَقْبَلْ، فَذَاكَ تَخَرُّصُ
إذا جاء مرفوعاً حديثٌ لِسِتَّةٍ
وسَرْبَاتَكٌ، ثمَّ الربيعُ المُقَلِّصُ
رَتَنْ، وابنُ نُسْطُورٍ، ويُسْرٌ، مُعَمَّرُ
أَبِي خالدِ السَّقًّا، وِيَغْنَمَ فَاحْرَصُوا
ولا تَقْبَلُوا عن صاحبٍ قَوْلَ نَجْدَةٍ،
فَتَى بَكْر دارِ ابنٍ لَهُذْبَةَ يَرْقُصُ
ويُسْرِ ، ودِينَارٍ، خِرَاشٍ، أَشَجَ، مَعْ
وتمييزُ صحيحِ العالي من سقيمِه يَعسُر على المبتدئ، ويَسهُل على العارف.
ولأجل ذلك قال الذهبي في ((ميزانه)): ((متى رأيتَ المُحَدّثَ يفرحُ بعوالي
أبي هُدبةَ - وسمَّى غيرَه ممَّن سميناهُم، وأَضْرَابَهم - فاعلَم أنّه عاميٍّ بعدُ))(٥).
وسبقَه صاحبُ ((شرف أصحاب الحديث)) فقال - تبعاً للحاكم، والخَلِيلي -:
((ليس العالي من الإسناد ما يتوهَّمُه عَوَامُ الناس، يَعُدُّون الأسانيدَ فما وجدوا منها
أقربَ عدداً إلى الرسول بَّهِ يتوهّمونه أَعْلَى، كـ ((نسخةِ الخَضِرِ بنِ أَبَانَ عن أبي
(١) في النسخ: عبيد الله. مصغراً. والمُثْبَتُ من ((الميزان)) (٤٤٤/٤)، و((اللسان)) (٦/
٢٩٧)، و((الإصابة)) (٦٨٤/٣)، وغيرها.
(٢) (ص٥٥٧).
(٣) أورد الصغاني في ((موضوعاته)) (٣٣) هذين البيتين، وعزاهما لبعض أئمة الحديث.
والحافظ في ((اللسان)) (٤٤٧/٢) وعزاهما للسلفي، مع اختلاف بعض الألفاظ.
(٤) ذكر الذهبي في («الميزان)) (٤٢/٢) هذا البيت عازياً إياه للوَادِياشِي. والبيتان قبلَه ذُكِرَا
في بعض نُسَخ («الميزان)) مع اختلافٍ يسير.
ومحمدٌ هذا: علامة فقيةٌ مالكيٍّ تونسي. مات سنة ٧٤٩. ((الدرر الكامنة)) (٤١٣/٣)،
و ((الأعلام)) (٢٩٣/٦). وفيهما: (الوادي آشي). وهو المشهورُ في كتابتها .
(٥) مضى قولُ الذهبي هذا (ص٣٤٢) مع التعليقِ عليه.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٥٥
أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
هُدبةَ عن أنسٍ))، و(نسخةِ خِرَاشٍ)) - وسمَّى بعضَ مَن ذُكر - وهذه لا يحتج بشيء
منها، ولا يوجد في مسانيد العلماء منها حديثٌ واحد)).
قالوا: ((وأقربُ ما يصح من الأسانيد بعدد الرجال نسخةُ يزيدَ بنِ هارون
عن كلٍّ من: سليمانَ التَّيْمِي، وحُمَيدٍ كلاهما عن أنس))، انتهى(١).
ومن العجيبِ أنَّ شيخَ شيوخنا السِّرَاجَ ابنَ المُلَقِّن - مع جَلَالَتِه - عَقَدَ
مجلسَ الإملاء فأملى - كما قال شيخُنا -: ((المُسَلْسلَ بالأَوَّلية))(٢)، ثُمَّ عَدَلَ إلى
أحاديثِ خِرَاشٍ، وأضرابِهِ من الكذابين فَرَحاً بِعُلُوِّها .
قال شيخُنا: ((وهذا مما يَعِيبُه أهلُ النَّقْد، ويَرَون أنَّ النزولَ - حينئذٍ -
أَوْلَى، لأنه عندهم كالعَدَمِ)) انتهى(٣).
وأعلى ما يقعُ لنا ما بين القُدَمَاءِ مِن شُيوخنا وبين النبيّ مَّ فيه بالإسناد
الصحيح عَشَرةُ أَنفُس، وذلك من ((الغَيْلانيات))(٤)، و(جُزءِ الأنصاري))(٥)،
و(جُزْءِ ابْنِ عَرَفَةَ))، و(جُزءِ الغِطْرِيفِي)) (٦)، وغيرِها .
بل وتقعُ لي العُشَارِيّات بالسَّنَدِ المُتَمَاسِكِ من ((المعجم الصغير))
للطبراني، وغيرِهِ. ولا يكونُ الآنَ في الدنيا أقلُّ من هذا العَدَد.
(١) ((معرفة علوم الحديث للحاكم)) (٩، ١٠، ١١)، و((الإرشاد)) للخليلي (١٧٧/١). ولم
أعثر عليه في ((شرف أصحاب الحديث)) للخطيب.
(٢) الحديثُ (المُسَلْسَلُ بالأولية)، هو حديثُ عبدِ الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً:
(الراحمونَ يرحَمُهم الرحمنُ)، فقد تسلسل بقولِ كُلِّ رَاوٍ: إنَّه أولُ حديثٍ سمعتُه.
وسيذكرُه المصنف (ص٤٣٧) فانظره - مع تخريجه - هناك.
(٣) يوجد معنى هذا الكلام في ((النزهة)) (٥٨).
(٤) هي أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًاَ خرَّجها الدارقطنيُّ من حديث أبي بكر محمد بنِ عبد الله بن
إبراهيم الشافعي البزّار المتوفى سنة ٣٥٤ وهي القَدْرُ الذي سمعه منه أبو طالب
محمدُ بنُ محمد بن إبراهيم بنٍ غَيْلانَ البزار المتوفى سنة ٤٤٠. ((الرسالة المستطرفة))
(٩٢). وقد حُقّقتْ رسالةً دكتوراه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(٥) أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى شيخ البخاري المتوفى سنة ٢١٥.
وهو من الأجزاء العاليةِ الشهيرة. المصدر السابق ٨٧.
(٦) في النُّسَخ: (الغطريف)اهـ. والغِطْرِيفيُّ - نسبةٌ لأحد الأجداد - والمرادُ به هنا أبو أحمدَ
محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحسين بن القاسم بن الغطريف، الإمام الحافظ مات سنة ٣٧٧.
((الأنساب)) (١٥٩/٩)، و(«تذكرة الحفاظ)) (٩٧١/٣).

أقسامُ العَالِي من السَّنَدِ والنازِلِ
٣٥٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكذا وقعتِ العُشَارِياتُ لشيخي بالأسانيدِ المُتَمَاسِكةِ، ولشيوخه بالأسانيد
الصحيحةِ ونحوها، وأملَى مِن ذلك جُمَلاً. وخَرَّج منها مِن مَرْويات شيخِه
التَّنُوخي مائة وأربعين حديثاً، ومِن مَرْوِيات شيخِه المُصَنِّفِ ستين كَمَّلَ بها
الأربعينَ التي كان الشيخُ(١) خرَّجها لنفسه.
وأُقْرِدَتُ ((الْتُسَاعِياتُ)) من حديثٍ جماعة من شيوخ شيوخِنا، كالقاضي
عزّ الدين ابنِ جَمَاعة، وأبي عبد الله البياني(٢). وكذا لأبي عليٍّ الحسن بن
علي اللَّخْمِي الصَّيرَفي (٣)، وأبي حَيَّنَ(٤) ((التساعياتُ)).
وأُفْرِدَت ((الثُّمَانياتُ)) مِن حديث مَنْ بيننا وبينه واسطتان، كالنَّجِيب
الحَرَّاني (٥)، ومُؤْنسةِ خاتُون (٦)، وكذا للرشيدِ العّار، والضياءِ المَقْدسي.
و((السُّبَاعيات)) لمن بيننا وبينه ثلاثةُ وسائطَ، كأبي جعفر الصَّيْدَلاني(٧) .
و((السداسيات)) لمن بيننا وبينه خمسةُ وسائطَ كأبي عبد الله الرازي(٨)،
وزاهرِ بنِ طاهر (٩) .
و ((الخماسيات)) لمن بيننا وبينه خمسةٌ أيضاً كأبي الحسينِ ابنِ النَّقُور (١٠)،
وزاهرٍ أيضاً، وأفردت من ((سنن الدارقطني)).
و((الرباعيات)) لمن بيننا وبينه سبعةٌ كأبي بكر الشافعي، وهي أعلى ما في
((صحيح مسلم))، [و ((أبي عوانة))](١١)، و((السنن)) للنسائي.
(١) أي الحافظ العراقي. قال ابن فهد في ترجمته: (وقد خرَّج لنفسه أربعين بُلْدانية ... )
((لحظ الألحاظ)) (٢٢٥).
(٢) تقدم ذكره (ص ٣٢٠).
(٣) أحد شيوخ الذهبي. مات سنة ٦٩٩. ((تذكرة الحفاظ)) (٤/ ١٥٠٤).
(٤) محمد بن يوسف إمام النحو. مات سنة ٧٤٥. ((الدرر الكامنة)) (٣٠٣/٤).
(٥) عبد اللطيف بن عبد المنعم الحنبلي. مات سنة ٦٧٢. ((الشذرات)) (٣٣٦/٥).
(٦) ماتت سنة ٨٥١. ((الضوء اللامع)) (١٢٨/١٢).
(٧) مسند الوقت أحمد بن محمد. مات سنة ٦٠٣. ((السير)) (٤٣٠/٢١).
(٨) مسند الإسكندرية محمد بن أحمد. مات سنة ٥٢٥. ((السير)) (٥٨٣/١٩).
(٩) مسند خراسان أبو القاسم الشَخَّامي. مات سنة ٥٣٣. ((السير)) (٩/٢٠). وذكر أن له
((سُباعيات)) أيضاً.
(١٠) مسند العراق أحمد بن محمد البزاز. مات سنة ٤٧٠. ((السير)) (٣٧٢/١٨).
(١١) ما بين المعكوفين ساقط من (ح).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٥٧
أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
وأما ((الثلاثياتُ))، ففي ((مسند إمامنا الشافعي)) وغيرِه من حديثه منها
جملةٌ، وكذا الكثيرُ في ((مسند الإمام أحمدَ))، وما يَنِيفُ عن عشرين حديثاً في
((صحيح البخاري))، وليس عند ((مسلَم)) منها ما هو على شرطه. وحديثٌ واحد
في كلِّ من ((أبي داود))، و((الترمذي)). وخمسةُ أحاديث في ((ابنِ ماجه)) لكنْ من
طريق بعض المُتَّهَمين. وفي ((معاجم الطبراني)) منها اليسيرُ.
و((الثنائياتُ)) في ((موطأ الإمام مالك)).
و(الوُحْدَان)) في حديث الإمام أبي حنيفة، لكن بسندٍ غيرِ مقبول، إِذٍ
المعتمدُ: أنه لا روايةً له عن أحدٍ من الصحابة ...
(و) الثاني من الأقسام: عُلُوِّ نِسْبِي، وهو (قِسْمُ القُرْبِ إلى إمام) من أئمة
الحديث ذي صفة عَلِيّةٍ مِن حِفظِ، وفقْهٍ، وضَبطِ كالأعمش، وابَّنْ جُرَیج،
والأوزاعي، وشعبةَ، والثوري، والليث، ومالكٍ، وابنِ عُيَينة، وهُشَيمِ وغيرِهم
ممن حدّث عن التابعين. وكذا ممن حدَّث عن غيرِهم. كلُّ ذلكَ إنْ صح
الإسنادُ إليه كما سلف في الذي قبله.
وأقلُّ ما بيني وبين هؤلاءِ بالسند الجيِّد تسعةُ وَسَائِطَ، إلَّا هُشَيماً فثمانية،
وحديثُه في ((جزء ابنِ عَرَفَة).
ثم سواءٌ كان العددُ في هذا القسم من ذاك الإمام إلى منتهاه عالياً كابن
عُيَيْنَةَ عن كُلِّ من الزهري، وحُمَيدٍ، وغيرِهما عن أنس، أو نازلاً كابنِ عُيَينة عن
محمد بن عَجْلانَ عن بُكَيرِ بنِ عبدِ الله بن الأشَجّ عن مَعْمَر بنِ أبي حَبِيبةٌ(١) عن
عُبَيد الله بن عدي بن الخِيَار عن عُمَر بنِ الخطاب، لكنه في العالي الغايةُ
القُضْوَى.
وقد أدرج شيخُنا(٢) في هذا القسم العُلُوَّ إلى صاحب تصنيفٍ
كـ ((الصحيحَيْن))، و((الكتب الستة))، وغيرِها ممَا بَيْني وبين كُلِّ واحد منهم ثمانيةُ
وسائطَ، بل وفي بعضِها أقلُّ.
(١) في النُسَخ: (أبي حبيب). والمُثبتُ من ((التاريخ الكبير))، و((التهذيبَين))، و((الكاشف))،
و((التقریب))، وغيرِها.
(٢) انظر: ((النزهة)) (٥٨).

أقسامُ العَالِي من السََّدِ والنازِلِ
٣٥٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأفرَده ابنُ دقيق العيد(١) في قسم مستقل، وكذا ابنُ طاهر في تصنيفه في
هذا النوع(٢)، لكنَّه جعله قسمين :
أحدهما: العلوُّ إلى صاحِبَي ((الصحيحين))، وأبي داودَ، وأبي حاتم، وأبي
زُرعة(٣).
وثانيهما: إلى ابنِ أبي الدُّنيا، والخطّابي، وأشباهِهما (٤).
وإنْ كان أكثرُ حديثِ هؤلاء يقعُ لنا بعلوٍّ من غيرِ جِهتهم، وربما يكون
عالياً عندَهم أيضاً.
٧٤٠
(و) الثالث من الأقسام - ولم يَفْصِله شيخُنا(٥) عن الذي قبله، ولا يؤخذُ
من كلام ابنِ طاهر إلَّا ضِمْناً - (علوٍّ نِسْبِي) لكنْ مُقَيَّدٌ أيضاً (بنسبةٍ للكتب
الستة) التي هي ((الصحيحان))، و((السننُ الأربعة)) خاصة - لا مطلقُ الكتب -
على ما هو الأغلب من استعمالِهم، ولذا لم يُقَيِّده ابنُ الصلاح(٦) بها، ولكنَّه
قيَّده بـ((الصحيحين)) وغيرِهما من الكتب المعروفة المعتَمَدة. وهو الذي مشى
عليه الجمالُ ابنُ الظَّاهِرَي (٧) وغيرُه من المتأخرين، حيث استعملوه بالنسبة
لـ ((مسندِ أحمدَ))، ولا مُشَاحَّةَ فيه (إذْ ينزلُ مَثْنٌ من طريقها أُخِذَ) أي نُقِلَ، وذلك
كأنْ يقعَ لنا حديثٌ في ((فوائد الخِلَعِي)) (٨) من طريق الحسن الزَّعْفَرَاني عن
ابنِ عُيَينة، فهذا بيننا وبين ابنِ عُيَينة فيه تسعةٌ، فهو أعلى مما لو رَوَيْناه من
(١) في ((الاقتراح)) (٣٠٥)، وهو القسم الثالث عنده.
(٢) وهو كتابه: ((مسألة العلو والنزول في الحديث)).
(٣) المصدر السابق ٨٣، وهو عنده الدرجة الرابعة.
(٤) المصدر السابق ٨٤، وهو عنده الدرجة الخامسة.
(٥) في ((النزهة)) (٥٨).
(٦) في ((علوم الحديث)) (٢٣٣).
(٧) الإمام الحافظُ جمالُ الدين أبو العباس أحمدُ بن محمد بن عبد الله الحلبي مولى
الملك الظاهر غازي بن يوسف. كان خبيراً بالمُوَافقاتِ والمُصَافحات (٦٢٦ -
٦٩٦ هـ). ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٧٩/٤).
(٨) بكسر الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها عين مهملة نسبة إلى الخِلَع، لأنه كان يبيعُها
لأولاد الملوك بمصر. والخِلَعي هذا هو أبو الحسن عليُّ بن الحَسن بن الحُسين
الشافعي الإمام الفقيه (٤٠٥ - ٤٩٢هـ). ((وفيات الأعيان)) (٣١٧/٣)، و«تذكرة الحفاظ)»
(٧٤/١٩) .

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٥٩
أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
((البخاري))، أو غيره ممن أخرجه من أصحاب ((الكتب الستة))، لأن منّا إلى كُلِّ من
البخاري، أو مَن أُشِيرَ إليه ثمانيةٌ، وهو وشيخُه الذي هو الواسطةُ بينه وبين ابنِ
عُيَينة اثنان. فصار بيننا وبين ابنِ عيينة عَشَرٌ. على أنَّه قد يقعُ في هذا القسم ما
يكون عالياً مطلقاً كحديثِ ابنِ مسعود مرفوعاً: ((يومَ كلَّم اللهُ موسى ◌ِالَّ كان عليه
جُبَّةُ صوفٍ))(١)، فإنَّا لو رَوَيْناه من ((جزء ابن عَرَفَةَ)) عن خَلَفِ بن خَليفةَ، يكون
أعلى مما نَرْوِيه من طريق الترمذي عن عليّ بنِ حُجْر عن خَلَف، مع كونه عُلُوّاً
مُظْلقاً، إذْ لا يقع هذا الحديثُ اليومَ لأحدٍ أعلى من رِوَايِتِنا له مِن هذا الطريقِ.
وهذا القسمُ هو الذي تقعُ فيه الموافقاتُ، وسائرُ ما أسلفتُه في أصل
الترجمة(٢) .
(فإنْ يَكُن) المُخَرِّجُ (في شيخِه) أي شيخ أَحَدِ السِّئَّةِ (قد وافَقَه) كأنْ يكونَ ٧٤١
البخاري مَثَلاً أوردَ حديثاً عن محمد بن عبدَ الله الأنصاري فنُخْرِجُه نحن من
((جزء الأنصاري)) المشهورِ، وذلك (مَعَ عُلُوٍّ) بدرجة كما هنا - وقد يكونُ بأكثرَ -
عَمَّا لو رَوَيناه من ((البخاري)) (فهو الموافقةُ) إِذْ قَدِ اتفقا في الأنصاري.
٧٤٢
(أو) إنْ يكن المُخَرِّجُ وافقَ أحدَ أصحابٍ ((الستة)) في (شیخِ شیخِه،
كذاك) أي مع عُلُوِّ بدرجةٍ، فأكثرَ كحديثٍ يُورِدُه البخاري عن الحُمَيدي عن ابن
عُيَيْنَة، فَنُخْرِجه [نحن](٣) مِن جِهِ العَدَنِي (٤) عن ابن عُيَينة فهو أيضاً ((الموافقةُ))،
لكنْ مُقَيّدةً، فيقالُ: موافقةٌ في شیخ شيخٍ فلان.
(١) أخرجه الترمذي في اللباس: باب ما جاء في لبس الصُوف (٢٢٤/٤) عن علي بن
حُجر عن خَلَف بن خليفةَ عن حُمَيد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود
مرفوعا بأطولَ من هذا. قال الترمذي: (هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفهُ إلّا من حديث
حُمَيد الأعرج، وحُمَيدٌ هو ابنُ عليّ الكوفي. قال (أي الترمذي): سمعتُ محمداً
يقولُ: حُمَيدُ بنُ عَلِيّ الأعرج مُنكَرُ الحديث. وحُمَيدُ بنُ قيس الأعرج المكي صاحبُ
مجاهدٍ : ثقةٌ). فالحديثُ ضعيفٌ جدّاً.
(٢) يعني ما ذكره مع الموافقة وهو البَدَلُ، والمُصَافَحَةُ، والمساواة (ص٣٤٤).
(٣) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٤) بمهملتين مفتوحتين بعدهما نون، وهو صاحُب ((المسنَد)) أبو عبدِ الله محمدُ بنُ يحيى بن
أبي عُمَرَ العدني المكي مات سنة ٢٤٣، والعدني نسبة إلى (عَدَن) في جنوب الجزيرة
العربية. ((الأنساب)) (٤٠٨/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٠١/٢).

أقسامُ العَالِي من السَّنَّدِ والنازِلِ
٣٦٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
وأما عند الإطلاق (ف) هو (البَدَل)، لوقوعِه من طريقِ راوٍ بَدَلَ الراوي
الذي أوردَه أحدُ أصحابِ ((الستة)) مِن جهته.
ومن لَطِيفِ الموافقةِ وعَزِيزها: ما وقعت فيه الموافقةُ لكلٍّ من البخاري
ومسلم مع أنَّ كُلَّا منهما رواه عن شيخ غير شيخ الآخر فيه.
وله أمثلةٌ: منها ما رُوِّيناه من طريق أبي نُعَيم قال: ثنا أبو بكر الطَلْحِي:
ثنا عُبيد بن غَنَّم: ثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةً: ثنا خالد بن مَخلد القَطَوَاني: ثنا
سليمانُ بنُ بلال: ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد رَفَعَه: ((إنَّ في الجنة باباً يقالُ
له: الرَّيَّان))(١)، فإنَّ مسلماً رواه عن ابن أبي شيبة، والبخاريَّ رواه عن
القَطَواني (٢). فَوَقَع لنا موافقةً لهما مع اختلافِ شيخَيهما.
وأما ما تَقَع الموافقةُ فيه في شيخِ يَرْوِيَان عنه فكما قال ابن دقيق العيد:
كثيرٌ. يعني لاتفاقهما - بل وكذا بقيةُ أصحاب ((الكتب السنة)) - في الرواية عن
كثيرين. وقد نَظَمَهُم الذهبيُّ فقال:
بُنْدَارٌ، ابنُ المُثَنَّى، الجَهْضَمِيُّ، أَبُو
سَعِيدِ، عَمْرٌو، وَقَيْسِيٍّ، وَحَسَّانِي
مَشَائِخُ ((السِتَّةِ) اعْرِفْهُمْ بِإِحْسَانٍ (٣)
يَعقوبُ، والعَنْبَرِيُّ، الجَوْهَرِيُّ، مُمُ
فَبُنْدَارٌ: هو محمدُ بنُ بشار. وابنُ المثنى: هو أبو موسى محمد.
والجَهْضَمِيُّ: هو نَصْرُ بنُ عَلِيّ. وأبو سعيدٍ: هو عَبدُ الله (٤) بنُ سَعيد الأشجّ.
وعمرٌو: هو ابنُ عليّ الفَلَّاسِ. والقَيْسِيُّ: هو محمدُ بنُ مَعْمَر. والحَسَّاني: هو
(١) طَرَفِّ من حديثٍ أخرجه البخاريُّ في الصوم: باب الرَّيَّان للصائمين (١١١/٤)،
ومسلمٌ في الصيام: باب فضل الصيام (٨٠٨/٢) كلاهما من طريق خالد القَطّواني به.
(٢) يعني أنّ مسلماً رواه عن ابن أبي شيبة عن القَطَواني، والبخاريَّ رواه عن القَطَواني.
(٣) للذهبي كتاب اختصَر فيه كتابَ الحافِظِ ابنِ عساكر («المعجم المُشتَمِل على ذكر أسماءِ
شيوخ الأئمة النبل))، وهم شيوخ الأئمةَ السِئَّة: البخاري، ومسلم، وأبي داود،
والترمذي، والنسائي، وابنٍ ماجه. واسمُ كتاب الذهبي: ((النُبَلاءُ في شيوخ الستة)).
ذكره ابنُ العماد في ((الشذرات)) (١٥٥/٦) ومثله في مقدمة ((سير أعلام النبلاء)) (١/
٨٨) للدكتور بشّار عَوّاد مَعْروف، وفيهما: (السنة) بالنون، ولعلها بالمثناة الفوقية.
أقول: فلعلَّ هذين البيتين للذهبيِّ مذكوران فيه. والله أعلم.
(٤) في النُسخ: (عبد ربه). وهو وَهَم. والتصويبُ من ((تهذيب الكمال)) (٦٨٨)، و((السير))
(١٨٢/١٢) وغيرهما .