Indexed OCR Text
Pages 161-180
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦١ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ أَقْومُ، كيلا يُتَقوَّل على رسول الله وَّ. (وَأَصْلَحُ الإصلاح) أن يكونَ ما يُصْلَحُ به ذاك الفاسدُ مأخوذاً (مِنْ مَتْنِ) آخرَ (وَرَدَ) من غيرِ تلكَ الطريقِ فضلاً عنها، لأنه بذلك أَمِنَ مِنْ أنْ يكونَ مُتَّقَوِّلاً على رسول الله وََّ، كما أنَّ خيرَ ما يُفَسَّر به غريبُ الحديث: ما جاء في روايةٍ أخرى، كما سيأتي في محله(١). هذا كلُّه في الخطإِ الناشئِ عن اللحنِ والتَّصحيفِ. (و) أمَّا الناشئُ عن سَقْطِ خفيفٍ فـ(لْيَأْتِ في الأصلِ) ونحوِه روايةً وإلحاقاً ٦٤٧ (بما لا يَكْثُرُ) مما هو معروفٌ عند الواقف - من المحدثين - عليه (كابْنِ) مِنْ مِثْلٍ: ثنا حجاج عن ابن جُرَيج، و((أبي)) في الكُنية، ونحوِهِما، إذا غَلَبَّ على ظنِّهَ أَنَّه من الكتابِ فقط لا من شيخه، (و) كـ(حَرف حيثُ لا يُغَيِّرُ) إسقاطُه المعنى، فإنَّ مثلَ هَذا كلِّه لا بأسَ بِرِوَايته، وإلحاقِهِ منْ غيرِ تنبيهٍ على سُقُوطِهِ، كما نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ حيث قال له أبو داودَ صاحبُ ((السُّنَن)): ((وجدتُ في كتابي: حجّاجٌ عن جُريج عن أبي الزُّبَيرِ، يَجُوزُ لي أَنْ أُصْلِحَه ابنَ جريج؟ فقال: أَرْجُو أنْ يكونَ هذا لا بأسَ به))(٢). وسألَه ابنُه عبدُ الله عن الرجل يسمعُ الحديثَ فَيَسْقُطُ من كتابه الحرفُ مثلُ الألفِ، واللام، ونحوِ ذلك أَيُصْلِحُهُ؟ فقال: ((لا بأس به أنْ يُصْلِحَه))(٣). ونحوُهُ أنّه قيل لَمالكِ: ((أرأيتَ حديثَ النبي ◌َّ﴿ يُزَادُ فيه الواوُ، والألفُ، والمعنى واحدٌ؟ فقال: أرجو أن يكونَ خفيفاً))(٣). وعن أبي الحُسَين ابن المُنَادِي (٤) قال: ((كان جَدِّي لا يَرَى بإصلاح الغلطِ الذي لا يُشَك في غَلَطِه بأساً))(٥). وربَّما نبَّهَ فاعلُه عليه، فقد حَدَّثَ أبَوَ جعفر الدَقِيقيُّ(٦) بحديثٍ عن شُعبةَ عن قَزَعَةَ، وقال: كذا في كتابي، والصحيح (١) في نوع (غريب الحديث) (ص٤٢٣). (٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥١). (٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٠). (٤) الإمام المقرئ الحافظ أحمد بن جعفر بن المحدث أبي جعفر محمد بن عُبيد الله البغدادي، صاحب التواليف. مات سنة ٣٣٦ وقيل: غير ذلك. ((تاريخ بغداد)) (٦٩/٤)، و((السير)) (٣٦١/١٥). و((المُنادي بكسر المُهملة: نسبة إلى من ينادي على الأشياء التي تباع، أو الأشياء المفقودة التي يطلبها أربابُها. ((الأنساب)) (٤٣٥/١٢). (٥) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٠). (٦) المحدث محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الواسطي. مات سنة ٢٦٦ ((تاريخ = إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٦٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث عن أبي قَزَعَةِ (١). ٦٤٨ وروى أبو نُعَيم الفَضلُ بنُ دُكَين عن شيخ له حديثاً قال فيه: عن بُحَينَةَ. وقال أبو نُعَيم: إنّما هو ابنُ بُحَينة، ولكنه كذا قال(١). (والسَّقْطُ) أي الساقط مِمَّا (يُدْرَى أَنَّ مِنْ فَوقُ) - بضم آخره - مِنَ الرُواة (أتى به يُزَادُ) أيضاً في الأصل لكنْ (بعدَ) لفظِ: (يعني) حالَ كونِه لها مُثْبِتَاً، فقد فعلَه الخطيبُ إذْ رَوى حديثَ عائشةً : - ((كان ◌َّهِ يُدْنِي إليَّ رأسَه فَأُرَجِّلُهُ)) (٢) - عن أبي عُمر ابن مهدي عن المحاملي(٣) بسنده إلى عُروةَ عن عَمْرَةَ فقال: ((يعني عن عائشة))، ونَبَّه عَقِبَه على أَنَّ ذِكْرَ عائشةَ لم يكن في أصلٍ شيخِه مع ثُبُوتِه عند المَحَامِلي، وأَنَّه لكونه لا بدَّ منه - من أجل أنَّه محفوظُ عنَ عَمرةَ عنها، مع استحالةِ كون عَمرةَ صحابيةً - أَلْحَقه. ولكنْ لكون شيخِه لم يَقُلْه له زَادَ: ((يعني)) اقتداءً بشيوخِه، فقد رأى غيرُ واحدٍ منهم فَعَلَه في مثله (٤)، بل قالَ وَكِيعٌ: ((أَنَا أَسْتَعينُ في الحديث بلايعني))(٥). وصنيعُ كلِّ منهم، وكذا أبو(٦) نعيمٍ والدقيقيُّ في البيان حَسَنٌ، ولذا قال = بغداد)) (٣٤٦/٢) - وفيه وفاته سنة ٢٠٦ خطأ - و((الأنساب)) (٣٢٦/٥)، و((السير)) (١٢ / ٥٨١). (١) ((الكفاية)) (٢٥١). (٢) أخرجه البخاري في ((الاعتكاف)): باب لا يدخل البيتَ إلا لحاجة (٢٧٣/٤)، ومسلم في ((الحيض)): باب جواز غسل الحائض رأسَ زوجها .. إلخ (١ /٢٤٤). بنحوه عن عائشة رضيينا . (٣) أما ابنُ مهدي فهو شيخ الخطيبُ مُسنِدُ الوقت أبو عُمرَ عبد الواحد بن محمد بن عبد الله البغدادي. مات سنة ٤١٠. له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١٣/١١)، و((السير)) (٢٢١/١٧). وأما المَحَاملي فهو القاضي العلامة المحدث مسند الوقت أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد البغدادي مات سنة ٣٣٠. له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١٩/٨)، و ((السير)) (٢٥٨/١٥). والمحاملي: بمهملة بعد الميم المفتوحة، نسبة إلى المحامل التي يُحمل فيها الناسُ على الجمال إلى مكة المكرمة. ((الأنساب)) (١٠٤/١٢). (٤) قاله الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٣). (٥) أخرجه الخطيب في المصدر السابق. (٦) كذا في النسخ: أبو. والجادة: (وأبي). والتقدير: وكذا صنيع أبي نعيم الفَضل بن دُكَين، وأبي جعفر الدقيقي. والأول جائز على القطع. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٣ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ابنُ الصلاح: ((وإنْ كان الإصلاحُ بالزيادة يَشتملُ على معنّى مُغَايِرٍ لِمَا وَقَعَ في الأصلِ تَأَكَّدَ فيه الحُكمُ بأنَّه يَذكُر ما في الأصلِ مَقْروناً بالتنبيه على ما سَقَط ليَسلَمَ مِنْ مَعَرَّةِ الخَطَّإِ، ومن أَنْ يَقُولَ على شيخِه ما لم يَقُل))(١). وهو أيضاً مقتضَى كلام ابنٍ دقيق العيد فيما إذا سَقَط من كتابه الصلاة والسلام على رسول الله وَله، كما أسْلَفتُه في ((كتابة الحديث وضبطه)(٢). ٦٤٩ (و) كذا (صَخَّحوا) أي أهلُ الحديثِ (استدراك ما دَرَسَ في كتابِهِ) بتقطيعٍ أَوْ بَلَلِ أو نحوِهما (من) كتابٍ آخرَ (غيرِهِ إِنْ يَعْرِفِ) المُسْتَدْرِكُ (صِحَّتَه) أي ذاكٌ ٦٥٠ الكتابِّ بأنْ يكونَ صاحبُه ثقةً ممَّن أَخَذه عن شيخه، أو نحوَ ذلك بحيث تسكُنُ نفسُه إلى أنَّ ذلك هو الساقطُ من كتابه، فقد نَقَلَه نُعَيمُ بن حماد(٣) وغيرُه، إذا كان الساقطُ (مِنْ بعض مَتْنٍ أو) بعضِ (سَنَدٍ) كما قَيَّده الخطيب(٤) ومَنْ تَبِعه، وكذا لو كان أكثرَ حيثُ اتَّخِّدَ الطريقُ في المَرْوِيّ ولم تتنوعِ المروياتُ بناءً على الاكتفاءِ بذلك في المُقَابَلَة والرِّواية. كما تقرر في محله. وامتنَعَ أبو محمد ابنُ مَاسِي(٥) من مُطْلَقِ الاستدراك، فإنَّه احترقتْ بعضُ كتبه، وأكلت النارُ بعضَ حواشيها، وَوَجَدَ نُسَخاً منها، فلمْ يَرَ أن يستدركَ المُحْتَرِقَ منها (٦). قال الخطيب: ((واستدراكُ مثلِ هذا عندي جائز))(٦)، يعني بشرطه المتقدم. (كما) يجوز فيما (إذا) شكَّ الراوي في شيء و(ثَبَّتَه) فيه (مَنْ يُعْتَمَدُ) عليه ثقةً وضبطاً، مِنْ حِفْظِه أو كتابِه، أو أَخَذَه هو من كتابه، حسبما فعلَه عاصمٌ، وأبو عَوَانة، ويزيدُ بنُ هارون، وأحمدُ، [و](٧) بن، وغيرُهم إذْ لا فَرْقَ (وَحَسَّنُوا) فيهما (٨) (البَيَانَ) كما صرَّح به الخطيبُ في الأُولى(٩)، وحكاه في ٦٥١ (١) ((علوم الحديث)) (١٩٨). (٣) ((الكفاية)) (٢٥٤). (٢) (ص٤٦). (٤) في ((الكفاية)) (٢٥٣، ٢٥٤). (٥) المحدث المتقن عبد الله بن إبراهيم بن أيوب البغدادي البزاز. مات سنة ٣٦٩. ((تاريخ بغداد)» (٤٠٨/٩)، و((السير)) (٢٥٢/١٦) وماسي بالسين المهملة. (٦) ((الكفاية)) (٢٥٤). (٧) ما بين المعكوفين ساقط من (س). (٨) أي تصحيح ما دَرَسَ من كتابِهِ، وتصحيحِ ما شَكَّ فيه وثبَّته غَيْرُه. (٩) في ((الكفاية)) (٢٥٤). إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٦٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الثانية عن يزيدَ بنِ هارونَ، فإنه قال: ((أنا عاصمٌ - وَثَبَّتَنِي فِيه شُعْبَةُ -... (١)) وعن ابنِ عُيَيْنَةَ فإنَّه قال: ((ثنا الزهري - وثبّتَنِي فيه مَعْمَرٌ -... (١))، وممن فعلَه ابنُ خُزَيمة . وقال البخاري في ((باب: تَعديل النساءِ بعضِهِن بَعضاً))(٢): ((ثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بن داودَ - وأَفْهمني(٣) بعضَه أحمدُ بنُ يونس -: ثنا فُلَيح ... )) وساق الحديثَ. واختُلِفَ: هل أحمدُ رفيقُ أبي الربيع في الرواية عن فُلَيح؟ ويكونُ البخاريُّ حَمَلَه عنهما جميعاً على الكيفيةِ المذكورةِ؟ أو رفيقُ البخاري في الرواية عن أبي الربيع(٤)؟ ولكنْ لسنا بصدد بيانِه هنا (٥). وفي (باب تشبيكِ الأصابع في المسجد)) قُبَيلَ ((المساجد التي على طُرُق المدينة)) من ((صحيح البخاريَ)) (٦) أيضاً من حديث عاصِم بن عليّ: ((ثنا عاصم بن محمد - هو ابنُ زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب - قال: سمعتُ هذا الحديثَ من أبي فلمْ أَحْفَظْه، فقوَّمه لي وَاقِدٌ - يعني أخاه - عن أبيه - هو محمد بن زيد - قال: سمعت أبي - هو زيد بن عبد الله بن عمر - وهو يقول: قال عبد الله - يعني أباه -: قال رسول الله وَّه: يا عبدَ الله بنَ عَمرٍو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس))(٧). وفي ((باب قوله: واجتنبوا قولَ الزور)) من ((الأدب)) أَوْرَدَ حديثاً عن أحمدَ بن يونسَ عن ابن أبي ذئب، ثم قال في آخره: قال أحمدُ: أفهمني رجلٌ إسنادَه))(٨). (١) ((الكفاية)) (٢١٨). (٢) وذلك في كتاب ((الشهادات)) (٢٦٩/٥). (٣) في (ح): أفهمني، والأول لفظ البخاري. (٤) قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢٧٣/٥) عن هذا القول الثاني: ((وهو الأقرب))، إذ لو كان المرادُ الأولَ لكان يقول: قالا: حدثنا فليح، بالتثنية». (٥) انظر لبيان ذلك: ((فتح الباري)) (٢٧٣/٥). (٦) ((كتاب الصلاة)) (٥٦٥/١). (٧) أخرجه البخاري تعليقاً في ((الصلاة)): باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره (١/ ٥٦٥). وأخرجه أيضاً مختصراً في الموضع السابق من طريق عاصم بن علي وفيه (عن ابن عمر، أو ابن عمرو) بالشك. (٨) ((صحيح البخاري)) (١٠/ ٤٧٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٦٥ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ وأخرج أبو داودَ الحديثَ المشارَ إليه(١) عن أحمدَ بنِ يونسَ، لكنه عَكَسَ فقال في آخره: «قال أحمدُ: فهمتُ إسنادَه من ابن أبي ذئب، وأفْهَمَنِي(٢) الحديثَ رجل إلى جنبه، أُرَاهُ ابنَ أخيه))، وهكذا أخرجَ الإسماعيليُّ عن إبراهيمَ بن شَريك عن أحمدَ بنِ يونس. قال شيخُنا: ((فيحملُ على أنَّ ابنَ يونسَ حَدَّث به على الوجهين(٣))(٤) . وفي ((باب قوموا إلى سيدكم)) من ((الاستئذان)) ساق حديثاً عن أبي الوليد، ثم قال في آخره: ((أَفْهَمَنِي بعضُ أصحابي عن أبي الوليد))(٥). ونحوُ هذا قولُ ابنِ عُمر - بعد قوله: ويزعُمُون أنَّ رسول الله وَّ ه قال: ((وَيُهِلُّ أهلُ ((اليمن)) منَ يَلَمْلَمَ))(٦) -: ((لم أَفْقَهْ هذه من رسول الله (وَلَ)(٧)، وصار يَرْوِي هذه الجملةَ عن غيرِهِ مع كونِهِ سَمِعَهَا لكن لمْ يَفْقَهْهَا . وفي ((البخاري)) أيضاً في أواخِر ((الأحكام)): عن جابر بن سَمُرَة قال: سمعتُ النبيَّ وَ لَّ يقول: ((يكون اثنا عَشَرَ أميراً ... ))، فقال كلمةً لم أسمعْها، فقال أَبي: إنه قال: ((كُلُّهم من قريش))(٨). (١) وهو قول النبي ونَ﴾: ((من لم يَدَع قولَ الزور والعمل به والجهلَ، فليس لله حاجة أن يدعَ طعامَه وشرابَهُ))، أخرجه البخاري في ((الأدب)) كما تقدم وقبله في ((الصوم)): باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم (١١٦/٤)، واللفظ له، وأبو داود في ((الصوم)): باب الغيبة للصائم: (٧٦٧/٢)، وغيرهما. (٢) في النسخ: فأفهمني. والمثبت من أبي داود، ومثله في ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٧٤). (٣) يعني فمرةً ذَكَرَ أن الرجل أفهمه إسنادَ الحديث، ومرةً ذَكَرَ أنه أفهمه متنَه وابن أبي ذئب أفهمه إسناده. (٤) ((فتح الباري)) (١٠/ ٤٧٤). (٥) ((صحيح البخاري)) (٤٩/١١). وحديث: ((قوموا إلى سيدكم))، أخرجه البخاري في (المغازي)): باب مرجع النبي ◌َّ ر من الأحزاب .. (٤١١/٧) وفي ((الاستئذان)) كما تقدم، ومسلم في ((الجهاد والسير)): باب جواز قتال من نقض العهد ... (١٣٨٨/٣)، وغيرهما . (٦) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب ذكر العلم والفتيا في المسجد (٢٣٠/١)، ومسلم في ((الحج)): باب مواقيت الحج والعمرة (٨٣٩/٢)، وغيرُهما . (٧) ((صحيح البخاري)) (٢٣٠/١). (٨) أخرجه البخاري في ((الأحكام)): باب حدثنا محمد بن المثنى .. إلخ (٢١١/١٣). إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٦٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وأخرجهُ أبو داودَ بلفظ: ((لا يزالُ هذا الدينُ عزيزاً إلى اثنَيْ عَشَرَ خليفةً)) قال: فَكَبَّر الناسُ، وَضَجُّوا، فقال كلمةً خَفِيَّةً - وفي لفظِ: كلاماً لَمْ أَفْهَمْه ـ فقلت لأبي: يا أَبَةِ ما قال؟ فَذَكَرَهُ(١) . وأصلُه عند ((مسلم)) دونَ قولِه: ((فكبَّرَ الناسُ وضَجُّوا))(٢). ووقع عند (الطبراني)) من وجه آخر: «فالتفتُّ فإذا أنا بعُمَر بن الخطاب، وأَبِي في أناس فَأَثْبَتُوا لي الحديثَ))(٣). على أنه رُوي بدون بَيَانٍ(٤). ولكنَّ هذا أرجحُ(٥). وعن عقبةَ بنِ عامٍ، وغيرِهِ من الصحابةِ - كما أشار إليه ابنُ كثير(٦) - نحوُه. وروى الشافعيّ عن مالكِ رحمهما الله حديثَ مالكِ بن أوس بن الحَدَثَان في ((الصَّرْف)) بلفظ: ((حتى يأتيَ خازني من الغَابة - أو قال: جاريتي - ثم قال: أنا شَكَكْتُ، وقد قرأتُه على مالكٍ صحيحاً لا شك فيه، ثم طال عليَّ الزمانُ، ولم أحفظْ حِفْظاً فَشَكَكْتُ في جاريتي، أو خازني، وغيرِي يقول عنه: خازني))(٧). وقد تقدم شيءٌ مما نحن فيه في ((الفرع الخامس)) من الفروع التالية لثاني أقسام التحمل(٨). وهذا الفرعُ مما يَفترقُ فيه الروايةُ مع الشهادة، وإنِ اسْتَدل بعضهم لأصله بقوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَّ﴾(٩). (١) أخرجه أبو داود في: كتاب المهدي، الباب الأول (٤/ ٤٧٢). (٢) ((صحيح مسلم - الإمارة)): باب الناس تبع لقريش .. (١٤٥٣/٣). (٣) ((المعجم الكبير)) (٢٥٦/٢) وفي سنده روح بن عطاء، قال الهيثمي: ((وهو ضعيف)). ((المجمع)) (١٩١/٥). (٤) أخرجه مسلم في الموضع المتقدم آنفاً. وأحمد في ((المسند)) (٨٦/٥، ٨٧)، وغيرُهما، ولفظها: ((لا يزال الدين قائماً حتى تقومَ الساعة، أو يكونَ عليكم اثنا عشر خليفةً كلُّهم من قريش))، من حديث جابر بن سمرة. (٥) لاتفاق الشيخين عليه. (٦) («البداية والنهاية)) (٢٤٨/٦). (٧) ((الأم)) (٢٩/٣)، لكن فيه: ((وخازنتي)) بدلاً من ((جاريتي)). (٨) (٣٦٧/٢). (٩) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. والذي استدل بهذه الآية هو عبد الله بن داود (الواسطي، التمار)، أخرجه عنه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٤). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٦٧ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ فإِنْ بَيَّن ولم يُعيِّن مَنْ ثَبَّته، فلا بأس، كما في بعض هذه الأمثلة(١). وقد فعلَه أبو داودَ أيضاً في ((سُنَنِه)) عَقِبَ حديثِ الحَكَم بنِ حَزْن الكُلَفِيِ (٢) فقال: ((ثَبَتَنِي في شيءٍ منه بعضُ أصحابنا))(٣). و(كـ) مسألةِ (المُسْتَشْكِلِ كَلِمةً) من غريبِ العربية، أو غيرِها، لكونه وَجِدَها (في أصله) غيرَ مُقَيدة (فَلْيَسْأَل) أي فلأجل ذلك يسألُ عنها أهل العلم بها واحداً فأكثرَ، ولْيَرْوِهَا على ما يُخْبَر به، وقد أَمَرَ أحمدُ بذلك، فإنه سُئِل عن حرفٍ، فقال: سَلُوا عنه أصحابَ الغريب، فإني أكرهُ أن أتكلمَ في قول رسول الله وَله بالظن(٤). وسيأتي في ((الغريب))(٥). وروى الخطيبُ في ذلك عنه أنَّ رجلاً قال له: يا أبا عبد الله الرجلُ يكتبُ الحرفَ من الحديثِ لا يَدري أيَّ شيءٍ هو إلَّا أنه قد كتبه صحيحاً أَيُرِيه إنْساناً فيُخبِرُه به؟ فقال: لا بأس(٦) . وعن أبي حاتم سهلٍ بن محمد السِّجِسْتاني النحوي قال: ((كان عفانُ يجيءُ إلى الأخفش،َ وإلى أصحاب النَّحْوِ فيعرِضُ عليهم الحديثَ يُعْرِبُهُ. فقال له الأخفش: عليكَ بهذا - يعني أبا حاتم -، قال أبو حاتم: فكان عفَانُ - بعد ذلك - يجيتُني، حتى عَرَضَ عليَّ حديثاً كثيراً)»(٧) . وعن الأوزاعي أنه كان يُعطِي كتبَه إذا كان فيها لحنٌّ لمَن يُصَحِّحُها(٧) . وعن ابن المبارك قال: ((إذا سمعتم مني الحديثَ فاعْرِضُوه على أصحاب العربيةِ، ثم أَحْكِمُوه)). وعن ابن راهويه أنه كان إذا شكّ في الكلمة يقول: ألههنا فلان؟ كيف هذه الكلمة؟(٧) . (١) كقول ابن عمر الآنف: ((ويزعمون .. ))، وقول الشافعي: (( .. وغيري يقول عنه: خازني)). (٢) بضم ففتح نسبة إلى (كُلَفة) - بالفاء - بطنٍ من تميم. ((الأنساب)) (١٣٧/١١)، والحَكَمُ هذا صحابي. (٣) ((سنن أبي داود)) (٦٥٨/١). (٤) ذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٤٥). (٥) (ص٤٢٢). (٧) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٥). (٦) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٦). إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٦٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وسمع سعيدُ بنُ شيبانَ - وكان عالِماً بالعربيةِ - ابنَ عيينة وهو يقول: (تَعْلَقُ من ثمار الجنة))(١) - بفتح اللام - فقال له: (تَعْلُق)) - يعني بضمِّها (٢) من عَلَق(٣) - فرجع ابنُ عُيَيْنَةَ إليه(٤). وسمعَ الأصمعيُّ شعبةً وهو في مَجْلِسه يقول: ((فَتَسْمَعُونَ جَرْشَ طيرٍ الجَنَّة)) - قاله بالشين المعجمة - فقال له الأصمعي: ((جَرْسَ)) - يعني بالسين المهلمة - فقال شعبةُ: خذوها عنه، فإنَّه أعلمُ بهذا منا (٥) . وسمع أبو محمد عبدُ الله بنُ محمد البَافِي(٦) شيخُ الشافعية أبا القاسم الدَارَكِيَّ (٧) - أحدَ أئمة الشافعية أيضاً - يقول في تدريسه: ((إذا أُزِفَت الحدودُ فلا شُفْعة))، فسأل عنها ابنَ جِنِّ النَحويَّ(٨) فلَمْ يَعْرِفْها، فسأل المُعَافى بنَ (١) جزء من حديث أخرجه الترمذي في ((فضائل الجهاد)): باب ما جاء في ثواب الشهداء (٤/ ١٧٦) من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه عن النبي وَلات، ولفظه: ((إنَّ أرواح الشهداء في طَيْرٍ خضر تَعْلُق من ثمرةِ الجنة - أو شجرة الجنة -. وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)). ورواه مالك عن الزهري بلفظ: ((إنما نَسَمَةُ المؤمن طيرٌ يَعْلُق في شجر الجنة حتى يرجعَه اللهُ إلى جسده يوم القيامة)) ((الموطأ - الجنائز)): باب جامع الجنائز (١/ ٢٤٠). وقريب منه لفظُ ابن ماجه من طريق مالك في ((الزهد)) باب القبر والبلى (٢/ ١٤٢٨)، وبنحوه النسائي في ((الجنائز)) باب أرواح المؤمنين (١٠٨/٤) من طريق مالك. وكذا أحمد في ((المسند)) (٤٥٥/٣)، وغيرهم. ومعنى ((تعلُّق)) أي تأكل، كما في ((النهاية)) (٢٨٩/٣). (٢) جاءت في ((الموطأ)) مفتوحة. من الناسخ. (٣) جاء في حاشية (س): يعني بفتح اللام. (٤) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٦). (٥) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٦). (٦) بالموحدة والفاء نسبةً إلى (باف) قربَ خوارزم ((الأنساب)) (٤٧/٢)، وقد مات الباقي هذا سنة ٣٩٨. «تاريخ بغداد)) (١٣٩/١٠)، و((السير)) (٦٨/١٧). (٧) الإمام الكبير عبد العزيز بن عبد الله بن محمد مات سنة ٣٧٥. له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٤٦٣/١٠)، و((السير)) (٤٠٤/١٦). والداركي بدال مهملة وبعد الألف راء مفتوحة نسبة إلى (دَارَكَ) قال في ((الأنساب)) (٢٤٨/٥): (وظني أنها قرية من قرى أصبهان). (٨) إمام العربية أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي. مات سنة ٣٩٢. ((تاريخ بغداد)) (١١/ ٣١١)، و((السير)) (١٧ /١٧). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ١٦٩ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ زكريا(١) فقال: ((أُرِّفَتْ)) - يعني بالراءِ المُشَدَّدَة والفاءِ (٢) - والأُرَفُ(٣): المَعَالِمُ. يريد: إذا ثَبَتَت الحدودُ، وعُيِّنَتِ المَعَالِمُ ومُيِّزَتْ، فلا شُفعة (٤). إذا عُلِمَ هذا فمَنْ أرادَ الاستِثْبَاتَ مِنْ غيرِهِ عن شيءٍ عَرَضَ له فيه شكٌّ، فلا يَذْكُرْ له المحلَّ المشكوكَ فيه ابتداءً خوفاً من أن يَتَشَكَّكَ فيه أيضاً، بل يَذْكُر له طَرَفَ ذاك الحديثِ فهو - غالباً - أقربُ في حصول الأَرَبِ(٥) . (١) العلّامة الفقيه الحافظ النحوي، أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى النهرواني، مات سنة ٣٩٠، «تاريخ بغداد)» (٢٣٠/١٣)، و ((السير)) (٥٤٤/١٦). (٢) في النسخ: ((يعني بالراء والفاء المشددة)). وهو وهم. فقد جاء في ((النهاية)) (٣٩/١) ضبط هذه الكلمة - بالشكل - بتشديد الراء مكسورةً وفتح الفاء مخففةً. وجاء في ((اللسان)) مادة (أَرَفَ): ((وأَرَّفَ الدارَ والأرضَ: قسمها وحدَّها)). (٣) الأُرَفُ جَمعُ أُرفَة، كغُرفٍ وغُرفة - كما في ((القاموس)) - وهي الحدود والمعالم. (٤) الحديثُ أخرجه البخاري في عدة مواضع منها في ((الشفعة)): باب الشفعة فيما لم يُقسم .. إلخ (٤٣٦/٤) من حديث جابر ولفظه: «فإذا وَقَعتِ الحدودُ وصُرِّفَت الطرق فلا شُفعة)). ومثله عند أبي داود في ((البيوع)): باب في الشفعة (٧٨٤/٣)، والترمذي في ((الأحكام)): باب ما جاء إذا حُدَّت الحدود ... إلخ (٦٥٢/٣) وقال: ((حديث حسن صحيح)). كما أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه وأحمد وغيرُهم. هذا، وقصة البَافِي مع الدَارَكي أخرجها الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٦). (٥) ذكر ذلك الخطيب في ((الكفاية)) (٢١٦). اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو كتابٍ ١٧٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الفصلُ السابعُ (اختلافُ ألفاظِ الشيوخ) في مَتْنٍ أو كتابٍ واقتصارُ مَنْ سَمِعَ منهم على بعضھا ٦٥٢ (وحيث) كان الراوي (مِنْ أكثرَ مِنْ شيخ) اثنينٍ فأكثرَ (سَمِعْ مَتْناً) أي حديثاً (بمعنَّى) واحدٍ اتفقوا عليه (لا بلفظٍ) واحد، بلَّ هم فيه مختلفون (فَقَنِعْ) حينَ إيراده إياه (بلفظٍ واحدٍ) منهم (وَسَمَّى) معه (الكلَّ) حَمْلاً لِلَفْظِهم على لفظِهِ بأنْ يقولَ فيما يكونُ فيه اللفظُ لأبي بكر بنِ أبي شيبةَ - مَثَلاً -: ثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، ومحمدُ بن مثنَّى، ومحمد بن بشَار قالوا: ثنا فلان)) (صَحَّ) ذلك (عند مُجِيزي النقْلَ معنَّى) أي بالمعنى، وهُمْ الجمهورُ، كما سلف في بابه(١)، سواءٌ بَيَّنَ ذلك أم لا . ٦٥٣ وممَّن فعلَه حمادُ بن سلمةَ، فإنه قيل: إنه كان يحملُ ألفاظَ جماعةٍ يسمعُ منهم الحديثَ الواحدَ على لفظِ أحدِهم مع اختلافهم في لفظِهِ (٢)، (و) لكنْ (رَجَحَ بيانُه) عندهم، أي هو أحسنُ، بأن يُعَيِّنَ صاحبَ اللفظ الذي اقتَصر عليه بقوله: ((واللفظ لأبي بكر بن أبي شيبة)) ونحوِ ذلك(٣)، للخروج من الخلاف سواءٌ كان قبلَ سياقٍ المتن عند الشُروع في الإسناد أو بعدَ سياقِهِ. فإنْ لم يعلمْ تمييزَ لفظٍ أحدهما عن الآخر فالراجحُ بيانُه أيضاً كما وقع في الحديث الذي عند أبي داودَ عن مُسَدَّدٍ عن بِشْرِ بن المفضَّل: ثنا ابنُ عون عن القاسم بن محمدٍ وإبراهيمَ - زَعَمَ أنه سمعَ منهما جميعاً ولم يحفظُ حديثَ هذا من حديثٍ هذا، ولا حديثَ هذا من حديثٍ هذا (٤) - قالا: قالت أم المؤمنين - يعني ٦٥٤ (١) (ص١٢٠) في (الفصل الثالث: الرواية بالمعنى). (٢) ((المدخل إلى الصحيح)) الترجمة ذات الرقم (٣٠٤٠). (٣) وقد بلغ الإمامُ مسلمٌ كَُّ في ذلك الغايةَ، كما سيأتي عنه قريباً. (٤) ((سنن أبي داود)) المناسك: باب من بَعَثَ بهدْيه وأقام (٣٦٦/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧١ اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو کتابٍ عائشةَ -: بعثَ رسولُ اللهِوََّ بِالْهَدْي ... )) وذَكَرَ حديثاً (١). ونحوُه قولُه أيضاً: ثنا مُسَدَّدٌ، وأبو كاملٍ، دَخَلَ حديثُ أحدِهما في الآخر(٢). ثم هُو في سُلوكِه البيانَ حَيْثُ مَيَّزَ بالخيار - بعدَ تَعْبِينِ صاحبِ اللفظِ - بين أن يكونَ (مع) إفرادٍ (قال، أو مع) - بسكون العين فيهما - (قالا) إِنْ كان أَخَذه عن اثنين، أو ((قالوا)» إنْ كانوا أكثرَ. وقد اشتدَّتْ عنايةُ مسلم ببيان ذلك حتى في الحرفِ من المتن، وصِفَة الراوي ونَسَبِهِ، وربَّما - كما قدَّمتُه في ((الرواية بالمعنى))(٣) - كان بعضُه لا يَتَغَيّرُ به معنّى، وربما كان في بعضه تَغَيُّرٌ ولكنَّه خفيّ لا يَتَفَطَّنُ له إلا مَنْ هو في العلوم بمكان. واستُحْسِنَ له قولُه: ((ثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، وزهيرُ بن حَربٍ - جميعاً - عن ابن عُيَينةَ، قال أبو بكر: ثنا سفيان بنُ عُيَينة(٤) .. ))، مِن أَجْلِ أنَّ إعادتَه ثانياً ذِكْرَ أحدِهما خاصةً يُشعِر - كما قال ابنُ الصلاح(٥) - أنَّ اللفظَ المذكورَ له(٦). ويتأيّد بقوله في موضع آخرَ: ((ثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، وابنُ نُمَيرٍ، وزهيرُ بنُ حرب - جميعاً - عن خِّفصِ بنِ غِيَات. قال ابنُ نُمَير: ثنا حفص عن محمد بن زيد عن عُمَيرٍ مولى آبِي اَللَّحْم قال: كنتُ مملوكاً، فسألتُ رسولَ اللهِ إِ ل ت: أَتَصَدَّق مِنْ مال مَوَالِيَّ بشيء؟ قال: ((نعم، والأجرُ بينكما نِصْفَانٍ))(٧). فإنَّ لفظَ (١) وتمامه - من أبي داود -: (( .. فأنا فَتَلْتُ قلائدَها بيدي من عهْنٍ كان عندنا، ثم أصبح فينا حلالاً يأتي ما يأتي الرجلُ من أهله))، وقد أخرجه أيضاً بنحوه البخاري في الحج، باب من أَشعر وقلَّد بذي الحليفة ثم أحرم (٥٤٢/٣). ومسلم في الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم ... الخ (٩٥٧/٢) وغيرهما . (٢) (سنن أبي داود)) الصلاة: باب طول القيام من الركوع وبَيْنَ السجدتين (٥٣٢/١). (٣) (ص١٢٤). (٤) ((صحيح مسلم)) الجنائز: باب الإسراع بالجنازة (٢/ ٦٥١). (٥) في ((علوم الحديث)) (٢٠٠). (٦) والاحتمال الثاني: أن يكونَ مرادُ مسلم أنَّ أبا بكر ابن أبي شيبة قال: ((ثنا سفيان بن عيينة)) وأنَّ زهيرَ بن حرب قال: ((عن ابن عيينة)). والاحتمال الأول أظهر كما أيَّده المصنف. (٧) ((صحيح مسلم) في ((الزكاة)): باب ما أنفق العبد من مال مولاه (٧١١/٢)، وفيه: ((أأتصدق)). اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو کتاپٍ ١٧٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أبي بكر - كما في ((مُصَنَّفِه)) -: حفص - بدون صيغة _(١) ... وساق سندَه قال: كنتُ عبداً مملوكاً، وكنتُ أَتَصَدَّقُ، فسألتُ النبيَّ وَّـــ وكان مَوْلَايَ يَنْهَاني، أو سَأَلَهُ - فقال: ((الأجرُ بينكما))(٢). ولَفْظَ زهيرٍ - كما عند أبي يَعْلى في ((مسنده)) عنه -: ثنا حفص ... وساق سندَه، قال: كنت مملوكاً، وكنتُ أتصدَّق بلَحْم من لحم مولايَ، فسألت النبيَّ ◌َّه، فقال: ((تَصَدَّقْ، والأجرُ بينكما نِصْفَانٍ)). وعن أبي يَعْلى أورده ابنُ حبانَ في «صحيحه))(٣). فانحصر كونُ اللفظِ لِمَنْ أَعادَه ثانياً، في أمثلةٍ لذلك لا نُطِيلُ بها. وربَّما لا يُصرِّحُ بروايةِ الجميع عن شيخهم كقوله: ((ثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال أبو بكرٍ: ثنا يحيى بنُ آدم: ثنا حسن بن عياش))(٤). وربّما تكونُ الإعادةُ لأجل الصيغةِ حيث يكونُ بعضُهم بالعَنْعَنَةِ، وبعضُهم بالتَّحْدِيث، أو الإخبار، وعليه فتارةً يكون اللفظُ مُتَّفِقاً، وتارةً مُخْتِلِفاً. وكثيراً ما يُنّبِّه أبو داودَ، وغيرُه على التوافقِ في المعنى في الجُملةِ من غيرِ تَعْبِينٍ صاحبِ اللفظِ كقوله: ((ثنا ابنُ حنبلٍ، وعثمانُ بنُ أبي شيبةَ، وَمُسَدَّدٌ، المعنى))(٥) .. وربَّما قال: ((المعنى واحد)) كقوله: «ثنا أحمدُ بنُ حنبل، ويحيى بنُ مَعين، المعنى واحد))(٦). وهي أوضحُ، فربَّما يتوهم غيرُ المُمَيِّزِ كونَه: ((المَعْنِيَّ)) - بكسر النون - نسبةً لِ(مَعْنٍ))، ويتأكَّدُ حيثُ لمْ يُقْرَنْ مع الرَّاوي غيرُه، وقد يكونُ في حديثِ أحدِ الرَاوِيَيَّن أَثْقَنَ كقولٍ أبي داودَ: ((ثنا أبو الوليد الطَّيَالِيِّ، وهُذْبةُ بن خالدٍ - وأنا لِحَدِيثِهِ أَتْقَرُ ))(٧). (١) كذا قال السخاوي تخّهُ: ((حفص - بدون صيغة))، يعني بدون صيغة التحديث ((حدثنا))، والذي رأيتُه في ((المصنف)) لابن أبي شيبة (١٦٤/٣): ((حدثنا حفص))، فلعلَّه كذا في نسخته. والله أعلم. (٢) ((المصنف)) (١٦٤/٣). (٣) («الإحسان)) (١٤٩/٥)، وبيَّن أنَّ المرادَ من الحديث إذا تصدَّق المولى بإذن سيده. (٤) ((صحيح مسلم)) الجمعة: باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس (٥٨٨/٢). (٥) ((سنن أبي داود)) المناسك: باب التحصيب (٥١٣/٢). (٦) ((المناسك)): باب الإفاضة في الحج (٥٠٨/٢). (٧) لم أهتد إلى موضعه من ((سنن أبي داود))، وجزى الله من يرشدنا إلى موضعه خيراً. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٣ اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو کتابٍ ومِمَّن سَبَقَ مُسْلِماً لنحوِ صنيعِه شيخُه الإمامُ أحمدُ، فهو حريصٌ على تَمْييزِ الألفاظِ في السَّنَد والمَثْن، وقد ينشأُ عن بعضِه - لِمَنْ لَمْ يتدبَّر - إثباتُ راوٍ لا وُجُودَ له، ومنه قولُ أحمدَ: ((ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، وعَبّاد بنُ عَبّاد المُهَلَّبي قالا: أنا هشام - قال عَبَّادٌ: ابنُ زيادٍ(١) - ((حيث ظنَّ بعضُ الحُفَّاظِ (٢) أَنَّ زياداً هو والدُ عَبَّادٍ، وليس كذلك بل هو والدُ هشامٍ، اختص عَبّادٌ بزيادَتِهِ عن رفيقه یزیدَ. ونحوُه قولُه أيضاً: ((ثنا محمد بن جعفر، وحَجَّاج قالا: ثنا شعبة عن منصور عن رِبْعِيّ بن حِرَاش عن أبي الأَبيض - قال حَجَّاجٌ: رجلٍ من بني عامٍ - عن أنس(٣) ... )) فذكر حديثاً(٤). فليس قولُه: ((رجل من بني عامر)) وصفاً لحجاج(٥)، بل هو مَقُولُه، وَصَفَ به أَبَا الأبيض، انْفَرَدَ بوصفِهِ له بذلك عن رَفيقِهِ (٦). وحجاج هو ابنُ محمد أحدُ شيخَيْ أحمدَ فيه. وأمثلةُ ذلك كثيرةٌ. (و) إذا تقرَّر هذا فلا اختصاصَ للصِحَّة حيث لم يُبَين بما يخصُّ فيه الراوِي واحداً بجميع المتنِ بل يُلحَق به (ما) يأتي فيه (ببعضٍ) لفظ (ذا) أي أحدٍ الشيخين (و) بعض لفظٍ (ذا) أي الآخرِ مما انَّحد عندهما المعنى فيه سواءٌ مَيَّزَ الراوي لفظَ أحدِهما من الآخر أو لم يُمَيّز (و) سواءٌ (قالا) أي الراوي: لفظَ (اقتربا) أي كلٌّ من الشيخين (في اللفظ) أو قال: المعنى واحدٌ. وما أشبَهَهُما، (أو لم يقل) شيئاً منه فإنه أيضاً قد (صحَّ لهم) أي لمُجِيزِي النقل (١) تقدم تخريجه (ص١٢٤). (٢) كالحُسينيّ، والوليّ العراقي، كما في ((تعجيل المنفعة)) (٢٠٨). (٣) (مسند أحمد)) (١٣١/٣). (٤) ولفظه: ((كان رسول الله وَلهو يُصلّي العصرَ والشمسُ بيضاءُ محلّقة)). أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٣١/٣) بالسند والمتن المذكور. و(١٦٩) من طريق حجاج وحده و(١٨٤، ٢٣٢)، والنسائي في ((المواقيت)): باب تعجيل العصر (١/ ٢٥٣) من طريق منصور. ومعنى (محلّقة): أي مرتفعة. والحديث صحيح. (٥) وهو حجاج بن محمد المِصِّيصِي الأعور. (٦) محمدِ بنِ جعفر الهذلي مولاهم، المعروفِ بـ((غُنْدَر)). ٦٥٥ اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو كتابٍ ١٧٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث بالمعنى. والأحسنُ أيضاً البيانُ، لا سيما وقد عِيبَ بتَركِه البخاريُّ فيما قاله ابن الصلاح(١)، وحمادُ بنُ سلمة فيما قاله غيره (٢)، حتى إن البخاريَّ لم يُخْرِج له في الأصول من ((صحيحه))، بل واقتَصر مسلمٌ فيها - كما قاله الحاكم (٣) - على خُصُوص روايته عن ثابت. لكنْ قد رُدَّ على من عاب البخاريَّ بأن ذلك - بِمُجَرَّدِه - لا يُوجِب إسقاطاً إذا كان فاعلُه يَستَجِيزُ الروايةَ بالمعنى، هذا عبد الله بن وهب لم يتأخرِ البخاريُّ، ولا غيرُه من الأئمة عن التخريج له، مع كونه مِمَّن يفعلُه. وإنما تَرَكَ الاحتجاج بحمادٍ (٤) - مع كونه أحدَ الأئمةِ الأثباتِ، المَوصوفَ بأنَّه من الأبدال - لأنه قد ساء حفظُه، ولهذا فُرّق بين صنيعه وصنيع ابن وهب بأنَّ ابنَ وهب أَتقنُ لما يَروِيِه وأحفظُ، وبه يُجَاب عن البخاري. علَى أنَّ البخاريَّ وإن كان لا يُعَرِّج على البيان ولا يلتفت إليه، هو - كما قال ابن كثير (٥) - في الغالب. وإلَّا فقد تعاطى البيانَ في بعض الأحايين كقوله في تفسير ((البقرة)): ((ثنا يوسفُ بن راشد، ثنا جرير، وأبو أسامة، واللفظ لجرير ... (٦)) فذكر حديثاً(٧). وفي ((الصيد والذَّبَائح)): ثنا يوسف بن راشد - أيضاً -: ثنا وكيعٌ، ويزيدُ بنُ هارونَ، واللفظُ ليزيدَ))(٨). ولكنْ ليس في هذا ما يقتضي الجزم بكونه من البخاري، إذ يُحتَمل أن يكون ذلك من شيخه، كما سيأتي في ((الفصل التاسع)» (٩) في مسألةٍ أخرى. (١) في ((علوم الحديث)) (٢٠١). (٢) ((قال أبو عبد الله الحاكم: وقد قيل في سوء حفظ حماد بن سلمة، وجمعِه بين جماعة في الإسناد بلفظ واحد)) ((المدخل إلى الصحيح)) الترجمة ذات الرقم (٣٠٤٠). (٣) في المصدر السابق. (٤) بل احتج به - على الصحيح - (٢٥٣/١١)، وانظر كلام الحافظ على ذلك (٢٥٦/١١). (٥) في ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٢). (٦) ((التفسير)) تفسير سورة البقرة: باب ((وكذلكَ جَعْنَاكُم أمَّةً وَسَطاً ... )) (١٧١/٨). (٧) ولفظه - عن أبي سعيد الخدري -: ((قال: قال رسول الله وَّهِ: ((يُدعَى نوحٌ يومَ القيامة فيقولُ: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير ... )) الحديث. (٨) ((الصيد والذبائح)): باب الخَذْف والبُنْدُقَة (٦٠٧/٩). (٩) (ص١٨٥). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٧٥ اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو كتابٍ وربما يسلُك مسلكاً دقيقاً يرمُز فيه للبيان كقوله في ((الحج)): ((ثنا يحيى بن بُكَير: ثنا الليث عن عُقَيل عن ابن شهاب - هو الزهري - عن عروة عن عائشة، وحدَّثني محمد بن مُقاتِل: أخبرني عبد الله - هو ابن المبارك -: أنا محمد بنُ أبي حفصةَ عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانوا يَصُومون عاشوراءَ قبل أن يُفْرَضَ رمضانُ، وكان يوماً تُستَر فيه الكعبةُ، فلما فَرضَ اللهُ رمضانَ قال رسول الله وَله: ((من شَاء أن يصومَه فليصُمْه، ومن شاء أن يَتركَه فليترُكْه))(١). فإنَّ الظاهرَ أنّه إنما عَدَلَ عن أنْ يقطعَ السندَ الأولَ عند الزهري، ثم يقولَ - بعدَ ابن حفصةَ من الثاني -: كلاهما عن الزهري. لكون اللفظِ للثاني فقط. ويتأيَّدُ بجزم الإسماعيليِّ بأنَّ سَتْرَ الكعبةِ إنما هو عند ابنِ أبي حفصةَ خاصةً دون عُقَيل(٢) . وحينئذٍ فروايةُ عُقَيل لا تدخُل في الباب الذي أَوردَها فيه، وهو ((باب قولِ الله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ ... ﴾ (٣) الآية(٤)). ولذا قال الإسماعيليُّ: ((إنّ عادةَ البخاري التجوزُ في مثلِ هذا))(٥). وقولُ أبي داودَ في ((سُنَنِه)): ((ثنا مُسَدَّدٌ، وأبو تَوْبَةَ - المعنى -: قالا: ثنا أبو الأحوص(٦) يَحتمل أنْ يكونَ المعنى يتعلَّقُ بحديثِهما معاً، وحينئذٍ فيكون من باب ((وتقاربا في اللفظ)). ويَحتَمِلُ أن يتعلّقَ بأبي توبةَ فقط ويكونَ اللفظُ للأولِ. وحينئذٍ فهو من باب: ((واللفظُ لفلان)). قال البُلْقِيني: ((ويلزم على الأول أن لا يكونَ رواه بلفظ واحدٍ منهما))، قال: ((وهو بَعيدٌ. وكذا إذا قال: ((أنا فلان وفلان - وتقاربا في اللفظ، لا انْحِصَارَ له في أنَّ روايته عن كلٍّ منها بالمعنى، وأنَّ المأتيَّ به لفظُ ثالثٌ غيرُ (١) ((الحج)): باب قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ .. ﴾ (٤٥٤/٣)، وأخرج الحديثَ أيضاً أحمدُ في ((المسند)) (٢٤٤/٦). (٢) قاله الحافظُ ابنُ حجر في ((الفتح)) (٤٥٥/٣). (٣) من كتاب ((الحج)) (٤٥٤/٣). (٤) سورة المائدة: الآية ٩٧. (٥) عزا المصنف هذا القولَ إلى الإسماعيلي، والذي يظهر في ((فتح الباري)) (٤٥٥/٣) أنه من كلام الحافظِ ابنِ حجر. (٦) ((الطهارة)): باب بول الصبي يصيبُ الثوب (٢٦١/١). اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو کتاپٍ ١٧٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث لفظيهما. والأحوالُ كلُّها آئِلَةٌ في الغالبِ إلى أنه لا بدَّ أن يسوقَ الحديثَ على لفظٍ مرويٍّ له بروايةٍ واحدةٍ، والباقي بمعناه)) انتهى(١). وتَبِعَه الزَرْكَشِيُّ، وفيه نظر، كما أشار إليه العزُّ بنُ جَمَاعة، فيجوز أن يكونَ مُلَفَّقاً منهما. يعني فقد سَلَفَ جوازُه قريباً . ونحوُه: ما سيأتي في ((الفصل الثالثَ عشر)) فيما إذا سَمِعَ من كل شيخٍ قطعةً من متنٍ فَأَوْردَه عن جميعِهم بدون تمييز (٢). [ولكن لا يأتي هذا مع قوله: ((غالباً) (٣)]. (والكُتْبُ) - بسكون التاءِ - المصنفةُ كـ(الموطأ))، و((البخاري)) المسموعةُ عند الراوي من شيخين فأكثرَ - وهو القسم الثاني (٤) - (إِنْ تُقَابَل بأصلٍ شيخ) خاصةً (من شيوخه) أو شيخِه دون مَنْ عَدَاه. ٦٥٦ (فهل يُسمِي) - بسكون ثانية - عندَ روايتِه لذاك الكتابِ (الجميعَ مع بيانِه) أنَّ اللفظَ لفلانٍ الذي قابَل بأَصلِه؟ (احتَمل) الجوازَ كالأول(٥)، لأنَّ ما أَوردَه قد سمعه بنصِّه ممن ذَكرَ أنه بلفظِهِ، واحتَمَل عدمَه، لأنه لا علمَ عنده بكيفيةٍ روايةٍ مَنْ عداه حتى يُخبرَ عنه، بخلاف ما سبق، فإنه اطلع فيه على موافقة المعنى(٦). وتوقَّف بعضُ المتأخرين في إطلاق الاحتمال، وقال: ((ينبغي أنْ يُخَصَّ بما إذا لم يُبَيِّن - حين الروايةِ - الواقعَ. أما إذا بَيَّنَ - كما هو فرضُ ٠ (١) من ((محاسن الاصطلاح)) (٣٤٤). (٢) انظر: (ص٢٠٨ - ٢٠٩). هذا وقد جاء لفظُ هذه العبارة في (س) كما يلي: ((فيجوز أن يكونَ مُلَفَّقاً منهما إذْ من فروع هذا القسم - كما سيأتي في الفصل الثالثَ عشر - ما إذا سمع من كل شيخ قطعةً من متن، فأورده عن جميعهم بدون تمييز)). وفيه سَقْط. (٣) ما بين المعكوفين ساقط من (س). (٤) والقسم الأولُ هو ما تحدَّثَ عنه أولَّ هذا الفصل وهو اختلافُ ألفاظِ الشيوخ فيما يسمعه الراوي منهم. (٥) قال الشيخ زكريا الأنصاري في ((فتح الباقي)) (١٨٥/٢): ((وهو الظاهر)). (٦) ((علوم الحديث)) (٢٠١)، وذكر النووي هذين الاحتمالين في ((التقريب)) (١١٢/٢). وكذلك العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٨٥/٢) دون ترجيح. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٧٧ اختلافُ ألفاظِ الشيوخ في مَتْنٍ أو كتابٍ المسألةِ - فالأصلُ في الكُتُبِ عدمُ الاختلاف، ولو فُرِضَ فهو يسيرٌ غالباً تَجْبُره الإجازةُ». هذا إذا لم يعلَم الاختلافَ، فإِنْ عَلِمَه فقد قال البدرُ ابنُ جماعة: «إنه إنْ كان التفاوتُ في ألفاظِ، أو في لغاتٍ، أو اختلافِ ضبطٍ جازَ، وإنْ كان في أحاديثَ مستقلةٍ فلا))(١) . (١) ((المنهل الروي)) (١٠٢). الزيادةُ على الروايةِ فِي نَسَبِ الشيخ ١٧٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الفصلُ الثامن (الزيادةُ) على الروايةِ (في نَسَبٍ الشيخ) حيثُ لم يقَعْ فيها أصلاً، أو وَقَعَ لكنْ بأولِ المَرْوِيّ دونَ باقي أحاديثِه ٦٥٧ (والشيخُ إنْ يأتِ) في حديثِهِ لكَ (ببعضٍ نَسَبٍ مَنْ فوقَه) شيخِه أو غيرِهِ كأنْ يقتصرَ على الاسم فقط، أو مع اسم الأب، أو على الأب فقط، أو على الكُنية، أو نحوِ ذلك مما لا تتُّ المعرفةُ به لكلِّ، أو تتمُّ (فلا تَزِدْ) أيُّها الراوي على ما حدَّثك به شيخُك (واجتنبْ) إدراجَه فيه (إلا بفصل) يَتَميّز به الزائدُ (نَحْوُ: هو) ابنُ فلان الفلاني (أو: يَعْني) ابنَ فلان، أو نحوُ ذلك، كما روى الخطيبُ عن أحمدَ أنه كان إذا جاء الرجلُ غيرَ منسوبٍ قال: ((يَعْني ابنَ فلان))(١)، وهو في ((الصحيحين)) وغيرِهما كثيرٌ. ٦٥٨ (أَوْ جِيءُ بأنَّ) بفتح الهمزة وتشديد النون (وانْسُبَنَّ) بنون التأكيد المشددة (المَعْنِيَّ) بالإشارة، كما روى البَرْقَانيُّ في ((اللُقَطِ)) له عن علي بنِ المديني قال: ((إذا حَدَّثَكَ الرجلُ فقال: ثنا فلان - ولم يَنْسُبه - وأحببتَ أن تَنْسُبَه فقل: ثنا فلان أنَّ فلانَ بنَ فلانٍ الفُلَانِيَّ حدَّثه))(٢). ومِمَّن لا يَسْتَجِيزُ إيرادَه إلا باهو)) أو ((يعني)) مُسلمٌ، لكونه - والحالةُ هذه - إخباراً عن شيخهِ بما لم يُخْبِرْه به. وعلى كلّ حالٍ فهما أَوْلى من ((أَنَّ) لأنَّه أقربُ إلى الإشعار بحقيقة الحالِ، وإنِ اصطلحَ المتأخرون(٣) على التصرّفِ في أسماءِ الرواة وأنسابِهِم (١) ((الكفاية)) (٢١٥). (٢) ذكر ذلك ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٠٢) عن البَرقاني في «اللُقَطِ)). (٣) عزا هذا الاصطلاحَ أيضاً للمتأخرين: ابنُ الصلاح - كما في النسخة المغربية من كتابه: ((علوم الحديث)) - انظر: ((مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح)) (٣٣١) = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٧٩ الزيادةُ على الروايةِ في نَسَبِ الشيخ بالزيادة والنقص، وبزيادةِ تَعْبِينِ تاريخ السماع، والقارئ والمُخَرِّج، ونحوِ ذلك ما لَمْ يَصِلُوا إلى المُصَنِّفين. بل وربَّما لَقَّبوا الراويَ بما لا يَسْمَحُ به الراوِي عنه، المضافُ ذلك إليه كأنْ يُقال: «أنا ابنُ الصلاح: أنا العلامةُ، الإمامُ، أَوْحَدُ الزمانِ فلانٌ» مع كونِ ابنِ الصلاحِ لَوْ عُرِضَ عليه هذا في حق شيخه لأبَاهُ. وهو توسُّع أشار ابن دقيق العيد إلى مَنْعِه(١). (أَمَّا) وهو القسم الثاني(٢) (إذا الشيخُ) الذي حدَّثَك (أتمَّ النَسَبًا) لشيخه ٦٥٩ أو من فوقه (في أول الجُزءِ) أو الكتابِ (فقط) واقتصرَ في باقيه على اسمه خاصةً، أو نَسَبِه كما يقعُ في حديثِ ((المُخَلِّص))(٣) حيث يُقال في أول الجزء: (ثنا أبو القاسم عبدُ الله بنُ محمد بنِ عبد العزيز البَغَوِيُّ ابنُ بنتِ أحمدَ بنِ مَنِيعٍ(٤)). ثم يقتصرُ فيما بعدَه على: ((ثنا عبدُ الله)). (فَذَهَبا) الأكثرون من العلّماءِ - كما حكاه الخطيبُ(٥) عنهم - (لِجَوَازِ أن يُتَمَّ ما بَعدَه) أي ما بعدَ ٦٢٠ الأول اعتماداً على ذِكره كذلك أوّلاً، سواءٌ فَصَلَ أم لا . والفرقُ بينه وبين ما قبلَه أنه هناك لم يُذكرِ المُدْرَجُ أصلاً، فهو إدراجٌ لشيءٍ لم يسمعْه فوجَب الفصلُ فيه. (والفصلُ) هنا (أَوْلى) لما فيه من الإفصاح بصورةٍ الحال وعدمِ الإدراج، (وأَتَمُّ) لجمعه بين الأمرَين. وقد صرَّح بالأولوية بعضُهم كما نقله عنه الخطيب(٦)، واستَحْسَنَهُ، وخَدَشَ ما حكاه عن شيخِه أبي بكرٍ أحمدَ بنِ عليٍّ الأَصْبَهانِيّ(٧) نزيلٍ حاشية، وابنُ دقيق العيد في ((الاقتراح)) (٢٤٢). = (١) ((الاقتراح)) (٢٤٣). والقسم الأول هو ما إذا أتى الشيخُ ببعض نسب مَن فوقه ابتداءً أي دون أن يتقدم له ذكر . (٢) (٣) نسبةً لمن يُخَلِّصُ الذهبَ من الغِشّ ويفصلُ بينهما، وهو هنا لقبٌ للمحدث المُعَمَّر أبي الطاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس البغدادي الذهبي. مات سنة ٣٩٣. ((الأنساب)) (١٤١/١٢)، و((السير)) (٤٧٨/١٦). (٤) مات سنة ٣١٧، ((تاريخ بغداد)) (١١١/١٠)، و((السير)) (٤٤٠/١٤). (٦) في ((الكفاية)) (٢١٥). (٥) في ((الكفاية)) (٢١٥). (٧) لم يصرِّح الخطيبُ - في ((الكفاية)) - (٢١٦) بالخَدْشِ لما حكاه عن شيخه أبي بكر الأصبهاني. ولعل المصنفَ استظهره من استحسانِ الخطيبِ للقول الآخر. والله أعلم . = الزيادةُ على الروايةِ فِي نَسَبِ الشيخ ١٨٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (نَيْسَابُورَ))، وأحدِ الحُفَّاظِ المُجَوِّدين، أهلِ الورع والدينٍ، حيث قال: ((وسألتُه عن أحاديثَ كثيرةٍ رَوَاهَا لَنَا، قال فيها: أنا أبو عَمرو ابنُ حمدانَ أنَّ أبا يَعْلَى أحمدَ بنَ عليّ بنِ المُثَنَّى المَوْصِلي أَخبرَهم .. وأنا أبو بكر ابنُ المُقْرِئ أَنَّ إسحاقَ بنَ أحمدَ بنِ نافعِ حدَّثهم .. وأنا أبو أحمدَ الحافظُ أنَّ أبا يوسفَ محمدَ بنَ سفيانَ الصفارَ أخبرَهم .. فَذَكَر لي أنَّ هذه الأحاديثَ سَمِعَها على شيوخه في جُملةِ نُسَخِ نَسَبُوا الذين حَدَّثُوه بها في أوّلها، واقتَصَرُوا في بقيتِها على ذكرٍ أسمائهم. بأنَّ قوماً من الرُواةٍ (١) كانوا يقولُون فيما أُجِيزَ - يعني لشيوخهم -: ((أنا فلانٌ أنَّ فلاناً حدَّثهم)) كما تقدَّم في ((كيف يقولُ مَنْ روى بالمُنَاوَلَة)) قُبيلَ ((قِسْمِ المكاتبة)) مع حكاية مَنْ أنكر هذا الصنيعَ(٢). وقال الخطيب: ((فاستَعمِلْ ما ذكرتُ، فإنَّه أَنْفَى لِلِّنَّة))(٣) يعني في كونِهِ إجازةً، ((وإن كان المعنى في العبارتين(٤) واحداً)). وحينئذٍ فَأَوْلَاهَا - كما قال ابنُ الصلاح - ((هُوَ))، ثم ((يَعْنِي))، ثم ((أَنَّ) ثم إِيرادُ ما ذُكِرَ أَوَّلاً (٥). ومَنْ مَنَعَ الروايةَ بالمعنى لا يُجِيزُ الأخيرَ(٦) . وأبو بكر الأصبهاني هذا هو الحافظ الإمام المجوِّد، المشهور بابن مَنْجُويه مات سنة = ٤٢٨. ((الأنساب)) (٤٥٠/١٢)، و ((السير)) (٤٣٨/١٧). (١) قوله هنا: ((بأن قوماً من الرواة ... )) إلخ، يظهر من صنيع المصنف كَثُ أنه من تتمة جوابٍ أبي بكر الأصبهاني للخطيب. والذي يظهر من صنيع الخطيب في ((الكفاية)) (٢١٦) أن كلام أبي بكر الأصبهاني ينتهي عند قوله: ((واقتصرا في بقيتها على ذكر أسمائهم)). ثم أضاف الخطيب: ((وكان غيرُه يقول في مثل هذا: أنا فلان قال: أنا فلان - وهو ابن فلان ..- ثم يسرُد نسبه إلى منتهاه. وهذا الذي أسْتَحْسِنُه لأنَّ قوماً من الرواة .. )) إلخ. وبهذا يظهرُ انسجامُ الكلام وترابطُه. والله أعلم. (٢) راجع رأيَ الإمام الخطابي في الفصل المذكور (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣) ورَدَّ صاحبِ ((الوِجَازَةِ) عليه. (٣) لفظ الخطيب في ((الكفاية)) (٢١٦): ((فاستعمالُ ما ذكرتُ أنفي للطّنة)). (٤) إحداهما عبارة: ((حدثنا فلان وهو ابن فلان)) والثانية عبارة: ((حدثنا فلان أنَّ فلاناً حدثهم)). (٥): ((علوم الحديث)) (٢٠٤). (٦) بحجة أنَّه زاد في اسم الراوي أو نَسَبِهِ ما لَمْ يَسْمَعْه من شيخه فيصير تصرف فيما سمعه. من شيخه بزيادة لم يسمعها منه.