Indexed OCR Text
Pages 141-160
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٤١ الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث العلَّةُ في جوازِهِ في القرآنِ - وهي حِفْظُه في الصدورِ - موجودةٌ والحالةُ هذه، حيثُ أَمِنَّا الإلباسَ من حَذْفِ الباقي. ونحوُهُ أَنَّه ◌ِ وَّهِ قال لبلال ◌َُّله: «قَدْ سَمِعْتُكَ يا بلالُ وأنتَ تقرأُ من هذه السورةِ، ومن هذه السورة!))، قال: كلامٌ طَيِّبٌ يجمعُه الله تعالى بعضَه إلى بعض. فَصَوَّبَه النبيُّ ◌َّهِ. رواهُ أبو داودَ وغيرُه(١). وكذا مِنْ أَدِلَّة الجوازِ - فيما قيل - قولُهُ وَِّ: ((نَضَّرَ اللهُ مَنْ سَمِعَ مقالتي فَلَمْ يَزِدْ فيها)(٢)، إذْ لَوْ لَم يُجِزِ النَّقْصَ لَذَكَرَهُ كما ذَكَرَ الزيادةَ. وأيضاً: فعُمدةُ الروايةِ في التَجْويزِ هو الصدقُ، وعُمدَتُها في التحريم هو الكذب، وفي مثلٍ ما ذَكَرْناه: الصدقُ حاصلٌ فلا وَجْهَ للمنع. قاله ابن دقيق العيد(٣). قال: ((فإن احتاجَ ذلك إلى تَغِْيرٍ لا يُخِلُّ بالمعنى فَهو خارجٌ عن جوازِ الروايةِ بالمعنى)). وكلُّ ما تَقَدَّم: في الاقتصار على بعض الحديث في الرواية. ٦٣٨ (أَمَّا إذا قُطِّعَ) المَثْنُ الواحدُ المشتملُ على عِدَّة أحکام، کحدیثِ جابٍ الطويلِ في الحج(٤)، ونحوِهِ (في الأَبُوابِ) المُتَفرقةِ، بأَنْ يُوردّ كلَّ قطعةٍ منه في الباب المعقودِ لها (فهو) كما قال ابن الصلاح(٥) ومَنْ تَابَعَه(٦) - يعني إذا تَجَرَّدَ عن العَوَارِضِ المتقدمةِ بأسرِها - (إلى الجَوَازِ) من الخلافِ (ذَوا اقْترَابٍ) ومِنَ المَنْعِ ذو ابْتِعَادِ. وَصَرَّحَ الرشيدُ العَظَّارُ بالخلافِ فيه، وأنَّ المنعَ ظاهرُ صَنيعٍ مُسلمٍ، فإنّه (١) أخرجه أبو داود في ((أبواب قيام الليل))، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل (٢/ ٨٢) بإسنادٍ رجاله ثقات. (٢) أخرجه بهذا اللفظِ الخطيبُ في ((الكفاية)) (١٩٠)، و((تاريخ بغداد)) (٣٣٣/٨) بأسانيدَ لا تخلو من مقال. (٣) في ((الاقترح)) (٢٥٤). (٤) أخرجه بطوله الإمامُ مسلم في ((الحج)): باب حجة النبي ◌َّ (٨٨٦/٢)، وأبو داود في ((المناسك)): باب صفة حجة النبي ◌َّ (٤٥٥/٢)، وابن ماجه في ((المناسك)): باب حجة النبي ◌ٍَّ (١٠٢٢/٢)، والدارمي (٤٤/٢)، والبيهقي (٧/٥) وغيرهم. (٥) في ((علوم الحديث)) (١٩٤). (٦) كالنووي في ((التقريب)) (١٠٥/٢)، والعراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٧٣/٢)، وغيرِهما. وسيأتي ذكرُ مَنْ أجازه من المتقدمين. الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث ١٤٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث لكونه لم يَقصِد ما قصَدَه البخاريُّ مِنِ اسْتِنْبَاطِ الأحكام يُوردُ الحديثَ بتمامِه من غيرِ تقطيعٍ له ولا اختصارٍ إِذَا لَمْ يَقُلْ فيه: ((مثلُ حديث فلان)) أو نحوه. ولكَنْ قال النوويُّ: ((إنه يَبْعُد طَرْدُ الخلافِ فيه، وقد فعلَه من الأئمةِ أحمدُ والبخاريُّ وأبو داودَ والنَّسائي، وغيرُهم قديماً، وحديثاً، بل ومسلمٌ أيضاً))(١) كما قدمته(٢)، وإنِ اقْتضى كلامُ الرَّشيدِ خلافَه. ونُسِبَ أيضاً للإمام مالكٍ(٣) مَعَ تصريحه - كما تقدم(٤) - بالمَنع منه في حديث الرسول وَّ إلَّاَ أَنْ يُفَرَّقَ بين الروايةِ والتأليف(٥). وكذا حكى الخَلَّال عن أحمدَ: أنه ينبغي أن لا يُفْعَل(٦). ونحوُه قولُ ابنِ الصلاح: ((إِنَّه لا يَخْلُو مِن الكَرَاهةِ (٧)). يعني فإنه إخْراجُ للحديثِ المرويِّ عن الكَيْفِيَّةِ المَخْصُوصَةِ التي أُورِدَ عليها . لَكِنْ قد نازعَه النوويُّ فقال: ((ما أَظُنُّ غيرَه يوافقُه على ذلك))(٨)، بل بالَغَ الحافظُ عبدُ الغني بنُ سعيدٍ وكادَ أن يجعلَه مُستَحبّاً . قلتُ: لا سيما إذا كان المعنى المُسْتَنْبَطُ من تلك القطعةِ يَدِقُّ، فإنَّ إيرادَه - والحالةُ هذه - بتمامِه يقتضي مَزِيدَ تَعَبِ في اسْتِخلاصِهِ منه بخلاف الاقتصارِ على محلِّ الاستِشهادِ، ففيه تخفيفٌ، كما أشار إليه أبو داود (٩). والتَّحقيقُ - كما أشار إليه ابنُ دقيقِ العيد في ((شَرْحِ الإلمام)) - التفصيلُ، فإنْ قَطَعَ بأنَّه لا يُخِلُّ المحذوفُ بالباقي فلا كَراهةً، وإنْ نَزَلَ عن هذه المَرتبةِ ترتَبتِ الكراهةُ بحَسَبِ مَرَاتِه في ظهور ارتباطِ بعضِه ببعض، وخفائِهِ. (١) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) (٤٩/١). (٢) (ص١٣٨). (٣) نَسَبَه إليه جماعة منهم ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٩٤)، والعراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٧٣/٢)، والسيوطي في ((التدريب)) (١٠٥/٢). (٤) (ص٣٥ - ٣٦). (٥) يعني فُيُجَوِّزُ الاختصارَ في التأليف ويمنعُه في الرواية. وهو جَمْعٌ حَسَن. (٦) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٩٤). (٧) ((علوم الحديث)) (١٩٤). (٨) (التقريب)) للنووي (١٠٥/٢)، لأنَّ جُملةً من الأئمة كأحمدَ والبخاريِّ - كما تقدم - فعلوه . (٩) في ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (٢٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٤٣ التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف الفصل الخامس (التَسْمِيعُ) مِنَ الشيخ (بقراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف) والحَثّ على الأَخْذِ من أَفْواهِ الشيوخ (وَلْيَحذرِ) الشيخُ الطالبَ (اللَّخَّانَ) بصيغةِ المُبَالغةِ: أي الكثيرَ اللَّحْنِ في ٦٣٩ ألفاظِ النُبوَّةِ. (و) كذا ليَحذرِ (المُصَحِّفَا) فيها، وفي أسماءِ الرواةِ، ولو كان لا يَلْحَنُ (على حَدِيثِهِ بأَنْ يُحَرِّفَا) أي خوفَ التحريف(١) في حركاتِه، أو ضَبطِه من كلِّ منهما في الحالِ والمآلِ (فَيَدْخُلا) أي الشيخُ وكذا الطالبُ من بابٍ أولى (في) جُملةِ (قولِهِ) وَلَ: (مَنْ كَذَبَا) أي كذب عَلَيَّ مُتَعمداً فليتبوأ مقعده من النار))(٢). لأنَّهِوَهِ لم يكُنْ يَلْحَنُ. قال النَّضْرُ بن شُمَيلٍ: ((جاءتْ هذه الأحاديثُ على الأصلِ معربةً)) (٣). ويتأكَّدُ الوعيدُ مع اختلالِ المعنى في اللحنِ، والتصحيفِ. ٦٤٠ وإلى الدخول أشار الأصمعيُّ، فقال أبو داود السِّنْجِيّ(٤): سَمِعْتُ الأصمعيَّ(٥) يقولُ: ((إنَّ أَخْوَفَ ما أخافُ على طالب العلم - إذا لم يَعْرِفِ (١) في (ح): التخويف. من الناسخ. (٢). حديث متواتر، وممن أخرجه البخاري في ((العلم)): باب إثم من كذب على النبي وَالر (١٩٩/١) - وفي غيرِه - ومسلمٌ في ((مقدمة صحيحه)): باب تغليظ الكذب على رسول الله وَل و (٩/١). (٣) ((علوم الحديث)) (١٩٤). (٤) السنجي: بكسر المهملة، وسكون النون، وبعدها جيم نسبة إلى (سِنْج) قرية من قرى مرو. ((الأنساب)) (١٦٥/٧). وأبو داودَ هذا هو: العالم سليمانُ بن معبد النحوي. مات سنة ٢٥٧. ((تاريخ بغداد)) (٥١/٩)، و((الأنساب)) (١٦٥/٧). (٥) الأديب اللغوي عبد الملك بن قُرَيب، مات سنة ٢١٥ ((السير)) (١٧٥/١٠). التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف ١٤٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث النَّحْوَ - أَنْ يَدْخُلَ في جُملة قولِهِ وََّ: ((مَنْ كَذَبَ عَليَّ ... ))، لأنه لم يَكُنْ يَلْحَنُ، فمهما رويتَ عنه ولَحَنْتَ فيه فقد كَذَبْتَ عليه))(١) . وعن سَلْم بنِ قُتَيْبةَ(٢) قال: ((كنتُ عندَ ابنِ هُبَيرةَ الأكبرِ(٣) فجَری ذِكْر العربيةِ فقال: واللهِ ما استَوَى رجلانِ دينُهما واحدٌ، وحَسَبُهما واحدٌ، ومروءَتُهما واحدةٌ، أحدُهما يلحَنُ والآخر لا يَلحَنُ، لأنَّ أفضَلهما في الدنيا والآخرةِ الذي لا يَلْحَنُ. فقلتُ: أصلحِ اللهُ الأميرَ، هذا أفضلُ في الدنيا لفضلٍ فصاحتِه وعربيَّتِهِ، أرأيتَ الآخرةَ ما بَالُهُ أفضل فيها؟ قال: إنَّه يقرأ كتابَ الله على ما أَنْزَلَه اللهُ، وإنَّ الذي يلحنُ يحمِله لَحنُه على أن يُدخِلَ فيه ما ليس منه، ويُخرِجَ ما هو فيه. فقلتُ: صدق الأميرُ، وبَّ)) (٤). وعن أبي سلمةً(٥) حمادِ بنِ سلَمة أنه قال لإنسان: ((إنْ لَحَنْتَ في حديثي فقد كذبتَ عليَّ، فإني لا أَلْحَنُ))(٦). وصدقَ كَُّ فإنه كان مُقَدَّماً في ذلك، بحيثُ إنَّ سيبويه شَكَى إلى الخليلِ بنِ أحمدَ أنَّه سألَه عن حديث هشام بنِ عُرْوةَ عن أبيه في رجل رَعُفَ - يعني بضم العين، على لغةٍ ضعيفةٍ -، فانْتَهَرَهُ، وقال له: أخطأتَ، إنما هو ((رَعَفَ)) بفتحِها. فقال له الخليلُ: صَدقَ، أَتَلْقَى بهذا الكلام أبا سَلَمَة؟)»(٧) . وهو مما ذُكِرَ في سبب تَعلُّم سيبويه العربيةَ(٨). ويقالُ: إنَّ هذه اللفظةَ - أيضاً - كانتْ سبباً لتعلّم ثابت البناني - أحدِ التابعين من شيوخ حمادٍ هذا - (١) أخرجه عياض في ((الإلماع)) (١٨٤)، وابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٩٤). (٢) الباهليِّ الخراسانيِّ وَلِيَ البصرةَ ليزيدَ بنِ هُبَيْرَةَ. مات سنةَ ١٤٩ ((الكامل)) (٢١٨/٥)، و ((الأعلام)) (١٦٨/٣). (٣) أميرُ العرافين أبو خالدٍ يزيدُ بنُ عُمرَ بنِ هُبيرة الفَزاري، كان فصيحاً شجاعاً كريماً، مات سنة ١٣٢. ((السير)) (٢٠٧/٦). (٤) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٢٥/٢). (٥) في النسخ: (أبي أسامة) وهو وَهَم، إذ كنية حمادٍ بن سلمة: (أبو سلمة) كما في ترجمته في ((الكاشف))، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي وغيرِهما . (٦) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٣٠/٢). (٧) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٢٧/٢). وقد جاء في النسخ: (أبا أسامة، وهو وَهَم كما سبق. وأيضاً فلفظ الخطيب في ((الجامع)): (أبا سلمة). (٨) وانظر: ما جاء في سبب تعلمه النحو ((الجامع)) (٢/ ٦٧). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٤٥ التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف لها، كما رُوِّينا في ((العلم)) للمَوْهِبي(١) عن محمدِ بن زيادٍ قال: ((سأَلَ ثابتٌ البنانيُّ الحسنَ البَصريَّ فقال: يا أبا سعيدٍ ما تقول في (رُعِفَ))؟ فقال: ((وما رُعِفَ؟)) أتعجَزُ أنْ تقولَ: ((رَعَفَ))، فاستحيى ثابتٌ، وطلبَ العربيةَ حتى قِيل له - مِنِ انْهِمَاكِه فيها -: ثابتٌ العربيُّ)). وكذا كان سبب اشتغالٍ أبي زيدٍ النحوي(٢) به لَفْظة، فإنَّه دَخَلَ على جعفرٍ بن سليمان(٣) فقال له: ادنه. فقال: أَنَا دَنِيٍّ. فقال: يا بُنَيَّ لا تَقُل: أنا دَنِيّ. ولكن قل: أنا دَانِي)) (٤). وأَدْخَلَ بعضُ المتأخرين في الدخولِ في الوعيدِ: مَنْ قَرَأ الحديثَ بالأَلْحان، والترجيع الباعثِ على إِشباعِ الحروفِ، المُكْسِبِ لِلَّفْظِ سَمَاجَةً وَرَكَاكَةً، فَسَيِّدُ الفُصَحَاءِ وَ بَرِيء من ذلك. ويُرْوى أن عمرَ رَُّّه قال لشخصٍ كان يُظْرِبُ في أَذَانِه: ((إني أُبِغِضُك في الله))(٥). وللخوف من الوعيدِ (فَحَقُّ النَّحْوُ) يعني الذي حقيقتُه عِلمٌ بأصولٍ مُستنبَطَةٍ من اللسان العربي، - وُضِعَتْ حين اختلاطِ العجَم ونحوِهم بالعرَب، واضطرابِ العربية بسبب ذلك - يُعرَف بها، أَحْوالُ الكلمةِ العربيةِ إِفْراداً (١) في النسخ: المرهبي براء بعد الميم، ومثله في ((هدي الساري)) (٣٠٠)، وهو تصحيف من (الموهبي): بفتح الميم وسكون الواو، وكسر الهاء، وبعدها موحدة كما ضبطه الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) (٥٦) وسمَّاه أبا العباس أحمدَ بنَ علي بن الحارث. و(الموهبي) - كما في ((الأنساب)) (٤٨٨/١٢) - نسبةٌ إلى (موهب) بطنٍ من قبيلة (المعافر) هذا وقد قال أبو نعيم في «الحلية)) (٣٥/٤): ((حدثنا أحمد بن علي بن الحارث المرهبي .. ))، فنستفيد منه أنَّه شيخٌ لأبي نعيم المتوفى سنة ٤٣٠. والمرهبي فيه بالراء تصحيف كما سبق. ويؤيدُه أن الحافظَ في ((التبصير)) (١٣٩٧/٤) ذكر أن الموهبي - بالواو - كثير، وأما بالراء وقبلها ضمة، فذكر اثنين فقط وهما ذر بن عبد الله وابنه عمر من رجال التهذيب، والله أعلم. (٢) الإمام العلامة اللغوي النحوي سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري البصري. مات سنة ٢١٥. ((طبقات النحويين واللغويين)) (١٦٥)، و((السير)) (٤٩٤/٩). (٣) ابن علي بن عبد الله بن عباس، سيد بني هاشم. مات سنة ١٧٤. له ترجمة في ((السير)) (٢٣٩/٨). (٤) ((الجامع)) (٢٧/٢). (٥) لم أقف عليه عن عمر ظُه، لكن جاء ذلك عن ابنه ظُه عند عبد الرزاق في ((المصنَّف)) (١/ ٤٨١)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٠٧/١)، وغيرهما، فالله أعلم. التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف ١٤٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وتَرْكِيباً، وكذا اللغةُ التي هي: العلمُ بالأَلْفاظِ الموضوعةِ للمعاني ليُتَوَصَّلَ بها إليها تَكَلُّماً (على من طَلبَا) الحديثَ وأن يتعلم من كلٌّ منهما ما يتخلص به عن شَيْنِ اللحْنِ والتحرِيفِ. وظاهرُه الوجوبُ، وبه صَرَّحَ العزّ ابنُ عبد السلام(١) حيثُ قال في أواخرِ ((القواعد)): ((البدعةُ خمسةُ أقسام، فالواجبةُ كالاشتغالِ بالنَّحْوِ الذي يُفْهَم به كلامُ اللهِ ورسولِه، لأنَّ حفظَ الشريعةِ واجبٌ لا يتأتَّى إلّا بذلك، فيكونُ من مقدمة الواجبِ، ولذا قال الشعبيُّ: ((النحوُ في العلمِ كالملحِ في الطعام لا يستَغْني شيءٍ عنه))(٢). ثم قال العزُّ: ((وكذا من البِدَعِ الواجبةِ: شرحُ الغريبِ، وتدوينُ أصولِ الفقه، والتوصُّلُ إلى تَمييزِ الصحيحَ والسَّقيمِ - يعني بذلك علمَ الحديث .. ))، ثم ذَكَرَ المُحَرَّمَةَ والمَنْدُوبَةَ والمُبَاحَةَ، ثم قال: ((وقد يكونُ بعضُ ذلك - يعني ما ذَكَر في المُباحة - مَكْرُوهاً، أو خلافَ الأَوْلى)»(٣) . وكذا صَرَّحَ غيرُه بالوجوبِ - أيضاً - لكنْ لا يجبُ التَوغُّلُ فيه بل يكفيه تحصيلُ مُقَدمة مُشِيرةٍ لمَقَاصِدِه، بحيثُ يفهمُها، ويُمَيِّزُ بها حركاتِ الألفاظ وإعرابَها، لئلا يلتبسَ فاعلٌ بمفعولٍ، أو خبرٌ بأمرٍ، أو نحوُ ذلك. وإن كان (١) الإمام العلامة الفقيه المجتهد عز الدين سلطانُ العلماء عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي الدمشقي. مات سنة ٦٦٠، له ترجمة في ((فوات الوفيات)) (٢/ ٣٥٠)، و((الشذرات)) (٣٠١/٥). (٢) قول الشعبي هذا في ((الجامع)) (٢٨/٢). (٣) ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) (٢/ ١٧٣). وهذا التقسيم من ابن عبد السلام للبِدَع تابعه عليه بعضُ أهل العلم، ولكنَّ المحققين ردُّوه، وبيَّنُوا أنه غيرُ مستقيمٍ وأفضلُ مَن بَيَّن ذلك - فيما أعَلمُ - الإمامُ المُحَقِّقُ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن موسى اللَّخْمي الشاطبي المالكي المتوفى سنة ٧٩٠، وذلك في الباب الثالث من كتابه الاعتصام)) (١٤١/١ - ٢١٩) وضمَّنه الردَّ بالتفصيل على تقسيمات ابن عبد السلام المذكورة. وخلاصةُ ذلك ما قال في كتابه الآخر ((الموافقات)) (٢٣٦/٢) إذ قال: ((والذي يَتَحَصَّل هنا أن جميعَ البِدَعِ مذمومةٌ، لعموم الأدلَّة في ذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ يِشِيَعًا لُّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ... ، وفي الحديث: ((كلُّ بدعةٍ ضَلَالَة))، وهذا المعنى في الأحاديث كالمتواترِ .. وما أحدثه السلف وأجمع عليه العلماء لم يقع فيه مخالفة لما وضعه الشارع بحال ... )) إلخ. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٤٧ التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف الخطيبُ قال في ((جامعه)): ((إنَّه ينبغي للمحدثِ أَنْ يتَِّيَ اللَّحْنَ في رِوايتِهِ، ولنْ يَقدرَ على ذلك إلَّا بعدَ دُرْبَةِ النَّحْوِ ومطالعتِهِ عِلْمَ العربية))، ثم ساق عن الإمام أحمدَ أنه قال: (لَيْسَ يَتَّقِي مَنْ لا يَدْرِي ما يَتَّقِي)) (١). ومِمَّن أشارَ لذلك شيخُنا فقال: ((وأقلُّ ما يَكْفِي مَنْ يريدُ قراءةَ الحديثِ أَنْ يَعْرِفَ مِنَ العربيةِ أن لا يلْحَنَ)). ويُسْتَأْنس له بما رُوِّينَاه: ((إنهم كانوا يُؤْمَرُونَ - أو قال القائل: كُنَّا نُؤْمَرُ - أن نَتَعَلَّمَ القرآنَ، ثم السُنَّة، ثم الفرائضَ، ثم العربيةَ الحروفَ الثلاثةَ(٢) - وفَسَّرَها بالجرِّ والرفع والنصبٍ(٣) - ))، وذلك لأنَّ التَوغُلَ فيه قد يُعَطِّلُ عليه إِذْرَاكَ هذا الفنِّ الذي صَرَّح أئمتُه بأنه لا يَعْلَقُ إلا بِمَنْ قَصَرَ نفسَه عليه، ولمْ يَضُمَّ غيرَه إليه . وَقَدْ قال أبو [الحُسين] أحمدُ بنُ فارس (٤) في جزء ((ذم الغيبة)) له: ((إن غاية عِلم النحو وعلم ما يُحتاجُ إليه منه أن يقرأَ فلا يلحَنُ، ويكتبَ فلا يلحن. فأمَّا ما عدا ذلكَ فَمَشْغَلَةٌ عن العلم، وعن كلِّ خير)). وناهيك بهذا مِنْ مثله . وقال أبو العَيْنَاء لمحمد بن يحيى الصُولِي (٥): ((النَّحْوُ في العلوم كالمِلحِ في القِدْرِ، إذا أكثرتَ منه صار القِدْرُ زُعاقاً)). (١) ((الجامع)) (٢٤/٢) وفيه (دَرْسِهِ)) بدلاً من ((دربة)) وهو أظهر. (٢) في (ح): المثلثة. من الناسخ. (٣) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٨٢/٢) بتحقيق الدكتور محمد رأفت سعيد. وقد سقط بعضُ هذا النص في تحقيق الدكتور الطحان للجامع (٢٥/٢) ولعله من الطابع، والله أعلم. وأخرجه أيضاً: القاضي عياض في ((الإلماع)) (٢١٥، ٢١٦). (٤) جاء في النسخ: (أبو أحمد بن فارس) وهو وَهَم، وصوابُه: (أبو الحسين أحمد بن فارس)، وهو الإمام اللغوي، تقدمت ترجمته (ص١٢)، وقد نَسب (جزء ذم الغيبة) له حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٨٢٨/١)، وإسماعيل البغدادي في ((هدية العارفين)) (٦٨/١). (٥) أما أبو العيناء فهو العلامة الأخباري محمد بن القاسم بن خلاد البصري الضرير. مات سنة ٢٨٣. له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (١٧٠/٣)، و ((السير)) (٣٠٨/١٣). وأما الصُولي فهو العلامة الأديب ذو الفنون أبو بكر. مات سنة ٣٣٥ أو سنة ٣٣٦ = الْتَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف ١٤٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وعن الشافعيِّ قال: ((إنما العِلمُ عِلْمَانِ: عِلمٌ للدين، وعِلْم للدنيا، فالذي للدين الفِقهُ، والآخرُ الطبُّ، وما سوى ذلك من الشعرِ والنحو فهو عَنَاءُ وتَعَب)). رُوِّيناه في ((جُزْء ابنِ حَمَكَانَ))(١). وعلى ذلك يُحمَل حالُ من وُصِفَ من الأئمة باللحنِ، كإسماعيلَ بنِ أبي خالد الأَحْمَسِي، وعوفِ بنِ أبي جَمِيلةً، وأبي داود الطيالسي، وهُشَيمٍ، وَوَكِيعِ، وَالدَّرَاوَرْدِي(٢). ((وقرأ عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ موسى - عَبْدَانُ - حالَ تَحْدِيثِهِ وابنُ سُرَيج يَسمَعُ: ((مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يَجِبْ)) بفتح التحتانية. فقال له ابنُ سُرَيج: أرأيتَ أَنْ تَقُولَ: ((يُجِبْ)) يعني بضمِّها، فأبى أن يقول. وعَجِبَ من صوابِ ابنِ سُرَيجٍ، كما عجب ابنُ سُرَيج مِنْ خَطَئِهِ))(٣) في آخرين ممَّن لا أطيلُ بإِيرَادِ أخبارهم، لا سيما وقد شرعتُ فَي جزء في ذلك. وإِلِيهِمْ أشارَ السِّلَفِيُّ - لما اجتمع بأبي حفصٍ عُمرَ بنِ يوِسِفَ بنِ محمد بن الحَذَّاء القيسيّ الصِقِلّي بـ(الثغر))، والْتَمّسَ منه السماعَ، وتعلَّل بأمور عُمدتُه فيها التَحرُّزُ من الوقوع في الكَذِب، لأنه لم يتقدَّمْ له قراءةٌ في العربية - بقوله: ((وقد كان في الرُّواة على هذا الوضعِ قومٌ، واحتُجَّ برواياتهم في ((الصِّحَاح))، ولا يجوزُ تخطئْتُهم وتخطئةُ مَنْ أَخَذ عنهم)). وسَبَقَهُ النسائِيُّ فقال - فيما رواه الخطيب في ((الكفاية)) من طريقه -: ((إنَّه لا يُعابُ اللَّحنُ على المحدثين، وقد كان إسماعيلُ بنُ أبي خالد يلحَنُ، منسوب إلى (صُول) أحدٍ أجداده. الأنساب)) (٨/ ١١٠)، وله ترجمة في ((تاريخ بغداد)) = (٤٢٧/٣)، و((السير)) (٣٠١/١٥). (١) يظهر أن هذا الجزء بعنوان: ((الواضح النفيس في مناقب الإمام محمد بن إدريس)) لأبي علي الحسنِ بنِ الحسين بن حَمَكَانَ الهَمَذَاني، طلب الحديثَ في أول أمره ثم اشتغل بالفقه حتى صار من أكابر الشافعية. مات سنة ٤٠٥. له ترجمة في ((الميزان)) (١/ ٤٨٥)، و((لسان الميزان)) (٢٠٠/٢) وفيه: ((وله جزء سمعناه))، وجاءت تسميته بـ((الواضح النَّفِيس ... )) في ((إيضاح المكنون)) (٢/ ٧٠٠). (٢) أخرجه عنهم الخطيب، فإسماعيل في ((الكفاية)) (١٩٧) وعوف (ص١٩٦)، وأبو داود في ((الجامع)) (٣٠/٢)، ووكيع في ((الكفاية)) (١٩٧)، و((الجامع)) (٢٦/٢)، والدراوردي في ((الجامع)) (٢٦/٢). (٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٨). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٤٩ التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف وسفيان - وَذَكَرَ ثالثاً(١)، ثمَّ قال -: وغيرهم من المحدثين (٢). (١) جاء في حاشية (س) تعليقاً على هذا ما نصه: ((مالك، ولم أُحبَّ إثباتَه ◌َبه بل لا أستبيح ذِكرَه. ولا قصة أبي حنيفة الشهيرة في قوله: (ولو ضَرَبَه بأبا قُبَيس) مع أنه أُجيبَ عنه بأنها لغةٌ. لَكِنْ قد روى ثابت في ((الدلائل)) من طريق أبي عثمانَ المازني: ثنا أبو زيد الأنصاري: سمعتُ أبا حنيفة يقول: ((يخرج من النار قوم مُنْتِنِين مَحَشَتْهم النار))، فقلت: ((قوم مُنْتِنُون قد أَمْحَشَتْهم النار))، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من البصرة. قال: كلُّ أهل بلدك مثلُك؟ قال: قلتُ: ما منهم أَخَسُّ مني. قال: هنيئاً لبلدٍ أنت منه))، انتهى. قلت: هنا أمور يَحسُنُ التنبيهُ عليها : ١ - إسقاطه ذِكْرَ الإمام مالك - في نظري - خلافُ الأولى، وذلك لأن ذِكرَه ليس للحط من مقداره كثّفُ، وإنما هو إخبار بما قَدْ يقعُ منه، وهو من القليل النادر، وقد عزاه إليه الإمام النسائي كلُّ كما في الرسائل التي طبعتْ مع كتابه ((كتاب الضعفاء والمتروكين)) (١٢٣) بتحقيق محمود إبراهيم زايد. وجاء عن الأصمعي أنه سَمِعَ الإمامَ مالكاً تغتفر لحن مرة، أخرجه الصولي في ((أدب الكتاب)) (١٣٣). ٢ - ((ضَرَبه بأبا قبيس)) هو على لغة معروفة عند العرب، ويُستَشهدُ لها بقول الشاعر: إن أباها وأبا أباها فيُلزِمُون لفظَ (أب) و(أخ) و(حم) الألفَ رفعاً ونصباً وجراً. ((شرح ابن عقيل)) (١/ ٥٠). ٣ - كتاب ((الدلائل)) المذكور هو في شرح ما أغفله أبو عبيدٍ وابنُ قتيبة من ((غريب الحديث))، وقد ابتدأ تصنيفَه الإمامُ المحدث قاسم بن ثابت بن حزم العوفي السَّرَقُسْطِي المتوفى سنة ٣٠٢، وكان ماتَ قبل إتمامه، فأتمَّه أبوه العلامة الحافظ ثابت بن حزم المتوفى سنة ٣١٣ أو سنة ٣١٤. ولقاسم ترجمة في: ((جذوة المقتبس)) (٣٣١)، و((الأعلام)) (٧/٦)، ولأبيه ترجمة في: ((جذوة المقتبس)) (١٨٥)، و((السير)) (١٤/ ٥٦٢). ٤ - هذه القصة لأبي زيدٍ مع أبي حنيفةَ أخرجها العسكريُّ في ((شرح ما يقع فيه التصحيف)) (٣٨)، وعن العسكريِّ: الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (٧٩/٩) باختلافٍ يسير بينَهما، ولفظُ العسكري: (يدخلُ الجنةَ قوم حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُنْتِنِينَ قد أَمْحَشَتْهم النار. فقلت له: إنما هو: مُنْتِنُونَ قدِ مَحَشَتْهم النار. فقال: ممَّن أنت؟ فقلت: من أهل البصرة. فقال: أكلُّ أصحابِك مثلُك؟ قلت: بل أنا أَخَسُّهم حَظّاً في العلم. فقال: طوبى لقومٍ یکونُ مثلُك أَخَسَّهم في العلم). انتهى. وَمَحَشَتْهُم وأَمْحَشَتْهم: أَحْرَقَتْهُم. ((تاج العروس - محش)). (٢) النسائي في (ذكر مَنْ حَدَّث عنه ابنُ أبي عروبة ولم يسمع منه) المطبوع مع ((الضعفاء = التَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف ١٥٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث وقال السِّلَفِي - أيضاً في ترجمةِ مُحمدٍ بن عُبيدِ اللهِ بن محمد بن عُبيد الله بن كَادِش(١) الحَنْبَلي -: ((إنه كان قارئً بغداد، والمُسْتَمْلِيَ بها على الشيوخ، وهو في نفسه ثقةٌ كثيرُ السماع، ولم يكن له أُنْسٌ بالعربية، وكان يلحَنُ لَحْنَ أصحابِ الحدیث)). وقال ابنُ ماكولا: ((أخبرني أبو القاسم ابنُ ميمون الصدفي: أنا عبد الغني الحافظُ قال: قرأتُ على القاضي أبي الطاهر محمدِ بنِ أحمدَ بن عبد الله بن نصر الذُهْلي كتابَ ((العلم)) ليوسفَ القاضي (٢)، فلما فرغتُ قلتُ له: قرأتُه عليك كما قرأتَه أنتَ؟ قال: نعم، إلا اللَّحْنَةَ بعدَ اللَّحْنَةِ، فقلتُ له: أيها القاضي أَفَسَمِعته أنت مُعْرَباً؟ قال: لا، قلتُ: هذه بهذه. وقمتُ مِنْ ليلتي فجلَستُ عندَ ابنِ اليَتيم النَحوِي))(٣). وقال أبو بكر ابنُ الحدَّاد الفقيهُ(٤): ((قرأتُ على أبي عُبيدٍ علي بنٍ الحسين بنِ حرب المعروفِ بـ((ابنَ حَرِبُويه))(٥) جُزءاً من حديثٍ يوسفَ بنِ موسى. فلما قرأتُ قلتُ: قرأتَ كما قرأتُ عليك؟ قال: نعم، إلا الإعرابَ، فإنَّك تُعْربُ، وما كان يوسفُ يُعرِب. والمتروكين له)) (١٢٣). لكنْ سقطتْ منه لفظةُ (اللحن) من قوله: (لا يُعاب اللحنُ = على المحدثين). وفيه إسماعيل بن خالد. وهو خطأ صوابه: (إسماعيل بن أبي خالد)، وهو الأَحْمَسي. وعن النسائي أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٧)، ونَّه ناشرُه إلى أن في (الأصلين) من الكفاية: (إسماعيل بن خالد). وأنه خطأ . (١) في (س): (كادس) بالسين المهملة. من الناسخ. ((المنهج الأحمد)) (٢١٠/٢)، و((شذرات الذهب)) (٤٠٤/٣). (٢) هو القاضي الإمام الحافظ يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البغدادي. مات سنة ٢٩٧. له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)) (٣١٠/١٤)، و((السير)) (٨٥/١٤)، وفيه ذكر الذهبيُّ سَمَاعَه لكتاب ((العلم)). (٣) أورده الذهبي في ((السير)) (١٦/ ٢٠٥) في ترجمة أبي الطاهر الذهلي من طريق ابن ماكولا بنحوه، لكن في آخره: ((فجلست عند اليتيم النحوي)). ولم أجد ترجمة اليتيم هذا. (٤) العلامة الثبت محمد بن أحمد بن جعفر المصري الشافعي صاحبُ كتاب ((الفروع)). مات سنة ٣٤٤. له ترجمة في ((السير)) (٤٤٥/١٥)، و ((الشذرات)) (٣٦٧/٢). (٥) مات سنة ٣١٩. له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٣٩٧/١١)، و((السير)) (٥٣٦/١٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٥١ الْتَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف وفي ((اللُّقَط)) للبَرْقَاني(١) - وعنه رواه الخطيبُ في ((الكفاية)) - من طريق عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهرانَ قال: ((سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ عن اللحْنِ في الحديث - يعني إذا لمْ يُغَيِّرِ المعنى - فقال: لا بأس به))(٢). وأمَّا ما وَردَ من الذّم الشديدِ لِمَن طلبَ الحديثَ ولمْ يَبْصُر بالعربية - كقول شعبة: ((إنَّ مَثَلَه كمَثَل رَجَلٍ عليه بُرْنُس وليس له رأس))(٣)، وقولِ حماد بن سلمة: ((إنَّه كمَثَلِ الحمار عليه مِخْلَاةٌ لا شَعِيرَ فيها))(٣)، الذي نظَمه جعفر السرَّاجِ (٤) شيخُ السَّلَفِي في قوله: مَثَلُ الطالبِ الحديثَ ولا يُحْسِـنْ نَحْواً وَلَا لَهُ آلاتُ من شعير - برأسه مِحْلَاةُ گحمارٍ قد عُلِّقتْ - ليس فيها فذاكَ في حقِّ من لمْ يتقدَّمْ له فيها عملٌ أصلاً. على أَنْ رُبَّ شخصٍ يزعمُ معرفتَه بذلك، وهو إن قرأَ لخَّنَه النُحاةُ، وخَطَّأَه - لتصحيفِه - الرُّواةُ، فهو كما قيل: وأديبٌ من جُملة الأدباءِ هُو في الفقهِ فاضلٌ لا يُجَارَی وَجدُوه، ولا إلى هؤلاء لا إلى هؤلاء إنْ طالَبُوه وقد كان لعَمرِو بنِ عون الواسِطِي مُسْتَملٍ يلحنُ كثيراً، فقال: أَخِّروه. وتقدَّمَ إلى وَرَّاقٍ كان ينظرُ في الأدب والشعر أنْ يقرأ عليه فكان لكونه لا يَعرف شيئاً من الحديثِ يُصَحِّف في الرُواة كثيراً. فقال عَمرٌو: رُدُّونا إلى الأول، فإنه وإنْ كان يلحنُ فليس يَمْسخُ(٥). ونحوُ هذا الصَنيع ترجيحُ شيخِنا مَنْ عَرَفَ مُشكِلَ الأسماءِ والمُتونِ دُونَ العربيةِ على مَنْ عَرفَ العربية فقط. (١) الإمام الحافظُ الفقيهُ أبو بكر أحمدُ بنُ محمد بن أحمدَ بن غالب الخوارزمي. مات سنة ٤٢٥. له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٣٧٣/٤)، و((السير)) (٤٦٤/١٧). (٢) ((الكفاية)) (١٨٧). (٣) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٢٦/٢). (٤) الإمامُ المحدثُ بقيةُ المشايخ أبو محمد جعفرُ بنُ أحمدَ بنِ الحسن البغداديُّ، القارئُ الأديبُ، مات سنة ٥٠٠ عن ثلاثة وثمانين عاماً. له ترجمة في ((السير)) (٢٢٨/١٩)، و((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٠٠/١). (٥) ((أدب الإملاء)) (٩٥). الْتَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَخَّانِ والمُصَحِّف ١٥٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٦٤١ (والأَخذُ) للأسماء والألفاظِ (من أفواهِهم) أي العلماءِ بذلك الضابطينَ له ممَّن أَخَذه أيضاً عمّن تقدَّم من شيوخه، وهَلُمّ جرّا (لا) من بطونِ (الكُتب) والصُّحف من غيرِ تدريبِ المشايخ (أَدْفعُ للتصحِيف) وأَسْلَمُ من التبديل والتحريف (فاسمع) أيها الطالبُ ما أقوله لك (وادْأَب) أي جِدَّ في تَلَقّيه عن المُتْقِنين المُتَّقِين. وقد رُوِّينا عن سليمانَ بنِ موسى(١) أنه قال: ((كان يقال: لا تَأْخُذُوا القُرآنَ من مُصْحَفِي، ولا العِلمَ من صَحَفِي(٢)). وقال ثَوْرُ بْنُ يزيدَ: ((لا يُفْتي الناسَ صَحفي، ولا يُقرِئهم مُصْحَفِي))(٣). ولله دَرُّ القائل: لَوْ نَاظَرُوا بَاقِلاً يوماً لما غَلَبُوا وَمِنْ بُطُونِ کَرَارِيسٍ رِوَايَتُهُمْ كالبيتٍ ليس له سَقْفٌ ولا ظُنُبُ (٤) والعِلمُ إِنْ فَاتَه إسنادُ مُسْنِدِهِ في أهاجي كثيرةٍ للمتَّصِفِ بذلك أَوْرَدَ منها العسكريُّ في ((التصحيف))(٥) نُبذةً. وكذا أَوْردَ فيه ممَّا مُدِحَ به خلفٌ الأحمرُ (٦): لا يَهِمُ الحاءَ بالقراءَةِ بِالخَاءِ ولا يَأْخُذُ إسنادَهُ مِن الصُّحُفِ (٧). (١) الأموي مولاهم، الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه، مات سنة ١١٥ وقيل سنة ١١٩ ((تهذيب التهذيب)) (٢٢٦/٤). (٢) لفظه عند العسكري في ((تصحيفات المحدثين)) (٦/١) عن سليمان بن موسى: ((لا تأخذوا القرآن من المُصْحَفِيِّين ولا العلمَ من الصَحَفِيِّين))، وأما لفظه عند العسكري أيضاً في ((شرح ما يقع فيه التصحيف)) (١٠) فهو كما أورده السخاوي. والمراد بالمُصْحَفي هنا: الورّاق، والصحفي: الذي يأخذ علمه من الكتب دون السماع من الشيوخ. (٣) ((الكفاية)) (١٦٣). (٤) ((المحدث الفاصل)) (٢١٢) وعنه الخطيب في ((الكفاية)) (١٦٣) غير منسوبين. (٥) (شرح ما يقع فيه التصحيف)) (١٨) وما بعدها. (٦) أبو مُحْرِز خلفُ بن حَيَّان البصري أحدُ رواة الغريب واللغة والشعر، وله صنعة فيه. مات نحو سنة ١٨٠. ((طبقات النحويين واللغويين)) (١٦١)، و((نزهة الأَلِبَّاء)) (٥٣)، و((الأعلام)) (٣٥٨/٢). (٧) البيت للشاعر أبي نواس الحسن بن هانئ (١٤٥ - ١٩٩)، ولفظه في ((ديوانه)) (ص٩٦١): لا يهم الحاء في القراءة بالخاء ولا لَامَها مع الألف. = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٥٣ الْتَسْمِيعُ مِنَ الشيخ بقِراءة اللَّخَّانِ والمُصَحِّف وقد استدلَّ بعضُهم بقولِ عمرانَ بنِ حُصَين ﴿يا - لما حدّث بحديثٍ عن النبيِ وَ﴿، وقال له بُشَيرُ بنُ كعب: إنَّ في الحكمة كذا -: ((أُحَدِّثُك عن رسول الله وَلٌ، وتُحَدِّثُنِي عن الصُّحُف)) لذلك(١). وَرُوِّينا في ((مسند الدارمي)) عن الأوزاعي أنه قال: ((ما زال هذا العلمُ عزيزاً يتلقَّاه الرجالُ حتىٍ وَقعَ في الصُّحفِ، فحملَه - أو دخَلَ فيه - غيرُ أهله))(٢). إذا عُلِم هذا فاللَّحنُ - كما قال صاحبُ ((المقاييس)) (٣) - بسكون الحاء: إمَالةُ الكلام عن جهته الصحيحةِ في العربيةِ. يقالُ: لَحَنَ لَحْناً. قال: وهو عندنا من الكلام المولَّد، لأن اللَّحنَ مُحْدَثٌ لم يكن في العرب العارِبَة. واللَّحَنُ - بالتحريك - الفِطْنَةُ، يقال: لَحَنَ لَحَناً فهو لَحِنٌ ولاحِنٌ. وفي الحديث: ((لعل بعضَكم أن يكونَ أَلْحَنَ بحُجَّته من بعض)) (٤). وذكر الخطّابي مثلَه، وقال: ((يقال في الفِظْنة: لَحِن - بكسر الحاء - يلحَن بفتحها. وفي الزَيغِ عن الإعراب: لَحَن، بفتح الحاء))(٥). وبمثل ما أورده السخاوي ذكره العسكري في ((شرح ما يقع فيه التصحيف)» (١٨) إلا = أنه قال: (في القراءة). (١) حديث عمران بن حصين المذكور هو ما أخرجه البخاري في ((الأدب)): باب الحياء (٥٢١/١٠)، ومسلم في ((الإيمان)): باب عدد شعب الإيمان ... إلخ. (٦٤/١) وغيرُهما أن النبي ◌َّه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير. فقال بُشَير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقاراً، وإن من الحياء سكينة. فقال له عمرانُ: أحدثك عن رسول الله ◌َ﴿ وتحدثني عن صحيفتك؟))، واللفظ للبخاري. (٢) (سنن الدارمي)) (١٢١/١). (٣) أي ((معجم مقاييس اللغة)) للإمام ابن فارس، تقدمت ترجمته (ص١٢). (٤) أخرجه البخاري في ((الشهادات)): باب من أقام البينةَ بعد اليمين ... إلخ (٢٨٨/٥)، ومسلم في ((الأقضية)): باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (١٣٣٧/٣) وغيرُهما . وكلام ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) مادة: (لحن). (٥) ((غريب الحديث للخطابي)) (٥٤٠/٢)، و((معالم السنن)) (١٦٣/٤) بمعناه. إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٥٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الفصل السادس (إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ) الواقِعَينِ في الرِّواية، والاختلافُ فيه، وهي من فُروع الذي قبلَه، واغتفارُ اللَّحنِ اليسيرِ الذي عُلم سَهْوُ الكاتب في حذفِه، وكتابةُ ما دَرَسَ من كتابه من نسخةٍ أخرى، ونحو ذلك. ٦٤٢ (وإِنْ أَتَى فِي الأَصْلِ) أو ما يقُومِ مَقَامَه (لَحْنٌ) في الإعرابِ (أوْ خَطَأْ) من تحريفٍ وتصحيفٍ، فقد اختُلِفَ في روايته على الصَّواب، وإصلاحِه (فقيل): إنه (يُرْوَى كيف) يعني كما (جاء) اللفظُ بلحْنِه أو خطئِه حالَ كونِه (غَلَطاً)، ولا يُتَعرَّضُ له بإصلاح. وهو مَحْكِيٍّ عن غيرِ واحدٍ كَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، والقاسم بن محمد، وابن سيرين، فقد رُوِّينا عنهم أنهم كانوا أصحابَ حُروفٍ، يعني يَحْكُونَ ألفاظَ شيوخِهم حتى في اللَّحْن(١)، وكذا كان أبو مَعْمَرٍ عبد الله بنُ سَخْبَرَةَ يلحَن اقتفاءً لما سَمِعُ(١). وَأَبَى نَافعٌ مولى ابنِ عُمرَ إلَّا أَنْ يلَحَنَ كما سَمِعَ (٢). وهؤلاء كلُّهم من التابعين. وعن آخرينَ مثلُه لكِنْ مع بيانِ أنّه لَحْنٌ. قال زيادُ بن خَيْثَمَةَ ١ - عَقِبَ روايتِه حديثَ الشفاعة بلفظ: ((أَتُرَوْنَها لِلْمُنَقَيْن(٣)؟ لا، ولكنَّها للمُتَلَوِّثِينَ الخطَّاؤُون -: أَمَا إِنَّها لَحْنٌ، ولَكِنْ هكذا حَدَّثَنَا الذي حَدَّثَنَا، رُوِّنَاه في مسند ابنِ عُمَر من ((مسند أحمد))(٤). ونحوُه عن أحمدَ كما سيأتي قريباً. (١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٦). وانظر: ((الجامع)) (٢١/٢). (٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٧). (٣) كذا في النسخ بالنون بعد الميم وتشديد القاف وسكون المثناة التحتية بعده، من النّقاء ضدِّ التلوث. وهو الصوابُ في رواية هذا الحديث. كما في ((مسند أحمد)» (٢٢٧/٧) بتحقيق أحمد شاكر. وجاءت في (المصادر) الآتية في تخريج الحديث: (للمتقين) بمثناة فوقية بعد الميم من التقوى. (٤) ((مسند أحمد)) (٧٥/٢) ومن طريقه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٥)، كما أخرجه ابن = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٥٥ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ قال ابنُ الصلاح: ((وهذا غُلُوٌّ في مذهبِ اتِّباع اللفظ والمَنع من الرِوايةِ بالمعنى))(١) لأنهم - كما قال الخطيبُ في ((جامعه))(٢) -: يَرَوْنَ اتِّبَاعَ اللفظِ واجباً . وقيل - وهو اختيارُ العزِّ بن عبد السلام، كما حكاه عنه صاحبُه ابن دقيقٍ العيد في ((الاقتراح))(٣) -: إنه يَترُك روايتَه إياه عن ذاك الشيخ مطلقاً، لأنه إنْ تَبِعَه فيه فالنبيُّ وََّ لم يكُنْ يَلْحَن، وإنْ رواه عنه على الصوابِ فهو لم يَسْمَعْه منهُ كذلك. وكذا حكاه ابنُ كثير لكنَّه أبهمَ قائلَه(٤). قال المُصنف: ولم أَرَ ذلك لغیرِ العز(٥). واستَحْسنه بعضُ المتأخرين. وقاسَه غيرُه على ما إذا وكَّله في بيع فاسدٍ، فإنه لا يَستَفِيدُ الفاسِدَ، لأنَّ الشرعَ لم يأذَن فيه، ولا الصحيحَ لأنّ المالك لم يأذن فيه. ٦٤٣ (ومذهب المُحَصِّلِين) والعلماءِ من المحدثين - كما صرَّح به الخطيب في ((جامعه)) (٦)، ومنهم: همامٌ، وابنُ المبارك، وابنُ عُيَينة، والنَّضرُ بنُ شُمَيل، وأبو عُبيد، وعقّانُ، وابنُ المديني، وابنُ راهُويه، والحسنُ بن علي الحُلْوَانِيُّ، والحسن بنُ محمد الزَّغْفَراني، وغيرُهم ممن سأحكيه عنهم، وغيرِهم، وصَوَّبه مِن المتأخرين ابنُ كثير (٧) - أَنَّه (يُصْلَحِ) فَيُغَيَّر (وَيُقْرأُ الصوابُ) من أول وَهْلَة. قال الأوزاعي: ((أَعْرِبُوا الحديثَ، فإن القومَ كانوا عَرَباً))(٨)، وعنه أيضاً: ((لا بأسَ بإصلاحِ اللحْنِ في الحديث))(٩). وممن حُكِي ذلك عنه: الشعبيُّ، وعطاءٌ، والقاسمُ بن محمد، وأبو جعفر = ماجه في (الزهد)): باب ذكر الشفاعة (١٤٤١/٢) بنحوه، ودُونَ لَحْن. وإسناده - كما في («الزوائد)» - صحيح ورجاله ثقات. وأما سَنَد أحمد ففيه رجل لم يسمّ. (٢) (٢١/٢). (١) ((علوم الحديث)) (١٩٥). (٣) (ص٢٩٤). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٠). (٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٧٧/٢)، وقاله قبلَه ابن دقيق العيد كما في ((الاقتراح)) (٢٩٤). (٧) في ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٠). (٦) (٢٣/٢). (٨) ((المحدث الفاصل)) (٥٢٤)، و((الكفاية)) (١٩٥). (٩) ((المحدث الفاصل)) (٥٢٤)، و((الجامع)) (٢٣/٢). إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٥٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث محمد بنُ علي بن الحسين حيث سُئِلوا عن الرجلِ يُحدِّث بالحديثِ فیلحَنُ، أَيَرْوِيه السامعُ له كذلك؟ أم يُعْرِبُه؟ فقالوا: بل يُعْرِبُه. ذكره ابنُ أبي خيثمة في کتاب: «الإعراب» له. وعن الأعمشِ قال: ((إنَّ النبيَّ نَّهِ لم يَلْحَن فَقَوِّمُوهُ)). ورُوِّينا في ((جُزءِ عبدِ الله بنِ أحمدَ الخِرَقي(١))) عن عليٍّ بن الحسن قال: قلت لابنِ المبارك: ((يكون في الحديث لَحْنٌ، نُقَوِّمُهُ؟ قال: نعم، القومُ لم يكونوا يلَحَنُون، اللَّحْنُ مِنَّا)(٢). وعن عباس الدُورِي أنه قيل لابنِ مَعِينٍ: ما تقول في الرجلِ يُقَوِّمُ للرجلِ حديثَه - يعني ينْزِع منه اللحنَ -؟ فقال: لا بأس به(٣) . وقال أبو داودَ: كان أحمدُ بنُ صالح يُقَوِّم كلَّ لحنٍ في الحديث(٤) . قال الخطيبُ: وهذا إجماعٌ منهم على أنَّ إصلاحَ اللحن جائز(٥). وقال في ((الجامع)): ((إنَّ الذي نذهبُ إليه روايةُ الحديثِ على الصواب، وتركُ اللحن فيه، وإنْ كان قد سُمع مَلحُوناً، لأن مِن اللحن ما يُحِيلُ الأحكامَ، ويُصَيِّرُ الحرامَ حلالاً، والحلالَ حراماً، فلا يلزم اتِّباعُ السماعِ فيما هذه سبيلُه))(٦). ومقتضاه: أنه لا فرق في ذلك بين المُغَيِّر للمعنى وغيرِهِ، (وهو) أي الإصلاحُ (الأرجحُ في اللحنِ) الذي (لا يَخْتَلِف المعنى به) وفي أمثالِه. ٦٤٤ أما الذي يختلِفُ المعنى به فَيُصْلَح عند المُحَصِّلِينَ جَزْماً. وعبارةُ بعضٍ المتأخرين في المُغَيِّر للمعنى: ((لا تجوزُ الروايةُ له اتفاقاً)). قال عبدُ الله بنُ أحمد: ((ما زال القلمُ في يَدِ أبي حتى مات))(٧). وكان يقولُ: ((إذا لم يَتَصَرَّفِ (١) الشيخُ الجليل الصالح مسندُ أصبهان، أبو الفتح. مات سنة ٥٧٩. له ترجمة في ((التقييد)) (٧١/٢). (٢) وأخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٩٦) من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك. (٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٩٧). (٤) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٩٧)، و((الجامع)) (٢٣/٢). (٥) ((الكفاية)) (١٩٨). (٧) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٧). (٦) ((الجامع)) (٢٣/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٥٧ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ الشيءُ في معنّى فلا بأسَ أن يُصْلَح))، أو كما قال)) (١). واحتج ابنُ المُنَيِّر (٢) لهذا المذهب بقوله وََّ ــ في حديث: نَضَّر الله -: ((فَرُبَّ حاملٍ فقه إلى من هو أَفْقه منه))، يعني لما فيه من الإشارة إلى عدم تقليد الراوي في كل ما يجيء به(٣) . وكذا احتجّ له ابنُ فارس(٤) بقوله في الحديثِ المُشار إليه: «فبلَّغها كما سمع))، لكون المراد به: كَمَا سمع من صِحَّة المَعنى واستقامتِهِ من غيرِ زيادةٍ ولا نقص. وقد قال بعضهم - كما رُوِّيناه في ((الجامع)) للخطيب -: إذا كَتَبَ لَحَانٌ، وعن اللَّخَانِ آخرُ مثلُه، وعن الثاني ثالثٌ مثلُه صار الحديثُ بالفارسية)»(٥). ونحوُهُ ما قيل في تَركِ المقابَلَةِ كما تقدم(٦). قال ابنُ الصلاح: ((والقولُ به - أي بالرواية على الصوابِ مع الإصلاح - لازم على مَذهب الأكثرينَ في تجويز الروايةِ بالمعنى))(٧). فقولُه: ((لازم)) يحتملُ الوجوبَ، لأنه إذا جَاز التَغْييرُ في صَوابِ اللفظ فلا يَمتنِعُ أن يَجبَ في خَطَئِهِ (٨). ولكنَّ الظاهرَ أنه إنما أراد مُجرّدَ إلزامِهم القولَ به، لكونه هنا آكدَ، لا سيما وقد صرَّح الخطيبُ بالجواز فقال: ((وقد أجاز بعضُ العلماءِ أن لا يُذكرَ الخَطأُ الحاصلُ في الكتاب إذا كان مُتَّقَّناً، بل يُروى على الصواب))(٩). بل كلامُه في ((الكفاية)) قد يُشير إلى الاتفاق عليها، فإنه قال: ((إذا كان اللحنُ يُحِيلُ المعنى فلا بدَّ من تغييرِهِ، وكثيرٌ من الرواة يُحَرِّفُونَ الكلامَ عن وجهه، ويُزيِلُون الخطاب عن موضعه، وليس يلزمُ مَنْ أَخَذَ عَمَّنْ هذه سبيلُه أَنْ يَحْكِي (١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٧). (٢) العلامة الفاضل ناصر الدين أحمد بن محمد بن منصور الإسكندراني المالكي. مات سنة ٦٨٣، له ترجمة في ((العبر)) (٣٥٢/٣)، و((الشذرات)) (٣٨١/٥). والمُنَيِّر: بضم الميم وفتح النون وتشديد المثناة التحتية المكسورة. كما في ((المشتبه مع التبصير)) (١٣٢٥/٤). (٣) في ((المتواري)) (٣٤) إشارة لذلك. (٤) يعني في كتابه: ((مآخذ العلم)) الماضي ذكره في أول (كتابة الحديث) (ص١٢). (٦) (ص٥٥). (٥) الجامع (٢٤/٢). (٧) علوم الحديث (١٩٦). (٨) الخَطَاءُ والخَطَأ: ضِدُّ الصّوَاب. ((القاموس - الخطء)). (٩) الكفاية (٢٤٧). إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٥٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث لفظَه إذا عَرف وجهَ الصواب، وخاصة(١) إذا كان الحديثُ معروفاً ولفظ العَرَب به ظاهراً مَعلُوماً. ألا تَرى أنَّ المحدثَ لو قال: ((لا يَؤُم المُسافرَ المُقيمُ)) بنصب ((المسافر) ورفع ((المقيم)) كان قد أحالَ المعنى؟ فلا يلزم اتِّباعُ لفظِه)) (٢). ونحوُه قولُ عبدِ الله بنِ أحمدَ: ((كان إذا مَرَّ بأَبِي لَحْنٌ فاحِشٌ غَيَّرِه، وإن كان سهلاً تركه وقال: كذا قال الشيخ)»(٣) . وكذا يُشْبِهِ أن يكونَ محلُّ الخلاف فيما لم يكن مُجْمَعاً على الخطٍ فيه إمَّا بالاستقراءِ التامّ لِلسان العرب، وإمَّا بوضوح الأمر فيه. وقد صرَّح ابنُ حزم في ((الإحكام)) له فيما يكون كذلك بالتحريم، فإنه قال: ((إنَّ الواقع في الرواية إنْ كان لا وَجْهَ له في الكلام البَّةَ حَرُمَ عليه تأديتُه مَلحوناً، لِتَيَقُّنِنَا أنَّهِ وَلَ لم يلحَنْ قُ. وإنْ جازَ - ولو على لغةٍ بعض العرب - أدَّاه كما سَمِعه))(٤). ونحوُه قولُ أبي عمرانَ الفَسَوِي - فيما حكاه عنه القَابِيُّ -: ((إنْ كان مِمَّا لا يُوجَد في كلام أحدٍ من العرب قُرِئَ على الصواب، وأُصْلِحَ، لأنهِوَلّه لم يكن يلحَنُ، وإن كان مِمَّا يقوله بعضُ العرب - ولو لم يكن في لغةٍ قُرَيشٍ - فلا، لأنه وَيِّ كان يُكَلِّمُ الناسَ بلغتهم)(٥) يعني كقوله - على لغةِ الأَشْعَرِيِّين في قَلْبٍ اللَّامِ مِيماً -: ((لَيس مِنْ امّ بِرّام صيام فى ام سفر))(٦). ومن ثَمَّ أشارَ ابنُ فارسٍ إلى (١) كذا في النسخ. وفي ((الكفاية)) (١٨٨): (بخلافه). بدلاً من: (وخاصة) وأشار ناشرُه إلى أنه كذلك في بعض النسخ، والمُثْبتُ أظهر. (٢) ((الكفاية)) (١٨٨)، وقالَه قبلَه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٥٢٧). (٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٧)، وذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٩٦). (٤) ((الإحكام)) (٨٩/٢) مختصراً. (٥) أَخْرَجَ القاضي عياضٌ في ((الإلماع)) (١٨٣) من طريق القابسي بسنده عن الإمام النسائي نحوه. (٦) جاء رسمها في النسخ الثلاث: (م صيام فم سفر). وفي (الأزهرية): (ليس من م .... ) إلخ. وأخرجه أحمد في ((المسند)) (٤٣٤/٥) بسند صحيح بلفظ: ((ليس من امبر امصيام في امسفر))، وكذا أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٣) من حديثٍ كعب بن عاصم الأشعري. وأخرجه البخاري في ((الصوم)): باب قول النبي وَل و لمن ظُلِّل عليه واشتد الحر .. إلخ = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٥٩ إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ التَروِّي في الحُكم على الرواية بالخطإِ، والبَحثِ الشديدِ، فإن اللغةَ واسعة. بل قال ابن الصلاح: ((إن كثيراً ما نَرى ما يَتَوهَّمُه كثيرٌ من أهلِ العلم خطأً - وربَّما غيَّرُوه - صواباً ذا وَجْهٍ صحيحٍ، وإن خَفِيَ واستُغْرِبَ، لا سيما فيما يَعُدُّونِه خطأً من جهةِ العربيةِ، وذلك لكثرةٍ لُغَاتِ العرب وَتَشْعُّبِها))(١). هذا أبو الوَليد الوَقَّشِي - مع تَقَدُّمِه في اللغةِ، وكثرةِ مطالعتِهِ واقْتِنانِهِ، وتُقُوبٍ فَهمِه، وحِدَّةِ ذِهنه - كان يُبادِرُ إلى الإصلاح، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ الصوابُ فيما كان في الرواية، كما قَدَّمتُه في (التصحيح والتمريض))(٢)، وكذلك غيرُه مِمَّن سلكَ مَسلَكَه، لا سيَّما وقد قال أبو عبيد القاسمُ بن سلام: ((لِأَهْلِ العربيةِ لُغَةٌ، ولأهل الحديثِ لغة، ولغةُ أهل العربية أقيس ولا نجدُ بدّاً من اتباع لغة أهل الحديث من أجل السَّمَاع))(٣). ورُئِي بعضُ أهلِ الحديث في المنام، وكأَنَّه قد مَرَّ من شَفَتِه أو لسانه شيءٌ ثقيلٌ، فقيل له في ذلك فقال: لفظةٌ من حديث رسول الله وَ ◌ّهٍ غَيَّرْتُها برأيي فَفُعِلَ بي هذا))(٤) . (و) لذا كلِّه (صَوَّبُوا) أي أكثرُ الأشياخ (الإبقاءَ) لما في الكتاب وتَقْرِيرِه على الوجه الذي وَقَعَ فيه - حتى إنّهم سلكُوه في أحرفٍ من القرآن جاءتْ على خلافٍ ما في التلاوةِ المُجْمَعِ عليها، بحيثُ لم يُقْرَأُ بها في الشَواذّ فَضْلاً عن غيرِها - كما وقع في ((الصحيحين)) و((الموطأ)) وغيرِها. كل ذلك (مع تَضْبِيِهِ) أي اللفظِ الذي جاءتٍ به الروايةُ مِنَ العارفِ منهم بالعلامةِ المُنَبِّهَةِ على خَلَلِهِ في الجُملة، (ويُذْكر) مع ذلك (الصوابُ) الذي ظهر (جانباً) أي بجانبِ اللفظِ المُخْتَلّ مِنْ هَامش الكِتاب (كذا عن أكثرِ الشيوخ) حالَ كونِه (نَقْلاً) لعیاضٍ عنهم (أُخِذَا) مما استقرَّ عليه عملُهم(٥). وحكاه ابنُ فارسٍ أيضاً عن شيخه أبي ٦٤٥ (٤/ ١٨٣) بلفظ: ((ليس من البر الصوم في السفر))، ومسلم في ((الصيام)): باب جواز = الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر .. إلخ (٧٨٦/٢) بنحوه، كلاهما من حديث جابر، وأخرجه أيضاً غيرُهما. والحديث في حق من يشق عليه الصوم ويتضرر منه. (٢) (ص٧٠). (١) ((علوم الحديث)) (١٩٦). (٣) أخرجه عنه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٢). (٤) ذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٩٦). (٥) («الإلماع)) (١٨٥). إصلاح اللَّحْنِ والخَطَأ ١٦٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الحسن علي بن إبراهيمَ القطان، رَاوِي ((سننِ ابنِ ماجه)) عنه فقال: ((إنَّه كان يكتبُ الحديثَ على ما سَمِعَهُ لَحْناً، ويكتبُ على حاشية كتابه: ((كذا قال - يعني الذي حَدَّثَهُ بِهِ - والصوابُ كذا)). قال ابنُ فارس: ((وهذا أحسنُ ما سَمِعتُ في هذا الباب)). ونحوُه قولُ المَيَّانِشي(١): ((صَوَّبَ بعضُ المشايخ هذا، وأنا أَسْتَحْسِنُه، وبه آخذ))(٢). وأشار ابن الصلاح(٣) إلى أنّه أَبْقى للمصلحَةِ، وأَنْفَى للمفسدةِ. يعني لما فيه من الجَمعِ بين الأمرَيْن ونَفْي التَسوِيدِ عن الكتاب أَنْ لو وُجِدَ له وَجْهٌ؛ حيثُ تجعَل الضبةُ تصحيحاً، كما تقدم في بابه. قال: ((والأولى سَدُّ بابِ التغييرِ والإِصلاح لئلا يجسُر على ذلك من لا يُحسِنُ. وهو أَسلمُ مع التَّبِين، فيُذكرُ ذلك عند الَسَّماع كما وَقَع، ثم يُذكرُ وجهُ صوابِهِ إمَّا من جهةِ العربية، وإِمَّا من جهة الرواية))(٤). وممن فعله أبو عبيد القاسمُ بن سلام حيث أدَّى كما سَمِعَ، وبَيَّنَ أنَّ الصوابَ كذا، وصرَّح الخطيبُ بوجوبٍ ذلك حيثُ قال في ((الكفاية)): ((إنَّ الواجبَ الروايةُ على ما حَمَل من خطٍ وتصحيفٍ، ثم بيانُ صوابِهِ))(٥). ٦٤٦ (والبَدْءُ بِ) قراءةِ (الصوابِ) أَوَّلاً، ثُمَّ التَّنبيهُ على ما وَقَعَ في الروايةِ - بأنْ يُقَالَ مَثَلاً: وَقَعَ عند شيخنا، أو في روايتنا، أو من طريق فلان كذا وكذا - (أَوْلَى) من الأول الذي ابْتُدِئَ فيه بالخطإِ تَبَعاً للرِّوايةِ (وَأَسَدُّ) - بالمهملةِ - أي (١) بفتح الميم، وتشديد المثناة التحتية، وبعد الألف نونٌ مكسورة ثم شين معجمة، نسبةً إلى (ميّانش) قرية بإفريقية قرب (المهدية) ((معجم البلدان)) (٢٣٩/٥). هذا ولم يذكر السمعاني (الميَّانشي) في ((الأنساب))، ولم يستدركه عليه ابن الأثير في ((اللباب)). والمراد بالميَّانشي هذا: أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي المحدث المتوفى سنة ٥٨١ له ترجمةٌ في ((شذرات الذهب)» (٢٧٢/٤) ولكنْ فيها: (الماشي)، وهو تصحيف. وذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٣٣٧/٤)، وفي ((العبر)) (٨٣/٣)، وياقوت في ((معجم البلدان)) الآنف. وقال ابن حجر في ((نزهة النظر)) (١٧): ((أبو حفص الميانجي)) وتبعه كثير ممن نقل كلامه. والمعروف الأول. (٢) ((ما لا يسع المحدثَ جهلُه)) (٨). (٤) المصدر السابق (١٩٧). (٣) في ((علوم الحديث)) (١٩٦). (٥) ((الكفاية)) (٢٤٥).