Indexed OCR Text
Pages 361-380
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦١ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين الثالث : في افتراق الحال في الصِّيغة بين المنفرد ومن يكون في جماعة. (والحاكم اختار) الأمر (الذي قد عهدا عليه أكثر الشّيوخ) له، بل وأئمة ٤٠٥ عصره (في) صيغ (الأدا) وهوٍ أن يقول: (حدَّثني) فلان بالإفراد (في) الذي يتحمَّله من شيخه بصريح (اللَّفظ حيث انفردا) بأن لم يكن معه وقت السَّماع غيره. ٤٠٦ (واجمع) أيها الطَّالب (ضميره) أي: التَّحديث فقل: [حدثنا](١) (إذا تعددا) بأن كان معك وقت السَّماع غيرك، (و) كذا اختار في الَّذي تتحمَّلُه عن شيخك في (العرض)(٢) أنّك (إن تسمع) بقراءة غيرك (فقل: أخبرنا) بالجمع، (أو) إن تكن (قارئاً) فقل: [(أخبرني)](٣) بالإفراد (٤). ٤٠٧ (واستحسنا) بالبناء للمفعول من فاعله، فقال ابن الصَّلاح: وهو حسن (٥) رائق (٥). (ونحوه عن ابن وهب) هو: عبد الله (رويا) كما عند التِّرمذي في ٤٠٨ العلل(٦)، والخطيب في الكفاية(٧)، فإنه قال: ما قلت [حدَّثنا](١) فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت حدثني فهو ما سمعت وحدي، وما قلت [أخبرنا](٨) فهو ما قرئ على العالم وأنا شاهد، وما قلت أخبرني فهو ما قرأت على العالم. فاتفق ابن وهب، ومن نقل عنهم الحاكم (٩) في كون القارئ - كما هو (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٢) في حاشية (س): الأقرب في قوله: والعرض الرفع على الابتدائية، لقوله: فقل أنا، ولكن يفوت التصريح بحكاية ذلك عن مختار الحاكم أيضاً، إلا أن يقال: واستحسنا مشعر بذلك، ويجوز أن يكون مفعول مقدم. (كذا). (٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): خبرني. (٤) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص ٢٦٠). (٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢٧). (٧) (ص٤٢٥). (٦) التي بآخر جامعه (٩/ ٤٥٠). (٨) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٩) في ((معرفة علوم الحديث)) (ص٢٥٧ - ٢٥٨). تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٦٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المشهور حسبما صرّح به الشَّارح في ((النكت))(١) - يقول: أخبرني، وهو محتمل لأن يكون في المنفرد، ويحتمل مطلقاً، وهو الظَّاهر(٢). لكن قد قال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)): إنَّ القارئ إذا كان معه غيره يقول: [أخبرنا](٣) بالجمع، فسوى بين مسألتي التَّحديث والإخبار(٤)، يعني: فإنه إذا سمع جماعة من لفظ الشَّيخ يقول كل منهم [حدثنا](٥). وفي التسوية نظر (٦)، وإن قال بعض المتأخرين: إنّه قياس ظاهر. على أنّ السِّلفي قد كان يأتي بالجمع فيما يقرأه، ولم يسمعه معه غيره، فيكتب أول الجزء [أخبرنا](٣) فلان بقراءتي، ثم يكتب الطّبقة بآخره، ولا يثبت معه غيره(٧) . وقد جاء عن أحمد: إذا كنت وحدك فقل: حدَّثني، أو في ملأ فقل: [حدثنا](٨)، أو قرأت فقل: قرأت عليه، أو سمعت فقل: قرئ عليه وأنا (٩) أسمع(٩) . واستحسنه ابن الحاج، وقال: إنه أبلغ في التّحري. وقال ابن عون: كان ابن سيرين يقول تارة: حدثني أبو هريرة، وتارة: [حدثنا](٨)، فقلت له: كيف هذا يا أبا بكر؟ قال: أكون وحدي فأقول حدثني، وأكون مع غيري فأقول: [حدثنا](٨). أخرجه ابن أبي خيثمة. وقال شعبة: أخبرني سلمة بن كهيل، أو أخبر القوم وأنا فيهم، قال: سمعت (١) في حاشية (س): على علوم الحديث لابن الصلاح. (٢) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٧٣)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٠/٢). (٣) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٤) ((الاقتراح)) (ص٢٢٦، ٢٢٨). (٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٦) في حاشية (س): فإن القارئ متميز بقراءته، بخلاف السامعين لفظاً، فهم مشتركون في التحدیث. (٧) "الذي في الوجيز في معرفة المجاز والمجيز للسلفي (ص٥٩): يقول فيما سمعه من لفظ شيخه وحده: حدثني، ويقول الذي سمعه منه مع غيره: حدثنا، ويقول فيما سمعه عليه وحده بقراءته: أخبرني، وفي الذي سمعه ومعه واحد فصاعداً: أخبرنا. اهـ. (٨) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٩) ((الكفاية)) (ص٤٣١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦٣ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين سويد بن غفلة(١) قال: خرجت مع زيد بن صوحان(٢)، وسلمان بن ربيعة(٣)، فوجدت سوطاً، وذكر حديثاً. أخرجه مسلم في اللّقطة من ((صحيحه)) (٤). (وليس) ما تقدم من التَّفصيل (بالواجب) عندهم و(لكن رُضِيا) بالبناء للمفعول، أي: استحب عند كافة العلماء، كما صرَّح به الخطيب(٥)، للتَّمييز بين أحوال الثَّحمُّل، وإلا فقد قال أحمد بن صالح وسئل عن الرَّجل يحدِّث الرّجلَ وحده أيقول: [حدثنا](٦)؟ قال: نعم جائز هذا في كلام العرب، فعلنا وإنّما هو وحده(٧). ولذا قال ابن دقيق العيد(٨): اصطلحوا للمنفرد حدَّثني بالإفراد، وإن جاز فيه لغة [حدثنا](٦)، وكذا قال أحمد: لا بأس به(٩)، وقال يحيى بن سعيد القطان: إذا كان أصل الحديث على السَّماع، فلا بأس أن يقول: حدَّثني و[حدَّثنا](٦) وسمعت، وأخبرني، و[أخبرنا](١٠)(١١). في آخرين مصرحين بأنَّه جائز لمن سمع وحده أن يقول: [أخبرنا](١٠) و[حدثنا] (٦) (١) هو: سويد بن غفلة، أبو أمية الجعفي، مخضرم، من كبار التابعين، كان مسلماً في حياة النبي ﴿ وقدم المدينة يوم دفنه، ثم نزل الكوفة، مات سنة ثمانين. (تقريب التهذيب)) (ص١٤١)، والخلاصة (ص١٣٥). (٢) هو: زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس العبدي، أبو سليمان، قيل: له صحبة، ونفاها ابن عبد البر، قتل يوم الجمل. ((الاستيعاب)) (٥٥٥/٢ - ٥٥٧)، و((الإصابة)) (٦٤٦/٢ - ٦٤٨). (٣) هو: سلمان بن ربيعة بن يزيد بن عمرو بن سهم الباهلي، أبو عبد الله، يقال له صحبة، ولي قضاء الكوفة لعمر، ثم غزا أرمينية فقتل في زمن عثمان. ((الكاشف)) (٣٨١/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٢٩ - ١٣٠). (٤) (٢٧/١٢)، والحديث رواه - أيضاً -: البخاري: باب هل يأخذ اللقطة ولا يدعها تضيع؟ كتاب اللقطة (٩١/٥ - ٩٢)، وأبو داود: باب التعريف باللقطة، كتاب اللقطة رقم (١٧٠١) عن شعبة عن سلمة بن كهيل. ورواه الترمذي: باب ما جاء في اللقطة وضالة الإبل والغنم من أبواب الأحكام رقم (١٣٧٤)، والنسائي في الكبرى (٣٥١/٥ ح٥٧٩٤) وابن ماجه: باب اللقطة، كتاب اللقطة رقم ٢٥٠٦ عن سفيان عن سلمة بن كهيل. (٥) في ((الكفاية)) (ص٤٢٥). (٧) ((الكفاية)) (ص٤٢٥). (٩) ((الكفاية)) (ص٤٢٥). (١١) ((الكفاية)) (ص٤٢٦ - ٤٢٧). (٦) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٨) في ((الاقتراح)) (ص٢٢٦). (١٠) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٦٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ولمن سمع مع غيره أن يقول: أخبرني وحدّثني ونحو ذلك؛ لأنَّ المحدِّث حدَّثه وحدَّث غیرَه. على أنّ نسبة الخطيب ما تقدّم لكافَّة العلماء - وهم الجميع - ينازع فيها ما ذكره ابن فارس من أنَّ جماعة ذهبوا إلى أنّه إذا حدَّث المحدّث جاز أن يقال: [حدثنا](١)، وإن قرئ عليه لم يجز أن يقال: [حدثنا](١)، ولا [أخبرنا](٢)، وإن حدث جماعة لم يجز أن يقال: حدثني، أو حدَّث، بلفظ لم يجز أن يتعداه، وقال: إنّه تشديد لا وجه له، وكأنه لذلك لم يعتبره الخطيب خلافاً . ثم إن الاستحباب المشار إليه هو فيما إذا تحقَّق حين الثَّحمُّل صورة ٤٠٩ الحال، (و) أما إن وقع (الشَّك في الأخذ) والتحمل، أي: من لفظ الشيخ (أكان وحده) فيأتي بحدثني بالإفراد (أو) كان (مع) بالإسكان (سواه فـ) يأتي ٤١٠ بالجمع فـ (اعتبار الوحدة محتمل) أي: القول به؛ لأنّ الأصل عدم غيره. وكذا لو شك في تحمله أهو من قبيل [أنا](٣) لكونه بقراءة غيره، أو أخبرني لكونه بقراءته حيث مشينا على اختيار الحاكم(٤) ومن معه في إفراد الضَّمير إذا قرأ يأتي بالجمع، لأنَّ سماع نفسه متّفق، وقراءته شاك فيها، والأصل أنه لم يقرأ، وإن سؤَّى ابن الصَّلاح بين المسألتين في الإتيان (٥) بالإفراد (٥) . على أن الخطيب حكى في ((الكفاية)) عن البرقاني أنَّه كان يقول في هذه الصُّورة: قرأنا(٦)، وهو كما قال الشَّارح: حسن(٧)، فإن إفراد الضَّمير يقتضي قراءته بنفسه، وجمعه يمكن حمله على قراءة بعض من حضر السَّماع، فإنَّه لو تحقَّق أنَّ الذي قرأ غيره لا بأس أن يقول: قرأنا، قاله أحمد بن صالح حين (٨) سئل عنه (٨) . (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٢) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا. (٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أخبرنا . (٤) في ((معرفة علوم الحديث)) (ص٢٦٠)، وانظر: التقييد والإيضاح (ص١٧٣). (٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢٧). (٦) ((الكفاية)) (ص٤٣١). (٨) ((الكفاية)) (ص٤٣٢). (٧) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤١/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦٥ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين وقال النفيلي(١): قرأنا على مالك مع كونه إنَّما قُرئ عليه وهو يسمع(٢). (لكن رأى) يحيى بن سعيد (القطّان) فيما نقله عنه علي بن المديني (الجمع) بحدثنا في مسألة تشبه الأولى، وهي (فيما) إذا (أوهم) أي: وهم، بمعنى: شك(٣) (الإنسان في) لفظ (شيخه ما) الّذي (قال) أحدثني أو حدثنا (٤). ٤١١ قال ابن الصَّلاح: ومقتضاه الجمع هناك - أيضاً -، وهو عندي هنا يتوجه بأن حدّثني أكمل مرتبة، فيقتصر في حالة الشَكّ على الناقص احتياطاً؛ لأن عدم الزّائد هو الأصل، قال: وهذا لطيف (٥). (والوحدة) مفعول مقدم، أي: صيغة حدثني (قد اختار في ذا) الفرع (البيهقي) بعد حكايته قول القطّان (واعتمد) ما اختاره، وعلَّله بأنَّه لَا يشكُّ في واحد، وإنَّما الشَّكّ في الزائد، فيطرح الشَّك، ويبنى على اليقين. انتهى(٦). وهو الظاهر(٧). الرابع : في التقيد بلفظ الشيخ. (وقال) الإمام (أحمد) بن حنبل فيما رويناه عنه (اتبع) أيها المحدِّث (لفظاً ورد للشيخ في أدائه) لك من حدَّثنا وحدَّثني وسمعت و[أخبرنا](٨) ونحوها(٩). (ولا تعد) أي: ولا تتجاوز لفظه وتبدله بغيره، ومشى على ذلك في ٤١٢ (١) هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل بن زراع، الإمام الحافظ، أبو جعفر القضاعي، ثم النفيلي الحراني، المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. («سير أعلام النبلاء)) (٦٣٤/١٠ - ٦٣٧). (٢) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٢/٢). (٣) في ((المحكم)) لابن سيده (٣٢١/٤) نقلاً عن ابن الأعرابي: أوهم ووهم ووهم سواء، وأنشد: فإن أخطأت أو أوهمت شيئاً فقد يهم المصافي بالحبيب (٤) ((الكفاية)) (ص٤٢٣)، و((علوم الحديث)) (ص١٢٧). (٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢٧). (٦) نقله ابن الصلاح في علوم الحديث (ص١٢٧) عنه. (٧) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك. كتبه مؤلفه. (٨) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٩) ((الكفاية)) (ص٤٢٣). تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٦٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ((مسنده)) وغيره من تصانيفه، فيقول مثلاً: [حدَّثنا](١) فلان وفلان كلاهما عن فلان، قال أولهما: [حدثنا](١)، وقال ثانيهما: [أخبرنا(٢)](٣)، وفعله مسلم في صحيحه - أيضاً -(٤) . ٤١٣ (و) كذا (منع الإبدال) بحدَّثنا إذا كان اللَّفظ [أخبرنا](٢) أو بالعكس ونحوه (فيما) يقع في الكتب المبوَّبة والمسندة، وغيرهما مما (صُنِّفا) بالبناء للمفعول (الشّيخ) ابن الصلاح، لاحتمال أن يكون مذهب الرَّاوي القائل عدم التَّسوية بين الصِّيغتين(٥)، يعني فيكون حينئذٍ كأنّه قوَّله ما لم يقل، والتَّعليل بذلك يقتضي أنه عند علم عدمها من باب أولى، وهذا بلا خلاف. ٤١٤ (لكن) بإسكان النون (حيث راو عُرِفا) بالبناء للمفعول (بأنَّه سوى) بينهما، (ف) هذا خاصَّة يجري (فيه) كما قال الخطيب في ((كفايته)) (ما جرى) من الخلاف (في النقل بالمعنى (٦)، ومع) بالإسكان (ذا) أي: إجراء الخلاف (فيرى) ابن الصَّلاح (بأن ذا) أي: الخلاف (فيما روى ذو الطلب) مما تحمله (باللفظ) من شيخه خاصَّة (لا) في (ما وضعوا) أي: أصحاب التّصانيف (في الكتب) المصنفة(٧) مسنَدها ومبوَّبها، يعني: فذاك يمتنع تغييره جزماً. ٤١٥ سواء رويناه في جملة التَّصانيف، أو نقلناه منها إلى تخاريجنا وأجزائنا، (١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا. (٢) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا . (٣) مثال ذلك قوله في ((المسند)) (٤٤/١): حدثنا روح، حدثنا مالك، (ح)، وحدثني إسحاق، أخبرني مالك. وقوله في ((المسند)) - أيضاً - (٥٠/١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، وحجاج قال: حدثني شعبة. (٤) مثال ذلك قوله في ((صحيحه)): باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة، كتاب الإيمان (١٧٣/١) قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا أبو الأحوص (ح)، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص. وفي باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كتاب الإيمان (٢١٠/١) قال: حدثنا أبو الطاهر وحرملة بن يحيى وأحمد بن عيسى، قال أحمد: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا ابن وهب. (٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢٨). (٦) ((الكفاية)) (ص٤٢٢). (٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢٨). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٣٦٧ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين كما سيأتي في الرِّواية بالمعنى(١) - إن شاء الله - [تعالى](٢) مع بيان ما نسب لابن الصَّلاح في اقتضاء التجويز فيما ننقله في تخاريجنا، وما قيل في أنه نقل من الترمذي وغيره بالمعنى. على أنّ ابن أبي الدم قد منع الفرق في الصُّورتين بين ما يقع في التَّصانيف، وما حصل التلفظ به خارجها - أيضاً - بل قال - أيضاً - في الثالثة: إنه إذا جازت الرِّواية بالمعنى في الألفاظ النَّبوية ففي صيغ الرواية في صورة علم تسوية الراوي بينهما من باب أولى. الخامس : في النّخ والكلام وغيرهما وقت السَّماع أو الإسماع. (واختلفوا) أي: العلماء (في صحّة السَّماع من ناسخ) ينسخ حين القراءة ٤١٦ مسمعاً كان أو سامعاً : (فقال بامتناع) ذلك مطلقاً في الصّورتين الأستاذ الفقيه الأصولي أبو إسحاق (الإسفرائيني) بفتح الفاء وكسر التحتانية؛ إذ سئل عنهما معاً(٣)، (مع) أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق (الحربي و) أبي أحمد (ابن عدي) في آخرين(٤)؛ لأن الاشتغال بالنسخ مُخِلٌّ بالسَّماع. ٤١٧ وعبارة الإسفرائيني: فإنه إذا يشتغل به عن الاستماع، حتَّى إذا استعيد منه تعذر علیه. انتھی. وقد قيل: السَّمع للعين، والإصغاء للأذن، وقيل: إنَّه لا يسمى سامعاً، إنما يقال له: جليس العالم، حكي عن جماعة (٥). (و) نحوه ما جاء (عن) أحد أئمة الشَّافعية بخراسان أبي بكر أحمد بن إسحاق (الصبغي) بكسر المهملة بعدها موحدة ثم معجمة نسبة لأبيه، لكونه كان يبيع الصبغ(٦) أنه قال: (لا ترو) أيها المحدث ما سمعته على شيخك في حال ٤١٨ (١) (١٣١/٣ - ١٣٢). (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (م). (٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢٨ - ١٢٩). (٤) ((الكفاية)) (ص١٢٠). (٥) المصدر السابق. (٦) المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: ((العبر)) (٢٥٨/٢ - ٢٥٩)، وفيه : = تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٦٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث نسخه، أو وأنت تنسخ (تحديثاً و) لا (إخباراً)(١) يعني: لا تقل [حدثنا ولا أخبرنا](٢) مع إطلاقهما، بل (قل حضرت) يعني: كمن أدى ما تحمله وهو صغير، قبل فهم الخطاب وردّ الجواب، وإن كان في مسألتنا أعلى. (و) لكن أبو حاتم محمّد بن إدريس (الرازي وهو الحنظلي) نسبة الدرب حنظلة بالري، وكفى به حفظاً وإتقاناً (وابن المبارك) عبد الله المروزي، وكفى به ديناً ونسكاً وفضلاً (كلاهما) قد (كتب). ٤١٩ أما أولهما: ففي حال تحمله عند كل من: محمد بن الفضل الملقب عارم(٣)، وعمرو بن مرزوق(٤). وأما ثانيهما: ففي حال تحديثه(٥)، وذلك منهما مقتضٍ للجواز، ومُشْعِرٌ بعدم التنصيص في الأداء على الحضور. ٤٢٠ (و) كذا (جَوَّز) موسى بن هارون (الحمال) - بالمهملة - ذلك(٦)، بل عزا صحّة السَّماع، كذلك للجمهور سعد الخير الأنصاري، (والشَّيخ) ابن الصَّلاح (ذهب) إلى القول (بأن خيراً منه) أي: من إطلاق القول بالجواز، أو بالمنع (أن يفصلا فحيث) صحب الكتابة (فهم) يعني: تمييزا للفظ المقروء فضلاً عن معناه (صح) السَّماع منه وعليه، (أو لا) يصحبها ذلك، وصار كأنه صوت غفل (بطلا) هذا السَّماع(٧)، يعني: وصار حضوراً. وسبقه لذلك سعد الخير الأنصاري، قال: إذا لم تمنع الكتابة عن فهم ما قرئ، فالسَّماع صحيح. انتهى. والعمل على هذا، فقد كان شيخنا ينسخ في مجلس سماعه ثم إسماعه؛ (١) الضبعي - بالضاد المعجمة - وهو خطأ، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١٢٢/٢ - ١٢٣). = ((الكفاية)) (ص١٢٠). كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا ولا أنا. (٢) (٣) هو: محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، الحافظ الثبت، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. ((تذكرة الحفاظ)) (٤١٠/١ - ٤١١)، والخلاصة (ص٢٩٤). (٤) ((الكفاية)) (ص١٢٢). (٦) المصدر السابق (ص١٢٢). (٥) المصدر السابق (ص١٢١). (٧) علوم الحديث (ص١٢٩). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٦٩ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين بل ويكتب على الفتاوى ويصنّف، ويردُّ مع ذلك على القارئ ردّاً مفيداً، وكذا بلغنا عن الحافظ المزّي(١)، وغيره ممن قبله وبعده. (كما جرى للدارقطني) نسبة لدار القطن ببغداد، إذا حضر في حداثته إملاء ٤٢١ أبي علي إسماعيل الصفّار(٢)، فرآه بعض الحاضرين ينسخ، فقال له: لا يصحّ سماعُك وأنت تنسخ، فقال له الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك، واستظهر عليه (حيث عد إملاء إسماعيل) المشار إليه (عدا) وإن جملة ما أملاه في ذاك المجلس ثمانية عشر حديثاً، بعد أن سأل المنكر عليه: أتعلم كم أملى حديثاً؟. فقال له: لا، ثم لم يكتف الدَّارقطني بعدها إجمالاً، بل ساقها على الولاء إسناداً ومتناً، (وسرد) ذلك أحسن سرد، فعجب النَّاس منه . . رواها الخطيب في تاريخه، قال: [ثنا](٣) الأزهري قال: بلغني أنَّ الدَّارقطني فذكر معناها (٤)، وقد سمعت شيخنا يحكي عن بعضهم أنَّه كان يقرنها بما وقع للبخاري حيث قُلِبَتْ عليه الأحاديثُ، ويتعجب شيخنا من ذلك، وهو ظاهر في التَّعجب. ثمّ إنَّ هذا كلَّه فيما إذا وقع النَّسخ حالَ التَّحمل أو الأداء، فلو وقع ذلك فيهما معاً كان أشدّ، ووراء هذا قول بعضهم: الخلاف في المسألة لفظي، فإنَّ المرء لو بلغ الغاية من الحذق والفهم لا بد أن يخفى عليه بعض المسموع، وإنّما العبرة بالأكثر، فمن لاحظ الاحتياط قال: ليس بسامع، ومن لاحظ التَّسامحَ والغلبةَ عدَّه سامعاً، ورأى أنَّ النسخ إن حجب فهو حجاب رقيق. انتهى. وفي تسميته لفظياً مع ذلك توقف. وما قيل في أن السَّمع للعين قد يخدشه(٥) ما رويناه في خامس (١) انظر: ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٩٩/٤)، و((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص١١٥ -١١٦). (٢) هو: إسماعيل بن محمد البغدادي النحوي الأديب، مسند العراق، المتوفى سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (٣٠٢/٦ - ٣٠٤)، و((العبر)) (٢٥٦/٢). (٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا. (٤) (تاريخ بغداد)) (٣٦/١٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٥٣/١٦). (٥) في حاشية (م): وجه الخدش قياس منع سمع العين على منع كلامها . تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٧٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ((المحامليات)) رواية ابن مهدي(١) من حديث كلثوم الخزاعي(٢) عن أمِّ سلمة أنَّها كانت تفلي(٣) رأس النبي وَ لّ فجاءت زينب(٤) فرفعت طرفها إليها، فقال لها النبي وقيلهو: ((أقبلي على فلايتك فإنك لا تكلمينها بعينك))(٥). ويلتحق بالنّسخ الصَّلاة، وقد كان الدَّارقطني يصلي في حال قراءة القاري عليه، وربَّما يشير برد ما يخطئ فيه القارئ، كما اتَّفق له حيث قرأ القارئ عليه مرة: نسير بن ذعلوق(٢) - بالياء التحتانية - فقال له: ﴿نَّ وَاُلْقَلَمِ﴾(٧)، ومرة: [عمرو](٨) بن سعيد، فقال له: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ﴾(٩). وقد قال الرافعي في ((أماليه)): كان شيخنا أبو الحسن(١٠) الطَّالقاني ربما (١) هو: عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مهدي، أبو عمر البزاز الفارسي، المتوفى سنة عشر وأربعمائة. («تاريخ بغداد)» (١٣/١١ - ١٤). (٢) كلثوم الخزاعي: مختلف في اسمه وفي صحبته، فقيل: كلثوم بن علقمة بن ناجية بن الحارث بن المصطلق، وقيل: كلثوم بن عامر بن الحارث. فلى الرأس: أخذ القمل من شعره. انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) مادة (فلي). (٣) ((الإصابة)) (٦١٨/٥ - ٦١٩)، و((تحفة الأشراف)) (٣٢٦/٨). (٤) هي: زوجة عبد الله بن مسعود - كما في ((المعجم الكبير)) للطبراني - وهي: زينب بنت معاوية، وقيل: بنت أبي معاوية الثقفية، صحابية. انظر: ((الإصابة)) (٦٨٠/٧ - ٦٨١). (٥) لم أقف على المحامليات رواية ابن مهدي، ولم أجد هذا الحديث في المحامليات رواية ابن البيع، فلعل هذا الحديث مما انفردت به رواية ابن مهدي، فقد انفردت بزيادات على غيرها . والحديث: رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٢١/٢٣) وفيه قيس بن الربيع، ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه شعبة وغيره، كما في («مجمع الزوائد» (١٥٨/٤). وأخرجه أحمد في مسنده (٦/ ٣٦٣) من طريق أخرى عن جامع بن شداد عن كلثوم قال: كانت زينب تفلي رأس رسول الله وَ ر الحديث وفيه قول النبي وقال: ((إنك لست تكلمين بعينك، تكلمي واعملي عملك)). وقال محققو المسند طبعة الرسالة: إسناده حسن (٦٠١/٤٤ ح ٢٧٠٥٠). (٦) هو: نسير بن ذعلوق الثوري، مولاهم، أبو طعمة، الكوفي، وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. ((الجرح والتعديل)) (٥٠٩/١/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٢٤/١٠ - ٤٢٥). .(٧) سورة القلم: الآيتان ١، ٢. (٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): عمر. (٩) سورة هود: الآية ٨٧. انظر: ((تاريخ بغداد)) (٣٩/١٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٥٥/١٦). (١٠) كذا في الأصول، وفي ترجمة الرافعي من ((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٣/٢٢) كناه= فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٣٧١ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين قرئ عليه الحديث وهو يُصلِّي، ويصغي إلى ما يقول القارئ، وينبهه إذا زل(١)، يعني: بالإشارة. [قلت: وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)): إذا كلم في الصلاة، واستمع - أي: المصلّي - لم تفسد صلاته، وذكر حديث أمِّ سلمة في السُّؤال عن الركعتين بعد العصر (٢)، لما فيه من جواز استماع المصَلَّ إلى كلام غيره، وفهمه له، وأن ذلك لا يقدح في صلاته، فما نحن فيه يقاس عليه، بل هذا أولی](٣). وفي ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن محمَّد بن الحسن الأستراباذي (٤) من ((تاريخ سمرقند))(٥) للنَّسَفي(٦) أنه كان يكتب الكتاب عامة النهار، وهو يقرأ القرآن ظاهراً (٧)، لا يمنعه أحد الأمرين عن الآخر، بل كان سأل الله - تعالى - في الكعبة كمالَ القوَّة على قراءة القرآن وجماع النسوان، فاستجيب له الدعوتان(٨). وهل يلتحق بذلك قراءة قارئين فأكثر في آن واحد؟ فيه نظر، وقد قال الذّهبي في ((طبقات القراء)): ما أعلم أحداً من المقرئين ترخّص في إقراء اثنين بأبي الخير، وهو: أبو الخير أحمد بن إسماعيل بن يوسف الطالقاني القزويني = الشافعي، المتوفى سنة تسعين وخمسمائة. (التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٢٠٠/١ - ٢٠٢)، و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٤٤٣/٨ - ٤٤٤). (١) انظر: (طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٨/٦). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٠٥/٣). (٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٤) المعروف بالحاكم، من كبار أئمة الحديث بسمرقند. قال الإسنوي: لم يؤرخوا سنة وفاته. ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٣٩/٥ - ٢٤٠)، و((طبقات الشافعية)) للإِسنوي (٨٨/١). (٥) اسمه: ((القند في ذكر علماء سمرقند)). (٦) هو: أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل النسفي الحنفي الحافظ، المتوفى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. التحبير في المعجم الكبير للسمعاني (٥٢٧/١ - ٥٢٩)، و((الفوائد البهية)) للكنوي (ص١٤٩ - ١٥٠). (٧) في حاشية (س): أي عن ظهر قلب. (٨) القند في ذكر علماء سمرقند (ص ٤٠٧). تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٧٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث فصاعداً إلَّ الشَّيخ علم الدِّين السخاوي (١)، وفي النفس من صحَّة كمالِ الرِّواية على هذا الفعل شيءٌ، فإن الله [تعالى](٢) ما جعل لرجل من قلبين في جوفه. قال(٣): وما هذا في قوة البشر؛ بل في قدرة الرّبوبية، قالت عائشة طوّنًا: سبحان من وَسِعَ سمعُه الأصوات(٤). انتهى. وممَّن وصف العَلَمَ بذلك ابنُ خلكان(٥) فقال: إنه رآه مراراً راكباً إلى الجبل وحوله اثنان وثلاثة يقرؤون عليه دفعة واحدة في أماكن من القرآن مختلفة، ويردّ على الجميع(٦). ولما ترجم [التقي](٧) الفاسي(٨) في ((تاريخ مكّة)) الشمس محمَّد بن إسماعيل بن يوسف الحلبي(٩) والد بعض من كتبت عنه(١٠)، قال في ترجمته: (١) هو: علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد الإمام العلامة علم الدين أبو الحسن الهمداني المقرئ المفسر النحوي اللغوي، الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ((العبر)» (١٧٨/٥)، و((غاية النهاية)) (٥٦٨/١ - ٥٧١). (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (م). (٣) يعني: الذهبي في ((معرفة القراء الكبار)) (٥٠٤/٢ - ٥٠٥). (٤) أخرجه البخاري في باب (وكان الله سميعاً بصيراً) كتاب التوحيد (٣٧٢/١٣) معلقاً مجزوماً به، وأحمد في المسند (٤٦/٦)، والنسائي: باب الظهار، كتاب الطلاق (١٦٨/٦)، وابن ماجه: باب فيما أنكرت الجهمية - المقدمة - رقم (١٨٨)، كلهم بلفظ: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. (٥) هو: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، شمس الدين الإربلي، الشافعي القاضي، المتوفى سنة إحدى وثمانين وستمائة. ((فوات الوفيات)) لابن شاكر (١١٠/١ - ١١٨)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي (٣٠٨/٧ - ٣١٦). (٦) ((وفيات الأعيان)) (٣٤١/٣). (٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٨) هو: محمد بن أحمد بن علي الحسني الفاسي المكي، المالكي، شيخ الحرم، تقي الدين، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة. ((الضوء اللامع)) (١٨/٧ - ٢٠)، و((البدر الطالع)) (١١٤/٢ - ١١٥). (٩) المقرئ، نزيل مكة المشرفة، المتوفى سنة أربع عشرة وثمانمائة. ((العقد الثمين)) (٤١٦/١ - ٤١٨)، و((التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة)) للسخاوي (٥٢٧/٣ - ٥٢٨). (١٠) هو: ابنه محمد بن محمد المعروف بابن الحلبي، وبابن أخت الفرس، المتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة. = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحدیث ٣٧٣ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين وكان في بعض الأحايين يقرأ في موضع من القرآن، ويقرأ عليه في موضع آخر، ويكتب في موضع آخر، فيصيب فيما يقرؤه ويكتبه، وفي الردَّ بحيث لا يفوته شيء من ذلك على ما بلغني. قال: وهذا نحو ما حُكي عن بعض القراء أنَّ كان يسمع ثلاثة [نفر](١) يقرؤون عليه دفعة واحدة في أماكن مختلفة، وَعِيبَ ذلك على هذا المقرئ(٢). قلت: وكأنَّه عنى السَّخاويّ، وكذا قال شيخنا: إنَّه شوهد ذلك من الحلبي مراراً. انتهى (٣). وفيه تساهلٌ وتفريطٌ، ومقابله في التشدُّد والإفراط فيه ما حكاه الخطيب في ترجمة الحافظ أبي عبد الله محمَّد بن علي بن عبد الله بن محمَّد الصّوري (٤)، أنَّه كان مع كثرة طلبه وكتبه صعب المذهب فيما يسمعه، ربما كرَّر قراءة الحديث الواحد على شيخه مرات(٥). ٤٢٢ (وذاك) أي: التفصيل المذكور في مسألة النَّسخ (يجري في الكلام) من كل من السَّامع والمُسْمِع في وقت السَّماع، وكذا في إفراط القارئ في الإسراع (أو إذا هينم) أي: أخفى صوته (حتى خفي) في ذلك كله (البعض) و(كذا إن ٤٢٣ بعد السَّامع) عن القارئ، أو كان في سمعه أو المُسْمِع بعض ثقل، أو عرض نعاس خفيف، بحيث يفوت سماع البعض. (ثم) مع اعتماد التفصيل في كل ما سلف (يحتمل) يعني: يغتفر (في الظاهر) من صنيعهم في المسموع (الكلمتان) إذا فاتتا (أو أقل) كالكلمة. وقد سئل أبو إسحاق الإسفرائيني عن كلام السَّامع أو المُسْمِع غير المتَّصل، وعن القراءة السَّريعة والمدغمة التي يشذ منها الحرف والحرفان، والإغفاء اليسير؟. = ((الضوء اللامع)) للسخاوي (٥٤/٩). (١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٢) ((العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)) (٤١٧/١). (٣) ((إنباء الغمر)) لابن حجر (٤٢/٧). (٤) الشامي الساحلي، الإمام البارع الأوحد، المتوفى سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. ((المنتظم)) لابن الجوزي (١٤٣/٨ - ١٤٥)، و((العبر)) (١٩٧/٣ - ١٩٨). (٥) (تاريخ بغداد)) (١٠٣/٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٧ /٦٢٨). تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٧٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث فأجاب: إذا كانت كلمة لا تلهيه عن السَّماع جازت الرِّواية، وكذا لا يمنع ما ذكر بعد ذلك من السَّماع، وإذا لم يكن الإدغام يجوز في اللّغة يكون حينئذٍ تاركاً بعض الكلمة (١). انتهى. بل توسَّعوا حين صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد لأكثر من ذلك، بحيث كان يكتب السَّماع عند المزِّي، وبحضرته لمن يكون بعيداً عن القارئ، وكذا للناعس والمتحدث والصِّبيان الذين لا ينضبط أحدهم، بل يلعبون غالباً، ولا يشتغلون بمجرد السَّماع. حكاه ابن كثير (٢). قال: وبلغني عن القاضي التقي سليمان بن حمزة(٣) أنَّه زجر في مجلسه الصِّبيان عن اللعب، فقال: لا تزجروهم، فإنَّا إنَّما سمعنا مثلهم (٤). وكذا حكي عن ابن المحب الحافظ التَّسامح في ذلك، ويقول: كذا كنا صغاراً نسمع، فربما ارتفعت أصواتنا في بعض الأحيان والقارئ يقرأ فلا ينكر علينا من حضر المجلس من كبار الحفّاظ كالمزي والبرزالي(٥) والذَّهبي، وغيرهم من العلماء. وقال الذَّهبي: كان شيخنا ابن أبي الفتح(٦) يُسرع في القراءة ويُعرب، لكنه يُدغم بعض ألفاظه، ومثله ابن حبيب(٧)، وكان شيخنا أبو العباس - يعني: (١) في حاشية (س): يعني فيكون مانعاً. (٢) في ((اختصار علوم الحديث)) (ص١١٦)، والذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٩٩/٤). (٣) هو: سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن قدامة المقدسي، ثم الصالحي، القاضي تقي الدين أبو الفضل الحنبلي، المتوفى سنة خمس عشرة وسبعمائة. ((الذيل على طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٣٦٤/٢ - ٣٦٦)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢٤١/٢ - ٢٤٣). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص١١٦). (٥) هو: القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي، علم الدين بن بهاء الدين الدمشقي الحافظ، المتوفى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ((الدرر الكامنة)) (٣٢١/٣ - ٣٢٣)، وشذرات الذهب (١٢٢/٦). (٦) هو: أبو عبد الله محمد بن أبي الفتح البعلبكي، الفقيه الحنبلي، المتوفى سنة تسع وسبعمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٠١/٤)، و((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٣٥٦/٢ - ٣٥٧). (٧) هو: المحدث الحافظ أبو القاسم عمر بن حسن بن عمر بن حبيب الدمشقي الحلبي، المتوفى سنة ست وعشرين وسبعمائة. = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٧٥ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ابن تيمية - يُسرع ولا يُدغم إلا نادراً، وكان المزِّي يُسرع ويبين، وربما تَمْتَمَ يسيراً. انتهى. وممن وُصف بسرعة السَّرد مع عدم اللَّحن والدمج البرزالي(١)، ومن قبله الخطيب الحافظ، بحيث قرأ البخاري على إسماعيل بن أحمد النَّيسابوري الحيري الضّرير(٢) راويه عن الكشميهني (٣) في ثلاثة مجالس، اثنان منها في ليلتين، كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب، ويختم عند صلاة الفجر، والثَّالث من ضحوة نهار إلى طلوع الفجر (٤). قال الذّهبي: وهذا شيء لا أعلم أحداً في زماننا يستطيعه. انتهى (٥). وقد قرأه شيخنا في أربعين ساعة فَلَكيَّة، وصحيح مسلم في أربعة مجالس، سوى الختم من نحو يومين وشيء، فإنَّ كلَّ مجلسٍ كان من باكر النهار إلى الظهر(٦). وأسرع من علمته قرأ من الخطوط المتنوعة في عصرنا مع الصِّحَّة، بحيث لم ينهض الأكابر لضبط شاذَّة ولا فاذةً عليه في الإعراب خاصَّة، مع عدم تبييت مطالعة شيخنا ابن خضر (٧)، ولكن ما كان يخلو من هَذْرَمة (٨). = ((ذيل تذكرة الحفاظ)) للسيوطي (ص٣٥٧ - ٣٥٨)، وطبقات الحفاظ له (ص٥٢٦). (١) ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٢٢/٣ -٣٢٣). (٢) الزاهد، أحد الأعلام، صاحب التصانيف في القراءات والحديث والوعظ، المتوفى سنة ثلاثين وأربعمائة. (العبر)) (١٧١/٣)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (١٠٤/١ - ١٠٥). (٣) هو: المحدث الثقة أبو الهيثم محمد بن مكي بن محمد بن مكي بن زراع المروزي الكشميهني، المتوفى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. ((الأنساب)) للسمعاني (١١٦/١١ - ١١٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٩١/١٦). (٤) ((تاريخ بغداد)» (٣١٤/٦). (٥) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات سنة ٤٦٣) (ص٩٩). (٦) انظر: ((لحظ الألحاظ)) لابن فهد (ص٣٣٦). (٧) هو: الفقيه برهان الدين إبراهيم بن خضر بن أحمد بن عثمان العثماني، القصوري الأصل، الشافعي، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. ((الضوء اللامع)) (٤٤/١ - ٤٥)، و((نظم العقيان)) للسيوطي (ص١٥ - ١٦). (٨) في ((القاموس)): الهذرمة سرعة الكلام والقراءة، وفي ((تهذيب اللغة)) (٥٣١/٦): الهذرمة كثرة الكلام. تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وأسرع ما وقع لي اتفاقاً أنّني قرأت في جلسة نحو من خمس ساعات من مواقيت الصَّلاة في صحيح البخاري إلى الصّيام. ٤٢٤ (وينبغي) على وجه الاستحباب حيث لم ينفكّ الأمر غالباً عن أحد أمور: إمّا خلل في الإعراب، أو في الرّجال، أو هَذْرمة أو هَيْنَمة، أو كلام يسير، أو نُعاس خفيف، أو بعد، أو غير ذلك (للشَّيخ) المُسْمِع (أن يجيز) للسَّامعين رواية الكتاب أو الجزء أو الحديث الذي رواه لهم، (مع إسماعه) لهم (جبراً لنقص) يصحب السَّماع (إن يقع) بسبب شيء مما ذكر. وما أحسنَ قولَ ابن الصَّلاح فيما وجد بخطّه لمن سمع منه صحيح البخاري: وأجزت له روايته عني مخصصاً منه بالإجازة ما زل عن السَّمع، الغفلة، أو سقط عند السَّماع بسبب من الأسباب. وكذا كان ابن رافع يتلفظ بالإجازة بعد السَّماع قائلاً: أجزت لكم روايته عني سَمَاعاً، وإجازة لما خالف أصل السَّماع إن خالف. بل (قال) مفتي قرطبة (١) وعالمها (ابن عتَّب) بمهملة ثم فوقانية مشدّدة، هو: أبو عبد الله محمد الجُذامي، المتوفى في صفر سنة اثنتين وستين وأربعمائة(٢)، فيما رويناه من طريق ولده أبي محمّد عبد الرّحمن(٣)، وأبي علي الغَسَّاني (٤) عنه ما معناه: ٤٢٥ (١) قرطبة: مدينة عظيمة بالأندلس، وسط بلادها، وكانت سريراً لملكها، وقصبتها، وبها كانت ملوك بني أمية ومعدن الفضلاء، ومنبع النبلاء من ذلك الصقع. انظر: ((معجم البلدان» (٣٢٤/٤ - ٣٢٥)، و((نفح الطيب)) (١٤٥/١ - ١٤٨). (٢) ترجمته في: ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٨١٠/٤ - ٨١٣)، و((الديباج المذهب)) (٢٤١/٢ - ٢٤٢). (٣) في حاشية (م): أي ابن عتاب، وهو عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بن محسن القرطبي، أبو محمد، آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس في علو الإسناد وسعة الرواية، المتوفى سنة عشرين وخمسمائة. ((الصلة)) لابن بشكوال (٣٤٨/٢)، و((أزهار الرياض)) لعياض (١٦٠/٣). (٤) هو: الحسين بن محمد بن أحمد الغساني، أبو علي، إمام محدث حافظ، عالم بالرجال، توفي سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. (بغية الملتمس)) للضبي (ص٢٦٥ - ٢٦٦)، و((وفيات الأعيان)) (١٨٠/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٣٧٧ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين (و) الذي أقول: إنه (لا غنى) - بالقصر للمناسبة(١) - لطالب العالم، يعني في زمنه فما بعده (عن إجازة) بذاك الدِّيوان أو الحديث (مع السَّماع) له (تقرن) به، لجواز السهو أو الغفلة أو الاشتباه على الطالب والشَّيخ معاً، أو على أحدهما(٢) . وكلامه إلى الوجوب أقرب، وهو الّاهر من حاله، فإنَّه كان كثيرَ الاحتياط والورع، حتَّى إنَّه لكون مدار الفتوى عليه كان يخاف عاقبتها، ويظهر مهابتها، حَتَّى كان يقول: من يحسدني فيها جعله الله مفتياً، وددت أني أنجو منها كَفافاً . ثم على كاتب الطبقة استحباباً التنبيه على ما وقع من إجازة المُسْمِع فيها، ويقال: إن أول من كتبها في الطباق الحافظ المتقن تقيّ الدّين أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن بن الأنماطي، المصري الشَّافعي، المتوفَّى في سنة تسع عشرة وستمائة، وكان دأبه النّصح، وكثرة الإفادة، بحيث إنّه استجاز لخلق ابتداء منه بدون مسألة من أكثرهم. وتبعه في هذه السنَّة الحسنة - أعني: كتابة الإجازة في الطّباق - من بعده، وحصل بذلك نفع كثير، فلقد انقطعت بسبب إهمال ذلك وتركه ببعض البلاد رواية بعض الكتب، لكون راويها كان قد فاته ذلك، ولم يوجد في الطّبقة إجازة المُسْمِع للسامعين، فما أمكن قراءة ذلك الفَوْتِ عليه بالإجازة لعدم تحققها . كما اتفق في أبي الحسن علي بن نصر الله بن الصَّواف الشَّاطبي(٣) في ((السنن الصغرى)) للنَّسائي، لم يأخذوا عنه سوى مسموعه منه(٤) على الصفي (١) في حاشية (م): أي ليكون ثالث تفعيلاته كالثالث من تفعيلات ما بعده ... في الحذف، بخلافه ممدوداً، وإن اتزن وزال معه علة الحذف. (٢) ((الإلماع)) للقاضي عياض (ص٩٢)، وترتيب المدارك له (٨١٢/٤)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص ١٣٠). (٣) القرشي المصري، نور الدين الخطيب، الشافعي، المتوفى سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. ((ذيول العبر)) (ص٧١)، و((الدرر الكامنة)) (٢١٠/٣). (٤) مسموعه جميع السنن الصغرى سوى الجزء الأول منها. انظر: معجم الشيوخ لابن فهد (ص٩٦). تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٧٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أبي بكر بن باقاً (١) فقط، هذا مع قرب سماعه من الوقت الذي ابتكر فيه ابن الأنماطي كتابتها، ولكن لعله لم [يكن] (٢) اشتهر. على أنّي قد وقفت على من سبق الأنماطي لذلك في كلام القاضي عياض حيث قال: وقفت على تقييد سماع لبعض نُبهاء الخراسانيين من أهل المشرق بنحو ما أشار إليه ابن عَتَّاب، فقال: سمع هذا الجزء فلان وفلان على الشَّيخ أبي الفضل عبد العزيز بن إسماعيل البخاري، وأجاز ما أغفل وصحف، ولم يصغ إليه أن يروي عنه على الصِّحَّة. قال القاضي: وهذا منزع نبيل في الباب جداً. انتهى(٣). وتغتفر [الجهالة](٤) بالقدر الذي أجيز بسببه، ولا يلزمه الإفصاح بذلك حين روايته، إلا إن كثر، لأن المخبر حينئذٍ أنَّه سَمع كاذب، لعدم مطابقته للواقع، ولا تُجبر الإجازةُ مثلَ هذا. نعم. إن أطلق الإخبار كان صادقاً - كما سيأتي في أواخر ثالث أقسام التّحمل(٥) - وإنما كره إطلاقه في الإجازة المحضة، لمخالفته العادة، أو لإيقاعه تهمة إذا علم أنه لم يسمع أصلاً، وذلك معدوم هنا؛ لا سيما إذا كان السَّماع مثبتاً بغير خطه، لانتفاء الرّيبة عنه بكل وجه. أشار إليه ابن دقيق (٦) العيد(٦). وإذ انتهت مسألة الإجازة - التي كان تأخيرها أنسب، لتعلق ما قبلها بما بعدها، ولتكون فرعاً مستقلاً، ولكن هكذا هي عند ابن الصَّلاح(٧) -، فاعلم أنّه قد تقدَّم(٨) اغتفار الكلمة والكلمتين، يعني: سواء أخلّتا أو إحداهما بفهم الباقي أم لا؛ لأنَّ فهم المعنى لا يُشْتَرط؛ وسواء كان يعرفهما أم لا . (١) هو: الشيخ الأجل أبو بكر عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن باقا السيبي الأصل، البغدادي المولد، المصري الدار، الحنبلي، المتوفى سنة ثلاثين وستمائة. ((التكملة)) للمنذري (٣٤٩/٣)، و((الذيل على طبقات الحنابلة)) (١٨٧/٢). (٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): يك. (٣) ((الإلماع)) (ص٩٢ - ٩٣). (٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): للجهالة. (٥) (ص٤٨٤). (٦) ((الاقتراح)) (ص٢٣٠ - ٢٣١). (٨) (ص٣٧٣). (٧) في ((علوم الحديث)) (ص١٣٠). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٣٧٩ تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين والظّاهر أنّ هذا بالنّسبة إلى الأزمان المتأخِّرة، وإلّا ففي غير موضع من كتاب النَّسائي يقول: وذكر كلمة معناها كذا وكذا(١)، لكونه ــ فيما يظهر ــ لم يسمعها جيداً وعلمها . ٤٢٦ (وسُئل) الإمام أحمد هو: (ابن حنبل) من ابنه صالح(٢)، حیث قال له: (إن) أدمج الشَّيخ أو القارئ (حرفا) يعني: لفظاً يسيراً (أدغمه) فلم يفهمه السَّامع، أي: لم يسمعه مع معرفته أنه كذا وكذا، أترى له أن يرويه عنه؟. (فقال: أرجو) أنه (يعفى) عن ذلك، ولا يضيق الحال عنه. رواه البيهقي في ((مناقب أحمد))، فقيد العفو بكونه يعرفه. وتمامه قال صالح: فقلت له: الكتاب قد طال عهده عن الإنسان، لا يعرف بعض حروفه، فيخبره بعض أصحابه؟ قال: إن كان يعلم أنَّه كما في الكتاب فلا بأس به. قال البيهقي: يعني: يوقفه على الصَّواب، فينظر في الكتاب، ويعلم أنَّه كما قال (٣) (لكن) الحافظ (أبو نعيم الفضل) بن دكين (منع) من سلوكه (في الحرف) ٤٢٧ يعني: في اللَّفظ اليسير مِمَّا يشرد عنه في حال سماعه من سفيان والأعمش الذي (يستفهمه) من بعض الحاضرين من أصحابه (ف)قال: (لا يسع) من وقع له مثله، (إلا بأن) أي: أن (يروي تلك) الكلمة (الشَّاردة عن مفهم) أفهمه إياها من ٤٢٨ صاحب ونحوه(٤). (ونحوه) مروي (عن زائدة) هو ابن قدامة، قال خلف بن تميم (6): (١) انظر - مثلاً -: باب القول الذي يفتتح به الصلاة، كتاب الصلاة (١٢٥/٢). (٢) هو: صالح ابن الإمام أحمد بن حنبل، أكبر أولاده، أبو الفضل القاضي، المتوفى سنة خمس أو ست وستين ومائتين. ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (١٧٣/١ - ١٧٦)، وأخبار أصبهان (٣٤٨/١ - ٣٤٩). (٣) انظر بعض هذا الكلام في: ((الكفاية)) (ص١٢٤). (٤) ((الكفاية)) (ص١٢٩). (٥) هو: خلف بن تميم بن أبي عتاب الكوفي، أبو عبد الرحمن، الناسك المجاهد، المتوفى سنة ست عشرة، وقيل: ثلاث عشرة ومائتين. = تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين ٣٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث سمعت من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت الزائدة؟ فقال لي: لا تحدِّث منها إلَّا بما تحفظ بقلبك، وتسمع بأذنك، قال: فألقيتها(١). وحكي عن أبي حنيفة مثله. وكلّ هذا - إن لم يفرق بين من علم بنفسه أو استفهم، أو بأنَّ الأول في الحرف الحقيقي، والثاني في الكلمة - يخالف المحكي عن أحمد. ٤٢٩ ٤٣٠ (و) أيضاً: فأحد الحفّاظ المتقنين، أبو محمَّد (خلف بن سالم) المخرَّمي(٢) - بالتشديد نسبة لمحلة ببغداد ــ (قد قال: نا) مقتصراً على النون والألف (إذ فاته حدث من حدَّثنا من قول) شيخه (سفيان) بن عيينة، حين تحديثه عن عمرو بن دينار بخصوصه، فكان يقال له: قل حدثنا، فيمتنع، ويقول: إنه لكثرة الزحام عند سفيان لم أسمع شيئاً من حروف حدَّث(٣)، فهذا مخالف لأحمد بلا شك. هذا (وسفيان) شيخه (اكتفى بـ) سماع (لفظ مستمل عن) لفظ (المملي) إذ المستملي (اقتفى) أي: اتبع لفظ المملي، وذلك أن أبا مسلم المستملي (٤) قال له: إنّ النّاس كثير لا يسمعون، فقال: أتسمع أنت؟ قال: نعم، قال: فأسمعهم(٥)، ولعل سماع خلف لم يكن في الإملاء. (كذاك) أبو إسماعيل (حماد بن زيد أفتى) من استفهمه في حال إملائه، ٤٣١ = ((الجرح والتعديل)) (٣٧٠/٢/١)، و((الكاشف)) (٢٨١/١). (١) ((الكفاية)) (ص١٢٦)، و((الإلماع)) (ص١٣٦ - ١٣٧). (٢) هو: خلف بن سالم المخرمي المهلبي مولاهم، أبو محمد السندي، البغدادي، الحافظ، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ((التاريخ الأوسط)) للبخاري (٢٥٣/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (١٥٢/٣ - ١٥٤). (٣) («الكفاية)) (ص١٢٥). (٤) هو: عبد الرحمن بن يونس بن هاشم، أبو مسلم المستملي، البغدادي، مولى المنصور، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين. ((الاستغناء في معرفة المشهورين بالكنى)) لابن عبد البر (٧٠١/٢) و((تقريب التهذيب)) (ص٢١٢). (٥) ((الكفاية)) (ص١٢٨).