Indexed OCR Text

Pages 141-160

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٤١
المقلوب
وله أمثلة (نحو) حديث: (((إذا أقيمت الصلاة) فلا تقوموا حتَّى
تروني))(١) .
٢٤٧
فإنَّه (حدَّثه) أي: الحديث (في مجلس) أبي محمد ثابت بن أسلم البصري
(البناني) بضم أوله، نسبة لمحلة بالبصرة، عرفت بِبُنَانة بن سعد بن لؤي(٢)
(حجاجٌ اعني) بالنقل والتّنوين (ابن أبي عثمان) بالصّرف، هو الصّواف(٣)، عن
يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة (٤)، عن أبيه عن النبي ◌َّ .
(فظنه) أي: الحديثَ (عن ثابت) أبو النضر (جرير) بن حازم(٥)، ورواه ٢٤٨
جرير بمقتضى هذا الظَنِّ عن ثابت البناني عن أنس، كما (بينه حمّاد) هو ابن
زيد (الضَّرير) فيما وصفه به ابن مَنجويه(٦)، وابن حبان(٧) - وهو مما طرأ
(١) رواه البخاري: باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة؟ كتاب الأذان
(١١٩/٢)، ومسلم: باب متى يقوم الناس للصلاة؟ كتاب المساجد (١٠١/٥)،
وأحمد (١٦٠/٣ - ١٦١)، وأبو داود: باب في الصلاة تقام ولم يأت الإمام
ينتظرونه قعوداً، كتاب الصلاة رقم (٥٣٩)، والترمذي: باب ما جاء في الكلام بعد
نزول الإمام من المنبر، أبواب الصلاة بعد الحديث رقم (٥١٧)، والنسائي: باب
إقامة المؤذن عند خروج الإمام، كتاب الصلاة (٣١/٢).
(٢) قاله السمعاني في ((الأنساب)) (٢٢٩/٢ - ٣٣٠) نقلاً عن ابن حبان.
(٣) هو: حجاج بن أبي عثمان الكندي، مولاهم، أبو الصلت البصري، ثقة، مات سنة
ثلاث وأربعين ومائة.
(«الكاشف)» (٢٠٧/١)، والخلاصة (ص٦٢).
(٤) هو: عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري السلمي المدني، أبو إبراهيم، ويقال: أبو يحيى،
مات سنة خمس وقيل: تسع وتسعين.
((تهذيب التهذيب)) (٣٦٠/٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٨٥).
(٥) هو: جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة له أوهام إذا
حدث من حفظه، مات سنة سبعين ومائة.
((الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط)) (ص٣٧١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٥٤).
(٦) هو: الحافظ الإمام المجود أبو بكر أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن منجويه
اليزدي الأصبهاني، نزيل نيسابور، المتوفى سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
انظر: «سير أعلام النبلاء)) (١٧ / ٤٣٨ - ٤٤٠).
ووصف ابن منجويه لثابت بالضرير في ((تهذيب الكمال)) (٢٣٩/٧).
(٧) ((الثقات)) (٢١٨/٦).

المقلوب
١٤٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عليه، لما حكاه ابن أبي خيثمة: أنَّ إنساناً سأل عبيد الله بن عمر أكان حمَّاد
أُمَّاً؟ فقال: أنا رأيته في يوم مَطِيرٍ، وهو يكتب ثمّ ينفخ فيه ليجُفَّ(١) - والراوي
عن حماد لما نبه عليه من غلط جرير إسحاق بن عيسى بن الطَبَّاعِ (٢)، كما رواه
أحمد في العلل عنه(٣)، وكما عند الخطيب في الكفاية(٤)، والبيهقي في
المدخل(٥)، ويحيى بن حسَّان(٦) كما عند أبي داود في المراسيل(٧)، كلاهما
- واللفظ لأولهما - عن حمَّاد قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدَّث حَجَّاج
عن يحيى بن أبي كثير، يعني بهذا الحديث بسنده المتقدم (٨)، فظنَّ جرير أنَّه
فيما حدَّث به ثابت عن أنس، يعني وليس كذلك.
وكذا قال البخاري فيما حكاه عنه التّرمذي في باب ما جاء في الكلام
بعد نزول الإمام من المنبر في كتاب الجمعة من جامعه: ويروى عن حماد بن
زيد، قال: كنا عند ثابت فحدَّث حجَّج الصَّواف وذكره(٩) .
وكذا من أمثلته حديث: ((النَّهي عن كلِّ ذي خطفة، وعن كلِّ ذي نهبة،
وعن كلِّ ذي ناب))(١٠).
(١) ((تهذيب التهذيب)) (١١/٣).
(٢) هو: إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، أبو يعقوب ابن الطباع، نزيل أذنة، قال
البخاري: مشهور الحديث، مات سنة خمس عشرة ومائتين.
((التاريخ الكبير)) (٣٩٩/١/١)، و((تهذيب الكمال)) (٤٦٢/٢ - ٤٦٤).
(٣) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٢٤٣/١).
(٤) لم أقف عليه في ((الكفاية))، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في ((النكت على ابن الصلاح))
(٨٧٣/٢).
(٥) لم أجده فيما طبع من المدخل.
(٦) هو: يحيى بن حسان التنيسي - بكسر المثناة والنون الثقيلة - من أهل البصرة، ثقة
إمام، من التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين.
((الكاشف)) (٢٥٢/٣)، و(تقريب التهذيب)) (ص٣٧٤).
(٧) ((المراسيل)) لأبي داود (ص١٢٧).
(٨) حديث حجاج: أخرجه مسلم: باب متى يقوم الناس للصلاة؟ كتاب المساجد (١٠١/٥)،
والنسائي: باب قيام الناس إذا رأوا الإمام، كتاب الصلاة (٨١/٢).
(٩) سنن الترمذي بعد الحديث رقم (٥١٧).
(١٠) ((النهي عن الخطفة))، رواه الدارمي (١٢/٢) من حديث أبي ثعلبة الخشني.
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٤٣
المقلوب
رواه أبو أيوب الإفريقي(١) عن صفوان بن سليم(٢) عن سعيد بن المسيب عن
أبي الدَّرداء، ولم يسمعه سعيد من أبي الدَّرداء، وإنَّما حدَّث به رجل في
مجلس سعيد عن أبي الدَّرداء، فسمعه أصحاب سعيد منه.
قال سهيل بن أبي صالح: ثنا عبد الله بن يزيد [بن المنبعث(٣)] قال:
سألت سعيد بن المسيب عن الضّبع؟ فقال شيخ عنده: ثنا أبو الدرداء
فذكره(٤). قال الدارقطني: وهذا أشبه بالصّواب(٥).
ونحوه أن ابن عجلان روى عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
هريرة رفعه: ((الدِّين النصيحة)) (٦). فقد قال محمّد بن نصر المروزي: إنّه غلط،
وإنما حدَّث أبو صالح عن أبي هريرة بحديث: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً))(٧).
والنهي عن النهبة: أخرجه البخاري: باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة
=
كتاب الذبائح والصيد (٦٤٣/٩) من حديث عبد الله بن يزيد.
والنهي عن كل ذي ناب: أخرجه البخاري: باب أكل كل ذي ناب من السباع، كتاب
الذبائح والصيد (٩/ ٦٥٧)، ومسلم: باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، كتاب
الصيد والذبائح (٨٢/١٣) عن أبي ثعلبة الخشني.
(١) هو: عبد الله بن علي بن الأزرق، أبو أيوب الإفريقي، قال أبو زرعة: ليس بالمتين،
في حديثه إنكار، هو لين، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ، من السادسة.
((الجرح والتعديل)) (١١٥/٢/٢)، والتقريب (ص١٨٢).
(٢) هو: صفوان بن سليم الزهري مولاهم، المدني، الإمام القدوة، ثقة حجة، مات سنة
اثنتين وثلاثين ومائة.
((الكاشف)) (٢٩/٢)، والخلاصة (ص ١٤٧).
(٣) كذا في الأصول، والذي في ((المسند)) (٤٤٥/٦): السعدي، وهو: عبد الله بن يزيد
البكري السعدي. انظر: ((الثقات)) (١٣/٧)، و((تعجيل المنفعة)) (ص١٦١).
(٤) ((مسند الإمام أحمد)) (١٩٥/٥، ٤٤٥/٦)، و((الثقات)) لابن حبان (١٣/٧).
(٥) العلل للدارقطني (٢٠٤/٦).
(٦) ((سنن الترمذي)): باب ما جاء في النصيحة من أبواب البر والصلة، رقم (١٩٢٧)،
والنسائي: باب النصيحة للإمام، كتاب البيعة (١٥٧/٧) عن ابن عجلان عن القعقاع بن
حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة.
(٧) تتمته: ((ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا
بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال)).
أخرجه مسلم: باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، كتاب الأقضية (١٠/١٢)،
وأحمد في («المسند» (٣٦٧/٢).

١٤٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المقلوب
وكان عطاء بن يزيد (١) حاضراً فحدّثهم عن تميم الدَّاري بحديث: ((إنَّ الدِّينَ
النَّصيحة))(٢)، فسمعهما سهيل منهما، والحاصل أنّه دخل عليه حديثٌ في
حدیثٍ(٣).
ومن هذا القسم ما يقع الغلط فيه بالتّقديم في الأسماء والتّأخير، كُمُرة بن
كعب، فيجعله كعب بن مُرّة (٤)، ومسلم بن الوليد(٥)، فيجعله الوليد بن
مسلم(٦)، ونحو ذلك مما أوجبه كونُ اسمٍ أحدهما اسمَ أبي الآخر.
وقد صنّف كلٌّ من الخطيب وشيخنا في هذا القسم خاصّة، فأمّا الخطيب
ففي ما كان من نمط المثال الأخير فقط، وسمَّاه: ((رافع الارتياب في المقلوب
من الأسماء والأنساب))، وهو في مجلّد ضخم (٧).
(١) هو: عطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي، أبو محمد المدني، ثم الشامي، وثقه ابن
المديني والنسائي وابن حبان، مات سنة سبع وقيل: خمس ومائة.
(«الكاشف» (٢٦٧/٢)، و(«تهذيب التهذيب)) (٢١٧/٧).
(٢) رواه مسلم: باب بيان أن الدين النصيحة، كتاب الإيمان (٣٦/٢ - ٣٧)، وأبو داود:
باب في النصيحة كتاب الأدب، رقم (٤٩٤٤)، والنسائي باب النصيحة للإمام، كتاب
البيعة (١٥٦/٧ - ١٥٧).
(٣) انظر: العلل للدارقطني (١١٥/١٠). وفي حاشية (س): الأمثلة وإن كانت ثلاثة، فالأول
وهو حديث: ((إذا أقيمت الصلاة)) مع حديث: ((النهي عن كل ذي خطفة)) مثالان لنمط
واحد، فكانا كالمثال الواحد، والثالث: وهو حديث: ((الدين النصيحة)) لنمط آخر.
(٤) كعب بن مرة، ويقال: مرة بن كعب السلمي، صحابي سكن البصرة، ثم الأردن، مات
سنة بضع وخمسين. انظر: ((أسد الغابة)) (٤٨٩/٤ - ٤٩٠)، و((تقريب التهذيب))
(ص٢٨٦)، والشك في اسمه في رواية عند أبي داود: باب أي الرقاب أفضل، كتاب
العتق رقم (٣٩٦٧).
وفي ((سنن النسائي)) (٢٧/٦)، وابن ماجه رقم (٢٥٢٢) على الجزم فقالا: كعب بن
مرة .
(٥) هو: مسلم بن الوليد بن رباح المدني، حدث عن أبيه وغيره، روى عنه الدراوردي
وغيره. انظر: ((الجرح والتعديل)) (١٩٧/١/٤ - ١٩٨).
(٦) قلبه الإمام البخاري في ((تاريخه الكبير)) (١٥٣/٢/٤ - ١٥٤)، وقد نبه ابن أبي حاتم
على وهم البخاري في ((الجرح والتعديل))، وفي كتابه ((بيان خطأ البخاري في تاريخه))
(ص ١٣٠).
(٧) انظر: ((شرح النخبة)) (ص٨٧)، و((الخطيب البغدادي)) للطحان (ص١٢٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٤٥
المقلوب
وأمّا شيخُنا: فإنّه أفرد من علل الدَّارقطني مع زياداتٍ كثيرة ما كان من
نمط المثالين اللذين قبله، وسمَّاه: ((جلاء القلوب في معرفة المقلوب))(١).
وقال: إنّه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه، بحيث أدّى الإخلال
به إلى عدّ الحديث الواحد أحاديثَ، إذا وقع القلب في الصَّحابي، ويوجد ذلك
في كلام التِّرمذي فضلاً عمن دونه، حيث يقال: وفي الباب عن فلان وفلان،
ويكون الواقع أنّه حديث واحد اختلف على راويه(٢).
وكان بعض القدماء يبالغ في عيب من وقع له ذلك، فروينا في ((مسند
الإمام أحمد)) عن يحيى بن سعيد القطّان أنّه قال: حدَّث سفيان الثّوري عن
عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النّبي وَ م أنه قال: ((لا تصحب
الملائكة رفقة فيها جرس)).
فقلت له: تعست يا أبا عبد الله، أي: عثرت، فقال: كيف هو؟ قلت:
حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن أبي الجراح(٣) عن أمِّ حبيبة عن
النبي وَلَ(٤)، فقال: صدقت(٥).
وقد اشتمل هذا الخبر على عِظَم دين الثَّوري وتواضعه وإنصافه، وعلى
قُوَّة حافظة تلميذه القطّان، وجرأته على شيخه حتى خاطبه بذلك، ونَبَّهه على
(١) ((الجواهر والدرر)) (٦٨٠/٢)، و((نظم العقيان)) للسيوطي (ص٤٨).
(٢) مثال ذلك في الترمذي حديث: ((الدين النصيحة)) آنف التخريج، حيث رواه عن
أبي هريرة ثم قال: وفي الباب عن تميم الداري ... إلخ.
(٣) هو: أبو الجراح مولى أم حبيبة أم المؤمنين، قيل: اسمه الزبير، وقيل: الجراح، وهو
وهم، قال الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: مقبول من الثالثة.
((الكاشف)) (٣٢١/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٩٨).
(٤) رواه بهذا الإسناد أبو داود: باب في تعليق الأجراس، كتاب الجهاد، رقم (٢٥٥٤)،
والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠/٨ ح ٨٧٦٠).
ورواه مسلم: باب كراهة الكلب والجرس في السفر، كتاب اللباس والزينة (٩٤/١٤)،
وأبو داود في الباب المذكور برقم (٢٥٥٥)، والترمذي: باب ما جاء في كراهية
الأجراس على الخيل من أبواب الجهاد، رقم (١٧٠٣)، عن سهيل بن أبي صالح عن
أبيه عن أبي هريرة.
(٥) ((مسند الإمام أحمد)) (٤٢٦/٦)، وانظر: ((الكنى)) للبخاري (ص١٩).

المقلوب
١٤٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
عثوره، حيث سلك الجادة؛ لأن جُلَّ رواية نافع هي عن ابن عمر، فكان قول
الذي يسلك غيرها - إذا كان ضابطاً - أرجح.
وكذا خطّأ يحيى القطّان شعبة حيث حدَّثوه عنه بحديث: ((لا يجد عبد
طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر))(١)، عن أبي إسحاق عن الحارث(٢) عن علي،
وقال: [ثنا](٣) به سفيان عن أبي إسحاق عن الحارث عن ابن مسعود، وهذا
هو الصّواب(٤).
ولا يتأتى ليحيى أن يحكم على شعبة بالخطأ إلَّا بعد أن يتيقَّن الصَّواب
في غير روايته، فأين هذا ممن يستروح فيقول مثلاً: يحتمل أن يكون عند أبي
إسحاق على الوجهين، فحدَّث به كل مرة [على](٥) أحدهما، وهذا الاحتمال
بعيدٌ عن التَّحقيق، إلا إن جاءت رواية عن الحارث بجمعهما .
ومدار الأمر عند أئمة هذا الفنّ على ما يقوى في الظنّ، وأما الاحتمال
المرجوح فلا تعويل عندهم عليه، انتهى(٦)، مع زيادةٍ وحذفٍ، واختار في
تسمية قسمي العمد الإبدال لا القلب، وأمَّا ابن الجزري فقال في الثاني: إنه
عندي بالمركّب أشبه، وجعله نوعاً مستقلاً(٧).
(١) روى ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١/ ١١٠) عن أنس بن مالك ظه قال: قال
رسول الله وَل : ((لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه،
وما أخطأه لم یکن لیصیبه))، وإسناده حسن.
وروى الترمذي في باب ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره رقم (٢١٤٦)، وابن
ماجه: باب في القدر - المقدمة - رقم (٨١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٣/١) عن
ربعي بن حراش عن علي مظانه قال: قال رسول الله وَلهو: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن
بأربع ... الحديث))، وفيه: ((ويؤمن بالقدر))، وإسناده صحيح.
(٢) هو: الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الكوفي، أبو زهير، شيعي لين، وقال
النسائي: ليس بالقوي، مات سنة خمس وستين.
((الضعفاء)) للنسائي (ص٢٩)، و((الكاشف)) (١٩٥/١).
(٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا. (٤) ((تقدمة الجرح والتعديل)) (ص٢٤٥).
(٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): عن.
(٦) يعني: كلام الحافظ ابن حجر الذي ابتدأ من (ص١٤٥). انظر: ((النكت على ابن
الصلاح)) (٢/ ٨٧٥).
(٧) انظر: الهداية لابن الجزري مع شرحها الغاية للسخاوي (٣٣٩/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٤٧
المقلوب
وأمّا قلب المتن فحقيقته أن يعطى أحد الشّيئين ما اشتهر للآخر، ونحوه
قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الرّاوي،
فيتغير معناه، وربما انعكس، وجعله نوعاً مستقلاً سمَّاه المنقلب(١)، فاجتمع بما
ذكرناه أربعة أنواع، هي في الحقيقة أقسام(٢).
وأمثلته في المتن قليلة، كحديث: ((حتَّى لا تعلَم شمالُه ما تنفق يمينه(٣)).
فإنه جاء مقلوباً بلفظ: ((حتَّى لا تَعْلَمَ يمينُهُ ما تنفق شماله)) (٤).
وما اعتنى بجمعها، [بل](٥) ولا بالإشارة إليها إلَّا أفرادٌ، منهم من
المتأخرين الجلال [ابن](٦) البلقيني(٧) في جزء مفرد، ونَظَمَها في أبيات.
وممَّا ذكره تبعاً لمحاسن والده(٨) - رحمهما الله - حديث عائشة مرفوعاً:
((إن ابن أمِّ مكتوم يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّنَ بلال))(٩). فهو مقلوب؛
إذ الصَّحيح في لفظه عن عائشة: ((إن بلالاً يؤذِّن بليلِ ... الحديث))(١٠). وكذا
(١) انظر: الهداية مع شرحها الغاية (٣٤٣/١).
(٢) تقدم الفرق بين النوع والقسم س(ص١٩).
(٣) هذا جزء من حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. الحديث:
أخرجه البخاري: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، كتاب الأذان (١٤٣/٢)،
ومالك في «الموطأ)) (٩٥٢/٢ - ٩٥٣)، وأحمد في ((المسند)) (٤٣٩/٢)، والترمذي:
باب ما جاء في الحب في الله من أبواب الزهد رقم (٢٣٩٢)، والنسائي: باب الإمام
العادل، كتاب آداب القضاة (٢٢٢/٨ - ٢٢٣).
(٤) رواه مسلم: باب فضل إخفاء الصدقة، كتاب الزكاة (٧/ ١٢٠ - ١٢٢).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٦) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٧) هو: عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصر البلقيني، الإمام العلامة، جلال الدين
أبو الفضل، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة أربع وعشرين وثمانمائة.
((إنباء الغمر)) (٧/ ٤٤٠)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١١٢/٤).
(٨) ((محاسن الاصطلاح)) (ص ١٠٠٢ - ١٠٠٤).
(٩) رواه أحمد في المسند (١٨٦/٦، ٤٣٣)، وابن خزيمة في صحيحه (٢١١/١).
(١٠) رواه البخاري: باب الأذان قبل الفجر، كتاب الأذان (١٠٤/٢)، ومسلم باب بيان أن
الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، كتاب الصيام (٢٠٣/٧)، والنسائي: باب
هل يؤذنان جميعاً أو فرادى، كتاب الصلاة (١٠/٢)، وأحمد (٤٤/٦ - ٤٥)، =

المقلوب
١٤٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
جاء عن ابن عمر (١).
ولم يرتض البلقيني جمعَ ابن خزيمة بينهما بتجويز أن يكون ◌َّ كان جعل
أذانَ اللَّيل نَوْباً بينهما، فجاء الخبران على حسب الحالين(٢)، وإن تابعه ابن
◌ِبَّان عليه، بل بالغ فَجَزَم به(٣) .
وقال البلقيني: إنّه بعيد، ولو فتحنا باب التَّأويل لاندفع كثيرٌ من علل
المحدِّثين(٤)، وأمَّا شيخنا فمال إلى ضعف رواية القلب(٥)، وقال ابن عبد البر:
المحفوظ حديث ابن عمر، وهو الصَّواب(٦).
ومن أمثلته: ما رواه البخاري من طريق عبيد الله بن عمر عن محمَّد بن
يحيى بن حبَّان(٧) عن واسع بن حبَّان عن ابن عُمر، قال: ((ارتقيت فوق بيت
حفصة فرأيت رسول الله وَي﴿ يقضي حاجتَه مستدبر القبلة، مستقبل الشَّام))(٨).
فرواه ابن حبَّان كما في نسخة صحيحة معتمدة قديمة جداً من طريق
والدارمي (٢١٥/١)، وابن خزيمة (٢١٠/١).
=
(١) رواه البخاري: باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، كتاب الأذان (٩٩/٢)،
ومسلم : - الباب المذكور قريباً - (٢٠٢/٧ - ٢٠٣).
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) (١/ ٢١٢).
(٣) ((الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان)) (٢٥٢/٨)، و((موارد الظمآن)) (ص٢٢٤).
(٤) ((محاسن الاصطلاح)) (ص ١٠٠٣ - ١٠٠٤).
(٥) قال ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٠٣/٢): كنت أميل إلى أن الصواب حديث الباب
- يعني حديث ابن عمر - إلى أن رأيت الحديث في ((صحيح ابن خزيمة)) من طريقين
آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه، ثم ساقه.
(٦) نقله عنه ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٠٢/٢).
(٧) هو: محمد بن يحيى بن حبان - بفتح المهملة وتشديد الموحدة - ابن منقذ أبو عبد الله،
الأنصاري المدني، ثقة فقيه، مات سنة إحدى وعشرين ومائة.
((الكاشف)) (١٠٦/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٢٣).
(٨) رواه البخاري: باب التبرز في البيوت، كتاب الوضوء (٢٥٠/١)، ومسلم باب
الاستطابة، كتاب الطهارة (١٥٣/٣)، وأبو داود: باب الرخصة في استقبال القبلة عند
قضاء الحاجة، كتاب الطهارة، رقم (١٢)، والترمذي باب ما جاء في الرخصة في
استقبال القبلة بغائط أو بول، من أبواب الطهارة، رقم (١١)، والنسائي: باب الرخصة
في استقبال القبلة في البيوت عند الحاجة، كتاب الطهارة (٢٣/١ - ٢٤)، وابن ماجه:
باب الرخصة في ذلك في الكنيف، كتاب الطهارة رقم (٣٢٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٤٩
المقلوب
وهيب عن عُبيد الله بن عمر وغيره عن محمَّد بن يحيى، بلفظ: ((مستقبلَ القبلة
مستدبرَ الشَّام))(١). رواه عن الحسن بن سفيان(٢) عن إبراهيم بن الحجّاج (٣) عن
وهيب وهو مقلوب.
وقد رواه الإسماعيلي في ((مستخرجه)) عن أبي يعلى عن إبراهيم، فقال:
((مستدبرَ القبلة مستقبلَ الشَّام)) كالجادّة، فانحصر في الحسن بن سفيان أو ابن
حبان (٤).
(تنبيهات) ثلاثة، إرداف أنواع الضَّعيف بها مناسب، كما أردف الصَّحيح
والحسن بما يناسبهما، لکن کان جمع أولیھما(٥) بمكانٍ واحدٍ - لكونهما
كالمسألة الواحدة - أنسب.
* أحدها: (وإن تجد متناً) أي: حديثاً (ضعيفَ السَّند فَقُلْ) فيه: هو ٢٤٩
(ضعيف أي بهذا) السَّند بخصوصه (فاقصد) أي: انو ذلك، فإن صرحت به
فأولى، [ويتأكد ممن لم يستقص طرقه](٦).
(١) (صحيح ابن حبان)) (٢/ ٤٩٧).
(٢) هو: الحسن بن سفيان بن عامر، الحافظ الإمام، شيخ خراسان، أبو العباس الشيباني
النسوي، صاحب المسند الكبير، المتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٧٠٣/٢ - ٧٠٥).
(٣) هو: إبراهيم بن الحجاج النيلي، أبو إسحاق البصري، ذكره ابن حبان في الثقات،
وقال الذهبي: وثق، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
((تهذيب الكمال)) (٧١/٢ - ٧٢)، و((الكاشف)) (٧٨/١).
(٤) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به عوداً على بدء. كتبه مؤلفه.
ملحوظة: انظر: بحث المقلوب في:
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٩١ - ٩٢).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٢٨٢/١ - ٢٨٨).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٨٦٤/٢ - ٨٨٦).
٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٩١ - ١٩٤).
٥ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٩٨/٢ - ١٠٧).
(٥) في حاشية (م): أي أول ما أردف هنا، وأول ما أردف هناك، فإن الذي أردف هناك
قوله: والحكم للإسناد بالصحة، والذي هنا: وإن تجد متناً ضعيف السند.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

المقلوب
١٥٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٥٠
٢٥١
(بل يقف) جواز (ذاك) أي: الإطلاق (على حكم إمام) من أئمة
الحديث، صحيح الاطلاع، معتبر الاستقراء والتَّتبع (يصف بيان) وجه (ضعفه)
أي: الحديث، بأنّه ليس له إسناد يثبت هذا المتن بمثله، أو بأنَّه ضعيف بشذوذ
أو نكارة أو نحوهما .
(فإن أطلقه) أي: أطلق ذاك الإمام الضَّعف (فالشَّيخ) ابن الصَّلاح (فيما
بعد) بيسير، ذيل مسألة كون الجرح لا يقبل إلا مفسَّراً (قد حقَّقه)(١).
ثُمَّ إنَّ ما ذهب إليه من المنع إمّا أن يكون بالنّسبة لمن لم يفحص عن
الطّرق ويبحث عنها، أو مطلقاً كما اختاره شيخنا، حيث قال: والظّاهر أنَّه
مشى على أصله في تعذر استقلال المتأخِّرين بالحكم على الحديث بما يليق
به، والحُّ خلافه كما تقرَّر في موضعه.
فإذا بلغ الحافظ المتأهِّل الجهد وبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن
من مظانِّه فلم يجده إلَّا من تلك الطريق الضّعيفة، ساغ له الحكم بالضعف بناء
على غلبة الظنِّ، وكذا إذا وجد جزم إمام من أئمّة الحديث بأن راويه الفلاني
تفرَّد به، وعرف المتأخر أنَّ ذاك المتفرد قد ضعف بقادح - أيضاً (٢) ..
ووراء هذا أنّه على كل حال يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي
أبداها المُناظر وينقطع؛ إذ الأصل عدم ما سواها، حتَّى يثبت بطريقٍ أخرى.
قاله ابن كثير(٣).
* ثانيها: (وإن ترد نقلاً لـ) حديث (واهٍ) يعني: ضعيفاً، قَلَّ الضَّعف أو
كثر، ما لم يبلغ الوضع (أو لما يشك) من أهل الحديث (فيه) أصحيح أو
ضعيف، إمَّا بالنَّظر إلى اختلافهم في راويه، أو غير ذلك (لا بـ) إبراز
٢٥٣
(١) ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٩٨).
(٢) ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٨٨٧/٢).
(٣) ((اختصار علوم الحديث))، لابن كثير (ص ٩٠).
(ولا تضعف) ذاك المتن (مطلقاً بناءا) بالمد (على) ضعف ذاك (الطَّريق؛
إذ لعلَّ) ، (جاءا) بالمد - أيضاً - (بسند) آخر (مجود) يثبت المتن بمثله، أو
بمجموعهما .
٢٥٢

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٥١
المقلوب
(إسنادهما) أي: المشكوك فيه، والمجزوم به، بل بمُجرَّد إضافتهما إلى النَّبِيلِه
أو إلى الصَّحابي، أو من دونه، بحيث يشمل المعلَّق.
(فأت بتمريض كيُروى) ويُذكر، وبلغنا، ورَوَى بعضُهم، ونحوها من صيغ ٢٥٤
التَّمريض، التي اكتفي بها عن التَّصريح بالضَّعف، ولا تجزم بنقله، خوفاً من
الوعيد، واحتياطاً، فإن سُفْتَ إسنادهما فيؤخذ حكمه مما بعده.
(واجزم) فيما تورده لا بسندٍ (بنقل ما صحَّ) بالصِّيغ المعروفة بالجزم
(كقال) ونحوها (فاعلم) ذلك، ولا تنقله بصيغة التَّمريض، وإن فعله بعض
الفقهاء، واستحضر ما أسلفته لك من كلام النَّووي وغيره مما يتعلَّق بهذه
المسألة عند التَّعليق(١).
* ثالثها: (وسهَّلوا في غير موضوع رووا) حيث اقتصروا على سياق ٢٥٥
إسناده، (من غير تبيين لضعف) لكن فيما يكون في التَّرغيب والتَّرهيب من
المواعظ والقصص، وفضائل الأعمال، ونحو ذلك خاصَّةً.
(ورأوا بيانه) وعدم التّساهل في ذلك ولو ساقوا إسناده (في) أحاديث ٢٥٦
(الحكم) الشّرعي من الحلال والحرام وغيرهما، (و) كذا في (العقائد)
كصفات الله - تعالى - وما يجوز له، ويستحيل عليه، ونحو ذلك.
ولذا كان ابن خزيمة وغيره من أهل الدِّيانة إذا روى حديثاً ضعيفاً قال:
[ثنا] (٢) فلان مع البراءة من عُهْدته، وربما قال هو والبيهقي: إن صحَّ الخبر(٣).
وهذا التَّساهل والتَّشديد منقول (عن ابن مهدي) عبد الرَّحمن (وغير واحد)
من الأئمَّة كأحمدَ بن حنبل، وابنٍ معين(٤)، وابنِ المبارك(٥) والسُّفيانَيْنِ(٦)،
(١) (٩٩/١).
(٢) کذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٣) «صحيح ابن خزيمة)) (٧١/١، ٣٠٦/٣، ٤٤/٤، ٩٥)، و((سنن البيهقي الكبرى)) (٩٦/١).
(٤) قال في موسى بن عبيدة: يكتب من حديثه الرقاق. انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن
رجب (٧٣/١ - ٧٤)، مع قوله في ((تاريخه)) (٢٥٨/٣): لا يحتج به - يعني في
الأحكام -.
(٥) انظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣٠/١/١ -٣١).
(٦) ((الكفاية)) (ص٢١٢).

المقلوب
١٥٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بحيث عَقَد أبو أحمد ابن عدي في مقدمة كامله، والخطيب في كفايته(١) لذلك
باباً .
وقال ابن عبد البرِّ: أحاديثُ الفضائل لا يحتاج فيها إلى من يُحتَجُّ
به (٢) .
وقال الحاكم: سمعت أبا زكريا العنبري(٣) يقول: الخبر إذا ورد لم يحرِّم
حلالاً، ولم يُحِلَّ حراماً، ولم يوجب حكماً، وكان في ترغيب أو ترهيب،
أُغمِضَ عنه، وتُسهِّل في رواته (٤).
ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في ((المدخل)): إذا روينا عن
النَّبِي ◌َّ في الحلال والحرام والأحكام شدَّدنا في الأسانيد وانتقدنا في
الرِّجال، وإذا روينا في الفضائل والثَّواب والعقاب سهَّلنا في الأسانيد،
وتسامحنا في الرِّجال(٥).
ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه: الأحاديثُ الرقائق يحتمل أن
يُتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم(٦).
وقال في رواية عبّاس الدُّوري (٧) عنه: ابن إسحاق رجل تُكتَبُ عنه هذه
(١) (ص٢١٢ - ٢١٣).
(٢) التمهيد (٣٩/٦) وقال في ((جامع بيان العلم)) له (٢٢/١): أهل العلم
بجماعتهم يتساهلون في الفضائل، فيروونها عن كل، وإنما يتشددون في
أحاديث الأحكام .
(٣) هو: العلامة المحدث المفسر الأديب يحيى بن محمد بن عبد الله بن العنبر العنبري،
المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٨٦٥/٣ - ٨٦٦)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (٣٧٥/٢ - ٣٧٦).
(٤) ((المدخل)) للحاكم (ص٨٤)، و((الكفاية)) (ص ٢١٣).
(٥) ((المدخل إلى دلائل النبوة)) (٣٤/١) مع الدلائل، و((المدخل)) للحاكم (ص٨٣ - ٨٤).
(٦) ((الكفاية)) (ص ٢١٣).
(٧) هو: الإمام الحافظ عباس بن محمد بن حاتم الدوري، أبو الفضل، مولى بني هاشم
البغدادي، المتوفى سنة إحدى وسبعين ومائتين.
((تذكرة الحفاظ)) (٥٧٩/٢ - ٥٨٠)، و((العبر)) (٤٨/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥٣
المقلوب
الأحاديث - يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال والحرام أردنا [قوماً](١)
هكذا، وقبض أصابعَ يديه الأربع(٢) .
لكنه احتجَّ [رَخْذَثُهُ](٣) بالضعيف حيث لم يكن في الباب غيره، وتبعه أبو
داود، وقدماه على الرّأي والقياس(٤).
ويقال عن أبي حنيفة - أيضاً - ذلك(٥)، وإن الشَّافعي يَحتجُّ بالمرسل إذا
لم يجد غيره كما سلف كل ذلك في أواخر الحسن(٦).
وكذا إذا تلقت الأمة الضَّعيف بالقَبول يعمل به على الصَّحيح، حتَّى إنه
ينزل منزلة المتواتر في أنَّه ينسخ المقطوع به(٧)، ولهذا قال الشَّافعي [كَُّهُ](٣)
في حديث: ((لا وصيَّةَ لوارثٍ))(٨): إنَّه لا يُثبته أهلُ الحديث، ولكن العامَّة تلقَّتْه
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أقواماً.
(٢) ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (٦٠/٣ - ٦١)، و((المدخل إلى دلائل النبوة))
(٣٧/١ - ٣٨).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٤) انظر: ((خصائص المسند)) لأبي موسى المديني (ص٣٧)، و((المسودة)) لآل تيمية
(ص٢٧٣، ٢٧٥)، و((إعلام الموقعين)) (٣١/١، ٨١)، و((الفروسية)) (ص٤٨)،
و((الآداب الشرعية)) لابن مفلح (٣١٥/٢ - ٣١٦)، و((رسالة أبي داود إلى أهل مكة))
(ص٢٥، ٣٠).
(٥) انظر: ((الإحكام)) لابن حزم (٩٢٩/٧)، و((مناقب أبي حنيفة)) للذهبي (ص٢١)،
و ((مرقاة المفاتيح)) لعلي القاري (٣/١).
(٦) (١٤٧/١) وما بعدها .
(٧) انظر: نسخ الكتاب - المقطوع - بالسنة في: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي
(٣٢/٢)، و((الإتقان)) للسيوطي (٦٠/٣).
(٨) رواه أبو داود: باب ما جاء في الوصية للوارث، كتاب الوصايا، رقم (٢٨٧٠)، وفي
باب تضمين العارية، كتاب البيوع والإجارات، رقم (٣٥٦٥)، والترمذي باب ما جاء
لا وصية لوارث من أبواب الوصايا، رقم (٢١٢١)، وقال: حديث حسن صحيح، عن
أبي أمامة الباهلي.
وأخرجه الترمذي - أيضاً - في الباب المذكور رقم (٢١٢٢)، وقال: حسن صحيح، =

المقلوب
١٥٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
بالقَبول، وعملوا به حتَّى جعلوه ناسخاً لآية الوصيّة(١) له(٢).
أو كان في موضع احتياط، كما إذا ورد حديثٌ ضعيفٌ بكراهة بعض
البيوع أو الأنكحة، فإنَّ المستحَبَّ - كما قال النَّووي - أن نتنزه عنه، ولكن لا
یجب(٣).
ومنع ابن العربي المالكي العمل بالضَّعيف مطلقاً (٤).
ولكن قد حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث وغيرهم
على العمل به في الفضائل ونحوها خاصَّة(٥).
فهذه ثلاثة مذاهب(٦) أفاد شيخنا أنَّ محلّ الأخير [منها](٧) حيث لم
يكن الضَّعف شديداً(٨)، وكان مندرجاً تحت أصلٍ عامٍّ، حيث لم يقم على
المنع منه دليلٌ أخصُّ من [ذلك](٩) العموم، ولم يعتقد عند العمل به
والنسائي: باب إبطال الوصية للوارث، كتاب الوصايا (٢٤٧/٦) عن عمرو بن
خارجة.
(١) في حاشية (س): ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهي
بتمامها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَّكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
(٢) (الرسالة)) للشافعي (ص١٣٩ - ١٤٣)، و((الأم)) له (١١٢/٤)، والضمير في: له، راجع
إلى التلقي.
(٣) ((الأذكار)) للنووي (٨٦/١، ٨٨) مع شرحه الفتوحات الربانية.
(٤) انظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (٢/ ٥٨٠) حيث أوصى تلاميذه أن لا يشتغلوا من
الأحاديث بما لا يصح سنده.
وفي ((عارضة الأحوذي)) له (٢٠١/٥ - ٢٠٢) نعى على الحارث المحاسبي أخذه
بالأحاديث الضعيفة .
(٥) انظر: ((الأربعين النووية)) (ص٣)، و((المجموع شرح المهذب)) (٢٤٨/٣).
(٦) انظر: المذاهب الثلاثة مفصلة في: ((الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به))، لمقيد
هذه التعليقات (ص ٢٥٠ - ٣٠٥).
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٨) ((تبيين العجب لما ورد في فضل رجب))، لابن حجر (ص٣ - ٤).
(٩) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ذاك.
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥٥
المقلوب
ثبوته(١)، كما بسطها في موضع آخر (٢).
(١) بل يعتقد الاحتياط.
وهناك شروط أخرى:
منها: أن يكون موضوع الحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
وأن لا يعارض حديثاً صحيحاً .
وأن لا يعتقد سنية ما يدل عليه.
وأن لا يشتهر ذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه
بعض الجهال فيظن أنه سنّة صحيحة.
انظر الشروط مفصلة في:
١ - ((تبيين العجب))، لابن حجر (ص٣ - ٤).
٢ - ((القول البديع))، للسخاوي (ص٢٥٨).
٣ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٩٦).
٤ - ((الفتوحات الربانية))، لابن علان (٨٣/١ - ٨٤).
٥ - ((مغني المحتاج))، للشربيني (٦٢/١).
٦ - ((نهاية المحتاج))، للرملي (١/ ١٨١).
٧ - ((حاشية ابن عابدين)) (١٢٨/١).
٨ - ((المنهل اللطيف في أحكام الحديث الضعيف)) للشيخ علوي المالكي (ص٩ - ١٠).
(٢) في ((القول البديع)) له (ص٢٥٨)، وفي حاشية (ح): ثم بلغ نفع الله به كذلك كتبه
مؤلفه .
ملحوظة: انظر: التنبيهات الثلاثة في:
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٩٢ - ٩٤).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٢٨٩/١ - ٢٩١).
٣ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٩٤ - ١٩٧).
٤ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (١٠٧/٢ - ١١٢).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
١٥٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
معرفة صفة من تُقبل روايته
من نقلة الأخبار ومن تُرد(١)
وما التحق بذلك [سوى ما تقدَّم(٢) من قبول الضَّعيف إذا اعتضد،
والمدلِّس إذا صرَّح، وما سيأتي(٣) من قبول المتحمِّل في حال كفره أو فسقه،
والأعمى ونحوه، والمختلط قبل اختلاطه، وغير ذلك](٤).
وذكره بعد مباحث المتن، وما التحق به مناسب، وفيه فصول(٥):
الأول:
٢٥٧
(أجمع جمهور أئمة الأثر) أي: الحديث (والفقه) والأصول (في) أي: على
(قَبول ناقل الخبر) (أي): الحديث المحتَجّ به بانفراده، ليخرج الحسن لغيره،
بشرط (أن يكون ضابطاً معدلا) (أي): ولكلٍّ [من الضَّبط والعدالة](٦) شروط:
٢٥٨
فأما شروط [الضَّبط](٧) الذي تنكيره شمل التَّام والقاصر، فهي: أن يكون
[الرَّاوي] (٨) (يقظا) بضم القاف وكسرها(٩)، (و) ذلك بأن (لم يكن مغفَّلا) لا
يُمَيِّزُ الصَّواب من الخطأ، كالنَّائم والسَّاهي، إذ المتَّصِف بهما لا يحصل الركون
إليه، ولا تميل النفس إلى الاعتماد عليه.
(١) في حاشية (م): مطلب معرفة من تقبل روايته.
(٢) (١٢٩/١، ٣٢٣).
(٣) (ص٣٠٢، ٣٠٥، ١٦٢، ٣٨٤)، و(٤ /٤٥٨).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) كذا في (م)، وفي (س)، (ح): منهما.
(٧) كذا في (م)، وفي (س)، (ح): أولهما.
(٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٩) في ((القاموس المحيط)) مادة (يقظ): اليقظة - محركة -: نقيض النوم، وقد يقظ ككرم
وفرح يقاظة ويقظاً - محركة -، وقد استيقظ، ورجل يقظ كندس كتف وسكران.
(٥) وعدتها ثلاثة عشر فصلاً.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥٧
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٥٩
وأن يكون (يحفظ) أي: يثبت ما [سمعه] (١) في حفظه، بحيث يبعد زواله
عن القوَّة الحافظة، ويتمكّن من استحضاره متى شاء (إن حدَّث حفظاً) أي: من
حفظه و(يحوي كتابه) أي: يحتوي عليه [بنفسه أو بثقة](٢) ويصونه عن تطرُّق
التَّزوير والتَّغيير إليه، من حين سمع فيه، إلى أن يؤدِّي (إن كان منه يروي).
وأن يكون (يعلم ما في اللَّفظ من إحالة) بحيث يؤمن من تغيير ما يرويه ٢٦٠
(إن يَرْوِ بالمعنى) ولم يؤدِّ الحديث كما سمعه بحروفه على ما سيأتي بيانه في
بابه(٣) - إن شاء الله -.
وهذه الشُّروط موجودة في كلام الشّافعي في ((الرسالة)) صريحاً (٤)، إلَّا
الأوَّل، فيؤخذ من قوله: أن يكون عاقلاً لما يحدِّث به(٥)، لقول ابن حبان:
هو أن يعقل من صناعة الحديث ما لا يرفع موقوفاً، ولا يصل مرسلاً، أو
يصحِّفُ اسماً (٦)، فهذا كناية عن اليقظة.
وقد ضبط ابن الأثير الضَّبط في مقدمة جامعه [بما لم يتقيدوا به](٧)
فقال: هو عبارة عن احتياط في باب العلم عند السَّماع والحفظ بعد العلم عند
التكلّم، حتى إذا سمع ولم يعلم لم يكن معتبراً، كما لو سمع صياحاً لا معنى
له، [وإذا] (٨) لم يفهم اللَّفظ بمعناه لم يكن ضبطاً، وإذا شكّ في حفظه بعدم
العلم والسَّماع لم يكن ضبطاً.
قال: ثم الضَّبط نوعان: ظاهر وباطن.
فالظَاهر: [ضبط](٩) معناه من حيث الُّغة.
والباطن: ضبط معناه من حيث تَعلُّقُ الحكم الشَّرعي به، وهو الفقه،
ومطلق الضَّبط الذي هو شرط في الرَّاوي هو الضَّبَطَ ظاهراً عند الأكثر؛ لأنه
(١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): يسمعه.
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) (١٢٠/٣، ١٣٣).
(٤) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص ٣٧٠ - ٣٧١، ٣٨٢).
(٥) المصدر السابق (ص ٣٧٠).
(٦) ((صحيح ابن حبان)) (١١٣/١) ط: أحمد شاكر.
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٩) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س).
(٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أو.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
١٥٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
يجوز نقل الخبر بالمعنى، فتلحقه تهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ، أو
قبل العلم حين سمع، ولهذا المعنى قلَّت الرّواية عن أكثر الصَّحابة، لتعذُّر هذا
المعنى .
قال: وهذا الشَّرط وإن كان على ما بينا فإن أصحاب الحديث قَلَّما
يعتبرونه في حقِّ الطفل دون المغفل، فإنَّه متى صحَّ عندهم سماع الطفل أو
حضوره أجازوا روايته، والأول أحوط للدِّين وأولى [انتهى (١).
وحاصله اشتراط كون سماعه عند التحمل تاماً، فيخرج من سمع صوت
غفل(٢)، وكونه حين التَّأدية عارفاً بمدلولات الألفاظ، ولا انحصارَ له في
الثَّاني عند الجمهور، لاكتفائهم بضبط كتابه، ولا في الأول عند المتأخِّرين
خاصَّة، لاعتدادهم بسماع من لا يفهم العربي أصلاً، كما سيأتي كل ذلك(٣).
وقوله: لتعذّر هذا المعنى، أي: عند ذاك الصَّحابي نفسِه، لخوفه من
عدم حفظه، وعدم تمكّنه في الإتيان بكل المعنى، وهذا منهم ﴿من تورُّع
واحتياط، ولقد كان بعضهم تأخذه الرَّعدة إذا روى، ويقول: ونحو ذا، أو
قريب من ذا، وما أشبه ذلك](٤).
(و) أمّا الشّروط (في العدالة) [المتَّصف بها المعدل](٥) وضابطها
إجمالاً: أنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة(٦)، والمراد بالتقوى:
اجتناب الأعمال السَّيئة من شرك أو فسق أو بدعة (٧)، فهي خمسة.
(بأن) أي: أن (يكون مسلماً) بالإجماع (ذا عقل) فلا يكون مجنوناً،
٢٦١
(١) ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١/ ٧٢ - ٧٣).
(٢) في ((أساس البلاغة)) للزمخشري، مادة (غفل): فلاة غفل: لا عَلَمَ بها ... ومصحف
غفل: جرد عن العواشر وغيرها، وكتاب غفل: لم يسم واضعه. اهـ.
(٣) (ص٢٧٥).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م)، وفيها مكانه: قلت: وفي بعضه نظر، ففيما تقدم
قريباً، وكذا فيما سيأتي ما يرده.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) ((شرح النخبة)) (ص٣١).
(٧) المرجع السابق (ص٣٢)، وقد عرف الفيروزآبادي التقوى في ((بصائر ذوي التمييز)
(٢/ ٣٠٠) بأنها اجتناب كل ما فيه ضرر لأمر الدين، وهو المعصية والفضول، ثم ذكر
إطلاقات التقوى في القرآن الكريم.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
سواء المطبق والمتقطّع إذا أثر في الإفاقة (قد بلغ الحلم) - بضم المهملة
وسكون اللام - أي: الإنزال في النَّوم، والمراد البلوغ به، أو بنحوه كالحيض،
أو باستكمال خمسَ عشرةَ سنة، إذ هو مناط التكليف.
٢٦٢
(سليم الفعل من فسق) وهو: ارتكاب كبيرةٍ، أو إصرارٌ على صغيرة،
(او) أي: وسليم الفعل من (خرم مروءة) على أنه قد اعترض على ابن الصَّلاح
في إدراجه(١) آخرها في المتفق عليه.
وقيل: إنَّه لم [يشترطها](٢) - فيما ذكر الخطيب وغيره - سِوَى الشَّافعي
وأصحابِه، لكنَّه مردود بأنَّ العدالة لا تتمُّ عند كلِّ من شرطها، وهم أكثر
العلماء بدونها(٣)؛ بل من لم يشرط مزيداً على الإسلام، واكتفى بعدم ثبوت ما
ينافي العدالة - وإن [ظهر] (٤) منه ما ينافيها، لم تقبل شهادته ولا روايته - قد لا
ينافيه .
نعم. قد حقَّق الماوردي أَنَّ الَّذي تَجنُّبُه منها شرطٌ في العدالة، وارتكابُه
مفضٍ إلى الفسق: ما سَخُفَ من الكلام المُؤْذِي والضَّحك، وما قَبُحَ من الفعل
الذي يلهو به، ويستقبح بمعرته، كنتف اللحية، وخضابها بالسّواد، وكذا البول
قائماً - يعني في الطّريق، وبحيث يراه النَّاس، وفي الماء الرَّاكد، وكشف
العورة إذا خلا، والتحدث بمساوئ الناس.
وأمَّا ما ليس بشرط فكعدم الإفضال بالماء والطّعام، والمساعدة بالنفس
والجاه، وكذا الأكل في الطريق، وكشف الرَّأس بين النَّاس، والمشي حافياً (٥).
(١) في ((علوم الحديث)) (ص٩٤).
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ((يشرطها)).
(٣) في ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١٥٠/ب): ولم يختلف قول مالك وأصحابه في
اشتراط المروءة في العدالة مطلقاً .
(٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): من ظهر.
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١٥٠/١٧).
والذي في أدب القاضي له (٦٣٤/١): والعدالة أن يكون صادق اللهجة، ظاهر
الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً للمآثم، بعيداً من الريب، مأموناً في الرضى
والغضب، مستعملاً لمروءة مثله في دينه.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
١٦٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ويمكن أن يكون هذا منشأ الاختلاف، ولكن في بعض ما ذكره من
الشِّقَّيْن نظر، وما أحسن قول الزنجاني(١) في شرح الوجيز(٢): المروءة يرجع
في معرفتها إلى العرف، فلا تتعلَّق بمجرَّد الشّرع، وأنت تعلم أن الأمور العرفية
قلما تضبط، بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان، فكم من بلد جرت
عادة أهله بمباشرةٍ أمورٍ لو باشرها غيرهم لَعُذَّ خرماً للمروءة.
وفي الجملة: رعاية مناهج الشَّرع وآدابه، والاهتداء بالسَّلَف، والاقتداء
بهم؛ أمرٌ واجبُ الرِّعاية، قال الزركشي: وكأنّه يشير بذلك إلى أنه ليس المراد
سيرة مطلق الناس، بل الذين يقتدى بهم، وهو كما قال.
ثم إنّ اشتراط البلوغ هو الّذي عليه الجُمهور، وإلّا فقد قَبِل بعضُهم روايةَ
الصَّبي المميز الموثوق به، ولذا كان في المسألة لأصحابنا وجهان، قَيَّدهما
الرَّافعي(٣)، وتبعه النَّووي بالمراهق(٤)، مع وصف النَّووي للقَبول بالشُّذوذ.
وقال الرَّافعي في موضع آخر: وفي الصَّبي بعد التَّمييز وجهان، كما في
رواية أخبار الرسول(٥)، واختصره النَّووي بالصَّبِي المُمَيِّز(٦)، ولا تناقض فمن
قيد بالمراهق عنى المميز.
والصَّحيح عدم قبول غير البالغ، وهو الذي حكاه النَّووي عن الأكثرين،
وحكى في شرح المهذب - تبعاً للمتولي(٧) - عن الجمهور قبول أخبار الصَّبي
(١) هو: إبراهيم بن عبد الوهاب بن أبي المعالي الخزرجي الزنجاني، عماد الدين،
الفقيه الشافعي، المتوفى سنة خمس وخمسين وستمائة. طبقات الشافعية الكبرى
للسبكي (١١٩/٨ - ١٢١)، وطبقات الشافعية للإسنوي (١١/٢)، وكشف الظنون
(٢٠٠٣/٢).
(٢) وهو مختصر من ((الشرح الكبير)) للرافعي على وجيز الغزالي، واسمه: ((نقاوة فتح العزيز)).
انظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٨٧/٢)، و((كشف الظنون)) (٢٠٠٣/٢).
(٣) في ((فتح العزيز شرح الوجيز)) (٢٧٥/١).
(٤) (روضة الطالبين)) للنووي (٣٥/١، ٢١٧).
(٥)
((فتح العزيز)) (٢٢٦/٣).
(٦) ((المجموع شرح المهذب)» (٢٠٠/٣).
(٧) هو: عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم النيسابوري، أبو سعد المتولي، الفقيه
الشافعي، الإمام البارع في الفقه، والأصول، والخلاف، المتوفى سنة ثمان وسبعين
وأربعمائة ببغداد.
((وفيات الأعيان)) (١٣٣/٣ - ١٣٤)، وطبقات ابن قاضي شهبة (٢٦٤/١).