Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١
كتاب القضاء وغيره
قوله: وعن أبي هريرة أيضا أَظَّالََّهُ تقدم الكلام عليه.
قوله وَالله: ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا
متاع، الحديث، ومعناه: ان هذا حقيقة المفلس فيعلم من هذا أن الغنى غنى
الآخرة لا غنى الدنيا، وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال: اجعلني في حل فقد
اغتبتك فقال لا أحل ما حرمه الله تعالى ولكن ما من قبلك أنت في حل(١).
قوله: «إن کان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم یکن له حسنات
أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) ومعنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل
ثوابها لصاحب المظلمة ويجعل على الظالم عقوبة سيئاته بدل حقه.
قوله: وعن أبي هريرة أيضا رَّاللّه تقدم الكلام عليه.
قوله وَليه: ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا
متاع، الحديث، ومعناه: إن هذا حقيقة المفلس فيعلم من هذا أن الغنى غنى
الآخرة لا غنى الدنيا، وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه
مفلسا، وليس حقيقة المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما انقطع
بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته، وأما حقيقة المفلس هذا المذكور في
الحديث فهو الهلاك التام والمعدوم الإعدام المنقطع فتؤخذ حسناته لغرمائه
فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فتوضع عليه ثم ألقي في النار فنمت
خسارته وهلاكه وإفلاسه وهذا كله مذهب أهل السنة (٢)،أ.هـ.
(١) تنبيه الغافلين (ص ١٦٦).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٣٥ - ١٣٦).
٦٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وشتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا)) والشتم السب والقذف
معروف وسفك الدم إراقته.
٣٣٦٧- وعن أبى عثمان عن سلمان الفارسي وسعد بن مالك وحذيفة بن
اليمان وعبد الله بن مسعود حتى عد ستة أو سبعة من أصحاب النبي بَيّ قالوا
إن الرجل لترفع له يوم القيامة صحيفته حتى يرى أنه ناج فما تزال مظالم بني
آدم تتبعه حتى ما يبقى له حسنة ويحمل عليه من سيئاتهم رواه البيهقي في
البعث بإسناد جيد(١).
قوله: وعن أبى عثمان [ هو عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدى بن
وهب بن ربيعة بن سعد بن جذيمة، ويقال: خزيمة، ابن كعب بن رفاعة بن
مالك بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، أبو
عثمان النهدى الكوفى، سكن البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد النبى
ێ( و صدق إلیه، و لم يلقە].
قوله: عن سلمان الفارسي وسعد بن مالك وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن
مسعود، تقدم الكلام على سلمان الفارسي وحذيفة وعبد الله بن مسعود،
وأما سعد بن مالك(٢) فهو [أبو إسحاق سعد بن مالك ابن وهب، ويقال:
أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القریشی
(١) أخرجه الحاكم (٣٩/٢) و(٥٧٤/٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه
الألباني في الصحيحة (٣٣٧٣) وصحيح الترغيب (٢٢٢٤).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢١٣/١ ترجمة ٢٠٥).
٦٠٣
كتاب القضاء وغيره
الزهرى المكى المدنى. أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله مَ له بالجنة،
وتوفى وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن
الخطاب، رضى الله عنه، أمر الخلافة إليهم، وأسلم قديما بعد أربعة، وقيل:
بعد ستة، وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو أول من رمى بسهم فى سبيل الله
تعالى، وأول من أراق دما فى سبيل الله تعالى، وهو من المهاجرين الأولين،
هاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله وَّل إليها، شهد مع رسول الله وَ له
بدرا، وأحدا، والخندق، وسائر المشاهد كلها، وكان يقال له: فارس
الإسلام، وأبلى يوم أحد بلاء شديدا، وكان مجاب الدعوة، وحديثه فى دعائه
على الرجل الكاذب عليه من أهل الكوفة وهو أبو سعدة، وأجيبت دعوته فى
ثلاثة أشياء مشهور فى الصحيحين، روى له عن رسول الله وَله مائتان
وسبعون حديثا، اتفق البخارى ومسلم منها على خمسة عشر، وانفرد
البخارى بخمسة، ومسلم بثمانية عشر].
قوله: ((إن الرجل لترفع له يوم القيامة صحيفته حتى يرى أنه ناج)) الحديث،
الصحيفة: العهدة التي تكتب فيها الحقوق.
٣٣٦٨- وعن ابن عباس أنَّهَا أن رسول الله وَله بعث معاذا إلى اليمن
فقال اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب رواه البخاري ومسلم
وأبو داود والنسائي في حديث والترمذي مختصرا هكذا واللفظ له ومطولا
كالجماعة(١).
(١) أخرجه البخارى (١٤٩٦) و(٢٤٤٨) و(٤٣٤٧)، ومسلم (٢٩ - ١٩)، وأبو داود
=
٦٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تقدم الكلام عليه. [١٧٩ / أ]
كالله ..
قوله: وعن ابن عباس
قوله: أن رسول الله وَله بعث معاذاً إلى اليمن، يعنى لأخذ الزكوات، قال
ابن الأثير في التاريخ: كان بعث معاذ في السنة العاشرة وأن الزكاة وجبت فى
السنة العاشرة وانه وَجيله إنما بعث السعاة لأخذ الصدقة في العاشرة ذكره ابن
العماد في شرح العمدة.
قوله: فقال: (( اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) أي:
بسبب الظلم، وفيه دليل على تعظيم أمر الظلم والتحذير من سائر أنواعه،
وقوله وَيقول: ((فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) فيه دليل على أنها دعوة
مستجابة وانها تقبل من كل واحد، وفي حديث أبي ذر قال: قلت يا رسول الله
ما كانت صحف إبراهيم عليّاما قال: ((كانت أمثالا كلها وفيها: أيها الملك
المسلط المغرور المبتلى إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن
بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا أردها ولو كانت من كافر)) وسيأتي
الحدیث قریبا.
قوله {وَية: ((ليس بينها وبين الله حجاب)) فيه دليل على أن دعوة غير
المظلوم قد تحجب عن الله تعالى فلا ترفع إليه ولا يستجاب لصاحبها إما
لمعاصيه أو لأكله الحرام أو لتعديه في الدعاء ونحو ذلك، وذكر القشيري في
=
(١٥٨٤)، والترمذى (٦٢٥) و(٢٠١٤)، وابن ماجه (١٧٨٣)، والنسائى في المجتبى
٤/ ٤٥١(٢٤٥٤) و٥٢٩/٤ (٢٥٤١)، وابن خزيمة (٢٢٧٥) و(٢٣٤٦)، وابن حبان
(٥٠٨١).
٦٠٥
كتاب القضاء وغيره
الرسالة أن دعوة اليتيم كدعوة المظلوم فليس بينهما وبين الله حجاب، وفي
الحديث أن دعوة الوالد والعالم وحامل القرآن كدعاء اليتيم والمظلوم ذكره
ابن العماد.
٣٣٦٩ - وعن أبي هريرة رَقُ لّه قال قال رسول الله وَّ ثلاثة لا ترد دعوتهم
الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام
ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين رواه
أحمد في حديث والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في
صحيحيهما والبزار مختصرا ثلاث حق على الله أن لا يرد لهم دعوة الصائم
حتى يفطر والمظلوم حتى ينتصر والمسافر حتى يرجع وفي رواية للترمذي
حسنة ثلاث دعوات لا شك في إجابتهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة
الوالد على الولد وروى أبو داود هذه بتقديم وتأخير (١).
(١) أخرجه الطيالسى (٢٧٠٧)، وإسحاق (٣٠٠)، وأحمد ٣٠٥/٢ (٨١٥٨) و(٨١٥٩)
و٤٤٥/٢ (٩٨٧٤)، وابن ماجه (١٧٥٢)، والترمذى (٢٥٢٦) و(٣٥٩٨)، وابن خزيمة
(١٩٠١)، والخرائطى في مساوىء الأخلاق (٥٨٧)، وابن حبان (٣٤٢٨) و(٧٣٨٧)،
والطبرانى في الدعاء (١٣١٥) والأوسط (١٤٤/٧ - ١٤٥ رقم ٧١١١)، وأبو نعيم في
فضيلة العادلين (٢٣)، والبيهقى في الأسماء والصفات (٢٦٤) والدعوات الكبير (٦٥٠)
والكبرى (٤٨١/٣ - ٤٨٢ رقم ٦٣٩٣) و(٨/ ٢٨٠ رقم ١٦٦٤٨)
وقال الترمذى فى الموضع الأول: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي وليس هو عندي
بمتصل وقد روي هذا الحديث بإسناد آخر عن أبي مدلة، عن أبي هريرة عن النبي وَثّ.
وقال في الموضع الثانى: هذا حديث حسن وسعدان القبي هو: سعدان بن بشر. وقد روى
عنه عيسى بن يونس، وأبو عاصم، وغير واحد من كبار أهل الحديث، وأبو مجاهد هو:
=
٦٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي هريرة نظّ تقدم الكلام عليه.
قوله وَلقة: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة
المظلوم)) وفي رواية البزار ((والصائم حتى يفطر والمظلوم حتى ينتصر
والمسافر حتى يرجع)) فإذا كان الله تعالى يستجيب دعاء المسافر من حيث
هو، فلم لا يستجيب دعاء المجاهد وهو أكرم الناس سفرا وأعظمهم في سفره
أجرا، ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تعالى يستجيب لهم كما يستجيب
للرسل)) وما ذاك إلا لكرامتهم عليه ورفع منزلتهم لديه، وروي ابن عساكر
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَّي: ((اتقوا أذى المجاهدين في
سبيل الله فإن الله يغضب لهم كما يغضب للرسل)) (١) وعن ابن عباس عن
النبي وَ﴾ قال: ((خمس دعوات تستجاب دعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة
الحاج حتى يصدر ودعوة المجاهد حتى يقفل ودعوة المريض حتى يبرأ
سعد الطائي، وأبو مدلة هو: مولى أم المؤمنين عائشة، وإنما نعرفه بهذا الحديث، ویروی
عنه هذا الحديث أطول من هذا وأتم. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٨٣)
و(٥٩٧) و(١٣١٦) و(١٣٤٩).
وأما اللفظ الثانى: أخرجه أبو داود (١٥٣٦)، والترمذى (١٩٠٥) و(٣٤٤٨)، وابن ماجه
(٣٨٦٢)، والبزار (٨١٤٨)، وابن حبان (٢٦٩٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن.
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٥٨٣) (٥٩٧) و(١٣٤٩) و(١٨٢٤) وقال عن
طريق البزار: ضعيف جدا.
(١) أخرجه الديلمى كما فى الغرائب الملتقطة (١٣٣) من طريق الدار قطنى. وقال الدار قطنى
كما فى أطراف الغرائب والأفراد (٢١٣/١-٢١٤): غريب من حديث ابن المسيب عن
علي تفرد به عمار بن مطر عن عصام بن طيلق عن مسلم بن أبي جعفر عن سعيد.
٦٠٧
كتاب القضاء وغيره
ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب)» (١) خرجه ابن عساكر من طريق عمرو بن أبي
سلمة، ومنه أن الله تعالى يستجيب دعاءهم بخوارق العادات لكرامتهم عليه
ودخولهم في ضمانه لقوله ضامن، ذكره ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي
ألفه(٢).
٣٣٧٠ - وعن عقبة بن عامر الجهني رَُّهُ عن النبي وَّ قال ثلاثة تستجاب
دعوتهم الوالد والمسافر والمظلوم رواه الطبراني في حديث بإسناد صحيح (١).
٣٣٧١ - وعن ابن عمر رَّهَا قال قال رسول الله وَخل اتقوا دعوة المظلوم
فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة رواه الحاكم وقال رواته متفق على
الاحتجاج بهم إلا عاصم بن كليب فاحتج به مسلم وحده (٤).
(١) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة (٩٠٨)، والمخلدى فى أماليه (٢١)، والبيهقى فى الدعوات
(٦٧١) والشعب (٣٧٦/٢ رقم ١٠٨٧)، وابن عساكر فى المعجم (١٤٧٥)، والضياء فى
المنتقى من مسموعات مرو (٢٨٢). وقال الألبانى فى الضعيفة (١٣٦٤): موضوع.
(٢) مشارع الأشواق (ص ١٨٤ - ١٨٦).
(٣) أخرجه أحمد ١٥٤/٤ (١٧٦٧٢)، وابن خزيمة (٢٤٧٨)، والطبراني في الكبير
(٣٤٠٣٤١/١٧ رقم ٩٣٩ و٩٤٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣٥٧/١٤). وصححه
الحاکم ووافقه الذهبي.
قال الهيثمى في المجمع ١٥١/١٠: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن
زيد الأزرق، وهو ثقة. وحسنه الألباني في الصحيحة (٥٩٦)، وصحيح الترغيب (٢٢٢٧)
و(٣١٣٣).
(٤) أخرجه الحاكم (٢٩/١)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٢٨). وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة (٨٧٢) وصحيح الترغيب (٢٢٢٨).
٦٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٣٧٢- وعن أبي هريرة زَّهُ قال قال رسول الله وَلَه دعوة المظلوم
مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه رواه أحمد بإسناد حسن (١).
٣٣٧٣- وروي عن ابن عباس ◌ًُّا قال قال رسول الله ێ دعوتان لیس
بينهما وبين الله حجاب دعوة المظلوم ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب رواه
الطبراني وله شواهد كثيرة(٢).
قوله: وعن أبي هريرة نظرا تقدم الكلام عليه.
قوله: ((دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه))تقدم
الكلام علی ذلك و کذلك حديث ابن عباس.
(١) أخرجه الطيالسى (٢٤٥٠)، وابن أبى شيبة في المصنف ٤٨/٦ (٢٩٣٧٤)، وأحمد
٣٦٧/٢ (٨٩١٧)، والخرائطى في مساوىء الأخلاق (٥٨٨)، والطبرانى في الدعاء
(١٣١٨)، وابن عدى في الكامل (٣١٤/٨ - ٣١٥)، والدار قطنى في العلل (٣٩٦/١٠)،
والقضاعى في مسند الشهاب (٣١٥). قال الدارقطنى في العلل (٢٠٨٠): يرويه أبو معشر،
واختلف عنه؛ فرواه الثوري عن أبي معشر، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي وتليها.
وتابعه سعید بن منصور، عن أبي معشر إلا أنه وقفه، ورفعه غيره، عن أبي معشر.
وقيل: عن الثوري، عن بعض المدينين، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ. قال
الهيثمى في المجمع ١٥٢/١٠: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي،
وهو ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٢٢٩).
(٢) أخرجه إسحاق في المسند -مسند ابن عباس (٨٤٢)، والطبرانى في الدعاء (١٣١٩)
و(١٣٣٠) والكبير (١١٩/١١ رقم ١١٢٣٢)، والأصبهانى في الترغيب والترهيب
(٢٠٩٢) و(٢٠٩٩). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٦٠٢) وضعيف الترغيب (١٣٥٠)
و(١٨٢٢).
٦٠٩
كتاب القضاء وغيره
٣٣٧٤ - وعن خزيمة بن ثابت نَّهُ قال قال رسول الله وَظله اتقوا دعوة
المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد
حين رواه الطبراني ولا بأس بإسناده في المتابعات(١).
قوله: وعن خزيمة بن ثابت رََّهُ [هو أبو عمارة خزيمة بن ثابت بن عمارة
بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن عنان بن عامر بن خطمة بن جشم
بن مالك بن الأوس الأنصارى الأوسى الخطمى المدنى، وسمى خطمة لأنه
ضرب رجلا على خطمه. شهد خزيمة مع رسول الله وَ لو بدرا وما بعدها من
المشاهد، وكان خزيمة وعمير بن عدى يكسران أصنام بنى خطمة، وكانت
راية بنى خطمة بيده يوم فتح مكة، وشهد مع على، رضى الله عنه، الجمل
وصفين، ولم يقاتل فيهما، فلما قتل ابن ياسر بصفين، قال: سمعت رسول
الله وَه يقول: ((تقتل عمارا الفئة الباغية))، فسل سيفه، وقاتل حتى قتل،
وكانت صفين سنة سبع وثلاثين، روى له عن رسول الله وَ ل ثمانية وثلاثون
حديثا. روى عنه ابنه عمارة وآخرون، ومن أجل مناقبه أن رسول الله وَاخيه
(١) أخرجه البخارى في التاريخ الكبير (١٨٦/١)، والدولابى في الكنى (١٨٢٩)، والخرائطى
في مساوىء الأخلاق (٥٩٨)، والدينورى في المجالسة (٣١٧٣)، والطبراني في الدعاء
(١٣١٧) والكبير (٨٤/٤ رقم ٣٧١٨) ومكارم الأخلاق (١٢٦)، والقضاعى في مسند
الشهاب (٧٣٣).
قال البخارى: محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت، الأنصاري، مديني، سمع منه ابن
جريج، مرسل. قال الهيثمى في المجمع ١٥٢/١٠: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه.
وحسنه الألباني في الصحيحة (٨٧٠) وصحيح الترغيب (٢٢٣٠).
٦١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جعل شهادته كشهادة رجلين، فكان يسمى ذا الشهادتين، وفى صحيح
البخارى، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله وَّلة جعل شهادة خزيمة بن ثابت
شهادة رجلين].
قوله: (اتقوا دعوة المظلوم)) تقدم الكلام عليه. وفي الحديث الآخر: ((اتق
دعوة المظلوم)) أي لا تظلم أحدا بأن تأخذ منه [١٧٩ / ب] ما ليس بواجب
عليه أو تؤذيه بلسانك فإنك لو ظلمت أحدا ودعا المظلوم عليك بسوء قبل
الله دعاءه فإن الله تعالى لا يرد دعاء المظلوم ولو كان كافراً كما ورد الحديث
بذلك في السنن والله أعلم (١).
٣٣٧٥ - وعن أبي عبد الله الأسدي قال سمعت أنس بن مالك زَّالَّهُ يقول
قال رسول الله وَّه دعوة المظلوم وإن كان كافرا ليس دونها حجاب وقال
رسول الله وَّ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه أحمد ورواته إلى عبد الله
محتج بهم في الصحيح وأبو عبد الله لم أقف فيه على جرح ولا تعديل (٢).
(١) المفاتيح في شرح المصابيح (٤٧٤/٢).
(٢) أخرجه أحمد ١٥٣/٣ (١٢٧٤٤ و١٢٧٤٥) ومن طريقه الضياء في المختارة ٢٩٣/٧
(٢٧٤٨)، وابن معين في تاريخه ٣٥٥/٢، ومن طريقه الدولابي في الكنى (١٥٣٦)،
والطبرانى في الدعاء (١٣٢١)، والقضاعى في مسند الشهاب (٩٦٠)، والضياء في المختارة
٢٩٣/٧-٢٩٤ (٢٧٤٩).
وقال الهيثمى في المجمع ١٠ /١٥٢: رواه أحمد، وأبو عبد الله الأسدي لم أعرفه، وبقية
رجاله رجال الصحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٧٦٧)، وصحيح الترغيب
(٢٢٣١).
٦١١
كتاب القضاء وغيره
قوله: وعن أبي عبد الله الأسدي [اسمه عبد الرحمن بن عيسى].
قوله: قال المنذري: وأبو عبد الله لم أقف فيه على جرح ولا تعديل.
قوله : (( دعوة المظلوم وإن كان كافرا ليس دونها حجاب)).
قوله: وقال رسول الله وَ الليل ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) معناه والله أعلم
دع ما فيه شبهة من الدين عندك وخذ ما لا شبهة فيه.
٣٣٧٦- وروي عن علي ◌ََّهُ قال قال رسول الله وَل يقول الله اشتد
غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري رواه الطبراني في الصغير
والأوسط(١).
قوله: وعن علي رقّ تقدم الكلام عليه.
قوله وتسيير: ((اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري)) تقدم
الكلام على الظلم.
٣٣٧٧ - وعن أبي هريرة زَّهُ أن رسول الله ◌َّ قال المسلم أخو المسلم
لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ههنا التقوى ههنا التقوى ههنا ويشير
(١) أخرجه الطبراني في الصغير (٦١/١ رقم ٧١) والأوسط (٢٥٢/٢ رقم ٢٢٠٧) ومن
طريقه القضاعى في مسند الشهاب (١٤٥٢). قال الطبرانى: لم يروه عن أبي إسحاق إلا
شريك، تفرد به: مسعر بن الحجاج.
وقال الهيثمى في المجمع ٢٠٦/٤: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه مسعر بن
الحجاج النهدي كذا هو في الطبراني، ولم أجد إلا مسعر بن يحيى النهدي، ضعفه الذهبي
بخبر ذكره له، والله أعلم. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٢٣٩٢) وضعيف الترغيب
(١٣٥١).
٦١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلى صدره بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على
المسلم حرام دمه وعرضه وماله رواه مسلم(١).
٣٣٧٨ - وعن أبي ذر رَّ﴾ قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم
قال كانت أمثالا كلها أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك
لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم فإني لا
أردها وإن كانت من كافر وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون
له ساعات فساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة یتفکر فيها
في صنع الله عز وجل وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب وعلى
العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير
محرم وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه ومن
حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قلت يا رسول الله فما كانت
صحف موسى ،اللّلما قال كانت عبرا كلها عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو
يفرح عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو
ينصب عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها عجبت لمن
أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل قلت يا رسول الله أوصني قال أوصيك بتقوى
الله فإنها رأس الأمر كله قلت يا رسول الله زدني قال عليك بتلاوة القرآن وذكر
الله عز وجل فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء قلت يا رسول الله
(١) أخرجه مسلم (٣٢-٢٥٦٤)، وأبو داود (٤٨٨٢)، والترمذى (١٩٢٧)، وابن ماجه
(٤٢١٣).
٦١٣
كتاب القضاء وغيره
زدني قال إياك وكثرة الضحك فإنه یمیت القلب ویذهب بنور الوجه قلت یا
رسول الله زدني قال عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي قلت يا رسول الله زدني
قال أحب المساكين وجالسهم قلت يا رسول الله زدني قال انظر إلى من هو
تحتك ولا تنظر إلى ما هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك قلت
يا رسول الله زدني قال قل الحق وإن كان مرا قلت يا رسول الله زدني قال ليردك
عن الناس ما تعلمه من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي وكفى بك عيبا أن
تعرف من الناس ما تجهله من نفسك وتجد عليهم فيما تأتي ثم ضرب بيده
على صدري فقال يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب
کحسن الخلق رواه ابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال صحيح
الإسناد قال الحافظ انفرد به إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه وهو
حديث طويل في أوله ذكر الأنبياء عليهم السلام ذكرت منه هذه القطعة لما
فيها من الحكم العظيمة والمواعظ الجسيمة ورواه الحاكم أيضا ومن طريقه
البيهقي كلاهما عن يحيى بن سعيد السعدي البصري حدثنا عبد الملك بن
جريج عن عطاء بن عبيد بن عمر عن أبي ذر بنحوه ويحيى بن سعيد فيه كلام
والحديث منكر من هذه الطريق وحديث إبراهيم بن هشام هو المشهور والله
(١)
أعلم (١).
(١) أخرجه ابن حبان (٣٦١)، والآجرى في الأربعون (٤٤)، وأبو نعيم في الحلية ١/ ١٦٦ -
١٦٨ بتمامه. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٥٧/٢ رقم ١٦٥١) ومكارم الأخلاق (١)،
ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٩٩)، والحاكم (٥٩٧/٢)، وأبو نعيم في الحلية (١ / ١٦٨)
=
٦١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي ذر رَّهُ قال الحافظ أبو نعيم (١): كان أبو ذر ملازما
لرسول الله وَّة، سأله عن الفروع والأصول وسأله عن الإيمان والإحسان
وسأله عن رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، وسأله عن أحب الكلام إلى الله
تعالى، وسأله عن ليلة القدر أترفع مع الأنبياء عليهم السلام أم تبقى وسأله
عن كل شيء، ومناقبه كثيرة مشهورة، والله أعلم.
قوله: قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم قال كانت أمثالا كلها،
وفي بعض طرق الحديث، كانت عبراً كلها، والعبر جمع عبرة وهي
كالموعظة مما يتعظ الإنسان به ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره قاله في
النهاية(٢).
اعلم أن في خبر أبي ذر هذا أنواعًا من الحكم وفوائد العلم والأنباء عن
الأمور الخالية وإخبار عن الأمم الماضية وفيه اعتبار لأولى البصائر
والعقول، وتنبيه لذوي التمييز والتحصيل وفيه ما دل على أن من الأنبياء من
=
مختصرا. قال ابن عدي: هذا حديث منكر عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير،
عن أبي ذر: وهذا الحديث ليس له من الطرق إلا من رواية أبي إدريس الخولاني، والقاسم
بن محمد، عن أبي ذر، والثالث حديث ابن جريج هذا، وهذا أنكر الروايات.
قال الذهبى: فيه يحيى بن سعيد السعدي البصري وليس بثقة. وقال الهيثمى في المجمع
٢١٦/٤: رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وثقه ابن حبان، وضعفه
أبو حاتم، وأبو زرعة. وقال الألباني: ضعيف جداً - ((الضعيفة)) (١٩١٠ و ٦٠٩٠)،
وضعيف الترغيب (١٣٥٢).
(١) حلية الأولياء (١٦٩/١).
(٢) النهاية (٣/ ١٧١).
٦١٥
كتاب القضاء وغيره
أوتى النبوة وأرسل إلى طائفة ومنهم من كان نبيا غير مرسل إلى أحد، وقال:
قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيِّ إِلَّ إِذَا تَمَتَّىَ أَلْقَى
الشَّيْطَنُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾(١) قال ابن عباس: لم يكن من الفرس نبي، قال
العلماء: فعدة الكتب التي أنزلها الله تعالى من السماء مائة كتاب وأربعة كتب
أنزل الله تعالى على شيث بن آدم خمسين صحيفة وأنزل على إدريس ثلاثين
صحيفة وأنزل على إبراهيم عشر صحف وأنزل على موسى من قبل التوراة
عشر صحف وانزل الله التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على
عيسى والفرقان على نبينا محمد وَّةٍ، قال أبو ذر: قلت يارسول الله كم
الأنبياء؟ قال: مائة وعشرون ألفا، قلت: يا رسول الله الرسل؟ قال: ((ثلثمائة
وثلاثة عشر)) قلت: يا رسول الله: من أولهم، قال ((آدم نبي مرسل خلقه الله بيده
ونفخ فيه من روحه)) قال: ((يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث وخنوخ وهو
إدريس وهو أول من خط بالقلم ونوح، وأربعة من العرب هود وصالح
وشعيب ونبيك)) عدة ما كان بين التوراة والزبور وبين الزبور والإنجيل وبين
الإنجيل والفرقان من السنين، قال عبد الملك: كان بين نزول التوراة إلى
نزول الزبور خمس مائة سنة، ومن الزبور إلى الإنجيل خمسمائة سنة
[١٨٠/ أ] ومن الإنجيل إلى الفرقان خمسمائة سنة، وقيل: غير ذلك، وأجمع
أهل الحديث أن الدنيا كلها من خلق آدم إلى انقراض الخلق وانقضائها سبعة
آلاف سنة لا محالة.
(١) سورة الحج، الآية: ٥٢.
٦١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال أبو ذر: قلت يا رسول الله فما كانت صحف إبراهيم، قال في تاريخ كنز
الدرر(١): هو إبراهيم خليل الله بن آزر وهو تارح بن ماحور، ونسبه موصل
بآدم عَلَّم، ولد إبراهيم ببابل وكان مولده في زمن نمرود بن كنعان وكان
لنمرود ملك المشارق ولما بلغ إبراهيم ثلاثين سنة ألقاه نمرود في النار فنجاه
الله منها وجعلها الله عليه بردا وسلاما بعد أن احتبسه ثلاث عشرة سنة ولما
كان لإبراهيم سبعون سنة خرج ومعه ابن أخيه لوط وابنة عمه سارة وهي
زوجته إلى الشام فوجدوا بها الجوع فساروا إلى مصر وبها فرعون يقال له
سنان هذا عن أهل الأثر أن فرعون إبراهيم كان اسمه سنان أقاموا بمصر ثلاثة
أشهر ورجعوا إلى الشام وقد أهدى فرعون بمصر لسارة هاجر فنزلوا إلى
السبع من أرض فلسطين، وفارقه لوط وسكن سدوم، ثم تحول إبراهيم الابتكار
فنزل الرملة وارتحل فنزل إيليا فلما بلغ إبراهيم خمسا وثمانين سنة وعبت
سارة له جاريتها هاجر فولدت له إسماعيل ولإبراهيم من العمر حين ولد له
إسماعيل ست وثمانون سنة واختتن وله تسع وتسعون سنة وقيل اختتن
بالقدوم وهي قرية من قرى كنعان لا ما يذهب إليه الناس أنها الآلة التي
كالفأس وختن أيضا إسماعيل ثم ولدت له سارة إسحاق وله مائة سنة وأنزل
الله عليه عشر صحائف وولد إسحاق يعقوب والعيص توءما بعد مضي مائة
وستين سنة إبراهيم ومات صلوات الله وسلامه عليه وله من العمر مائة
وخمس وسبعون سنة وماتت سارة ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة
(١) كنز الدرر (٢١٠/٢-٢١٢).
٦١٧
كتاب القضاء وغيره
وكان وفاتها قبل وفاة إبراهيم بعد مضي سبع وثلاثين سنة من عمر ولدها
إسحاق ودفنها في مزرعة جيرون من الشام، أ.هـ.
فهذا الحديث يشتمل على أعمال الدين ومكارم الأخلاق التي يستعملها
أهل التقوى والورع ولو أن امرءاً حفظه واشتغل باستعماله لكفاه عمره.
قوله: ((وعلى العاقل أن يكون له ساعات، فساعة يناجي فيها ربه)) أي يخاطبه
«وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة یتفکر فیها في صنع الله عز وجل وساعة يخلو
فيها لحاجته من المطعم والمشرب)) وفي هذا الحديث بعد ذلك ((أو لذة في غير
محرم)) وقال ابن رجب(١): ((وساعة يخلو بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل)) فإن
في هذه الساعة عونا له على تلك الساعات وفضل بلغة واستجماما للقلوب
يعني ترويحا لها ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوى على الطاعة
كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ بن جبل زكاة: إني لأحتسب
نومتي كما أحتسب قومتي، يعني أنه ينوي بنومته التقوى على القيام آخر الليل
فیحتسب ثواب نومه کما یحتسب ثواب قيامه،أ.ه.
قوله: ((وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا لثلاث تزود لمعاد)) الظاعن من
الظعن السفر، وفي بعض الآثار السفر بعيد التزود يريد يبعد السفر كون منزل
الإقامة الذي إليه السفر وهو الجنة لا يبلغه المسافر إلا بزاد وافر من التقوى
[١٨٠ ب] والعمل الصالح قاله شارح الأربعين الودعانية.
قوله: ((ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه)) والذي يعنيه
هو [ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ١٩٢ - ١٩٣).
٦١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالنّسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصرَ الإنسانُ على مَا يَعْنِيهِ مِنَ الأُمُورِ سَلِمَ مِنْ
شَرِّ عظيم، والسَّلامةُ خَيرٌ كثيرٌ، فالسَّلامَةُ مِن الشَّرِّ مِن حُسْنِ الإسلامِ](١).
قوله: ((عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب)) النصب هو التعب.
قوله: قلت يا رسول الله: أوصني قال: ((أوصيك بتقوى الله فإنها رأس
الأمر كله)) تقدم الكلام على التقوى ولبعضهم (٢):
ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك الدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم
قوله: ((إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب)) كان رسول الله وَله في أكثر
أحواله يتبسم وكان يضحك في بعض الأحوال أعلا من التبسم وأقل من القهقهة،
وكان أصحابه أيضا يضحكون والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال وأما المكروه
منه فهو الإكثار من الضحك فإنه يميت القلب وذلك هو المذموم (٣).
قوله: قلت يا رسول الله: زدني، قال ((عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي)) قال
الإمام أبو عبد الله الحليمي معناه ان النصارى كانت تترهب بالتخلي من
(١) التعيين في شرح الأربعين (ص١٢١) للطوفى وعنه نقله ابن الملقن في المعين على تفهم
الأربعين (ص١٩٧).
(٢) تاريخ ابن معين للدورى ٤/ ٣٩١ (٤٩٣٤). ونسبه ابن الملقن في التوضيح (١٤ /
١٩٣)، والبدر العينى عمدة القارى (١١/ ٢١٠) وابن رجب في الحكم الجديرة
(ص٣٢) لأبى العتاهية، وابن حبان في روضة العقلاء (ص ٣٠) قال: سمعت أحمد بن
موسى بواسط يقول وجدت على خف عطاء السلمي مكتوبا وكان حائكا فذكره.
(٣) الكواكب الدرارى (٢١٩/٢١).
٦١٩
كتاب القضاء وغيره
أشغال الدنيا ولا تخلي أكبر من بذل النفس في سبيل الله ليقتل وأيضا فإن
أولئك المترهبة كانوا يزعمون أنهم إنما يتخلون في الصوامع والديورات من
الناس لئلا يؤذوا أحدا ولا أذى أشد من ترك المبطل على باطله لأن ذلك
يعرضه للنار فإن تكن الرهبانية دفع الأذى عن الناس فالجهاد دافع عن
المجاهدين أعظم الأذى فهو الرهبانية إذن لا ما تتوهمه النصارى(١)، أ.هـ.
قال الإمام أبو موسى رحمه الله (٢): وعندي وجه آخر أوجه مما ذكره
الحليمي وهو أن يكون معناه كما أن عند النصارى لا عمل أفضل من الترهب
ففي الإسلام لا عمل أفضل من الجهاد ولا درج أرفع من درجته ولهذا قال
وَّ: ((ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله)) والله تبارك وتعالى أعلم.
والترهب التعبد بخشية وهو من باب التكلف كأنه يتكلف الرهبة والخوف
من الله ويقصده ويتخلق به، قال ابن قتيبة: الرهبانية لزوم الصوامع وترك أكل
اللحم والتفرد من الناس بحيث لا يحضر جمعة ولا جماعة وهو المنهي
(٣)
عنه(٣).
وأيضا أن المترهبة يجري على أيديهم مما هو احتساب عندهم وأمر
بالمعروف ونهي عن المنكر ما لا يقدر على الاتساع منه آمر ولا مأمور فقيل
الجهاد رهبانية هذه الأمة لأنه رأس الأمر والنهي ولا يحابى فيه من
(١) المنهاج (٤٧٤/٢).
(٢) المجموع المغيث (٨٢٣/١-٨٢٤).
(٣) المصدر السابق في نفس الموضع.
٦٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المشركين رئيس ولا مرءوس،أ.هـ، ذكره صاحب المغيث في حل مشكل
القرآن والحديث(١) .
قال ابن النحاس في كتاب الجهاد الذي ألفه(٢): إطلاق الراهب على من
رهب أن يؤذي غيره قليل والقاصد منهم لذلك على الحقيقة قليل أيضا إذ لا
يتهيأ هذا الشهود إلا للكُمّل منهم الذي صفت بواطنهم بدوام العزلة
والرياضة فكشف لهم حقائق نفوسهم الأمارة وشهدوا ما يتعدى من شرها
وأذاها للخلق حال الخلطة والاجتماع فحبسوا [١٨١/ أ] نفوسهم في
الصوامع حبس الكلب ولو كان لا يسمى راهبا إلا مثل هؤلاء لما كان
يخلص من كل ألف راهب (راهب ) وأكثر ما يطلق الراهب على من رهب
غيره أي خافه والذي يظهر أن الراهب لما رهب الله تعالى فاجتهد في عبادته
ورهب الخلق أن يشغلوه عنها وأن يكونوا سببا في سخط الله تعالى عليه
وطرده عن بابه سمى فعله هذا رهبانية كذلك المجاهد لما خاف الله تعالى
فامتثل أكره وخاف الكفار أن يستولوا عليه وعلى غيره من المسلمين لو ترك
جهادهم فبادروا إلى قتالهم ودفعهم، سمى فعله هذا رهبانية،أ.هـ. قال:
ويحتمل أن الرهبانية لما كانت عبارة عن اعتزال الخلق والفرار منهم
والإقامة في قلل الجبال وفي الصوامع بمهامه القفار مجاهدة للنفس في ترك
شهواتها وبعدها عن مواطن ما لو فاتها وتحميلها ما يشق من الأفعال رهبة من
(١) المنهاج (٤٧٤/٢) والمجموع المغيث (١/ ٨٢٣).
(٢) مشارع الأشواق (ص١٦٦ -١٦٧).