Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الطعام وغيره
مولي طعيمة بن عدي، وكان عبدا أسود، روي عن أبيه عن جده هذا الحديث
الواحد، وكذلك والده حرب ليس له غيره وجده وحشي بن حرب
[الحبشي]أبو دسمة مولي جبير بن مطعم، وقيل: مولي طعيمة بن عدي كان
عبدا أسود من سودان مكة، روى عن النبي ◌ُّ وعن أبي بكر وهو قاتل
حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله وَّل﴾ وكان ممن خرج مع خالد بن الوليد
إلى اليمامة شهد معه الشام وشهد معه اليرموك کان یسکن حمص وهو أول
من لبس الثياب المدلوكة وأول من جلد [في الخمر بحمص] قتل خير الناس
وشر الناس، وكان يقول: هذه بهذه، روى له البخاري والترمذي والبيهقي
قاله في الديباجة.
وذكر عن الإمام احمد بن حنبل أنه قال: وحشي [ابن حرب] شامي [تابعى
لا بأس به ] وذكر عن صدقة بن خالد أنه قال [لا تشتغل به ولا بأبيه](١).
قوله: قالوا يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، فذكره إلى أن قال: (( اجتمعوا
على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه)) تقدم الكلام على
التسمية.
٣٢٢٩- وعن أبى هريرة رَّه قال قال رسول الله وَلا طعام الاثنين كافي
الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة رواه البخاري ومسلم(٢).
(١) مختصر السنن (٢٩٩/٥).
(٢) أخرجه البخارى (٥٣٩٢)، ومسلم (١٧٨ - ٢٠٥٨)، والترمذى (١٨٢٠)، والنسائي في
الكبرى (٦٧٤٢).

٣٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي هريرة نقَلَّهُ تقدم الكلام عليه.
قوله: وفي رواية ابن ماجه قال رسول الله وَ له: ((كلوا جميعا ولا تتفرقوا فإن
البركة مع الجماعة)) (١) فمن آداب الأكل: أن يجتهد في كثرة الأيدي على الطعام
ولو من أهله وولده لتحصل البركة باجتماعهم، وقال أنس: كان النبي وَلاو لا
يأكل وحده، رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق [بإسناد] ضعيف والله أعلم (٢).
قوله: وعن أبي هريرة رُظَّالَّهُ تقدم الكلام عليه.
قوله وَّر: (طعام الاثنين كافي الثلاثة وطعام الثلاثة كافي الأربعة)) وفي
حديث جابر الذي بعده: ((وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) ورواه البزار من
حديث سمرة دون قوله ((وطعام الأربعة يكفي الثمانية)) [١٥١/ أ] وزاد في
آخره «ويد الله على الجماعة)) كل هذه الأحاديث فيها الحث على المواساة
في الطعام وأنه وإن كان قليلا حصلت فيه الكفاية المقصودة ووقعت فيه بركة
تعم الحاضرين عليه، أ.هـ(٣).
وهكذا رتب مسلم رحمه الله أحاديث هذا الباب ذكر أحاديث [المواساة
بثلث القوت ثم ذكر حديث جابر وهو على المواساة بنصف القوت] [قال
(١) مر في الذی قبله عن عمر.
(٢) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (٣٤٢)، وأبو بكر الذكوانى في اثنى عشر مجلساً من
أمالي أبي بكر الذكواني- مخطوط (١٦٥) من طريق إبراهيم بن جعفر، عن سعد بن
سعيد، عن أنس بن مالك. وقال العراقى في تخريج الإحياءء (٤٣٥): رواه الخرائطي في
مکارم الأخلاق بسند ضعيف.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٣).

٣٨٣
كتاب الطعام وغيره
ابن بطال: وهذا الحديث يدل على أن الكفاية ليست بالشبع] الاستبطان كما
أنها ليست بالغني والإكثار ألا ترى قول أبي [حازم] إذا كان يكفيك ما يغنيك
فليس شيء يغنيك والمراد بهذه الأحاديث الحض على [على المكارمة فى
الأكل والموساة والإيثار على النفس الذى مدح الله به أصحاب نبيه] فقال:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(١) وقال إسحاق بن راهويه
ج
عن جرير في تفسير هذه الأحاديث، قال: تأويله شبع الواحد قوت الاثنين
وشبع الاثنين قوت أربع، وقال عبد الله بن عروة: تفسير هذا ما قال عمر عام
الرمادة لقد همت أن أنزل على أهل كل بيت مثل عددهم فإن الرجل لا يهلك
على نصف بطنه، أ.هـ، قاله في النهاية (٢) فندب وَ لي مع التقلل من الاكتفاء
ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، فقال: ((طعام الواحد يكفي الاثنين
يكفي الثلاثة يكفي الأربعة))(٣).
٣٢٣٠ - وعن جابر رَّهُ قال سمعت رسول الله وَّه يقول طعام الواحد
يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة وطعام الأربعة يكفي الثمانية رواه
مسلم والترمذي وابن ماجه ورواه البزار من حديث سمرة دون قوله وطعام
الأربعة يكفي الثمانية وزاد في آخره ويد الله على الجماعة (٤).
(١) سورة الحشر، الآية: ٩.
(٢) النهاية (١٢٥/٣).
(٣) شرح المشکاة (٩/ ٢٨٤٣-٢٨٤٤)، وفتح الباري (٩/ ٥٣٥).
(٤) أماحديث جابر: أخرجه مسلم (١٧٩ و١٨٠ و١٨١ - ٢٠٥٩)، والترمذى (١٨٢٠)،
=

٣٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٢٣١ - وروي عن ابن عمر زَّوََّا قال قال رسول الله بَظل كلوا جميعا ولا
تتفرقوا فإن طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثمانية رواه
الطبراني في الأوسط (١).
٣٢٣٢ - وعن جابر نَظِّه قال قال رسول الله وَّله إن أحب الطعام إلى الله
ما كثرت عليه الأيدي رواه أبو يعلى والطبراني وأبو الشيخ في كتاب الثواب
وابن ماجه (٣٢٥٤)، وابن حبان (٥٢٣٧).
وأما حديث سمرة بن جندب: أخرجه البزار (٤٥٩٠)، والروياني في مسنده (٨٦٤)، والطبرانى
في الأوسط (٢٠/٣ رقم ٢٣٣٦) والكبير (٢٢٩/٧ رقم ٦٩٥٨)، وابن عدى في الكامل
(٤/ ٣٤٣). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه، عن ابن جريج إلا صفوان بن هبيرة. قال أبو
حاتم في العلل (١٤٨٥): هذا حديث باطل يعني بهذا الإسناد، والوليد مجهول. وقال في
(١٥١٩): هذا حديث منكر بهذا الإسناد. وقال الهيثمى في المجمع ٢١/٥: رواه البزار وفيه أبو
بكر الهذلي وهو ضعيف جدا. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢١٣١).
(١) أخرجه عبد الرزاق في الجامع (١٩٥٥٧)، وعبد بن حميد (٧٨٨)، والعقيلى في الضعفاء
(١٨٥/٣)، والطبراني في الأوسط (٦/ ٦٠ رقم ٥٧٩٢) و(٢٥٩/٧ رقم ٧٤٤٤) والكبير
(٣٢٠/١٢ رقم ١٣٢٣٦)، وتمام (٧٦١)، والبيهقى في الشعب (٤٣٩/٧ رقم ٥٢٤٧).
وقال في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن عمرو بن دينار قهر مان آل الزبير إلا عمر بن
فرقد، تفرد به عبد الصمد بن سليمان، وعبد الصمد بن نصر، وعمر بن فرقد بصري. وقال
الهيثمى في المجمع ٢١/٥: رواه الطبراني في الأوسط، والكبير بنحوه، وفي إسناد الأوسط
بحر السقاء، وفي الآخر أبو الربيع السمان، وكلاهما ضعيف.
وقال البوصيرى في الاتحاف ٤/ ٢٨٠: هذا إسناد رجاله رجال الصحيح، رواه الطبراني،
والنسائي في الكبرى. وصححه الألبانى بمجموعه في الصحيحة (١٦٨٦) و(٢٦٩١)
وحسنه في صحيح الترغيب (٢١٣٢).

٣٨٥
كتاب الطعام وغيره
كلهم من رواية عبد المجيد بن أبي داود وقد وثق ولكن في هذا الحديث
نكارة(١).
قوله: وعن جابر زَقْطَهُ تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((إن أحب الطعام [إلى الله] ما كثرت عليه الأيدي)) يعني
الجماعة، تقدم معناه.
في [ ... ](٢) من رواية عبد المجيد بن أبي داود.
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٠٤٥)، والطبراني في الأوسط (٢١٧/٧-٢١٨ رقم ٧٣١٧) وفى
مكارم الأخلاق (١٦١)، وابن عدى في الكامل (٤٩/٧)، والحربى في الفوائد (٣٨)،
والبيهقى في الشعب (١٣٨/١٢ رقم ٩١٧٤ و٩١٧٥). وقال الطبرانى: لم يرو هذا
الحديث عن ابن جريج إلا عبد المجيد. وقال ابن عدى: وحديث أحب الطعام إلى الله لم
يروه، عن ابن جريج غير عبد المجيد وكل هذه الأحاديث غير محفوظة على أنه يتثبت في
حديث بن جريج وله، عن ابن جريج أحاديث غير محفوظة وعامة ما أنكر عليه الإرجاء.
وأنكره الدار قطنى في تعليقه على المجروحين (ص١٩٦). وقال الهيثمى ٢١/٥ : رواه أبو
يعلى، والطبراني في الأوسط، وفيه عبد المجيد بن أبي رواد، وهو ثقة وفيه ضعف. وحسنه
الألباني في الصحيحة (٨٩٥) وصحيح الترغيب (٢١٣٣).
(٢) بياض في الأصل.

٣٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[ الترهيب من الإمعان في الشبع والتوسع
في المآكل والمشارب شرها وبطرا]
٣٢٣٣ - عن أبي هريرة رَّهُ قال قال رسول الله وَّ المسلم يأكل في معى
واحد والكافر في سبعة أمعاء رواه مالك والبخاري ومسلم وابن ماجه
وغيرهم وفي رواية للبخاري أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل
أكلا قليلا فذكر ذلك لرسول الله ◌َّله فقال إن المؤمن یأکل في معی واحد وإن
الكافر يأكل في سبعة أمعاء وفي رواية لمسلم قال أضاف رسول الله وَال ضيفا
كافرا فأمر له رسول الله ◌َله بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشرب
حلابها ثم أخرى فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح
فأسلم فأمر له رسول الله وَالار بشاة فشرب حلابها ثم أخرى فلم يستتمه فقال
رسول الله ◌َّ لهإن المؤمن ليشرب في معى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء
رواه مالك والترمذي بنحو هذه(١).
قوله: عن أبي هريرة زُقَّ تقدم الكلام عليه.
(١) أخرجه مالك (٢٦٧٤) و(٢٦٧٥)، والبخارى (٥٣٩٦) و(٥٣٩٧)، ومسلم (٢٠٦٢) م
و(١٨٦ -٢٠٦٣)، وابن ماجه (٣٢٥٦)، والترمذى (١٨١٩)، والبزار (٩٧٣٨)،
والنسائى فى الكبرى (٦٧٤١) و(٦٨٦٦)، وأبو عوانة (٨٨٦٢) و(٨٨٧١) و(٨٨٧٥)
و(٨٨٧٧) و(٨٨٧٨) و(٨٨٧٩)، والطحاوى فى مشكل الآثار (٢٠١٩) و(٢٠٢٠)،
وابن حبان (١٦١) و(١٦٢) و(٥٢٣٥).

٣٨٧
كتاب الطعام وغيره
قوله وَليّة: ((المؤمن يأكل في معى واحد والكافر في سبعة أمعاء)) الحديث.
قال الخطابي (١): معي مكسور الميم وبالعين المهملة مقصور لا يمد.
وفيه: لغة أخرى معي بکسر الميم وإسكان العین بعدها ياء حكاه صاحب
المحكم(٢) والجمع أمعاء بالمد والتنوين، قال الواحدي (٣): مثل ضلع
وأضلاع، قال: وهو جميع ما في البطن من الحوايا وقال غيره(٤): الأمعاء
المصارين وهو قريب منه، قال الجوهري(6): والمعي واحدة الأمعاء.
قال القاضي عياض(٦): قيل إن هذا في رجل بعينه فقيل له على جهة الشمال.
وقال (٧): هو مثل لأن المؤمن لا يأكل إلا من الحلال ويتوقي الحرام
والشبه والكافر لا يبالي ما أكل ولا من أين يأكل وكيف أكل، وقيل (٨): أراد
أن المؤمن يأكل بأدب الشرع فيأكل في معي واحد والكافر يأكل ويقضي
الشهوة والشره والنهم فيأكل في سبعة أمعاء.
(١) غريب الحديث (٢٤٤/٣).
(٢) المحكم (٤٢٣/٣).
(٣) التفسير البسيط (٢٣٧/٢٠-٢٣٨).
(٤) النهاية (٣٤٤/٤).
(٥) الصحاح (٢٤٩٥/٦).
(٦) إكمال المعلم (٦/ ٥٥٥) وعزاه للمازری.
(٧) قوله وقال مشعر أن الكلام القاضى عياض وإنما هو كلام الجوهرى في الصحاح
(٢٤٩٥/٦).
(٨) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٧٤ -٤٧٥).

٣٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل(١): المراد أن المؤمن يقتصد في أكله.
وقال أبو عبيد (٢): كان هذا خاص بهذا الرجل لأنك ترى من المسلمين من
من يكثر أكله ومن الكفار من يقل ذلك منه.
وقيل(٣): المراد أن المؤمن يسمي الله تعالى عند طعامه فلا يشركه فيه
الشيطان والكافر لا يسمي الله تعالى فيشركه فيه الشيطان.
وقيل(٤): أراد بالمؤمن هنا تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر
على سد خلته، قال النووي: والمختار أن [١٥١/ ب] معناه بعض المؤمن
من يأكل في معي واحدة أي وأكثر الكفار يأكل في سبعة أمعاء ولا يلزم أن كل
واحد من السعة مثل معاء المؤمن والله أعلم، قال العلماء: مقصود الحديث
التقلل من الدنيا والحث على الزهد فيها والقناعة مع أن قلة الأكل [من
محاسن أخلاق] الرجل وكثرة الأكل [بضده] وقیل [معناه] أنه يتناول دون
شبعه ويؤثر على نفسه ويبقي من [زاده] لغيره(٥)، وقال أبو عبيد: نرى والله
أعلم أن تسمية المؤمن عند طعامه فتكون فيه البركة وان الكافر لا يفعل ذلك
والله أعلم، وقيل: هذا مثل ضربه للمؤمن وهذا في الدنيا للكافر وحرصه على
(١) ذكره المازرى في المعلم (٣/ ١٢٠)، والنووى في شرح مسلم (١٤ /٢٤).
(٢) غريب الحديث (٢٢/٣-٢٣).
(٣) ذكره المازرى في المعلم (٣/ ١٢٠)، وإكمال المعلم (٥٥٦/٦)، وشرح النووى
(١٤ / ٢٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٤-٢٥).
(٥) إصلاح غلط المحدثين (ص٤٩) وغريب الحديث (٢٤٤/٣) وكلاهما للخطابى.

٣٨٩
كتاب الطعام وغيره
الدنيا فالمؤمن [يأكل بلغة و] قوتا عند الحاجة والكافر يأكل شهوة وطلبا
للذة فهذا يشبعه [القليل] وذاك لا يشبعه إلا الكثير حتى تقع النسبة بينه وبين
الكافر كنسبته [بين من يأكل] في معي واحد مع من يأكل في سبعة أمعاء،
وقيل: هو تخصيص للمؤمن مما يجره الشبع إلى القسوة وطاعة الشهوة كذا
في شرح السنة والنهاية(١).
وقال أهل الطب(٢): لكل إنسان سبعة أمعاء المعدة ثلاثة متصلة بها رقاق
ثم ثلاثة غلاظ فالكافر بشرهه وعدم التسمية لا يكفيه ملؤها كلها والمؤمن
يشبعه ملأ أحدها [لاقتصاده وتسميته، وقيل: المراد بالسبعة [سبع] صفات
الحرص والشره وطول الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد والسمن].
قال الإمام أبو عبد الله الحكيم الترمذي (٣): الإنسان مبني على سبعة على
الشرك والشك والغفلة والرغبة والرهبة والشهوة والغضب، فهذه أخلاقه
وأي خلق من هذه الأخلاق استولى على قلبه نسب إليه دون الآخر ومما
يحقق ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ® لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ
لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمُ جُزْءٌ مَّقْسُومُ ﴾﴾(٤) فأهل النار مقسومون على هذه الأبواب
السبعة فكل جزء منهم صار جزءا بخلق من هذه الأخلاق المستولية عليه
والله أعلم.
(١) شرح السنة (٣٢٤/١١)، وأعلام الحديث (٢٠٤٧/٣)، والمفاتيح (٥٠٤/٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٤/١٤).
(٣) نوادر الأصول (١٧٦/٢).
(٤) سورة الحجر، الآيتان: ٤٢ - ٤٣.

٣٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا))
الحديث، وفي رواية: أضاف رسول الله وَّيه ضيفًا كافراً فأمر له رسول الله وَخالد
بشاة فحلبت فشرب حلابها إلى قوله ((حتى شرب حلاب سبه شياة ثم أصبح
فأسلم فأمر له رسول الله بشاة فرشب حلابها ثم أخرى فلم يستتمها».
واختلف في تعيين الكافر الذى أسلم فكان سبب ورود الحديث على أقوال:
أحدها: أنه جهجاه الغفاري رواه أبو يعلى والبزاز والطبراني واللفظ له
عنه.
«الثاني: أنه أبو بصرة الغفاري رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح وجزم
به الخطیب في مبهماته.
الثالث: أنه أبو غزوان رواه الطبراني بإسناد صحيح.
الرابع: أنه نضلة بن عمر قال الشيخ زين الدين العراقى: لا يصح؛ وساق
حديثا وقال فى آخره فلا يكون هو المبهم في حديث أبي هريرة. أ.هـ.
الخامس: أنه ثمامة بن أثال بضم المثلثة وفتح الميم وأثال بضم الهمزة
وتخفيف المثلثة.
السادس: أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري حكاهما القاضي عياض
والنووي وغيرهما وحكى ابن بشكوال كونه ثمامة بن أثال عن ابن إسحاق
وصدر به المازري كلامه، وقال الشيخ زين الدين العراقى: لم أجد في طريق
الحديث ما يدل على هذين القولين والله أعلم (١).
(١) طرح التثريب (١٧/٦-١٨).

٣٩١
كتاب الطعام وغيره
٣٢٣٤- وعن المقدام بن معديكرب زَوّلَهُ قال سمعت رسول الله و
صَلىالله
وَسَكم
يقول ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه فإن
كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه رواه الترمذي وحسنه
وابن ماجه وابن حبان في صحيحه إلا أن ابن ماجه قال فإن غلبت الآدمي نفسه
فثلث للطعام الحديث(١).
قوله عن المقدام بن معدى كرب تقدم الكلام على مناقبه رَّ لَّمَ. [١٥٢/أ]
قوله: ((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن)) الحديث. وأكلات هو بضم الهمزة جمع
أكلة وهى اللقمة من المأكول وأكلات أى لقم . و(يقمن صلبه)) أى قواما له .
قوله ((فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)) لا محالة
بفتح الميم أی لابد.
وفى هذا الحديث ذم الشبع بأبلغ زاجر وأشد محذر، وأكثر ما ينبغى الشر
له ما قسمه أثلاثا، وفيه من الإيضاح والحكم ما هو ظاهر عند الفطن أ. هـ.
قاله فى حدائق الأولياء(٢).
(١) أخرجه أحمد ١٣٢/٤ (١٧٤٥٩)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، والترمذى (٢٣٨٠)، والنسائى
فى الكبرى (٦٧٣٧) و(٦٧٣٨) و(٦٧٣٩)، وابن حبان (٦٧٤) و(٥٢٣٦)، والطبرانى فى
الكبير ٢٧٢/٢٠-٢٧٣ (٦٤٤ و٦٤٥ و٦٤٦) والشاميين (١٣٧٥ و١٣٧٦) و(١٩٤٦)،
والحاكم ١٢١/٤ و٣٣١/٤. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. وصححه الألبانى فى الصحيحة (٢٢٦٥) وصحيح الترغيب (٢١٣٥)
والإرواء (١٩٨٣).
(٢) حدائق الأولياء (١/ ٥٤٠).

٣٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال الغزالى فى باب كسر الشهوتين(١): ذكر هذا الحديث لبعض
الفلاسفة من الأطباء فعجب منه وقال ما سمعت كلامًاً في قلة الأكل أحكم
من هذا والله إنه لكلام حكيم. وقال أبو عبد الله القرطبى فى شرح الأسماء
الحسنى بعد أن ذكر هذا الحديث: قال علماؤنا لو سمع بقراط بهذه القسمة
لعجب من هذه الحكمة وقال ليس لبطنة أنفع من جوعة تتبعها (٢).
وقال ابن بطال(٣): وروى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، عن محمد بن
على، عن أبيه، عن النبى (وَلّ) قال: (من سره أن يكون حكيما فليقل طعمه،
فإنه يغشى جوفه نور الحكمة) . وقال مالك ابن دينار: سمعت عبد الله
الرازي يقول: كان أهل العلم بالله والقبول عنه يقولون: إن الشبع يقسى
القلب، ويفتر البدن.
وقال لقمان لابنه(٤): إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة
وقعدت الأعضاء عن العبادة.
وفى العوارف السهروردى(6) قال يحيى بن معاذ: إذا ابتلى المريد بكثرة
الأكل بكت عليه الملائكة رحمة له إلى أن قال: والشبع نهر فى النفس ترده
الشياطين، والجوع نهر فى الروح ترده الملائكة، و ينهزم الشيطان من جائع
(١) إحاياء علوم الدين (٨٧/٣).
(٢) المدخل لابن الحاج (١١٩/٤).
(٣) شرح الصحيح (١٠/ ١٧٧ -١٧٨) لابن بطال.
(٤) إحياء علوم الدين (٣/ ٨٢) و(٨٤/٣).
(٥) عوارف المعارف (٣٥٧/٢-٣٥٨) باختصار.

٣٩٣
كتاب الطعام وغيره
نائم، فکیف إذا كان قائما و یعانق الشیطان شبعانا قائما، فکیف إذا كان نائما،
ويحكى أن إبليس عرض ليحيى بن زكريا عليهما السلام وعليه معاليق،
فقال ما هذه؟ قال: الشهوات التى أصيب بها ابن آدم. قال هل تجد لى فيها
شهوة؟ قال: لا غير أنك شبعت ليلة فثقلناك عن الصلاة والذكر فقال: لا
جرم أنى لا أشبع أبدا. قال إبليس: لا جرم أنى لا أنصح أحدا أبدا.
وقال [على بن أبى] الحسن (١): شبع يحيى بن زكرياء عليهما السلام شبعة
من خبز الشعير فنام عن ورده تلك الليلة فأوحى الله عز وجل: [يا] يحيى هل
وجدت دارا خيرا من داري ووجدت جوارا خيرا من جواري [يا] يحيى
وعزتي وجلالي لو نظرت إلى الفردوس نظرة لزهقت روحك اشتياقا إليها
ولو نظرت إلى النار نظرة لزهقت روحك خوفا منها، قال: فعاد إلى ما كان
عليه من الجهد والجوع.
وقال النبي وَّيّة: ((ما من وعاء ملئ أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ
ولو من حلال))، وقال [ ... ](٢) قرأت في بعض الكتب أن الجوع والعطش
ينبتان حب الآخرة في قلوب الأبرار ويوقظان القلب من نومته وال [شبع]
والري ينبتان حب الدنيا في قلوب الفجار حتى لا يغفل المرء عن نفسه، وقال
الداراني إن الجوع عند الله لفي خزائن مذخورة لا يعطيه إلا لمن أحبه وأن
مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع، أ.هـ، قاله في تهذيب النفوس.
(١) المجالسة (٣٠٧٥)
(٢) بياض في الأصل.

٣٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وروی یحیی بن منده في کتاب مناقب الإمام أحمد بن حنبل بإسناد له عن
الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن قول النبي وَليو [١٥٢/ ب] ثلث للطعام
وثلث للشراب وثلث للنفس، فقال: ثلث للطعام وهو القوت وثلث للشراب
وهو القوي وثلث للنفس وهو الروح(١).
وروي أبو نعيم في الحلية وذكر السند فقال: حدثنا عمرو بن أسلم
الطرسوسي قال: سمعت سلم الخواص يقول: الناس ثلاثة أصناف صنف
شبه الملائكة وصنف شبه البهائم وصنف شبه الشياطين فأما الذين شبه
الملائكة فالمؤمنون في ليلهم ونهارهم طائعين يحبون أهل الطاعة، وأما
الذين شبه البهائم فالذين ليست لهم هم إلا الأكل والشرب والنكاح والنوم
فهم كالبهائم وأما الذين شبه الشياطين فالذين في معاصي الله تعالى مساءا
وصباحا ويعطون كل الأجر(٢)، أ.هـ
وقال أبو الليث السمرقندي في كتابه البستان بعد ذكر الحديث وهو قوله وَله:
((ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن)) الحديث وقال في كثرة الأكل خمس خصال
مذمومة، الأولى: أن يذهب خوف الله من قلبه، الثانية: إذا سمع كلام الحكمة لا
يجد له رقة (٣)، الثالثة: أن يكسل عن الطاعة، الرابعة: [إذا تكلم بالحكمة
(١) جامع العلوم والحكم (٤٧٩/٢).
(٢) حلية الأولياء (٢٧٨/٨).
(٣) بستان العارفين (ص٤١٨) وبالأصل: (الثانية: أن يذهب [شفقة] الخلق من قلبه لأنه نظر
إليهم كلهم شباعا). وهذا من كلام الدارانى حيث قال: من شبع، دخل عليه ست آفات:
فقد حلاوة المناجاة، وتعذَّر عليه حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق؛ لأنه إذا
شبع ظن الخلق كلهم شباعًا، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات وأن سائر المؤمنين يدورون
حول المساجد والشباع يدورون حول المزابل (الإحياء (٨٧/٣).

كتاب الطعام وغيره
٣٩٥
والموعظة لا يقع كلامه فى] قلوب الناس، الخامسة: [ي] هيج منه الأمراض.
٣٢٣٥ - وعن أبي جحيفة رَّهُ قال أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت
النبي وَلَّ فجعلت أتجشأ فقال يا هذا كف عنا من جشائك فإن أكثر الناس
شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد
قال الحافظ بل واه جدا فيه فهد بن عوف وعمر بن موسی لکن رواه البزار
بإسنادين رواة أحدهما ثقات ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير
والأوسط والبيهقي وزادوا فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا
کان إذا تغدی لا یتعشى وإذا تعشی لا يتغدى وفي رواية لابن أبي الدنيا قال أبو
جحيفة فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة(١).
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الجوع (٤) و(١٩)، والبزار (٤٢٣٦) و(٤٢٣٧)، وابن جرير
فيتهذيب الآثار/ مسند علي (٧١٦/٢-٧١٧ رقم ١٠٣٥ / مسند عمر بن الخطاب)،
وخيثمة فى جزئه (٤٥)، والطبرانى فى الأوسط (٣٧٨/٨ رقم ٨٩٢٩) والكبير (١٣٢/٢٢
رقم ٣٥١)، وابن عدي في الكامل (٧٥/٧)، والحاكم (١٢١/٤) و(٣١١/٤)، وتمام فى
الفوائد (٦٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٦/٧)، والبيهقى فى الآداب (٤٦٢) والشعب
(٤٤٢/٧-٤٤٣ رقم ٥٢٥٥) و(٤٤٣/٧ - ٤٤٤ رقم ٥٢٥٦). وصححه الحاكم وتعقبه
الذهبى فقال: فيه فهد بن عوف، قال ابن المديني: كذاب، وعمر بن موسى وهو هالك.
وقال مهنا سألت أحمد ويحيى (يعنى عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، قلت
لأحمد: يروى من غير هذا الوجه؟ قال: كان عمرو بن مرزوق يحدث به، عن مالك بن
مغول، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، ثم تركه بعد، ثم سألته عنه بعد؟ فقال: ليس
بصحيح. (المنتخب من العلل ص ٤٧). وقال أبو حاتم فى العلل (١٨٦١): هذا حديث
باطل، ولم يبلغني أن عمرو بن مرزوق حدث به قط.
=

٣٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي حجيفة، أبو حجيفة (١) اسمه وهب بن عبد الله ويقال:
وهب بن وهب السوائي بسين مهملة مضمومة وألف ممدودة منسوب إلى
سواءة بالمد أيضا منة بني عامر بن صعصعة، قال ابن عبد البر: كان من صغار
الصحابة وذكروا أن رسول الله وَ ل﴿ توفي وأبو حجيفة يبلغ الحلم لكنه سمع
من رسول الله وَ﴾ وروي عنه، كان علي رَقَّهُ يحبه ويثق به جعله على بيت
المال بالكوفة، شهد معه وقعة صفين، توفي سنة اثنين وسبعين [وتوفى النبى
وَ ل﴾ وهو صبى لم يبلغ].
[قوله] أكلت [ثريدة] من خبز ولحم ثم أتيت النبي ◌َّله فجعلت أتجشأ
[الحديث] التجشأ: ريح [يخرج من] الصدر عند الشبع والامتلاء.
٣٢٣٦- وعن ابن عمر رَقُوافَّهنا قال تجشأ رجل عند رسول الله وَخله فقال
كف عنا جشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة رواه
الترمذي وابن ماجه والبيهقي كلهم من رواية يحيى البكاء عنه وقال الترمذي
حدیث حسن(٢).
=
وقال الهيثمى فى المجمع ٣١/٥: رواه الطبراني في الأوسط والكبير بأسانيد، وفي أحد
أسانيد الكبير محمد بن خالد الكوفي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وقال فى ٣٢٣/١٠:
رواه البزار بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. وصححه الألبانى فى الصحيحة (٣٤٣)
بمجموعه وصحيح الترغيب (٢١٣٦).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ ترجمة ٧٤٧)، والاستيعاب (٤ / الترجمة ٢٧٣٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٠)، والترمذى (٢٤٧٨)، وابن أبى الدنيا فى إصلاح المال
(٣٥١)، والطبراني في الأوسط (٢٤٩/٤ رقم ٤١٠٩) والكبير (٢٦٩/١٣ رقم
١٤٠٢٥)، والبيهقى فى الشعب (٤٤٥/٧-٤٤٦ رقم ٥٤٥٩). وقال الترمذى: هذا
=

٣٩٧
كتاب الطعام وغيره
قوله: وعن ابن عمر، تقدم الكلام عليه.
قوله: تجشئ عند رسول الله وَالّ فقال: ((كف عنا جشأك)) هذا الرجل هو
وهب بن عبد الله السواءي الذي تقدم ذكره في الحديث قبله.
٣٢٣٧ - وعن ابن عباس رًَّا قال قال رسول الله وَخله إن أهل الشبع في
الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة رواه الطبراني بإسناد حسن (١).
قوله: وعن ابن عباس، تقدم الكلام علیه.
قوله مَّيّة:((إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة)) قال
[الغزالى] في الإحياء (٣): للجوع عشر فوائد، الأولى: صفاء القلب وانقياد
القريحة ونفاذ البصيرة [فإن الشبع يورث البلادة ويعمى القلب ويكثر البخار
في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن
الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه
حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال أبو حاتم (١٩١٠): هذا حديث منكر. وقال
الطبرانى: ((لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد؛ تفرد به عبد العزيز
النرمقي)). وصححه الألبانى فى الصحيحة (٣٤٣) وصحيح الترغيب (٢١٣٧).
(١) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٢٦٧/١١ رقم ١١٦٩٣)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٣/
٣٤٥ -٣٤٦). وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث فضيل ومنصور وعكرمة، لم
یروه عن فضیل إلا یحیی بن سليمان، وفيه مقال.
وقال الهيثمى فى المجمع ٢٥٠/١٠-٢٥١: رواه الطبراني، وفيه يحيى بن سليمان
الجفري، وبقية رجاله ثقات. وحسنه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢١٣٨) والصحيحة
(٣٤٣).
(٢) الإحياء (٣/ ٨٤)

٣٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك وقال أبو سليمان الداراني عليك
بالجوع فإنه مذلة للنفس ورقة للقلب وهو] يورث العلم السماوي، قال ابن
عباس: من شبع [ونام قسا] قلبه وإن لكل (شىء) زكاة وزكاة الجسد الجوع،
الثانية: رقة القلب، قال أبو سليمان: القلب إذا شبع عمي و[القلب] إذا جاع
صفا ورق، الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي [هو
مبدأ] الطغيان والغفلة عن الله تعالى (ولا] ينكسر القلب ولا تذل بشيء كما
تذل بالجوع ومن لم يشاهد ذل [نفسه و] عجزه لم ير عز مولاه وقهره
ولذلك لما عرضت على النبي ◌َّ الدنيا وخزائنها قال: ((لا أجوع يوما
وأشبع يوما، إذا جفت صبرت وتضرعت، وإذا شبعت شكرت)). [١٥٣ / أ]
الرابعة: أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء لأن الشبعان
ينسى الجائعين ولذلك قيل ليوسف عليه الصلاة والسلام لم تجزع وفي يدك
خزائن الأرض، قال: أخاف أن أشبع فأنسي الجائع فذكر الجائعين وذكر
المحتاجين أحد فوائد الجوع فإن ذلك يدعوا إلى الرحمة والشفقة على خلق
الله تعالى، والشبعان في غفلة عن الجائع، الخامسة: كسر شهوات المعاصي
لها، قال ذو النون: ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية، وقالت
عائشة: أول بدعة حدثت بعد رسول الله وسير الشبع إن القوم لما شبعت
بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا، وأقل ما يندفع بالجوع شهوة الفرج
وشهوة الكلام فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به
من آفات اللسان ولا يكب النار في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم،

٣٩٩
كتاب الطعام وغيره
وأما شهوة الفرج فلا تخفى غوائلها والجوع يكفي شرها، السادسة: دفع
النوم فإن من شبع شرب كثيرا ومن شرب كثيرا كثر نومه ويفوته بالنوم من
أنواع القربات والطاعات ما لا [يخفى] وقد يحتلم فيمنعه ذلك مما ينفعه في
الدار الآخرة، وقد قال أبو سليمان: الاحتلام عقوبة وإنما قال ذلك لأنه يمنع
من عبادات كثيرة، السابعة: تكثير العبادة فإن الأكل يمنع من كثير من
العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما احتاج إلى زمان في
شراء الطعام وطبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال ثم يكثر تردده إلى
الخلاء لكثرة شربه والأوقات المصروفة في هذه الأشياء لو صرفها إلى الذكر
والمباحات وسائر العبادات لكثر ربحه [الثامنة] في قلة الأكل صحة البدن
ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة
والعروق ثم المرض يمنع العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر
وينقص العيش ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطيب وكل ذلك
يحتاج إلى مؤن وتعب وتبعات لا يخلوا الإنسان فيها من أنواع المعاصي
واقتحام الشهوات وفي الجوع ما يدفع عنه ذلك، التاسعة: خفة المؤنة فإن من
تعود خفة الأكل كفاء من المال قدر يسير والذي تعود الشبع صار بطنه غريما
ملازما له فيحتاج أن يدخل المداخل السوء فيكتسب من الحرام فيعصي أن
من الحلال فيذل ويتعب وربما يحتاج إلى أن يمد عين الطمع إلى الخلف
وهو غاية الذل والمؤمن خفيف المؤنة، العاشرة: أن يتمكن بذلك من الإيثار
والتصدق بما فضل من الأطعمة على الفقراء والمساكين فيكون يوم القيامة

٤٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في ظل صدقته، والذي يأكل خزانته الكنيف والذي يتصدق خزانته فضل الله
تعالى وليس للعبد من مالك إلا ما تصدق فأمضى أو أكل فأفنى أو لبس
فأبلي والله أعلم(١)، أ.هـ قاله في الديباجة، شرح سنن ابن ماجه.
٣٢٣٨- وروي عن عطية بن عامر الجهني قال سمعت سلمان
وأكره على طعام يأكله فقال حسبي أني سمعت رسول الله وَّه يقول إن أكثر
الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة رواه ابن ماجه والبيهقي وزاد
في آخره وقال یا سلمان الدنیا سجن المؤمن وجنة الكافر(٢).
قوله: وعن عقبة بن عامر الجهني، هكذا وقع [فى الأصل] والصواب: عطية
بن عامر الجهني، روى عن سلمان هذا الحديث، ذكره ابن حبان في الثقات.
قوله: سمعت سلمان زَوْمَةُ وأكره على طعام يأكله فقال: حسبي- أي:
يكفيني-، وسلمان هذا هو سلمان الفارسي تقدم الكلام على مناقبه.
(١) الإحياء (٨٤/٣-٨٨) باختصار، واختصرها أيضا الطيبى في شرح المشكاة
(٣٢٩٣/١٠-٣٢٩٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥١)، والبزار (٢٤٩٨)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٣٦٠، والطبراني
في الكبير (٢٣٦/٦ رقم ٦٠٨٧) و(٢٦٨/٦ رقم ٦١٨٣)، والحاكم ٣/ ٦٠٤، وأبو نعيم
في الحلية ١ / ١٩٨ - ١٩٩، والبيهقي في الشعب (٤٤٤/٧-٤٤٥ رقم ٥٢٥٧ و ٥٢٥٨).
وصححه الحاكم. وتعقبه الذهبى: فيه سعيد بن محمد الوراق تركه الدار قطني وغيره.
وقال الهيثمي الحديث في المجمع (١٠ / ٢٨٩): فيه سعيد بن محمد الوراق، وهو
متروك. وقال البوصيرى فى الزجاجة ٣٠/٤: هذا إسناد فيه مقال سعيد بن محمد الوراق
ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن سعد وأبو داود والنسائي وابن عدي والدار قطني ووثقه
ابن حبان والحاكم. وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢١٣٩).