Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
كتاب اللباس والزينة
.. . (١)
جَعْفَر رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ (١).
قوله ◌َله في حديث أبي أمامة زَّ لَهُ: (يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب
ولهو ولعب فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير)) الحديث، وعن مجاهد أنه
قال: المسخ بمعنى الختم والطبع على القلب لا مسخ الصور والله أعلم.
واختلف في القردة والخنازير، قال أبو الليث السمر قندي (٢): اختلف
الناس في الخلق الذين مسخهم الله تعالى (قال بعضهم: إن القردة والخنازير
من نسل قوم قد مسخهم الله، وكذلك الفأرة والدعموص وغيرهما من
الأشياء التي جاءت فيها الآثار أنهم مسخوا، وقال عامة)(٣) أهل العلم هذا لا
يصح بل كانت القردة وغيرها قد خلقوا قبل ذلك والذي مسخهم الله تعالى
ليس لهم فرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام، روى المسور بن الأحنف قال: قيل
(١) أخرجه الطيالسى (١٢٢٣)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية ٢٩٥/٦-٢٩٦، وأحمد في
المسند ٢٥٩/٥(٢٢٦٦١) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٣٢٩/٥(٢٣٢٣٧
و٢٣٢٣٨ و٢٣٢٣٩ و٢٣٢٤٠)، وابن أبى الدنيا في ذم الملاهى (٣)، والخرائطى في
مساوىء الأخلاق (٢٧١)، والحاكم ٥١٥/٤، وأبو نعيم في الحلية ٢٩٥/٦-٢٩٦،
والطبراني في الكبير (٢٥٦/٨ رقم ٧٩٩٧)، والبيهقى في الشعب (٤٢٠/٧-٤٢١ رقم
٥٢٢٦)، والشجرى في الأمالى (٢/ ٣٧١). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
قال البوصيرى في اتحاف الخيرة ٩١/٨: رواه أبو داود الطيالسي واللفظ له وأبو يعلى الموصلي
وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائده على المسند ومدار أسانيدهم على عاصم بن عمرو
البجلي، وهو ضعيف. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/٨: رواه عبد الله، وروى الطبراني منه
حديث أبي أمامة فقط، وفرقد ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٤٠٦).
(٢) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٣) بستان العارفين (ص٣٩٦).
٢٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لعبد الله بن مسعود: أرأيت (القردة والخنازير من نسل القردة والخنازير التي
كانت قبلها؟ قال عبد الله:)(١) لم يمسخ الله أمة فيجعل الله لها نسلا ولكنها
من نسل قردة وخنازير قد كانت قبل ذلك. [١٢٧ / أ] انتهى.
قوله وَلي: ((وليصيبنهم خسف)) قال في التنقيح على المصابيح(٢):
والخسف یکون في الأرض انتهى.
تتمة: قد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله تعالى يقول: كان
الخسف لمن قبلنا بالإعدام ولكرامة هذه الأمة على الله تعالى ولشفاعة نبينا
محمد ◌َّ فينا رفع الله عنا خسف الظاهر لأنه عليه الصلاة والسلام طلب من
الله تعالى أن لا يخسف بأمته كما فعل بمن مضى فأسعفه الله تعالى فيما طلب
في الظاهر أتبع ذلك الستر، وأما خسف الباطن فلم يرفعه على ما ورد وذلك
موجود ظاهر لا يرتاب أحد فيه ولا يشك ألا ترى إلى الخنزير وحالته وما هو
فيه من التنجيس والتقذير فتنظر إلى شراب الخمر هل تجد بينهما فرقا إلا في
الصورة الظاهرة والمعاني قد جمعت بينهما وكذلك أيضا إذا نظرت إلى
الثعبان تجده ناعما أملس مليح المنظر فإذ قربته قتلك بسمه وأنت ترى كثيرا
من أهل الوقت كذلك فتنظر في أحدهم ترى العبارة العذبة والكلام الطيب
وكأنه أعظم الناس في المحبة فإذا اطمأننت إليه أو ركنت إلى جانبه أو رغبت
عنه أهلكك بحسب حاله وحالك إما في مالك أو في عرضك أو دينك، وذلك
سمه فأنى فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما، ألا ترى
(١) ما بين المعكوفين سقط من الأصل.
(٢) كشف المناهج والتناقيح (٣١١/٢).
٢٠٣
كتاب اللباس والزينة
إلى السبع وحالته وإيذائه ورعبه للناس وخوفهم منه إذا سمعوا بحسه فضلا
عن رؤيته بل من الناس من لا يستطيع رؤيته إلا ويهلك وهو مطبوع على
الضرر الكلي ألا ترى إلى حاله إذ قد يكون شبعانا ريانا ومع ذلك إذا رأى
آدميا أو ماشيته لم يملك نفسه إلا أن ينقض عليه يعبث به ويقتله ثم يمضي
ويتركه على ذلك الحال لا حاجة له به لشبعه فتنظر إلى هؤلاء الظلمة وما
وسع عليهم في دنياهم لم تبق له أمنية إلا وهي حاصلة فضلا عن الضرورات
ثم فضلت الأموال عندهم ليس لهم حاجة يربرون على بعضها بالربا وعلى
بعضها في المحرمات وفي البنيان والإسراف ثم مع ما بأيديهم من كثرة
الأموال لا يقدر أحد منهم في الغالب أن يترك للضعيف المسكين درهما
يكتسب فيه لنفسه وعياله بل يضربون على الشيء اليسير الضرب المؤلم
ويؤذون على ذلك بالحبس والغرامة وغير ذلك مما عندهم من أنواع العذاب
والرعب للمساكين وكثير من الضعفاء المساكين لا يستطيعون رؤيتهم لشدة
سطوتهم فأي فرق بينهم وبين السبع إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة
بينهما، ألا ترى إلى الكلاب وحالتها وإيذائها وتسليطها على رعب
المساكين مرة برؤيتها ومرة بصوتها ومرة بتقطيعها الثياب وإيذائها في البدن
وقد يؤول من قامت عليه من الآدميين صبيا صغيرا أو كبيرا أو ضعيفا إلى
الإعدام البتة، وقد يكون فيها من هو كلب فيهلك من قرب منه مرة واحدة
وقد وقع [ ... ](١) مشهور متعارف فانظر إلى هؤلاء الحرس الجبابرة في
إرعابهم المسلمين وتسلطهم عليه بالأذية العظيمة في الدين والبدن والمال
(١) بياض في الأصل.
٢٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والروح والرعب الحاصل عند رويتهم للصبيان الصغار والكبار الضعفاء
المساكين فأي فرق بينهم وبين الكلاب إلا في الصورة الظاهرة والمعاني
الجامعة بينهما ألا ترى إلى العقرب وحالتها وإيذائها وكثرة تعقدها
(١٢٧/ ب) وسمها وأنها ليس لها صدر فانظر إلى بعضهم تجده كذلك ضيق
الصدر منعقد الوجه لا يستطيع [ ... ](١) وجهه وضيق صدره فإن قربته وأنت
لا تتحفظ على نفسك منه حصل لك منه الأذية العظمى أو في مالك أو بدنك
أو عرضك وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني
جامعة بينهما أ.هـ كلامه وهذا كثير لا يمكن حصره ولا عده وإنما ذكر رحمه
الله هذا تمثيلا لمن له لب فينظر إلى كيفية الخسف الواقع لكل إنسان بحسب
حاله وحال ذنبه فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف القلوب وترك
الاستحياء من عمل الذنوب قاله صاحب تهذيب النفوس في كتابه.
قوله وَالله: ((وخسف وقذف)) تقدم الكلام على الخسف، والكلام الآن
على القذف، قال في التنقيح: والقذف يريد به الريح الشديدة الباردة أو قذف
الأرض الموتى بعد الدفن أو رمي أهلها بالحجارة(٢).
قوله: ((ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلکت عادا علی قبائل فيها وعلى
دور)) الريح العقيم ما ليس فيه نفع وخير [وهي: التي لا تلقح شجرا ولا تنشر
سحابا ولا رحمة فيها ولا بركة أ.هـ قاله الثعلبي في تفسيره(٣)] يعني: كل ما جاء
(١) بياض في الأصل.
(٢) كشف المناهج والتناقيح (٤٨٦/٤).
(٣) تفسير الثعلبى (١١٨/٩).
٢٠٥
كتاب اللباس والزينة
في القرآن من الريح بلفظ المفرد فهو عذاب وكل ما كان بلفظ الجمع كقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَحَ﴾(١) فهو رحمة، وروي [ابن عباس عنآ رسول
الله ◌َّ أنه قال: ((ما أرسل الله ريحا إلا بمكيال ولا قطرة من المطر إلا بمكيال إلا
يوم عاد ويوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ: بريح
صرصر عاتية)) وقال الله تعالى: ﴿فَأَهْلِكُواْ بِالطَّاغِيَةِ﴾(٢) أي: بطغيانهم يعني
الفاعلة(٣)، وعاد: قبيلة وهم قوم هودالعَالَ وقصة عاد مشهورة مذكورة في
التفاسير وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها والله أعلم.
قوله: ((بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات وأكلهم الربا
وقطيعة الرحم)) سيأتي الكلام على شرب الخمر في بابه وكذلك قطيعة الرحم
والربا.
٣١٣٨- وَعَن عبد الرَّحْمَن بن غنم الأَشْعَرِيّ قَالَ حَدثْنِي أَبُو عَامر وَأَبُو
مَالك الْأَشْعَرِيّ وَالله يَمِين أُخْرَى مَا كَذْبَنِي أَنه سمع رَسُولِ اللهِ وَهِ يَقُول
لَيَكُونن من أمتِي أَقوام يسْتَحُّونَ الْخمر وَالْحَرِير وَذكر كلاما قَالَ يمسخ مِنْهُم
قردة وَخَنَازِيرٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقًا وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظِ لَهُ(٤).
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٧.
(٢) سورة الحاقة، الآية: ٥.
(٣) قال الثعلبى: هى نعت مجازه بفعلتهم الطاغية (المصدر السابق).
(٤) أخرجه البخارى (٥٥٩٠)، وأبو داود (٣٦٨٨) و(٤٠٣٩)، وابن ماجه (٤٠٢٠)، وابن
حبان (٦٧٥٤) و(٦٧٥٨)، والطبرانى فى الكبير (٢٨٢/٣ رقم ٣٤١٧) والشاميين
(٥٨٨)، والبيهقى فى الصغير (١٧٦/٤ رقم ٣٣٥٣) والكبرى (٣٨٦/٣ رقم ٦١٠٠)
=
٢٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن عبد الرحمن بن غنم(١)، وهو: عبد الرحمن بن غنم بن كريب
بن هانئ بن ربيعة بن عامر بن عدي بن وائل بن ناجية، فذكره إلى أن قال: ابن
الأشعري، الشامي، ذكره ابن يونس وابن مندة وآخرون في الصحابة وأنكر
ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا: تابعي مخضرم وكان مسلما في عهد
رسول الله وَّل ولم يره وقالوا: الأولون قدم على رسول الله وَّل في السفينة مع
أبي موسى الأشعري وأصحابه، كان يسقط فلسطين وقدم دمشق ودقم مصر
مع مروان بن الحكم سنة خمس وستين روى عن النبي وَّ مرسلا وسمع
عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا ذر وأبا مالك الأشعري
وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له وكان عبد الرحمن أفقه أهل
الشام، [بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس وأبوه [غنم بن سعد ممن
وصحب
وسلم
قدم مع أبي موسى الأشعري من الأشعريين على رسول الله
رسول الله (وَة) وقتل في بعض المغازي بعد رسول الله (الَّلام)] وعليه تفقه
عامة التابعين بالشام وكان له جلالة وقدر، قال ابن سعد: طعن هو ومعاذ بن
جبل وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة في يوم واحد، توفي نَظَّالَّهُ سمة ثمان
وسبعين ومناقبه كثيرة مشهورة.
=
و (١٠/ ٣٧٣ رقم ٢٠٩٨٨). وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب (٢٠٦٧) والصحيحة
(٩٠ و٩١).
(١) ترجمته: الطبقات الكبرى ٧/ ٤٤١، تاريخ ابن يونس ٣١١/١، تهذيب الأسماء واللغات
١/ ٣٠٢، تهذيب الكمال ١٧/ ترجمة ٣٩٢٨. وما نقله الشارح هو من تهذيب الأسماء
واللغات للنووى.
٢٠٧
كتاب اللباس والزينة
قوله: حدثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري، وفي رواية: حدثني أبو مالك
الأشعري ولم يشك أبو مالك ويكنى أبا مالك الأشعري وروي عنه جابر بن
عبد الله وعبد الرحمن بن غنم، واختلف في اسم أبي عامر فقيل الحارث
وقيل عبيد وقيل عمرو وقيل كعب بن عاصم، روى عن رسول الله قال
الحافظ عبد الحق: ولم يخرج البخاري عن أبي مالك الأشعري شيئا في
صحيحه فإن أراد بذلك أن البخاري ما خرج له بالجزم فنعم وإلا فقد خرج
له على الشك [١٢٨ / أ] وفي هذا من الفوائد أن البخاري رواه عن شيخه
هشام بن عمار فقال فيه قال هشام ولم يقل حدثنا فزعم أبو محمد بن حزم
أنه منقطع لم یسمعه منه.
قوله: فإنه سمعه منه إلا أنه أخذه عنه حال المذاكرة لا حال التحديث
وهذه عادة البخاري مبالغة في الاحتياط وقد وصله الإسماعيلي في صحيحه
وأبو نعيم في المستخرج وأبو داود في [سننه بأسانيد] صحيحة لا مطعن فيها.
قوله: والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله يقول: ((ليكونن من
أمتي أقوام)) فقوله: والله يمين أخرى أيضا تأكيد لحلف على صحة الخبر وفي
هذا الحديث من أعلام النبوة الإخبار بهذه الأمور التي وقعت كما قال وَاجله،
وفيه: أنهم داخلون مع ذلك في مسمى الأمة لكن قوله: (يستحلون ) يخرجهم
فإن من استحل ما حرمه الله مما أجمعوا عليه وعلم من الدين بالضرورة كفر
اللهم إلا أن يكون معناه يستحلونه بالتأويل الباطل كما قال في الخمر
يسمونها بغير اسمها فإن من يجعل النبيذ خمر أيطلق عليه الخمرية فيحمل
٢٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على الشبهة وفيه التصريح بتحريم الحرير ردا على من خالف وحمله على
الكراهة وهو قول نقله ابن العربي في أحكامه وغيرها من جملة تسعة أقوال
ثم انعقد الإجماع على خلافه.
وأما قوله: ((الحر والحرير)) بالكسر وبالمهملتين وبتخفيف الراء فرج
المرأة أي الزنا وأصل حرح بكسر الحاء وسكون الراء وجمع أحراح ومنهم
من شدد الراء وليس بجيد فعلى التخفيف يكون في حرح لا في حرر وذكره
أبو موسى في حرف الحاء والراء والصواب الحر بالحاء والراء والتخفيف
قال الحربي: التخفيف [ ... ](١).
والمشهور الخز بالخاء والزاي المعجمتين، وكذا قال ابن الجوزي وهو
ضرب من ثياب الإبریسم معروف.
قوله: وكذا (جاء في كتابي البخاري وأبي داود ولعله حديث آخر كما ذكره
أبو موسى وهو حافظ عارف بما روى وشرح فلا يتهم) في النهاية عن
المديني(٢) قال ابن بطال(٣): وأما الحر فهو الفرج وليس كما تأوله من
صحفه فقال: الخز من أجل مقارنته للحرير فاستحل التصحيف بالمقارنة مع
أنه ليس في الخز تحريم فإن لحمته صوف ففيه خلاف والأصح جوازه
لحديث أبي داود في ذلك ما لم يزد الحرير عليه وزنا وقد جاء في الحر
(١) بياض في الأصل.
(٢) النهاية (٣٦٦/١).
(٣) شرح الصحيح (٥١/٦).
٢٠٩
كتاب اللباس والزينة
التحريم ومعنى يستحلون الحر أي يستحلون المنهي عنه.
خاتمة: قال الحسن في الثياب ينسجها المجوس لم ير بها بأسا وقال ابن
بطال(١): اختلف العلماء في الصلاة في ثياب الكفار فذهب مالك وجمهور
العلماء إلى أنه لا بأس بالصلاة فيما نسجوه وكره مالك الصلاة فيما لبسوه،
وقال: إن صلى فيه يعيد في القوت وأجاز ذلك الكوفيون والثورى والشافعي
وقالوا: لا بأس بلبساها وإن لم تغستل حتى يتبين فيها النجاسة إلا أن أبا
حنيفة قال: أما السروايل والإزار فأكره أن يلبسها المسلم إلا بعد
الغسیل،أ.هـ.
(١) المصدر السابق (٢٥/٢-٢٦).
٢١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل
في لباس أو كلام أو حركة أو نحو ذلك]
٣١٣٩- عَن ابْن عَبَّاس
قَالَ لعن رَسُول اللّه ◌َّرِ المتشبهين من
بَ اللّه
رَضِ
الرِّجَال بِالنسَاء والمتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه(١) وَالطَّبَرَانِيّ(٢) وَعِنْده أَن امْرَأَة مرت على
رَسُول الله ◌َِّ متقلدة قوسا فَقَالَ لعن الله المتشبهات من النِّسَاء بِالرِّجَالِ
والمتشبهين من الرِّجَال بِالنسَاء وَفِي رِوَايَة الْبُخَارِيّ (٣) لعن رَسُول اللهِ وَه
المخنثين من الرِّجَال والمترجلات من النِّسَاء المخنث بِفَتْح النُّون وَكسرهَا
من فِيهِ انخناث وَهُوَ التكسر والتثني كَمَا يَفْعَله النِّسَاء لَا الَّذِي يَأْتِي الْفَاحِشَة
الْكُبْرَی.
(١) أخرجه البخارى (٥٨٨٥)، وابن ماجه (١٩٠٤)، وأبو داود (٤٠٩٧)، والترمذى
(٢٧٨٤)، والطبرانى فى الأوسط (١١٧/٢ رقم ١٤٣٥) والكبير (٢٥٢/١١ رقم
١١٦٤٧) و(٣٠٧/١١ رقم ١١٨٢٣).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢١٢/٤ رقم ٤٠٠٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان
(١٥٥/١). وقال: لم يرو هذا الحديث، عن عمرو بن دينار إلا محمد بن مسلم، ولا عن
محمد بن مسلم إلا عبد الرحمن بن زياد. قال الهيثمي في المجمع ١٠٣/٨ : رواه الطبراني
في الأوسط عن شيخه علي بن سعيد الرازي وهو لين، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألبانى
في ضعيف الترغيب (١٢٥٦) وقال: منكر.
(٣) أخرجه البخارى (٥٨٨٦) و(٦٨٣٤)، وأبو داود (٤٩٣٠)، والترمذى (٢٧٨٥)،
والنسائي في الكبرى (٩٢٠٧) و(٩٢١٠).
٢١١
كتاب اللباس والزينة
قوله: عن ابن عباس ◌َّا، تقدم الكلام عليه.
قوله: ((لعن رسول الله وَي المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من
النساء بالرجال)) وفي رواية البخاري: ((لعن رسول الله وَ ل المخنثين من
الرجال والمترجلات من النساء)) الحديث (١٢٨/ ب)، المخنث من الرجال
بفتح النون وكسرها من فيه الخناث وهو التكسر والتثني كما يفعله النساء لا
الذي يأتي الفاحشة الكبرى، قاله المنذري، وقال النووي رحمه الله تعالى(١):
قال أهل اللغة المخنث بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفتح أشهر
وهو الذي خلقه خلق النساء في حركاته وهيئاته وكلامه ونحو ذلك وهو
ضربان أحدهما: من يكون ذلك خلقة له لا يتكلفه لا صنع له فيه فهذا لا إثم
عليه ولا ذم ولا عيب إذ لا فعل له فيه ولا كسب والثاني: من يتكلف ذلك
فليس هو بخلقة فيه فهذا هو المذموم الآثم الذي جاءت الأحاديث
الصحيحة بلعنه لعن الله المخنثين، سمي مخنثا لانكسار كلامه ولينه، فقد
تخانث وتشبه بالنساء فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر لعنة الله عليه ورسوله
فلا يقر عليها بل يؤدب بالضرب الوجيع والسجن الطويل والنفي حتى يرتدع
عن ذلك ويكفي دليلا على ذلك ما خرجه البخاري عن ابن عباس قال: لعن
رسول الله ولية المتشبهات من الرجال بالنساء، الحديث وقال: ((أخرجوهم
من بيوتكم)) وأخرج فلانا وفلانا غير أنه لا يقتل(٢).
(١) شرح النووي على مسلم (١٤ / ١٦٢).
(٢) المفهم (١٨ /١٨) وزاد: غير أنه لا يقتل لما رواه أبو هريرة: أن النبي أتي برجل قد خضب
=
٢١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣١٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َِّيَّهُ قَالَ لعن رَسُول الله وَّةِ الرجل يلبس لبسة
الْمَرْأَةَ وَالْمَرْأَة تلبس لبسة الرجل رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن
حَبَان فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمْ وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلم(١).
قوله: وعن أبي هريرة نقطة تقدم الكلام عليه.
قوله: ((لعن رسول الله وَلة الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة
الرجل)) الحديث، وهو بدعة محرمة فلم يفعلها من له خلاق فيجب إنكارها
والتحير منها والمعصوم من عصمه الله تعالى قاله ابن النحاس في تنبيهه(٢).
٣١٤١- وَعَن رجل من هُذَيْلِ قَالَ رَأَيْت عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
نَا ومنزله فِي الْحل ومسجده فِي الْحرم قَالَ فَبينا أَنَا عِنْده رأى أم سعيد
بنت أبي جهل متقلدة قوسا وَهِي تمشي مشْيَة الرجل فَقَالَ عبد الله من هَذِه
فَقلت هَذِه أم سعيد بنت أبي جهل فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول ◌َيْسَ منا
من تشبه بِالرِّجَالِ من النِّسَاء وَلَا من تشبه بِالنسَاء من الرِّجَال رَوَاهُ أَحْمد
=
يديه ورجليه، فقال: ((ما بال هذا؟!)) فقيل: يتشبه بالنساء، فأمر به، فنفي إلى النقيع -
بالنون-، فقيل: يا رسول الله وَل ألا نقتله؟ قال: ((إني نهيت عن قتل المصلين)).
(١) أخرجه أحمد ٣٢٥/٢(٨٤٢٥)، وأبو داود (٤٠٩٨) والنسائي في الكبرى (٩٢٠٩)، وابن
حبان (٥٧٥١) و (٥٧٥٢)، والبزار (٩٠٨٩)، والطبراني في الأوسط (٢٩٦/١ رقم
٩٨٤)، والحاكم في المستدرك (١٩٤/٤) والبيهقى في الشعب (٢٢٤/١٠ رقم ٧٤١٦).
وصححه الحاكم على شرط مسلم. وصححه الألباني في جلباب المرأة (٦٦) وصحيح
الترغيب (٢٠٦٩).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ٢٩١ -٢٩٢).
٢١٣
كتاب اللباس والزينة
وَاللَّفْظِ لَهُ وَرُوَاته ثِقَاتٍ إِلَّا الرجل الْمُبْهم وَلم يسم وَالطَّبَرَانِيّ مُخْتَصرا
وَأَسْقط الْمُبْهم فَلم يذكرهُ(١).
قوله: وعن رجل من هذیل قال رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص
لِلّهَـ
ومنزله في الحل ومسجده في الحرم قال: فبينا أنا عنده رأى أم سعيد بنت أبي
جهل متقلدة قوسا وهي تمشي مشية الرجال، الحديث، تقدم في الحديث
قبله أن هذا فعل من البدع المحرمة والله أعلم.
٣١٤٢- وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ لعن رَسُول اللهِ وَّةِ مخنثي الرِّجَال
الَّذين يتشبهون بالنسَاء والمترجلات من النِّسَاء المتشبهات بِالرِّجَالِ وراكب
الفلاة وَحده رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا طيب بن مُحَمَّد وَفِيه مقَال
والْحَدِيث حسن(٢).
(١) أخرجه أحمد ١٩٩/٢ -٢٠٠ (٦٩٩٤)، والبخارى في التاريخ الكبير (٣٦٢/٤)،
والعقيلى في الضعفاء (٢٣٢/٢)، والطبراني في الكبير (٤٦٧/١٣ رقم ١٤٣٣٢)، وأبو
نعيم في الحلية (٣٢١/٣). قال البخارى: وهذا مرسل. وقال الهيثمى في المجمع
١٠٢/٨-١٠٣: رواه أحمد. والهذلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبراني
باختصار، وأسقط الهذلي المبهم، فعلى هذا رجال الطبراني كلهم ثقات. وضعفه الألبانى
في ضعيف الترغيب (١٢٥٧).
(٢) أخرجه أحمد ٢٨٧/٢ (٧٩٧٠) و٢٨٩/٢ (٨٠٠٦)، والبخارى في التاريخ الكبير
(٤ / ٣٦٢)، والعقيلى في الضعفاء (٢٣٢/٢)، والبيهقى في الشعب (٤٠٠/٦ رقم
٤٤٠٠). قال البيهقى: تفرد به أيوب بن النجار، عن طبيب بن محمد. وقد روي عن
عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن رجل، من هذيل، عن عبد الله بن عمرو، عن
النبي وَله في تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال. وقال الهيثمى في المجمع ٢٥١/٤
=
٢١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي هريرة نظرائه تقدم الكلام عليه.
قوله: لعن رسول الله وَيقر مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء
والمترجلات من النساء)) يعني اللاتي يتشبهن بالرجال في زيهم وهيئتهم فأما
في العلم والرأي فمحمود ويقال امرأة رجلة إذا تشبهت بالرجال في الرأي
والمعرفة ومنه أن عائشة كانت رجلة الرأي.
لطيفة: من كتاب الأغاني(١) عن ابن مسكين الدارمي قال: كان بالمدينة
مخنث يقال له النغاشي، فقيل لمروان بن الحكم وهو يوم ذاك أمير المدينة
إنه لا يقرأ القرآن ولا يحفظ شيئا منه فبعث إليه فأحضره، وقال: اقرأ أم
الكتاب فقال: فوالله ما معي بناتها فكيف بالأم أو قال: ما اقرأ البنات فكيف
أقرأ الأم، فقال: أتهزأ لا أم لك وأمر به فقتل في موضع يقال له كبا فى بطحان
ثم قال: من جاءني بمخنث فله عشرة دراهم فأتي من الجملة بطويس وهي في
بني الحارث بن الخزرج من الجملة فنفاه من المدينة فنزل السويداء وهي
على ليلتين من المدينة في طريق الشام فلم يزل بها عمره وعمر حتى مات في
ولاية الوليد بن عبد الملك (وقيل: إنه نزل أيضا] بالعقيق وكان طويس
طويلا أحول لا يضرب بالعود وإنما ينفر بالدف وكان ظريفا عالما بأمر
و١٠٣/٨: رواه أحمد، وفيه الطيب بن محمد؛ وثقه ابن حبان، وضعفه العقيلي، وبقية
رجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في الضعيفة (١١١٤) و(٥٢٥١) وضعيف
الترغيب (١٢٥٨) و(١٨١٣).
(١) الأغانى (٣٠/٣-٣١).
٢١٥
كتاب اللباس والزينة
المدينة وأنساب أهلها وكان يتقى لسانه وسئل عن مولده فذكر أنه ولد
يوم، قبض رسول الله وَّر وفطم يوم مات أبو بكر الصديق وختن يوم مات
عمر بن الخطاب وزوج يوم قتل عثمان وولد له يوم قتل علي رَقَّهُ حتى
ضرب بشؤمه المثل فقلي أشأم من طويس وهو الذي عناه الحريري في
مقاماته وطويس لقب له غلب على اسمه، وإنما [١٢٩ / أ]اسمه عيسى بن
عبد الله، وكنيته أبو عبد المنعم وهو ملى بني مخزوم،أ.هـ، قاله في تاريخ كنز
الدرر والله أعلم(١).
قوله: ((وراكب الفلاة وحده)) لأنه شيطان ورد الحديث بذلك (٢) ولأنه قد
يموت فلا يجد من يكفنه ولا من يغسله ولا من يصلي عليه ولا من يواريه
التراب ولا من يوصي إليه(٣) وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله
تعالی.
قوله: (( إلا طيب بن محمد)) (يمامي، لا يكاد يعرف، وله ما ينكرقال أبو
حاتم لا يعرف).
٣١٤٣- وَعَنْ أَبِي أُمَامَةِ رَّلَهَ قَالَ قَالَ رَسُولِ الله ◌ِ أَرْبَعَة لعنُوا فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَة وَأمنت الْمَلَائِكَة رجل جعله الله ذكرا فأنث نَفسه وتشبه بِالنسَاء
(١) كنز الدرر (٤ /٤٠٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٦٠٧)، والترمذى (١٦٧٤) والنسائى فى الكبرى (٨٧٩٨) بلفظ:
((الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب)) عن عبد الله بن عمرو. وحسنه
الألبانى فى الصحيحة (٦٢) صحيح أبي داود (رقم ١٢٤).
(٣) معالم السنن (٢/ ٢٦٠).
٢١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَامْرَأَةَ جعلها الله أُنْثَى فتذكرت وتشبهت بِالرِّجَالِ وَالَّذِي يضل الأَعْمَى
وَرجل حصور وَلم يَجْعَل الله حصورا إِلَّ يحيى بن زَكَرِيَّا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من
طَرِيقٍ عَليّ بن يِزِيد الأَلْهَانِ وَفِي الحَدِيث غرابةٍ (١).
قوله: وعن أبي أمامة نظمته تقدم الكلام علیه.
قوله وَّالية: (( أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة رجل جعله الله
ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء وامرأة جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت
بالرجال)» تقدم الكلام على ذلك في أحاديث الباب.
قوله: (( والذي يضل الأعمى)) يعني عن الطريق.
قوله:( ورجل حصور)) الحدیث، الحصور أصله من الحصر وهو الحبس
سمي بذلك لأنه حبس عن الجماع ومنع وهو فعول بمعنى مفعول والحصور
في قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن هو الذي لا
يأتي النساء ولا يقربهن وكذا كره الجوهري في صحاحه (٢)، وقال سعيد بن
المسيب الحصور هو العنين الذي لا مال له فيكون الحصور بمعنى
المحصور كأنه ممنوع من النساء، وفيه قول آخر: أن الحصور هو الممتنع من
الوطء مع القدرة واختار قوم هذا القول لوجهين أحدهما أن الكلام خرج
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠٤/٨ رقم ٧٨٢٧). وقال الهيثمى في المجمع ١٠٣/٨:
رواه الطبراني، وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (١٢٥٩) وغاية المرام (٨٨).
(٢) الصحاح (٦٣١/٢)، والنهاية (٣٩٥/١)، ونقل هذه الأقوال عن البغوى في التفسير
(١/ ٤٣٧).
٢١٧
كتاب اللباس والزينة
مخرج الثناء وهذا أقرب إلى استحقاق والثناء، والثاني: أنه أبعد من إلحاق
الآفة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام(١)، أ.هـ قال بعض العلماء: وينبغي أن
يحمل الحديث على من يترك ذلك رغبة عن الزواج وعن فعل السنة.
قوله ◌َّي: ((ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكريا ◌َّلُ).
سؤال: فإن قيل فما معنى الحصور الذي سمى الله يحيى به؟ فالجواب
عنه: أن يقال الحصور هو المنزه عن الشهوات وقيل الحصور الذي لا يأتي
النساء وقيل الحصور المعصوم بالعصمة لا بالمعجزة.
سؤال: فإن قيل ما الحكمة في أن الله عز وجل سماه يحيى؟ فالجواب عنه
من وجوه: أحدها: أنه لما أحيى له رحم أمه بعد ما أيست من الولد فسمي
بذلك يحيى، والثاني: أنه لما أراد أن تنقطع النبوءة من بيته فأحيا الله عز وجل
بيته بإبدائه النبوة منه فلذلك سمى يحيى، والثالث: سمي يحيى لأن له
حياتين حياة في حال حياته وحياة في حال مماته فحياته الأولى حياة الطاعة
وحياته الثانية حياة الشهادة لأنه قتل شهيدا والشهيد حي في الحقيقة قوله:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَثًا﴾(٢) الآية، وحياة الطاعة هي
حياة الحقيقة قوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا
يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ﴾(٣) الآية، يعني وقفناه للطاعة وقيل سمي يحيى لأنه
(١) تفسير البغوى (١/ ٤٣٧).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.
٢١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
یحیی إذا کتب مقلوبا فیکون یحیی یعني إن كان أول عمره إلى آخره وآخر
عمره إلى أوله على نسق واحد في العبارة (١).
سؤال آخر: فإن قيل: ما الحكمة في أن الله عز وجل ابتلاهما بالقتل
فزكرياء قطع بالمنشار وابنه يحيى قطع رأسه؟ فالجواب عنه: أن الله عز وجل
لما رضي عنها أراد أن يكرمهما بأرفع الدرجات بعد النبوة وهي الشهادة
فأكرمهما بذلك ويقال ليرى الخلائق أنه ليس للدنيا عند الله خطر كما قال
الحسن البصري: من هوان الدنيا أن يحيى بن زكريا الذي لم يعص ربه طرفة
عين قتلته امرأة مفسدة ليعلم الخلائق (١٢٩ / ب) أن لا خطر للدنيا وأحسن
ما قيل في هذا: إن زكرياء عَلَّم لما فر من قومه التجأ إلى الشجرة واختفى في
وسطها فلما قطع بالمنشار دعا ربه فنودي لو التجأت إلينا دون الشجرة لم
يسلط عليك من يقتلك فغذا التجأت للشجرة فكف عن صوتك(٢)، أ. هـ ذكره
هذه الأسئلة النعيمي.
تنبيه: قال في مرآة الزمان(٣): ذكر صاحب المنتظم(٤) عن ابن عباس قال:
أوحى الله تعالى إلى محمد بَ له أني قتلت بيحيى بن زكرياء سبعين ألفا وإني
قاتل بابن فاطمة سبعين ألفا وسبعين ألفا(٥).
(١) انظر: تفسير السمر قندى (١/ ٢١٠)، وتفسير الخازن (٢٤٢/١)، واللباب (١٧/١٣).
(٢) مرآة الزمان (٢٩٨/٢-٢٩٩) و(٣٠٤/٢)، وكشف الأسرار (لوحة ٣٣).
(٣) مرآة الزمان (٣٩٩/٨).
(٤) المنتظم (٣٤٦/٥).
(٥) أخرجه أبو بكر الشافعى في الغيلانيات (٣٨٧)، ومن طريقه الخطيب في تاريخ بغداد
=
٢١٩
كتاب اللباس والزينة
تنبيه: زكرياء منَ السَّلام فيه خمس لغات أشهرها زكرياء ◌َالسَّلامُ، الثانية: بالقصر
وقرئ بهما في السبع، الثالثة والرابعة: زكرى وزكري بتشديد الياء وتخفيفها
حكاهما ابن دريد وآخرون وحكاهما من المتأخرين ابن الجواليقي،
والخامسة زكر كقلم حكاها أبو البقاء، قاله الجواليقي فمن مد قال في التثنية
زکریاءان وفي الجمع زکریاءون، ومن قصر قال: زکریان وزکریون، ومن قال
زکریان كمدنیان وزکریون كمدنيون، ومن خفف قال: زكران وزكرون، وأنه
اسم أعجمي(١).
فائدة: ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله وَخلّه قال: كان
زكرياء نجارا (٢)
وهذه من الفضائل لقوله ◌َّ في صحيح البخاري: ((أفضل ما أكل الرجل
من عمل يده))(٣) قال أهل التاريخ: كان زكرياء من ذرية سليمان بن داود وقتل
زكريا بعد قتل يحيى ابنه صلوات الله وسلامه عليهما.
(٤٧٢/١)، والحاكم (١٧٨/٣). وذكره الحافظ ابن كثير في البداية (٨/ ٢١٠)، وقال:
هذا حديث غريب جدا. الحديث صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: على شرط
مسلم. وقال في السير (٥/ ١٩٨): هَذَا حَدِيْثٌ نَظِيْفُ الإِسْنَادِ، مُنْكَرُ اللَّفْظِ. وَعَبْدُ اللهِ: وَثَّقَهُ
ابْنُ مَعِيْنٍ، وَخَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ. وأعله ابن الشهيد بالتفرد علل مسلم (ص ١٤٤).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١ / ١٩٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩ - ٢٣٧٩)، وابن ماجه (٢١٥٠) عن أبى هريرة.
(٣) أخرجه البخارى (٢٠٧٢)، وابن ماجه (٢١٣٨) عن المقدام.
٢٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣١٤٤- وَعَن أبي هُرَيْرَة ر﴾ قَالَ أُتِي رَسُول الله ێ بمخنث قد خضب
يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا بَالِ هَذَا قَالُوا يتشبه بِالنِسَاء فَأمر ◌ِهِ
فنفي إِلَى النقيع فَقيل يَا رَسُول الله أَلا تقتله فَقَالَ إِنِّي نهيت عَن قتل الْمُصَلِّين
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ قَالَ وَقَالَ أَبُو أَسَامَة والنقيعِ نَاحِيَة من الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ بِالبَقِيعِ يَعْنِي
أَنْه بالنُّون ◌َا بِالْبَاءَ قَالَ الْحَافِظِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن أبي يسَارِ الْقرشِي عَن أبي
هَاشم عَن أبي هُرَيْرَة (١) وَفِي مَتنه نَكَارَة وَأَبُو يسَارِ هَذَا لَا أعرف اسْمه وَقد قَالَ
أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيّ لما سُئِلَ عَنْهُ مَجْهُول وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ قد روى عَنْهُ
الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث فَكيف يكون مَجْهُولا وَالله أعلم.
قوله: وعن أبي هريرة نقطالله تقدم الكلام عليه.
قوله: أتي رسول الله {آل﴾ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، الحديث،
الحناء بكسر الحاء المهملة وتشديد النون وبالمد معروف، قيل: هو جمع
معناه قال بعضهم: خضاب اليدين بالحناء مندوب إليه للنساء ليكون فرقا بين
ألفهن وألف الرجال وهو حرام على الرجال من غير عذر ومن فعل ذلك كان
متشبها بالنساء فهو داخل في الوعيد الوارد في المتشبهين بالنساء.
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٢٨) ومن طريقه البيهقى فى الصغير (٢١٧/١-٢١٨ رقم ٥٥٩)
والكبرى (٣٩١/٨ رقم ١٦٩٨٧)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٩٦٣)، وأبو يعلى
الموصلي في (٦١٢٦)، والدارقطنى (١٧٥٨)، والبيهقى فى الكبرى (٣٩١/٨ رقم
١٦٩٨٧). قال ابن القطان فى بيان الوهم والإيهام (٤٦١/٤): وأبو هاشم هذا، هو ابن عم
أبي هريرة، ولا تعرف حاله. وأبو يسار القرشي، زعم ابن أبي حاتم أنه روى عنه
الأوزاعي، والليث، وسأل أباه عنه فقال: مجهول. وقال الألباني: صحيح، المشكاة
(٤٤٨١ / التحقيق الثاني)، وقال فى ضعيف الترغيب (١٢٦٠): منكر.