Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب البيوع وغيرها
قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه.
٢٦٧٩ - وَعَن كَعْب بن عِجْرَة ◌ََّهُ قَالَ قَالَ لي رَسُول الله وَّه ◌َا كَعْب بن
عجْرَة إِنَّه لَا يدْخل الْجِنَّة لحم وَدم نبتا على سحت النَّار أولى بِهِ يَا كَعْب بن
عجْرَة النَّاس غاديان فغاد فِي فكاك نَفسه فمعتقها وغاد موبقها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه فِي حَدِيثٍ وَلَفظ التِّرْمِذِيّ يَا كَعْب بن عِجْرَة إِنَّه لا
يَرْبُو لحم نبت من سحت إِلَّا كَانَت النَّار أولى بِهِ السُّحت بِضَم السِّين
وَإِسْكَان الْحَاء وبضمهما أَيْضاً هُوَ الْحَرَامِ وَقيل هُوَ الْخَبيث من المكاسب(١).
قوله: {وَّة لكعب بن عجرة: ((أنه لا يدخل الجنة لحم بنت من سحت))
الحديث السحت هو الحرام، وقيل الخبيث من المكاسب كذا قاله المنذري
وقال غيره: هو الحرام الذي لايحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها
وتقدم الكلام عليه أبسط من هذا (فيما سبق).
قوله وَال: ((غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها وغاد فموبقها)) أي مهلكها
٥٠٧ رقم ٥٣٧٧) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن
جابر بن عبد الله. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٨٦٦) و(١٧٢٨)، ((الظلال))
(٧٥٦). ولم يدرج المصنف تحته شرحا.
(١) أخرجه الترمذى (٦١٤) وابن حبان (٥٥٦٧). وقال الترمذى: ((هذا حديث حسن غريب
من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى))، وأيوب بن عائذ يضعف
ويقال: كان يرى رأي الإرجاء (()) وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من
حديث عبيد الله بن موسى واستغربه جدا. وقال الألباني: صحيح صحيح الترمذى
وصحيح الترغيب والترهيب (٨٦٧) و(١٧٢٩). وقد رواه ابن حبان بزيادة فيه وقال
الألبانى: ضعيف بهذا اللفظ - الضعيفة (٥٧٩٧).

٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تقدم الكلام على ذلك ( ... )(١).
٢٦٨٠ - وَعَن أبي بكر الصّديق ◌َوَّهُ عَنِ النَّبِي وَِّ قَالَ لَا يدْخلِ الْجَنَّة
جَسَد غذي بِحِرَامِ رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّارِ وَالطَّرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيّ
وَبعض أسانیدهم حسن(٢).
وعن أبي بكر الصديق تقدم الكلام عليه.
(قوله): ((لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام)) غذي بضم الغين المعجمة
وكسر الذال المعجمة وفتح الياء وتقدم تفسيره في أوائل هذا الباب.
(١) بياض بالأصل.
(٢) أخرجه البزار (٤٣) وأبو يعلى (٨٣) و(٨٤)، والطبراني في الأوسط (١١٢/٦)، والبيهقى
في الشعب (٥٠٤/٧-٥٠٥). وقال الإشبيلى في الأحكام الوسطى (٣٥٣/٣): هذا
الإسناد وإسناد أبي بكر الذي قبله إسناد متقارب، في إسناد أبي بكر أسلم الكوفي.
وتعقبه ابن القطان فقال في بيان الوهم والإيهام (٤٠٤/٢): ولم يعتمد الآن في انقطاع
حديث الترمذي زيادة البزار بينهما واحدا، فإن هذا القسم لم نذكره بعد، وإنما نذكر ما
نص المحدثون على انقطاعه. والبزار قد قال: إن مرة لم يدرك أبا بكر، وما من الجميع
شيء يصح، فإن فرقدا السبخي - وهو ابن يعقوب، وإن کان رجلا صالحا - حديثه منکر
جدا. قاله البخاري. وقد كان ابن معین یوثقه.
وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٢٩٣/١٠): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي
الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُ أَبِي يُعْلَى ثِقَاتٌ، وَفِي بَعْضِهِمْ خِلَافٌ. وقال الألباني في صحيح الترغيب
(١٧٣٠): صحيح لغيره.

٨٣
كتاب البيوع وغيرها
[الترغيب في الورع وترك الشبهات وما يحوك في الصدور]
٢٦٨١- عَنِ الثَّعْمَان بن بشير رَوََّا قَالَ سَمِعت رَسُول الله وٌَّ: يَقُول
الْحَلَالِ بَيْنِ وَالْحَرَامِ بَيْن وَبَينهمَا مُشْتَبَهَات لا يعلمهُنَّ كثير من النَّاسِ فَمن
أنَّقى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لدينِهِ وَعرضه وَمن وَقِعِ فِي الشُّبُهَات وَقِع فِي الْحَرَام
كَالرَّاعِي يرْعَى حول الحمى يُوشك أَن يرتع فِيهِ أَلا وَإِن لكل ملك حمى أَلا
وَإِن حمى الله مَحَارمه أَلا وَإِنِ فِي الْجَسَد مُضْغَة إِذا صلحت صلح الْجَسَد ◌ُله
وَإِذا فَسدتْ فسد الْجَسَد كُله أَلا وَهِي الْقَلب رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١)
وَالتِّرْمِذِيّ (٢) وَلَفظه الْحَلَالِ بَيْن وَالْحَرَامِ بَيْن وَبَيْن ذَلِك أُمُور مُشْتَبَهَات لَا
يذْرِي كثير من النَّاس أَمن الْحَلَالِ هِيَ أم من الْحَرَام فَمن تَركهَا اسْتَبْرَأَ لدينِهِ
وَعرضه وقد سلم وَمن وَاقِعِ شَيْئًا مِنْهَا يُوشك أَن يواقع الْحَرَامِ كَمَا أَنه من
يرْعَى حول الحمى أوشك أَن يواقعه أَلا وَإِن لكل ملك حمى أَلا وَإِن حمى
الله مَحَارمِه وَأَبُو دَاوُد بِاخْتِصَار (٣) وَابْن مَاجَه وَفِي رِوَايَةٍ لابي دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ(٤) أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ إِن الْخَلَالِ بَيْن وَالْحَرَامِ بَيْن وَبَيْنِهِمَا أُمُور
مُشْتَبهَات وسأضرب لكم فِي ذَلِك مثلا إِن الله حمی حمی وَإِن حمى الله مَا
(١) أخرجه البخارى (٥٢)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ - ١٥٩٩).
(٢) أخرجه الترمذى (١٢٠٥). وقال الألباني: صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٣٠) وابن ماجه (٣٩٨٤). وصححه الألبانى.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٣٢٩) والنسائى فى المجتبى ٧/ ١٨٠ (٤٤٩٤) و٤٩٠/٨ (٥٧٥٦).
وصححه الألبانى.

٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حرم وَإِنَّهُ من يرتع حول الحمى يُوشك أن يخالطه وَإِن من يخالط الرِّيبَة
يُوشِك أَن يخسر وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ(١) الْحَلَالِ بَيْنِ وَالْحَرَامِ بَيْن
وَبَينِهِمَا أُمُور مشتبهة فَمن ترك مَا شبه عَلَيْهِ من الإِثْم كَانَ لما استبان أترك وَمن
اجترأ على مَا يشك فِيهِ من الإِثْم أوشك أن يواقع مَا استبان والمعاصي حمى
الله وَمن يرتع حول الْحمى يُوشِك أَن يواقعه وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن
عَبَّاس (٢) وَلَفِظُهُ الْحَلَالِ بَيْنِ وَالْحَرَامِ بَيْن وَبَيْن ذَلِك شُبُهَات فَمن أوقع بِهِن
فَهُوَ قمن أَن يَأْثُم وَمن اجتنبهن فَهُوَ أوفر لدینِهِ کمرتع إِلَی جنب حمی وَحمی
الله الْحَرَام.
رتع الْحمى إِذا رعى من حوله وَطَاف بِهِ. أوشك بِفَتْح الألف والشين أَي
كَاد وأسرع. واجترأْ مَهْمُوز أَي أقدم. وقمن فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هُوَ بِفَتْح
الْقَاف وَ کسر المیم أَي جدیر وحقیق.
(١) أخرجه البخارى (٢٠٥١). قال الألباني: أما النسائي فلم يخرجها، كما جزم بذلك
الحافظ الناجي (١٦٢ / ٢). قلت كلام الناجى فى عجالة الإملاء (٦٦٣/٥): وليس
للنسائي غير الرواية التي قبلها، لا الأخيرة التي عزاها تَوَهُّمًا إليه وإلى البخاري، وإنما
هي للبخاري فقط، ولکن في آخرها: من یرتع بلا واو.
(٢) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٣٣٣/١٠ رقم ١٠٨٢٤). قال الهيثمى فى مجمع الزوائد
(٢٩٣/١٠): رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ، وَفِيهِ سَابِقٌ الْجَزَرِيُّ وَلَمْ أَعْرِفْهُ، وَيَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ.
وصححه الألبانى فى صحيح الترغيب (١٧٣٢) وقال فى الصحيحة (٣٣٦١): وهذا إسناد
عزيز صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح ؛ غير سابق الجزري - وهو ابن عبد الله
الرقي -، وثقه ابن حبان (٦/ ٤٣٣)، وقال: روى عنه الأ وزاعي وأهل الجزيرة.

٨٥
كتاب البيوع وغيرها
قوله: عن النعمان بن بشير (١) كنيته: أبو عبد الله النعمان بن بشير الصحابي
ابن الصحابي والصحابية، ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الكوفي
هذا هو الذي نسبت إليه معرة النعمان لأنه كان مقيما بها أو والياء عليها وأمه
عمره بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة وهو أول مولود في الأنصار بعد
قدوم النبي وَّ المدينة وهو أحد الأمراء الذين قتلوا بمؤته، روي له عن النبي
وَالّ مائة حديث وأربعة عشر حديثا ذكر البخاري منها ستة وهو ممن تحمل
عن رسول الله وَّه صبيا وأدى بالغا استعمله معاوية على حمص ثم على
الكوفة ثم استعمله يزيد فلما مات يزيد صار زبيريا فخالفه أهل حمص
فأخرجوه منها واتبعوه فقتلوه بقرية من قرى حمص غلية وذلك أربع وستين
قاله الكرماني(٢) وأبوه بشير بفتح الباء الموحدة وشين معجمه مكسورة ابن
سعد الذي قال: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم فكيف نصلي عليك شهد
بشير (١٠/ ب) العقبة الثانية وبدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله وَل
وهو أول أنصاري بايع أبا بكر واستشهد مع خالد بن الوليد بعين التمر سنة
اثنتي عشرة من الهجرة بعد انصرافه من اليمامة.
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد ٦/ ٥٣، التاريخ الكبير ٨/ ترجمة ٢٢٢٣، الجرح والتعديل
٨/ ترجمة ٢٠٣٣، الاستيعاب ٤/ ١٤٩٦، أسد الغابة ٥/ ٣٢٦، الكاشف ٣/ ترجمة
٥٩٤٧، تجريد أسماء الصحابة ٢ / ترجمة ١٢١٦، تهذيب التهذيب ١٠ / ترجمة ٨١٦،
الإصابة ٣/ ترجمة ٨٧٢٨، خلاصة الخزرجي ٣/ ترجمة ٨٧٢٥.
(٢) الكواكب الدرارى (٢٠٢/١-٢٠٣).

٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَالله: ((الحلال بين والحرام بين)) الحديث قال النووي(١): أجمع
العلماء على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده وأنه أحد الأحاديث التي
عليها مدار الإسلام، وقال جماعة: هو ثلث الإسلام وأن الإسلام يدور عليه
وعلى حديث ((الأعمال بالنية)) وحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا
يعنيه)) وقال أبو داود السجستاني: يدور على أربعة أحاديث هذه الثلاثة
وحدیث «لا يؤمن أحدكم حتی یحب لأخيه ما يحب لنفسه)) قال أبو داود:
كتبت عن رسول الله وَّة خمسمائة ألف حديث الثابت منها أربعة ألف
حديث وهي ترجع إلى هذه الأحاديث وحديث ((ازهد في الدنيا يحبك الله
وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس)) وقد جمعها أبو منصور فقال:
عمدة الدين عندنا كلمات أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعمل بنية
قال في المفهم(٢): بل في هذا الحديث علوم الشريعة كلها ظاهرها وباطنها
فبين ذلك مجملا وفيه تأليف كامل قال العلماء رَّ هما: وسبب عظم موقعه أنه
وَخلال نبه فيه على صلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها وأنه ينبغي أن
يكون حلالا وأرشد إلى معرفة الحلال وأنه ينبغي ترك الشبهات فإنه سبب
لحماية دينه وعرضه وحذر من مواقعه الشبهات وأوضح ذلك فضرب المثل
بالحمى ثم يراهم الأمور وهو مراعاة القلب وَل﴾ إلا أن في الجسد مضغة إلى
(١) شرح النووي على مسلم (١١/ ٢٧).
(٢) المفهم لما أشكل من كتاب مسلم للقرطبى (١١٩/١٤).

٨٧
كتاب البيوع وغيرها
آخر فبين ◌ّلو أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد بفساده يفسد باقية ا.هـ،
فمعنى قوله: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات)) أن الأشياء ثلاثة
أقسام.
القسم الأول: حلال بين واضح لا يخفى حله كأكل الطيبات من الزرع
كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن وبهيمة الأنعام ولبن مأكول اللحم
وبيضة وشرب الماء شربه لطيبة وغير ذلك من المطعومات ولباس ما يحتاج
إليه من القطن أو الكتان أو العوف أو الشعور أو كالنكاح والتسري وكذلك
الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات إذا كان اكتسابه بعقد
صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة فهذا حلال بين واضح لاشك في
حلة القسم الثاني الحرام المحض البين مثل أكل الميتة، و الدم المسفوح
ولحم الخنزير والبول وشرب الخمر والزنى ونكاح المحارم، والكذب
والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية ولباس الحرير للرجال ومثل الاكتساب
المحرم كالربى والميسر وثمن ما لا يحل بيعه وأخذ الأموال المغصوبة
بسرقة أو غصب وإشهاده ذلك فهذا حرام بين واضح لا يخفي تحريمه.
القسم الثالث: المشتبهات فمثل أكل ما اختلف في حله وتحريمه أما من
الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضب وشرب ما أختلف ([١١/ أ]) في
تحريمه من الأنبذة التي تسكر فكثيرها ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من
جلود السباع ونحوها وأما من المكاسب المختلف فيها كسائل العينة ونحو
ذلك وبنحو هذا المعنى فسر الشبهات أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة

٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه وَيهو الكتاب وفيه للأمة ما تحتاج
إليه من حلال وحرام كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ اٌلْكِتَبَ تِبْيَنَا لِّكُلِّ
شَىْءٍ﴾(١) أمروا به ونهوا عنه قاله ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين
النواوية(٢).
قوله وَالى: (وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) والمشتبهات ما
تردد بينهما فقامت فيه شبهة الحل وشبهة الحرمة (٣) ومعناه أنها ليست
بواضحة الحل ولا الحرمة فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون
حكمها وأما العلماء الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك فيعرفون
حكمهما بنص أو قياس أو استصحاب وغير ذلك فإن تردد الشيء بين الحل
والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد فألحقه بأحدهما
بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي فإذا ألحقه بأحدهما
صار حلالا وقد يكون دليله غير خال عن الاحتمال البين فيكون الورع تركه
ويكون داخلا في قوله وقديقول: ((فمن توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه))
فيه شيء وهو مشتبه فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف فيه ثلاثة مذاهب
حكاها القاضي عياض وغيره والظاهر أنها مخرجة على الخلاف المعروف
في حكم الأشياء قبل ورود الشرع وفيه أربعة مذاهب الأصح أنه لا يحكم
(١) سورة النحل، الآية: ٨٩.
(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٠٢ -٢٠٣).
(٣) التعيين (ص ٩٧).

٨٩
كتاب البيوع وغيرها
فيها بحل ولا بحرمة ولا إباحة ولا غيرها لأن التكليف عند أهل الحق لا
يثبت إلا بالشرع، والثاني أن حكمها التحريم والثالث: الإباحة، والرابع:
التوقف(١).
تنبيه: قوله {َّ: ((وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)) أي ليست
أحكام تلك المشتبهات مفصلة لا تعلم بل يعلمها بعض الناس وهم أولوا
العلم والنظر في أحكام الشرع كما تقدم ذكره وفيه إشارة إلى تفضيل العلماء
لعلمهم بما لم يعلم غيرهم وحلهم ما أشكل على غيرهم ا. هـ قاله الطوفى(٢).
فائدة: وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم
من وجه آخر (٣) وأما ما لا يعلم له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا
يدري هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله لأن الظاهر أن ما في
بیته ملکه لثبوت یده علیه والورع اجتنابه ا .ه قاله ابن رجب(٤).
قوله وَالله: ((فمن اتقى الشبهات)) أي اجتنب الشبهات جمع شبهة وهو ما
(١) شرح النووي على مسلم (٢٧/١١-٢٨).
(٢) التعيين في شرح الأربعين (٩٨/١) للطوفى.
(٣) تتمة كلامه كما فى جامع العلوم والحكم (١ / ٢٠٥): وهو أنَّ مِن الأشياء ما يعلم سببُ
حِلِّه وهو الملك المتيقن. ومنها ما يُعلم سببُ تحريمه وهو ثبوتُ ملك الغير عليه، فالأوَّل
لا تزولُ إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهمَّ إلا في الأبضاع عندَ من يُوقِعُ الطلاقَ
بالشك فيه كمالكٍ، أو إذا غلب على الظن وقوعُه كإسحاق بن راهويه. والثاني: لا يزول
تحريمُه إلا بيقينِ العلم بانتقال الملك فيه.
(٤) المصدر السابق (٢٠٥/١).

٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يخيل للناظر أنه حجة وليس هو كذلك(١).
قوله {َله: ((استبرأ لدينه وعرضه)) استبرأ مهموز وقد يخفف ومعناه احتاط
لنفسه وطلب البراءة لدينه من الذم الشرعي وصان عرضه عن كلام الناس فيه
أن يتهم بعدم المبالاة، والعرض بكسر العين فسره في النهاية (٢) بأنه موضع
المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل:
هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحل في عنه أن ينقص ويثلب وقال
ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لاغير قاله في التنقيح (٣) ومما (١١/ب)
يستحب التورع عنه أخذ الأجرة على قراءة القرءان واقرائه وعلى تعليم العلم
ومن الشبهة الطعام الذي يغلب على الظن نجاسته كالأطعمة التي تعمل في
الأسواق ولعلها لا يتحرزون وعن النجاسة فتركها أفضل كما ذكره بعضهم
وكذلك تتعدى الشبهات إلى أبواب الأنكحة حتى لو أخبرته امرأة أنها
أرضعته مع زوجته استحب له مفارقة الزوجة وكذلك في الثياب وغيرها
والضابط كل موضع قامت فيه علامة ظاهرة فهو موضع الورع وما لم تقم فيه
علامة ظاهرة فهو وسواس وتنطع(٤) ا. هـ
فالمتدين المتورع إذا أكل على سماط الظلمة نسب إلى قلة تحفظ ووقع
(١) التعيين (ص ٩٧).
(٢) النهاية فى غريب الحديث والأثر (٢٠٩/٣).
(٣) كشف المناهج والتناقيح (٤١٢/٢) للمناوى.
(٤) إحياء علوم الدين (٩٨/٢- ١١٢) باختصار.

٩١
كتاب البيوع وغيرها
الناس في عرضه وكذلك إذ يخالط شربه الخمر أو أهل الكتاب ويعاملهم
ينسب إلى قلة التحفظ لأن معاملة الذمي تكره لعدم تحرزه عن الربا
ومخالطة السكران مكروه ولعدم تحرزه عن النجاسة.
قوله وَية: ((ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) الحديث أي من هون
على نفسه الوقوع في الشبهات أي السقوط فيها حتى تعود ذلك أي عود نفسه
عدم التحرز مما يشتيه فإنه يقع في الحرام لأن الشيطان يستدرج الإنسان
ولأنه حام حول حريم الحرام فيقرب أن يواقعه وإنما قال وقع في الحرام
تحقيقا لمد أنا ته الوقوع كما يقال من اتبع نفسه هواها فقد هلك، ويحتمل
أيضا وجهين.
أحدهما: أن من كثرة تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده وقد
يأثم به بذلك إذ أنسب إلى تقصير.
والثاني: أن يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويحسد على شبهة ثم شبهة أغلط
منها ثم أخرى أغلظ وهكذا حتى يقع في الحرام عمدا، وهذا نحو قول
السلف المعاصي بريد الكفر أي تسوق إليه عافانا الله من الشر وأهله ا.هـ.
قوله ◌َّيّة: ((كالراعي يرعى حول الحمى)) الحديث وهو المرعى الذي حماه
السلطان فمنع منه وهذا مثل ضربه النبي وَّ لمحارم الله تعالى وأصله أن
ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بها وهكذا محارم الله
تعالى لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة الوقوع فيها، وفي بعض الروايات أن
النبي وسلم قال: ((وسأضرب لكم مثلا)) ثم ذكر هذا الكرم فجعل النبي ◌َّ مثل

٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المحرمات كالحمى الذي تحمي الملوك ويمنعون غيرهم من إتيانه قربان وقد
جعل النبي ◌َّ حول المدينة اثنتي عشر ميلا حمى محرما لا يقطع شجرة ولا
يصاد صيده(١) وحمى عمر وعثمان نَّالَّهنا أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل رعي
إبل الصدقة والله عز وجل حمى هذه المحرمات منع عباده من قربانها وسماها
حدوده فقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٢) وجعل من يرعى
قلے
حول الحمى أو قريبا منه جدیرا بأن يدخل الحمی ویرتع فيه فكذلك من تعدی
الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلفه بأن
يخالط الحرام المحض ويقع فيه ا.هـ قاله ابن رجب(٣).
(١) أخرجه البخاري (٢٣٧٠) وأبو داود (٣٠٨٣)، والنسائي في الكبرى (٨٦٢٤)من حديث
ابن عباس ◌َُّّهَا، أنَّ الصعب ابن جثامة، قال: إنَّ رسول الله وَلّه قال: ((لا حمى إلا لله
ورسوله)). وقال بلغنا أنَّ النَّبيَّ نَّهِ حمى النقيع، وأنَّ عمر حمى السرف والربذة.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٢٣١٩٣) من حديث ابن عمر: أنَّ عمر حمى الربذة لنعم الصدقة.
وأخرجه: ابن أبي شيبة (٣٧٦٩٠)، والبيهقي ٦ / ١٤٧ من حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد
الأنصاري، قال: سمع عثمان بن عفان زَُّ أنَّ وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فلما
سمعوا به أقبلوا نحوه، قال: وكره أن يقدموا عليه بالمدينة فأتوه فقالوا له: ادع المصحف
وافتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتّى أتى على هذه الآية ﴿قُلْ
أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ
تَفْتَرُونَ﴾، وقالوا له: قف. أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفترون؟
فقال: امضه، نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى، فإنَّ عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة،
فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة. بلفظ البيهقي.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
(٣) جامع العلوم والحكم (٢١٩/١-٢١٧).

٩٣
كتاب البيوع وغيرها
قوله: ((يوشك أن يقع فيه)) بضم الياء وكسر الشين المعجمه مضارع
أوشك بفتحها وهو من أفعال المقاربة والملابسة أي يسرع ويقرب كذا فسره
المنذري ومعناها هنا يقع في الحرام بسرعة.
قوله وَليقول: ((أن يرتع فيه)) ويرتع مضارع رتع ومعناها أكل الماشية من
الرعي وأصله إقامتها وتبسطها في الأكل ([١٢/ أ]) ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ
وَيَلْعَبْ﴾(١).
قوله وَله: ((إلا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله محارمه)) الحديث
والحمى الشيء الممنوع وحمى الملك ما يحجزه لخيله ونحوها من آلات
مصالحه ومنع منه غيره ومنه حمى كليب (٢) قال الشاعر.
أبحت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح "
(٣)
ذكره الطوفي (٤) معناه أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ملك منهم
حمى يحميه عن الناس ويمنعهم دخوله فمن دخل أوقع به العقوبة ومن
(١) سورة يوسف ، الآية: ١٢.
(٢) هو كُليب بن ربيعة بن الحارث، وكان سيِّد ربيعةَ في زمانه، وقد بلغَ مِن عِزِّه أنه كان يحمي
الكلا فلا يُقْرَبُ حِماه، ويُجير الصَّيد فلا يُهاج! وكان إذا مرَّ بروضةٍ أعجبتهُ أو غديرِ
ارتَضَاهُ أَخَذَ كُلِيبًا وَرَمَى به هناك فحيثُ بلغَ عواؤهُ كان حِمى لا يُرْعَى، وكان اسم كليب بن
ربيعة وائِلًا؛ فلَمَّا حَمَى كُلَيْبَهُ المَرْمِيُّ الكلأَ قيل: أعزُّ مِن كُلَيْبٍ وائلٍ، ثم غلب هذا الاسم عليه
حتى ظنُّوه اسمه، ويقال: حمى كليب. انظر: مجمع الأمثال للميداني (٢/ ٣٨٨).
(٣) نسبه السرقسطى فى الدلائل فى غريب الحديث (٥٠٣/٢) وابن فارس فى حلية الفقهاء
(٢٧/١) لجرير.
(٤) التعيين فى شرح الأربعين (١ / ٩٧).

٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه ولله تعالى أيضا
حمى وهو محارمه أي المعاصي التي حرمها كالقتل والزنى والسرقة
والقذف والخمر والغيبة والنميمة وأكل المال بالباطل وأشباه ذلك فكل هذه
حمى الله تعالى من دخله بإرتكابه شيئا من المعاصي استحق العقوبة قاربه
يوشك أن يقع فيه فمن احتاط لنفسه لم يقاربه فلا يتعلق بشيء بقربه من
المعصية ولا يدخل في شيء من الشبهات.
قوله ◌َّي: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا
فسدت فسد الجسد كله)) الحديث قال أهل اللغة: يقال: صلح الشيء وفسد
بفتح اللام والسين وضمهما والفتح أفصح وأشهر والمضغة القطعة من
اللحم سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغوها يعني بذلك صغر جرمها
وعظم قدرها هذا تعظيم الشارع لأمر القلب لصدور الأفعال الاختيارية عنه
وعما يقوم به من الاعتقادات والعلوم ورتب الأمر فيه على المضغة والمراد
التعلق بها ولا شك أن صلاح الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان
للقلب وفيه الحث الأكيد على السعي في صلاح القلب وحمايته من الفساد
واحتج جماعة بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في الرأس وفيه
خلاف مشهور للسلف ومذهب أصحابنا وجماهير المتكلمين أنه في القلب،
وقال أبو حنيفة: هو في الدماغ وقد حكي لأول أيضاً عن الفلاسفة، والثاني:
عن الأطباء، واحتج القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى
اَلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ
(١) سورة الحد، الآية: ٤٦.

٩٥
كتاب البيوع وغيرها
لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَّهُ قَلْبٌ﴾(١) وبهذا الحديث فإنه ◌َّ جعل صلاح الجسد
وفساده تابعاً للقلب مع أن الدماغ من جملة الجسد فيكون صلاحه وفساده
تابعا للقلب فعلم أنه ليس محلاً للعقل، واحتج القائلون بأنه في الدماغ بأنه إذا
فسد الدماغ فسد العقل ويكون من فساد الدماغ الصرع في زعمهم، قال
النووي (٢): ولا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى أجرى العادة بفساد العقل
عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه ولا امتناع في ذلك، وفي الحديث تنبيه
على أن طيب المكاسب مصلح للقلب وخبيث المكاسب مفسد له والمراد
بإفساده عدم حفظة من الآفات لتجرده عن لباس التقوى الذي هو حمى له
من آفات الدنيا وعذاب الآخرة.
فائدة: قوله وَاللّة: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله))
الحديث، فيه إشارة إلى أن صلاح (١٢/ ب) حركات العبد بجوارحه
واجتنابه للمحرمات واتقائه للشهوات بحسب صلاح حرکة قلبه، فإن كان
قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه وخشية الله وخشية الوقوع
فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب
المحرمات كلها وتوقى الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات وإن كان
القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت
حركات الجوارح كلها ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها وتوقي
(١) سورة ق، الآية: ٣٧.
(٢) شرح النووي على مسلم (٢٩/١١).

٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات وان كان القلب فاسدا قد استولى
عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها
وانبعث إلى كل المعاصي والشبهات بحسب اتباع هوى القلب ولهذا يقال
القلب ملك الأعضاء وبقية الأعضاء جنوده وهم مع هذا جنود طائعون له
منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره ولا يخالفونه في شيء من ذلك فإن كان
الملك صالحا كانت هذه الجنود صالحة وإن كان فاسدا كانت جنوده بهذا
المثابة فاسدة ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم هو السالم من الآفات
والمكروهات كلها وهو القلب الذي ليس فيه محبة الله تعالى وما يحبه الله
وخشية الله وخشية ما يباعد منه ا.هـ قاله ابن رجب الحنبلي(١).
فائدة: صلاح القلب يكون بغلبة التقوى عليه وفساده بغلبة المعاصي،
واعلم أن ما يرد على القلب من الخاطر الداعي إلى فعل المعصية يسمى
وسواسا وهو من جهة الشيطان كما قال الله أنه يوسوس في صدور الناس
[والتى يقع فى القلب من دواعى طلب الشهوات المؤذية وعلى الوقوع فى
الشبهات يسمى] هواجس وهي من جهة النفس والفرق بين الهواجس
والوساوس هو أن الشيطان إذا وسوس بمعصية ولم يطاوع عليها وسوس
بأخرى غيرها لأن قصده حصول المخالفة بأي معصية كانت والهاجس إذا
وقع ولم تطاوع النفس إليه نازعت وطلبت ذلك بعينه والنفس إذا اشتهت
شيئا ولم تحصل عليه طلبته طول دهرها حتى يحصل ولما كان الشيطان
(١) جامع العلوم والحكم (٢١٨/١-٢١٩).

٩٧
كتاب البيوع وغيرها
والنفس يأمران بالشر والقلب يأمر بالخير فإن صلح القلب-وصلاحه بغلبة
التقوى ومخالفة النفس والشيطان- صلح الجسد كله واشتغلت أعضاء الإنسان
كلها بالطاعة وصلاحه إنما يكون بتوفيق الله تعالى وإن لم يصلح القلب وعدم
صلاحه بحرمان التوفيق والخذلان استولى الشيطان والنفس على القلب وفسد
الجسد كله فصارت الأعضاء كلها عاملة بالمعصية والمخالفة وكان النبي وَ الله
كثيرًا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وكان يقول يا مصرف
القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ا.هـ قاله ابن العماد، وعن أبي موسى
الأشعري قال: قال: رسول الله وَّله ((مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح بفلاة))
انفرد به ابن ماجه(١) وفي رواية آخرى ((مثل القلب مثل ريشة ملقاه بفلاة من
الأرض يقلبها الريح ظهرا لبطن)) (٢) وفي الترمذي مرفوعا أن النبي وَّةٍ إِنّ
العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْنَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ
سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: ﴿كَلَّ
بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ (٣)(٤)
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٨). وصححه الألبانى فى صحيح الظلال (٢٢٧ - ٢٢٨)، المشكاة
(١٠٣).
(٢) أخرجه أحمد ٤١٩/٤ (١٩٩٧٢) وابن أبى عاصم فى السنة (٢٢٧) و(٢٢٨). وقال
الألباني في ظلال الجنة: إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم.
(٣) سورة المطففين، الآية: ١٤.
(٤) أخرجه الترمذى (٣٣٣٤). وقال الترمذى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال الألباني:
حسن صحيح الترمذى وصحيح الترغيب (١٦٢٠) و(٢٤٦٩).

٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال مجاهد (١): القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع ثم يطبع وإلى
هذا المعنى للإشارة بقوله وَاجله) [١٣/أ]) ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت
صلح الجسد كله)) الحديث فيه أشعار بأن أكل الحلال ينوره ويصلحه وأكل
الحرام والشبهة يفسده ويقسيه ويظلمه وقد وجد ذلك اهل الورع حتى قال
بعضهم: استسقيت جنديا فسقاني شربه ماء فعاد قسوتها على قلبي أربعين
(٢)
صباحا(٢).
فرع: من حلف لا يأكل لحما فأكل قلبا حنث ولأصحابنا فيه وجهان قالوا
لا يحنث لأنه لا يسمى في العرف لحما وكذلك لا يحنث من حلف لا ياكل
لحما فأكل لحم حوت وإن كان الله تعالى سماه لحمًا في قوله: ﴿وَمِن كُلّ
تَأُكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾(٣) ولا يحنث من حلف لا يجلس على بساطا وكذلك
من حلف لا يجلس في سراج فجلس في الشمس لا يحنث وإن كان الله تعالى
سماها سراج بقوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾(٤) وكذلك لو حلف لا
يدخل بيتا فدخل مسجدا لم يحنث وإن كان الله تعالى سماها بيوتا بقوله:
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾(٥) والله أعلم.
(١) أسنده الطبرى فى التفسير (٢٠١/٢٤) و(٢٠٢/٢٤).
(٢) ذكره القرطبى فى المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٤ / ١١٧).
(٣) سورة فاطر، الآية: ١٢.
(٤) سورة نوح، الآية: ١٦.
(٥) سورة النور، الآية: ٣٦.

٩٩
كتاب البيوع وغيرها
تنبيه: القلب عضو باطن في الجسد عليه مدار حال الإنسان قيل سمي قلبا
لتقلبه كما قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لِنَسْبِهِ ولا القلب إلا لأنه يتقلب
وهو عضو صغير الجرم ولذلك سماه مضغة، ولكونه عظيم الجرم قاله
الطوفي.
فائدة: قال بعضهم: القلب كالملك والجسد وأعضاؤه كالرعية ولا شك
أن الرعية تصلح بصلاح الملك وتفسد بفساده، وتقدم ذلك، وأيضا القلب
كالعين والجسد كالمزرعة إن عذب ماء العين عذب الزرع وإن ملح ملح،
وأيضا القلب كالأرض وحركات الجسد كالنبات: ﴿وَالْبَلَّدُ الطَِّّبُ يَخْرُجُ
نَبَاتُهُو بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾(١) وشاهد ما ذكرناه من
أمر القلب والجسد وأن النبي وَلل شق عن قلبه مرتين واستخرج منه غفلة
سوداء، قيل: هذه حظ الشيطان منك (٢)، ثم غسل بالماء المبارك الطهور فلما
طاب قلبه طاب جسده ثم صار إماما للمتقين ورحمة للعالمين وخاتما
للنبيين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين قاله الطوفي (٣).
تنبيه: قوله: ((ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة)) هو افتتاح
كلام يقصد به تنبيه السامعين لفهم الكلام وشاهده في القرآن في قوله تعالى:
(١) سورة الأعراف، الآية: ٥٨.
(٢) أخرجه مسلم فى الصحيح (٢٦١ - ١٦٢) عن أنس.
(٣) التعيين في شرح الأربعين (ص ١٠٢).

١٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
﴿أَلَآ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَّ إِنَّهُ بِكُلّ
﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ
شَىْءٍ مُحِيطٌ ﴾﴾ (٢) قاله الطوفي(٣).
قوله وية في رواية للبخاري والنسائي ((كان لما استبان أترك) بمعنى أن من
يترك الإثم مع اشتباهه عليه وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان أنه إثم،
وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم، فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك
إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم والله أعلم.
وقوله: ((من يخالط الريبة يوشك أن يجسر)) أي قرب أن يقدم على الحرام
المحض والجسور المقدام الذي لا يهاب شيئا ولا يراقب أحداً، ورواه
بعضهم بالشين المعجمة أي يرتع والجَشْر: الرعي، وجشرتُ الدابة: إذا
رعيتها، قاله ابن (١٣/ ب) رجب في شرح النواوية(٤).
وقوله: ((ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم)) الحديث، اجترأ مهموز أي
أقدم قاله المنذري.
وقوله وَيّ في حديث ابن عباس: ((فهو قمن أن يأثم)) الحديث، قمن هو
بفتح القاف وكسر الميم أي جدير وخليق قاله المنذري، وقال غيره: هو بفتح
القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان، فمن فتح فهو عنده مصدر لا
(١) سورة هود، الآية: ٨.
(٢) سورة فصلت ، الآية: ٥٤.
(٣) التعيين (ص ١٠٢).
(٤) جامع العلوم والحكم (١/ ٢١٤).