Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب البيوع وغيرها
الجهد والمشقة ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف
الذي لا قيمة له وقد كان يمكن صاحبه فيه اكتساب الدرجات ولو فعل فاز
بالعلى والنعيم المقيم فضيعه الحريص في طلب رزق مضمون مقسوم لا يأتي
منه إلا ما قدر وقسم ثم لا ينتفع به بل يتركه لغيره ویرتحل عنه فیبقی حسابه
عليه ونفعه لغيره فيجمع لمن لا يحمده ويقدم على من لا يعذره لكفى بذلك
ذماً للحريص فالحريص يضيع زمانه الشريف ويخاطر بنفسه التي لا قيمة
لها في الأسفار ورکوب الأخطار لجمع مال ینتفع به غیرہ کما قیل:
ومن ينفق الأعمار في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر (٥/ ب)
ولا تحسبن الفقر فقرا من الغنا ولكن فقر الدين من أعظم الفقر
وفي بعضِ الآثارِ الإسرائيلية: الرزق مقسوم والحريص محروم. ابن ءادم
إذا أفنيت عمرك في طلب الدنيا فمتى تطلب الآخرة.
شعر:
يا جامعًا مانعًا والدهرُ يرمقُه مفكرًا أيُّ بابٍ منه يغلقُه
يا جامعَ المالِ أياما تفرقُه
جمعت مالاً ففکرْ هل جمعت له
ما المالُ مالك إلا يومَ تنفقُه
المالُ عندَك مخزونٌ لوارثهِ
لم يلق في ظلُّها همَّا يؤرقُه
إِنَّ القناعةَ من يحللْ بساحتها
كان عبد الواحد بن زيد يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه
عندي من أعدى أعدائك.
وأما الحرص على الشرف فهو أشد هلاكا من الحرص على المال فإن
طلب الشرف الدنيا والرفعة فيها والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر

٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على العبد من طلب المال وضرره أعظم والزهد فيه أصعب فإن المال يبذل
في طلب الرياسة والشرف.
والحرص قسمان:
أحدهما: طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال وهذا خطر جدا وهو
الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها.
وقل من يحرص على رياسة الدنيا فطلب الولايات فوفق بل يوكل إلى
نفسه كما قال النبي صَلّ لعبد الرحمن بن سمرة يا عبد الرحمن ((لا تسأل
الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها)) (١) الحديث .
القسم الثاني: طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية كالعلم
والعمل والزهد فهذا أفحش من الأول وأفتح وأشد فسادا وخطرا فإن العمل
والعلم والزهد إنما يطلب بها ما عند الله من الدرجات العلى والنعيم المقيم
ويطلب بها ما عند الله والقرب منه والزلفى لديه قال الثوري رحمت الله عليه:
إنما فضل العلم لأنه يتقى به الله وإلا كان كسائر الأشياء فإذا طلب بشيء من
هذا عرض الدنيا الفاني فهو -أيضا - نوعان.
أحدهما: أن يطلب به المال فهذا من أنواع الحرص وطلبه بالأشياء
المحرمة.
الثاني: من يطلب بالعمل والعلم والزهد والرياسة على الخلق فهذا وعيده
النار واعلم أن حب الشرف بالحرص على نفوذ الأمر والنهي وتدبير أمر
(١) أخرجه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).

٤٣
كتاب البيوع وغيرها
الناس إذا كان القصد بذلك مجرد علو المنزلة على الخلق والتعاظم عليهم
وإظهار صاحب الشرف حاجة الناس إليه وافتقارهم إليه وذلهم له في طلب
حوائجهم منه فهذا نفسه مزاحمة لربوبية الله تعالى وإلاهيته وربما تسبب
بعض هؤلاء إلى إيقاع الناس في أمر يحتاجون إليه ويتعاظم بذلك ويتكبر به
وهذا لا يصلح إلا لله تعالى وحده لا شريك له فالكلام على هذا الحديث من
أوله إلى آخره من كلام الشيخ زين الدين بن رجب الحنبلي رحمه الله(١).
٢٦٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ قلب الشَّيْخِ شَاب
على حب اثْنَتَيْنِ حب الْعَيْشِ أَو قَالَ طول الْحَيَاة وَحب المَالِ رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَمُسلمٍ وَالتِّرْ مِذِيّ إِلَّا أَنْه قَالَ طول الْحَيَاةِ وَكَثْرَة المَال(٢).
٢٦٥١ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َهُ أَن رَسُولِ اللهِوَّهَ كَانَ يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي
أعوذ بك من علم لا ينفع وَمن قلب لا يخشع وَمن نفس لا تشبع وَمن دُعَاء لَا
يسمع)) رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ وَرَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيرهمَا من حَدِيث
زيد بن أَرقم وَتقدم فِي الْعلم (٣).
(١) مجموع رسائل ابن رجب (١/ ٦٣ - ٩٦).
(٢) أخرجه البخارى (٦٤٢٠) ومسلم واللفظ له (١١٣ و١١٤ - ١٠٤٦)، والترمذى
(٢٣٣٨). ولم يدرج المصنف تحته شرحًا.
(٣) أخرجه الطيالسى في المسند (٢٤٤٢)، وابن أبى شيبة في المصنف (١٧/٦ رقم
٢٩١٢٦)، وإسحاق (٤٢٦)، وأحمد ٣٤٠/٢ (٨٦٠٤) و٣٦٥/٢ (٨٩٠١) و٤٥١/٢
(٩٩٦٤)، وابن ماجه (٢٥٠) و(٣٨٣٧)، وأبو داود (١٥٤٨)، والنسائى في المجتبى
٣٥١/٨ (٥٥١١) و٣٩٠/٨ (٥٥٨٠) و٣٩١/٨ (٥٥٨١) عن أبى هريرة.
=

٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: ((قلب الشيخ شاب على حب اثنتين حب العيش أو قال طول
الحياة وحب المال)) الحديث رواه البخاري ومسلم ورواه الترمذي إلا أنه
قال: ((طول الحياة وكثرة المال)).
قوله: ((طول الحياة وكثرة المال)) يجوز فيهما الرفع على أنهما خبران
لمبتدأ محذوف ويجوز فيهما النصب على أنهما بدل من قوله اثنتين [٦/ أ]
قال النووي(١): وهذا مجاز واستعارة، ومعنى الحديث أن قلب الشيخ
كامل الحب للمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشباب في شبابه، قال
النووي: هذا أصوابه ا. هـ، وقيل وصفه بكونه شابا لوجود هذين الأمرين فيه
اللذين هما في الشباب أكثر ولهم أليق للرجاء في طول أعمارهم ودوام
استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا وحب الدنيا هو كثرة المال وطول الأمل هو
طول الحياة والمذكوران في الرواية الأخرى وكذا حب العيش المذكور في
=
وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه وصحيح أبى داود وصحيح النسائى وصحيح
الترغيب (١٧١٢). وأخرجه ابن أبى شيبة في المصنف (١٧/٦ رقم ٢٩١٢٤)، وأحمد
٤/ ٣٧١ (١٩٦١٦)، وعبد بن حميد (٢٦٧)، ومسلم (٧٣-٢٧٢٢)، والترمذي
(٣٥٧٢)، والنسائی في المجتبی ٣٤٦/٨ (٥٥٠٢) و٣٩١/٨ (٥٥٨٢) من حدیث زید
ابن أرقم. وأخرجه أحمد ١٦٧/٢ (٦٥٥٧)، والترمذى (٣٤٨٢)، والنسائى في المجتبى
٣٣٥/٨ (٥٤٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو. وصححه الألباني في صحيح الترمذى.
ولم يدرج المصنف تحت هذا الحدیث شرحًا.
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٨/٧).

٤٥
كتاب البيوع وغيرها
رواية مسلم هو طول الحياة، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله:
(يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الحِرْصُ عَلى المَالِ، وَالحِرْصُ عَلى العُمُرِ))
رواه مسلم في الزكاة.
قال النووي(١): فيه ذم الحرص على الدنيا وحب المكارم بها والرغبة فيها.
قوله وَّ: ((وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْتَتَانِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وهو بمعنى قلب
الشیخ شاب علی حب اثنتین ا.هـ.
٢٦٥٢ - وَعَن أَنْس ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ لَو كَانَ لِاِبْنِ آدم واديان
من مَال لابتغى إِلَيْهِمَا ثَالِثا وَلَا يَمْلَا جَوف ابْن آدم إِلَّ التَُّاب وَيَتُوب الله على
مِن تَابَ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (٢).
قوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.
قوله وَقة: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثا)) الحديث
آدم غير منصرف للعلمية والعجمة وأقرب أمره أن يكون على فاعل كان قاله
جار الله العلامة والابتغاء الطلب وتعديته بالي لتضمينه معنى ضم أي لضم
إليهما
ثالثا: فأخبر عن حرص العباد على الزيادة في المال أنه لا غاية له يقنع بها
ويقتصر عليها ثم اتبع ذلك بقوله وَيقر: ((لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب))
الحديث يعني إذا مات وصار في قبره ملأ جوفه التراب لأنه لایزال حريصا
(١) المصدر السابق (١٣٩/٧).
(٢) أخرجه البخارى (٦٤٣٩، ٦٤٤٠) ومسلم (١١٦ و١١٧-١٠٤٨).

٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على الدنيا حتى يموت ويمتليء جوفه من تراب قبره وهذا الحديث خرج
على حكم غالب بني ادم في الحرص على الدنيا ويؤيده.
قوله مَله: ((ويتوب الله على من تاب)) وهو متفق مع ما قبله ومعناه أن يقبل
التوية من الحرص المذموم وغيره من المذمومات ففي هذا الحديث ذم
الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها والرغبة فيها وطول الأمل والله أعلم،
ولهذا الحديث آثر كثير من السلف التقلل من الدنيا والقناعة والكفاف فرارا
من التعرض لمالا يعلم كيف النجاة من شر فتنته واستعاذ النبي جمن شدة
فتنة الغنى وقد علم كل مؤمن أن الله تعالى قد أعاذه من شر كل فتنة وإنما
دعاؤه جبذلك تواضعا لله وتعليما لأمته وحضا لهم على إيثار الزهد في الدنيا
ا.هـ، قاله في الديباجة.
٢٦٥٣ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس ◌َوََّا قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول لَو أَن لِاِبْنِ
آدم وَاديا من ذهب لأحب أن يكون إِلَيْهِ مثله وَلَا يَمْلَأ عين ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب
وَيَتُوبِ الله على من تَابَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ(١).
قوله: وروی عن ابن عباس تقدم الكلام علیه.
قوله وَر: ((لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون إليه مثله ولا
يملأ عين ابن آدم إلا التراب)) الحديث تقدم الكلام عليه وفي حديث انس ولا
يملأ فاه إلا التراب.
(١) أخرجه البخارى (٦٤٣٦) و(٦٤٣٧) ومسلم (١١٨ - ١٠٤٩).

٤٧
كتاب البيوع وغيرها
٢٦٥٤ - وَعَن [ابْن](١) عَبَّاس بن سهل بن سعد زَر ◌َهُ قَالَ سَمِعت ابْن
كَانَ يَقُول ◌َو
صلىالله
الزبير على مِنْبَر مَكَّةٍ فِي خطبَتَه يَقُول يَا أَيْهَا النَّاسِ إِن النَّبِي
ـة
وسام
أَن ابْن آدم أعطي وَاديا من ذهب أحب إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا أحب إِلَيْهِ ثَالِثًا
وَلَا يسد جَوف ابْن آدم إِلَّ التُّرَابِ وَيَتُوبِ الله على من تَابَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ(٢).
قوله: وعن عباس بن سهل بن سعد (بسكون العين والهاء وعباس
بالموحدة المشددة آخره مهملة والد أبى بن عباس، و عبد المهيمن بن
عباس . أدرك زمان عثمان بن عفان، وهو ابن خمس عشرة سنة)(٣).
قوله: سمعت ابن الزبير على منبر مكة في خطبته يقول يا أيها الناس إن
النبي وَّ: كان يقول: «لو أن ابن آدم أعطي واديا من ذهب أحب إليها ثانيا
ولو أعطي ثالثا ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب)) (الحديث) (٤).
٢٦٥٥ - وَعَنِ بُرَيْدَة ◌ََّهُ قَالَ سَمِعت النَّبِي ◌ِّهِ يَقْرَأْ فِي الصَّلَاة لَو أَن ◌ِابْنِ
آدم وَاديا من ذهب لابتغى إِلَيْهِ ثَانِيًا وَلَو أعطي ثَانِيًا لابتغى إِلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأ
جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَابِ وَيَتُوبِ الله على من تَابَ رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِإِسْنَاد جيد (٥).
(١) كذا هو فى نسخ الترغيب وهى مقحمة.
(٢) أخرجه البخارى (٦٤٣٨).
(٣) طبقات ابن سعد ٢٧١/٥، تهذيب الكمال: ٦٥٧، تاريخ الإسلام ٤ / ١٧، و٢٦٢، ٢٦٣
تهذيب التهذيب ١١٨/٥.
(٤) لم يدرج المصنف تحته شرحًا.
(٥) أخرجه البزار (٤٤٣٣). وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩١١) وقال في صحيح
الترغيب (١٧١٦): حسن صحيح.

٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وعن بريدة (١) (بن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، أبو عبد
الله، وقيل: أبو سهل، وقيل: أبو ساسان بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن
الحارث الأسلمي أسلم قبل بدر ولم يشهدها وهو من المهاجرين. نزل البصرة
ثم مرو وقبره بها وشهد خیبر والفتح و کان أمیرًا على ربع أسلم، روى عنه ابناه
عبد الله وسلمان، والشعبي وجماعة. وكان فارسًا شجاعًا مات سنة ثلاث
وستين وقال المقدسي: ابن اثنين أو ثلاث وستين. وهو آخر من مات من
الصحابة بخراسان، روي له عن النبي ◌ّي مائة حديث وأربعة وستون حديثًا،
اتفقا على حدیث واحد. وانفرد البخاري بحدیثین، ومسلم بأحد عشر).
قوله: سمعت رسول الله يقرأ في الصلاة ((لو أن لابن آدم واديا من ذهب
(٦/ ب) لابتغى ثالثا)) الحديث تقدم معناه.
تنبيه: وقد ثبت في السنة من رواية الإمام أحمد وغيره أن هذا كان قرءانا
فنسخ خطه، وفي رواية عن أنس وابن عباس قالا فلا ندري أشيء أنزل أم
شيء كان يقوله؟(٢)، وروى عن أبي قال: كنا نرى هذا من القرءان حتى
نزلت: ﴿أَلْهَدُكُمُ اُلتَّكَاثُرُ ﴾﴾(٣) رواه البخاري (٤) ا.هـ.
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد ٤/ ٢٤١-٢٤٣، التاريخ الكبير ٢ / ترجمة رقم ١٩٧٧،
الجرح والتعديل ٢/ ترجمة ١٩٨٤، أسد الغابة ٢٠٩/١، الإصابة ١ / ترجمة رقم ٦٣٢.
(٢) أخرجه مسلم (١٠٤٨) م من حديث أنس.
وأخرجه البخارى (٦٤٣٧) ومسلم (١١٨ - ١٠٤٩) عن ابن عباس.
(٣) سورة التكاثر، الآية: ١.
(٤) أخرجه البخارى (٦٤٤٠).

٤٩
كتاب البيوع وغيرها
٢٦٥٦ - وَعَن أنس ◌َّالَّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ يجاء بِابْن آدم كَأَنَّهُ بذج فَيُوقف
بين يدي الله عز وجل فَيَقُول الله لَهُ أَعطيتك وخولتك وأنعمت عَلَيْك فَمَا
صنعت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته فتركته أكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ
فَيَقُول الله لَهُ أَرِنِي مَا قدمت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته فتركته أَكثر مَا كَانَ
فارجعني آتِّك بِهِ فَإِذا عبد لم يقدم خيرا فيمضى بِهِ إِلَى النَّارِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن
إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ وَهُوَ واه عَنِ الْحسن وَقَتَادَة عَنْهُ وَقَالَ رَوَاهُ غير
وَاحِد عَنِ الْحسن وَلم يُسْنِدُوهُ(١).
قَوْله البذج بياء مُوَحِدَة مَفْتُوحَة ثمَّ ذال مُعْجِمَة سَاكِنة ثمَّ حِيم هُوَ ولد
الضَّأْن شبه بِهِ لما يَأْتِي فِيهِ من الصغار والذل والحقارة
قَالَ الْحَافِظ: وَتَأْتِي أَحَادِيث كَثِيرَة فِي ذمّ الْحِرْصِ وَحب المَال فِي الزّهْد
وَغَيرِهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قوله: وعن أنس تقدم الكلام عليه.
قوله وقال: ((يجاء بابن آدم كأنه بذج فيوقف بين يدي الله تعالى)) الحديث
قد ضبطه الحافظ وفسره هو ولد الضأن شبه به لما يأتي فيه من الصغار والذل
والحقارة وقال في حياة الحيوان البذج من أولاد الضأن بمنزلة العتود من
(١) أخرجه ابن المبارك في المسند (٩٨)، ومن طريقه الترمذى (٢٤٢٧) والبغوى في شرح
السنة (٤٠٥٨)، وهناد في الزهد (٤٣٥/٢) من طريق إسماعيل بن مسلم، عن الحسن،
عن أنس. وقال الألباني: ضعيف ضعيف الترمذى و ضعيف الجامع (٦٤١٣) وضعيف
الترغيب (١٨٨٩).

٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أولاد المعز وجمعه بذجان قال: الراجر:
قد هلكت جارتنا من الهمج وإن تجمع تأكل عتودا أبو بذج
قال الجوهري (١): ومراده بالهمج سوء التدبير في المعاش، وفي الحديث
يخرج رجل من الناس كأنه بذج ترعد أوصاله وفي مسند أبي يعلي الموصلي
عن أنس بن مالك قال: قال: رسول الله وَل: (يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه
بذج من الذل فيقول الله تعالى أنا خير قسيم يا ابن آدم انظر إلى عملك الذي
عملت لي فأنا أجزيك به وانظر إلى عملك الذي عملته لغيرى فإن جزاءه
على الذي عملت له))(٢) والبذج كلمة فارسية تكلمت بها العرب، وعن بعض
الأعراب أنه وجد متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم أمتني ميتة أبي
خارجة فقيل وكيف مات أبو خارجة قال أكل بذجا وشرب مشعلا ونام
شامسا فلقي الله شبعان ریان دفئان.
المشعل إناء ینبذ فیه انتھی.
(١) الصحاح للجوهرى (١/ ٣٥١).
(٢) أخرجه أبو يعلى (٤١٢١). وقال الهيثمى في المجمع ٢٢١/١٠-٢٢٢: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى،
وَفِيهِ مُدَلِّسُونَ.

٥١
كتاب البيوع وغيرها
[التَّرْغِيبِ فِي طلب الْحَكَالِ وَالْأكل مِنْهُ
والترهيب من اكْتِسَاب الْحَرَامِ وَأكله ولبسه وَنَحْوِ ذَلِك]
٢٦٥٧ - عَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن الله طيب لا يقبل
إِلَّا طيبًا وَإِن الله أَمَر الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَر بِهِ الْمُرْسلين فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ
مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِلَّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾﴾(١) وَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ (٢)، ثمَّ ذكر الرجل يُطِيل السّفر
أَشْعَث أغبر یمد یَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ یَا رب یَا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام
وملبسه حرام وغذي بالحرام فَأْنِى يُسْتَجَاب لَذَلِك رَوَاهُ مُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ(٣).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله وهي: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)) الحديث هذا توطئة لباقي
الحديث وهو طيب المطعم لإجابة الدعاء واعلم أن الطيب يطلق بمعان (٤):
أحدها المستلذ طبعا نحو هذا طعام طيب: ﴿فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم
مِّنَ النِّسَآءِ﴾(٥)، والثاني: بمعنى الحلال وهو المتناول بحكم الشرع ويقابله
(١) سورة المؤمنون ، الآية: ٥١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.
(٣) أخرجه مسلم (٦٥-١٠١٥) والترمذى (٢٩٨٩). وقال الألباني في صحيح الترغيب
(١٧١٧) وغاية المرام (١٧): حسن.
(٤) التعيين في شرح الأربعين (ص١١٤- ١١٥) للطوفى.
(٥) سورة النساء، الآية: ٣.

٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الخبيث: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْحُبِيثِ﴾(١).
والثالث: الطيب بمعنى الطاهر قال القاضي عياض(٢): الطيب في صفة الله
تعالى بمعنى المنزه عن النقائص والخبائث والعيوب وهو بمعنى القدوس
وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث وهذا قد جاء أيضا في
حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ◌َّة: ((إن الله طيب يحب الطيب نظيف
جواد يحب الجود)) أخرجه الترمذي(٣) ومنه قوله تعالى: ﴿وَالطَِّبُونَ
لِلطَِّّبَتِ﴾ (٤) أي الطاهرون للطاهرات والله عز وجل طيب بهذا المعنى أي
هو طاهر منزه عن جميع النقائص [ولا يقبل] من الأعمال إلا طاهرا من
المفسدات كالزنى والعجب ونحوه ولا من الأموال إلا طاهرا من الحرام.
قوله: ((لا يقبل إلا طيبا)) قد ورد معناه في حديث الصدقة ولفظه ((لا
(١) سورة المائدة، الآية: ١٠٠.
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٣٥/٣).
(٣) أخرجه الترمذى (٢٧٩٩)، والبرجلانى في الكرم والجود (١٢)، والدورقى في مسند سعد
(٣١)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٤٠٨/٣)، وابن أبى الدنيا في مكارم الأخلاق
(٨)، والبزار (١١١٤)، وأبو يعلى (٧٩٠ و٧٩١)، والدولابى في الكنى (١٢٠٣). وقال
الترمذى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَخَالِدُ بْنُ إِلْيَاسَ يُضَعَّفُ.
قال البوصيرى في اتحاف الخيرة (٢٧٦/٢) و(٥٣٧/٤): رواه أبو يعلى بسند ضعيف
لضعف خالد بن إياس العدوي. وقال الألباني في ضعيف الترمذى، وحجاب المرأة
(١٠١)، والصحيحة (٢٣٦ و١٦٢٧)، وغاية المرام ١١٣: ضعيف، وقال في مشكاة
المصابیح (٤٤٨٧ حدیث ٦٩): حسن.
(٤) سورة النور، الآية: ٢٦.

٥٣
كتاب البيوع وغيرها
يتصدق من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب))(١) والمعنى أنه تعالى لا
يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبا حلالا ولا يحل أن يتقرب بغير ذلك إليه
[٧/ أ] إذا ليس من صفته تعالى قبول الشيء الخبيث والرضي بالمنكر، وإنما
لا يقبل الله تعالى الصدقة من المال الحرام لأنه غير مملوك للمتصدق وهو
ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه فلو قبلت منه لزم أن يكون
مأمورا به منهيا عنه من وجه واحد وهو محال لأن أكل الحرام يفسد القلوب
فيحرم الرقة والإخلاص فلا تقبل الأعمال قال ابن رجب(٢): وقد قسم الله
تعالى الكلام إلى طيب وخبيث فقال: تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً
كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٣) الآية وقال: الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اٌلْكَلِمُ اُلْطَِّّبُ﴾ (٤)
ووصف الرسول وَيقر بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث وقد قيل إنه يدخل
في ذلك الأعمال والأقوال والاعتقادات أيضا ووصف الله تعالى المؤمنين
بالطيب في قوله تعالى: ﴿تَتَوَقَّئُهُمُ الْمَلَئِكَةُ طَيِّبِينَ﴾(٥) وأن الملائكة تقول
عند الموت: أخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب وإن
الملائكة تسلم عليهم عند دخول الجنة ويقول لهم طبتم وقد ورد في حديث
((إن المؤمن إذا زار أخاه في الله تقول لهم الملائكة طبت وطاب ممشاك
(١) أخرجه البخارى (١٤١٠) و(٧٤٣٠)، ومسلم (٦٣ و٦٤ - ١٠١٤) من حديث أبى هريرة.
(٢) جامع العلوم والحكم (١ / ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٢٤.
(٤) سورة فاطر، الآية: ١٠.
(٥) سورة النحل، الآية: ٣٢.

٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وتبوأت من الجنة منزلا)»(١) فالمؤمن کله طیب قلبه ولسانه وجسده بما سكن
في قلبه من الإيمان وظهر على لسانه من الذكر وعلى جوارحه من الأعمال
الصالحة التي هي ثمرة الإيمان وداخلة في اسمه فهذه الطيبات كلها يقبلها الله
عز وجل ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال [للمؤمن] طيب مطعمه وأن
يكون من حلال فبذلك يزكو عمله وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل
العمل ولا يزكوا إلا بأكل الحلال فإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله
فإنه قال: بعد تقريره إن الله لا يقبل إلا طيبا ا.هـ.
قوله وثيقة: ((وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾(٢) وقال تعالى: ﴿يََأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾(٣)) الحديث ففيه دليل على أن
الرسل وأممهم سواء في عبادة الله تعالى والدخول تحت خطابه إلا ما قام
عليه الدليل من اختصاصهم على الأمم ببعض الأحكام لأن الجميع عبيد
(١) أخرجه: ابن المبارك في المسند (٣)، وفي الزهد، له (٧٠٨)، وأحمد ٣٢٦/٢ و٣٤٤
و٣٥٤، وعبد بن حميد (١٤٥١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٤٥)، وابن ماجه
(١٤٤٣)، والترمذي (٢٠٠٨)، وابن حبان (٢٩٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان
(٣٣٠/١١ رقم ٨٦١٠) وفي الآداب، له (ص٧٣-٧٤ رقم ١٨١)، والبغوي (٣٤٧٢) و
(٣٤٧٣) عن أبى هريرة. وقال الألباني: صحيح لغیرہ صحیح الترغيب (٢٥٧٨) وریاض
الصالحين (٣٦٦) وصحيح الترغيب (٣٤٧٤) المشكاة (١٥٧٥ و٥٠١٥/ التحقيق
الثانی) وقال حسن لغيره.
(٢) سورة المؤمنون ، الآية: ٥١.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٢.

٥٥
كتاب البيوع وغيرها
إليه مأمورون بعبادة الله عز وجل، والظاهر أن المراد بالطيبات في الآيتين
الحلال بدليل ما سبق قبله وما بعده من ذم المطعم الحرام ا.هـ، والمراد بهذا
أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال وبالعمل
الصالح فما دام الأكل حلالا فالعمل الصالح مقبول فإذا كان الأكل غير
حلال فكيف يكون العمل مقبولا؟ !.
قوله: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر)) هذا من كلام أبي هريرة يعني أن النبي
وَاللّه بعد ما سبق ذكره استطرد الكلام حتى ((ذكر الرجل يطيل السفر أشعث
أغبر)) الحديث معناه والله أعلم يطيل السفر في وجوه الطاعات كالحج
والجهاد وزيارة مستحبة وصلة رحم وما أشبه ذلك من أسفار الطاعات إلا
أن أشعث يدل على المحرم والشعث في الشعر والغبرة في سائر الجسد.
قوله: ((يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب)) هذا الكلام أشار فيه جإلى
آداب الدعاء وإلى الأسماء التي تقتضي إجابته وإلى ما يمنع من إجابته فذكر
أن الأسباب التي (٧/ ب) تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدها إطالة السفر
والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة اعن النبيج
((ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر
ودعوة الوالد لولده)) رواه أبو داود والترمذي(١) وعنده دعوة الوالد على ولده
(١) أخرجه أبو داود (١٥٣٦) والترمذى (١٩٠٥) و(٣٤٤٨). وقال الألباني: حسن صحيح
أبى داود وصحيح الترمذى والصحيحة (٥٩٦، ١٧٩٧)، وصحيح الأدب المفرد
(٣٢ و٤٨١) وصحيح الترغيب (١٦٥٥) و(٢٢٢٦) و(٣١٣٢).

٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء للأنه مظنة حصول انكسار
النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاق والانكسار من أعظم
أسباب إجابة الدعاء
والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة، والشعث والإغبرار وهو أيضا
من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في حديث عن النبي وَلـ ((رب أشعث أغبر
ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره))(١)، ولما خرج النبي وَّل
للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا (٢).
الثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى فسببها
إجابته وفي حديث سلمان عن النبي وَّ ((إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا
رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين)) رواه الإمام أحمد وابن
ماجه(٣) وكان النبي وَيخلو يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه (٤)
(١) أخرجه مسلم (١٣٨ - ٢٦٢٢) و(٤٨ - ٢٨٥٤) وابن حبان (٦٤٨٣) عن أبى هريرة.
(٢) أخرجه أبو داود (١١٦٥)، والترمذى (٥٥٨ ٥٥٩) وابن ماجه (١٢٦٦)، والنسائي في
المجتبى ٢٧٧/٣ (١٥٢٢) و٢٧٩/٣ (١٥٢٤) و٢٩٠/٣ (١٥٣٧) من حديث ابن
عباس. وقال الألباني: حسن المشكاة (١٥٠٥) وإرواء الغليل (٦٦٥ و٦٦٩).
(٣) أخرجه أحمد ٤٣٨/٥ (٢٤٢١١)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وأبو داود (١٤٨٨)، والترمذى
(٣٥٥٦). وقال الألباني: حديث صحيح، المشكاة ٢٢٤٤ وصحيح أبي داود (١٣٣٧)
والترغيب (١٦٣٥).
(٤) أخرجه البخارى (١٠٣١) و(٣٥٦٥)، ومسلم (٨٩٥) م وأبو داود (١١٧٠)، وابن ماجه
(١١٨٠) عن أنس.

٥٧
كتاب البيوع وغيرها
ورفع يديه يوم بدر يستنصر على المشركين حتى سقط رداءه عن منكبيه(١).
الرابع: تناول الحلال في المطعم والمشرب والملبس ونشوء الجسد على
الغذاء الحلال، وبالجملة اجتناب الحرام من كل شيء شرط إجابته وأن
تناول الحرام مانع منه ووجه ذلك أن مبتدأ إرادة الدعاء القلب ثم تفيض تلك
الإرادة على اللسان فينطق به، والقلب يفسد بتناول الحرام وإذا فسد القلب
فسد الجسد وجوارحه والفاسد ليس بطيب والله عز وجل لا يقبل إلا الطيب
فالله عز وجل لا يقبل دعاء من أكل الحرام وغذي به.
قوله: ((وغذي بالحرام)) بغين معجمة مضمومة وذال معجمة مكسورة
مخففة أي كان غذاؤه الحرام.
قوله {وَبِير: ((فأنى يستجاب لذلك)) أي من أين يستجاب لمن هذا صفته
وكيف يستجاب له فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد وليس
صريحا في استحالة الإجابة ومنعها بالكلية وقال بعضهم: إن قوله ،بَ لَّامن:
((فأنى يستجاب لذلك)) استبعاد للإجابة مع أكل الحرام ومعناه أنه ليس أهلاً
لإجابة دعائه لكن يجوز أن يستجيب الله تفضلً ولطفًا وكرما قاله القرطبي (٢)
والطوفي (٣) واعلم أن هذا الحديث كثير النفع لأنه تضمن بيان حكم الدعاء
(١) أخرجه مسلم (٥٨-١٧٦٣) وأبو داود (٢٦٩٠)، والترمذي (٣٠٨١) عن عمر بن
الخطاب.
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢٩/٩).
(٣) التعيين في شرح الأربعين (ص١١٦) للطوفى.

٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وشرطه ومانعه وهو أحد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام ومباني الأحكام
وفيه الحث على الإنفاق من الحلال والنهي عن الإنفاق من غيره وفيه أن
المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالا خالصا لا
شبهة فيه وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره وتقدم قريبا
آداب الدعاء وشروطه مبسوطًا.
فوائد: قد روي عن النبي جفي صفة ([٨/ أ]) رفع الإنسان يديه في الدعاء
أنواع متعددة منها أنه كان يشير بإصبعيه السبابة فقط، ومنها أنه رفع يديه
وجعل ظهورها إلى جهة القبلة وهو مستقبلهما وجعل بطونهما مما يلي
وجهه وقد وردت هذه الصفة عن النبي جفي دعاء الاستسقاء واستحب
بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجورجاني، وقال بعض
السلف: الرفع على الوجه تضرع، ومنها عكس ذلك وقد روى النبي جفي
الاستسقاء أيضا وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك
وروي عن النبي جأنه إذا كان استعاذ رفع يديه على هذا الوجه، ومنها رفه
يديه وجعل كفيه إلى السماء وظهورهما إلى الأرض زقد ورد الأمر بذلك في
سؤال الله عز وجل، ومنها عكس ذلك وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى
السماء وظهورهما مما يلي الأرض ا.هـ ذكره الشيخ زين الدين بن رجب
الحنبلي(١).
(١) جامع العلوم والحكم (٢٨٨/١ -٢٩٠).

٥٩
كتاب البيوع وغيرها
٢٦٥٨ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َو ◌َّهُ عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ طلب الْحَلَاَل وَاجِب
13
على كل مُسلم رَوَاهُ الطَبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَإِسْنَاده حسن إِن شَاءَ الله(١).
قوله: وعن أنس تقدم الكلام علیه.
قوله وَّالية: ((طلب الحلال واجب على كل مسلم)) الواجب هو الذي يثاب
فاعله أكثر من ثواب السنة بأضعاف كثيرة ويعاقب تاركه كالوضوء والصلاة
والزكاة والصيام والحج والعمرة وطلب العلم وغير ذلك.
٢٦٥٩- وروي عن عبد الله بن مسعودٍ رَّهُ أَنَّ النبيَّ وَّهِ قال: طلب
الحلال فريضةٌ بعد الفريضة. رواه الطبراني والبيهقي (١).
قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام علیه.
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٧٢/٨ رقم ٨٦١٠). وأخرجه ابن شاذان في الثامن من
أجزائه (١٠٩)، وابن البخترى في مجموعه (١١٨) والضياء في المنتقى من مسموعات
مرو (٢٣٢). وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩١): رَوَاهُ الطََّرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ،
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وقال الألباني: منكر الضعيفة (٣٨٢٦)، وضعفه في الترغيب (١٠٦٦).
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٤/١٠ رقم ٩٩٩٣) وعنه أبو نعيم في تاريخ أصبهان
(٣١٦/٢) ومعرفة الصحابة (٤٥٠٧) والحلية (١٢٦/٧)، وأبو الشيخ في طبقات
أصبهان (٣٢٠/٣)، وابن الأعرابى في المعجم (١١٦٧)، وابن المقرىء في
المعجم (٢٧٤) وعنه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٣١٦/٢)، وابن جميع في المعجم
(١٠٦/١) ومن طريقه الذهبى في تذكرة الحفاظ (٧٨/٣ -٧٩) وسير أعلام النبلاء
(٣٥/١٢)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٢١) و(١٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان
(١١/ ١٧٥ رقم ٨٣٦٧) والكبرى (٢١١/٦ رقم ١١٦٩٥). قال الذهبي: عباد واه.
وقال الألباني في الضعيفة (٦٦٤٥): منكر، وقال في ضعيف الترغيب (١٠٦٧): ضعيف.

٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله مَّة: ((طلب الحلال فريضة بعد الفرائض)) الحديث اعلم أن الفرض
ينقسم على قسمين فرض عين وفرض كفاية ففرض الكفاية كل علم يفتقر
إليه في صالح العباد كعلم الطب والحساب لقسمة المواريث وعلم الحياكة
والخياطة وغير ذلك إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين وأما فرض
العين فهو واجب على كل مكلف في خاصة نفسه كصلاة الفرض والجمعة
وغير ذلك والله أعلم.
٢٦٦٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌ََّّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَلِّ: ((من أكل
طيبا وَعمل فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الجنَّة، قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا
فِي أمتك الْيَوْمِ كثيرٍ قَالَ وسيكون فِي قُرُون بعدِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث
حسن صَحِيحٍ غَرِيب وَالْحَاكِمْ وَقَالَ صَحِيحِ الإِسْنَادُ(١).
(١) أخرجه هناد فى الزهد (٥٤٨/٢)، والفسوى فى مشيخته (١١٧) ومن طريقه البيهقى فى
الشعب (٥٠١/٧ رقم ٥٣٦٨)، والترمذى (٢٥٢٠) وفى العلل (٦١٩)، والطبرانى فى
الأوسط (٢٥/٤ رقم ٣٥٢٠)، والحاكم (٤ /١٠٤)، واللالكائى فى شرح أصول اعتقاد
أهل السنة والجماعة (٩) من طريق إسرائيل عن هلال بن مقلاص الصيرفي عن أبى بشر
عن أبي وائل عن أبي سعيد الخدري.
قال أحمد بن حنبل كما فى العلل المتناهية (٢/ ٢٦٣): ما سمعت بأنكر من هَذَا الحديث
لا أعرف هلال بْن مقلاص ولا أَبًا بشر وأنكر الحديث إنكارًا شديدًا.
قال الترمذى فى العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعرف أبا بشر هذا، ولا
أدري ما هذا الحديث وعرف هذا الحديث من هذا الوجه وضعفه.
وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ووافقه الذهبى.
وقال الألباني: ضعيف ما عدا الجزء الأخير ضعيف الترمذى وضعيف الترغيب (٢٩)
و(١٠٦٨)، وقال فى الضعيفة (٦٨٥٥): منكر.