Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
كتاب الذكر والدعاء
أدرك ثلاثين من أصحاب النبي ◌َّ﴾، وكان ثقة عاليا مأمونا رفيعا فقيها أو إمام
كثير العلم ورعا وكان به صمم، قال [الحميري] كنا عند محمد بن سيرين
فلما أردنا القيام قلنا دعوة يا أبا بكر فقال اللهم تقبل منا وتجاوز عن سيئاتنا
في أصحاب الجنة، وقال أبو عوانة رأيت ابن [سيرين] في السوق فما رآه أحد
إلا ذكر الله تعالى، وكان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على
حدته، وذكر المدائني أنه اشترى زيتا بأربعين ألفا فوجد فيه فأرة فبذره وركبه
بسبب ذلك الدين، وكان يصوم يوما ويفطر يوما(١).
فائدة: أخرى أيضً: إذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاث مرات ثم
ليقل اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام فإنها لا تكون
شيئا (٢)، أ.هـ والله أعلم.
٢٤٧٧ - وَعَن أبي سعيد الْخُذْرِيّ رَّهُ أَنْه سمع النَّبِيِنَّهَ يَقُول إِذا رأى
أحدكُم الرُّؤْيَا يُحِبِهَا فَإِنَّمَا هِيَ من الله فليحمد الله عَلَيْهَا وليحدث بِمَا رأى
وَإِذا رأى غير ذَلِك مِمَّا يكره فَإِنَّمَا هِيَ من الشَّيْطَان فليستعذ بالله من شَرِها وَلَا
يذكرهَا لَاحَدَّ فَإِنَّهَا لَا تضره رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح(٣).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري ۈۈڅ﴾، تقدم الكلام عليه.
(١) شرح الإلمام (١/ ٣٤٠-٣٤٥) باختصار.
(٢) أخرجه ابن السنى (٧٧٥) وانظر الأذكار (ص ٩٩) للنووى.
(٣) الترمذي (٣٤٥٣)، وقال: حدي حسن صحيح غريب من هذا الوجه، ولم يعزه للبخاري
وهو عنده في التغيير (٦٩٨٥)، وأحمد (١١٠٥٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة
(١٠٧٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠).
٤٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَيّ: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها
وليحدث بما رأى)) قال النووي(١) وغيره إضاة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى
إضافة تشريف بخلاف المكروه وإن كانتا جميعا من خلق الله تعالى وتدبيره
وبإرادته ولا فعل للشيطان فيها لكنه يحضر الرؤيا المكروهة ويرتضيها ويسر
بها، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى(٢): قال كثير من العلماء أن للرؤيا
ملكا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبهه على ما يكون له أو يقدر عليه
من خير أو شر والله أعلم، وعن أبي هريرة عن النبي وَّ قال: ((الرؤيا ثلاث
فبشرى من الله وحديث النفس وتخويف من الشيطان فإذا رأى أحدكم رؤيا
تعجبه فليقصها إن شاء وإن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم
يصلي)»، انفرد به ابن خزيمة، فالرؤيا على ثلاثة أقسام رؤيا من الله ورؤيا من
الشيطان وحديث النفس، والرؤيا الصحيحة أقسام منها إلهام يلقيها الله تعالى
في قلب العبد وهو كلام يكلم به الرب عبده في المنام كما قال عبادة بن
الصامت وغيره، ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها، ومنها: التقاء
روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم، ومنها: مثل
عروج روحه إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك فالتقاء أرواح الأحياء
والأموات نوع من أنواع الرؤيا الصحيحة التي هي عند الناس من جنس
المحسوسات وهذا نوع اضطرب فیه الناس أ.هـ.
(١) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٧).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢١٥/٧).
٤٨٣
كتاب الذكر والدعاء
قوله وَّي: ((وإذا رأى غير ذلك مما يكره [فإنما هي من الشيطان] فليستعذ
بالله من شرها ولا يذكرها لاحد فإنها لا تضره)) الحديث فسببه أنه ربما
فسرها تفسيرا نكروها على ظاهر صورتها وكان ذلك محتملا فوقعت كذلك
بتقدير الله تعالى العزيز العليم، فإن الرؤيا على رجل طائر، ومعناه: إذا كانت
محتملة وجهين فسرت بأحدهما وقعت على قرب تلك الصفة قالوا: وقد
يكون ظاهر الرؤيا مكروها، وتفسر بمحبوب وعكسه وهذا معروف لأهله
ولهذا قال النبي ◌َّلة: ((الرؤيا المحبوبة الحسنة [٢٥٥/ ب] لا يخبر بها إلا من
يحب)) فسببه أيضاً إذا أخبر بها من لا يحب ربما حمله البغض أو الحسد
على تفسيرها بمكروه فقد يقع على تلك الصفة وإلا فيحصل له في الحال
حزن وند من سوء تفسيرها أ.هـ والله أعلم.
٢٤٧٨ - وَعَن أبي قَتَادَة رََّّهُ قَالَ قَالَ النَّبِي ◌َِّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَة من الله
والحلم من الشَّيْطَان فَمن رأى شَيْئا يكرههُ فلينفث عَن شِمَاله ثَلَاثًا وليتعوذ
بِالله من الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لا تضره رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ
وَابْن مَاجَه(١).
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ عَن أبي سَلمَة وَإِذا رأى مَا يكره فليتعوذ بالله من
شَرها وَشرِ الشَّيْطَان وليتفل عَنِ يسَاره ثَلَاثًا وَلَا يحدث بهَا أحدا فَإِنَّهَا لن تضره(٢).
(١) البخاري (٦٩٩٥)، ومسلم (٢٢٦١)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٧)،
والنسائي في عمل اليوم واللية (١٠٧٣٠)، وابن ماجه (٣٩٠٩)، وأحمد (٢٢٥٢٥).
(٢) مسلم (٢٢٦١).
٤٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ورویاه أَيْضا عن أبي هُرَیْرَة وَفِیه فَمن رأی شَيْئا یکرههُ فَلا یقصه على أحد
وليقم فَليصل(١).
الْحلم بِضَمِ الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبِضَمِّهَا هُوَ الرُّؤْيَا وبالضم والسكون
فَقَطْ هُوَ رُؤْيَة الْجِمَاعِ فِي النّومِ وَهُوَ المُرَادِ هُنَا.
قَوْله فليتفل بِضَم الْفَاء وَكسرهَا أَي فليبزق وَقيل التفل أقل من البزق
والنفث أقل من التفل .
قوله: وعن أبي قتادة زَقَّهُ، تقدم الكلام عليه.
قوله وَّل: ((الرؤيا الصالحة من الله)) الرؤيا الصالحة بشارة من الله تعالى
يبشر بها عبده فيحسن ظنهوبكثر عليها شكره، وإن الماذبة هي التي يريد بها
الشيطان للإنسان ليحزنه وليسيء ظنه بربه ويقل حظه من الشكر، ولذلك
أمره أن يبصق ويتعوذ من شره كأنه يقصد به طرد الشيطان عنه أ.هـ [والرؤيا
مقصورة مهموزة، ويجوز ترك همزتها كنظائرها].
قوله وَّة: ((والحلم من الشيطان)) الحديث، قال الحافظ(٢): الحلم بضم
الحاء وسكون اللام وبضمها هو الرؤيا، وبالضم والسكون فقط هو رؤية
الجماع في النوم، أ.هـ، فالريا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء
لكن غلبت الرؤيا على ما يراه النائم من الخير والشيء الحسن وغلب الحلم
على ما يراه الناس من الشر والقبيح، ومنه قوله تعالى: ﴿أَضْغَتُ أَحْلَةٌ﴾(٣)
(١) البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣)، وأبو داود (٥٠١٩)، والترمذي (٢٢٧٠).
(٢) فتح الباري لابن حجر (٣٨٩/١).
(٣) سورة
٤٨٥
كتاب الذكر والدعاء
ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر قال الإمام المازري رحمه الله
تعالى(١): مذاهب أهل السنة في الرؤيا أن الله تبارك وتعالى يخلق في قلب
النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان وهو سبحانه وتعالى يفعل ما
يشاء ولا يمنعه نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علما
على أمور أخر تلحقها في ثاني الحال أو كان قد خلقها فإذا خلق في قلب النائم
الطيران وليس هو بطائر فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو فيكون
ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على
المطر والجميع خلق الله ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما
على ما يسر بغيره حضرة الشيطان وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة
الشيطان فينسب إلى الشيطان مجازاً لحضوره عندها وإن كان لا فعل له
حقيقة وهذا معنى قوله {وَ﴾ ((الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان)) لا
على أن الشيطان يفعل ما يشاء، فالرؤيا اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه
هذا كلام المازري أ.هـ والله أعلم.
قوله وَاللّ: ((فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا))، وفي
رواية ((فليتفل عن يساره))، وفي رواية ((فليبصق عن يساره))، وفي رواية
((فليتحول عن جنبه الذي كان عليه)) ينفث بضم الفاء وكسرها، والنفث أقل
من التفل ويتفل بضم الفاء وكسرها أيضاً أي يبصق، وقيل: التفل أقل من
البصق واليساء بفتح الياء و کسرها.
(١) المعلم (٢٠١/٣).
٤٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: قال الصاغاني في العباب: التفل شبيه بالبزق وهو أقل، أوله البزق ثم
التفل ثم النفث ثم النفخ، وقد تفل يتفل ومنه تفل الراقي ذكره في سلاح
المؤمن(١) فحاصله ثلاثة أنه جاء في الحديث: فلينفث وفليبصق وفليتفل،
وأكثر الروايات ((فلينفث)) وقال بعضهم: إنها بمعنى واحد ولعل المراد
بالجميع النفث وهو: نفخ لطيف بلا ريق ويكون التفل والبصق محمول عليه
مجازا، وأما قوله ◌َله: ((فإنها لا تضره)) فمعناه أن الله تعالى جعل هذا سبيلا
لسلامته من مكروه يترتب عليها كما جعل الصدقة وقاية للمال وسببا لدفع
البلاء فينبغي أن يجمع بين هذه الروايات ويعمل بها كلها والله أعلم.
فائدة: وهي خاتمة الباب: من الصغائر أن يقول الإنسان رأيت كذا وكذا
ولم يره، وذلك حرام شديد التحريم، ويحتمل أن يكون كبيرة، ويدل عليه
أيضًا قوله وَليقول: ((من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين))
الحديث، يقال حلم يحلم حلما [٢٥٦ / أ] وهذا لما ذكر رؤية ما لم يره كلف
فعل ما لا يفعل وهو العقد بين شعيرتين [فإن قال قائل: كذب الكاذب في
منامه لا يزيد على كذبه في يقظته، فلم زادت عقوبته فيما يتعلق بالنوم؟ فقد
أجاب عنه ابن جرير الطبري فقال: قد صح الحديث أن الرؤيا جزء من ستة
وأربعين جزءا من النبوة، والنبوة لا تكون إلا وحيا، والكاذب في الرؤيا يدعي
أن الله تعالى أراه] ما لم يره وأعطاه جزءا من النبوءة لم يعطه، والكاذب على
(١) سلاح المؤمن (ص ٢٨٨).
٤٨٧
كتاب الذكر والدعاء
الله تعالى أعظم فرية ممن كذب على الخلق أو على نفسه، يقال: حلم يحلم
حلما إذا رأى وتحلم إذا ادعى كاذبا وهذا شبه قوله وَالآية: ((من صور صورة
کلف أن ینفخ فيها الروح وليس بنافخ)) الحديث(١) انتهى.
(١) كشف المشكل (٤٣١/٢-٤٣٢).
٤٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في كلمات يقولهن من يأرق أو يفزع بالليل
٢٤٧٩ - عَن عَمْرو بن شُعَيْب رََّ عَن أَبِه عَن جده أَن رَسُول الله ◌َِّ قَالَ
إِذا فزع أحدكُم فِي النّوم فَلْيقل أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من غَضَبه وعقابه
وَشر عباده وَمن همزات الشَّيَاطِين وَأَن يخْضِرُون فَإِنَّهَا لن تضره قَالَ وَكَانَ
عبد الله بن عَمْرو يلقنها من عقل من وَلَده وَمن لم يعقل كتبهَا فِي صك ثمَّ
علقها فِي عُنُقُه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب
وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ وَلَيْسَ عِنْده تخصيصها بِالنَّوْمِ (١).
قوله: عن عمرو بن شعيب رَّهُ عن أبيه عن جده، تقدم الكلام على
جاللهمَّ
عمرو بن شعيب على أبيه وجده
قوله وسلم: ((إذا فزع أحدكم في النوم)) الحديث، والفزع هو الروع بفتح الراء
والروع الخوف.
قوله: ((ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)) الحديث، وهمزات
الشياطين أي نزعات الشياطين الشاغلة عن ذكر الله تعالى وهي خطراته التي
تخطرها في قلب الإنسان أ.هـ
(١) أبو داود (٣٨٩٣)، والترمذي (٣٥٢٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٠١)،
والحاكم (٥٤٨/١)، وأحمد (٦٦٩٦)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٤٤٠)، وابن
السني في عمل اليوم والليلة (٧٥٠)، والطبراني في الدعاء (١٠٨٦)، وحسنه الألباني في
ضعيف سنن الترمذي (٧٠٦)، دون قوله: ((فكان عبد الله ... )) إلخ)).
٤٨٩
كتاب الذكر والدعاء
قوله: قال: وكان عبد الله بن عمرو يلقنها من عقل من ولده ومن لم يعقل
كتبها في صك ثم علقها في عنقه، الصك بفتح الصاد وهو الكتاب.
٢٤٨٠ - وَفِي رِوَايَة للنسائي قَالَ كَانَ خَالِد بن الْوَلِيد رجلا يفزع فِي مَنَامه
فَذْكَرِ ذَلِك لَرَسُول الله ◌َِّ فَقَالَ النَّبِي ◌َِّلّهِ إِذا اضطجعت فَقل بِسم الله أعوذ
بِكَلِمَات الله التَّامَّةِ فَذكر مثله (١).
وَقَالَ مَالك فِي الْمُوَطَّلِ بَلغنِي أَنْ خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ لَرَسُول الله ◌َِّ إِنِّي
أروع فِي مَنَامِي فَقَالَ لَهُ رَسُول الله وَّيِ فَقلِ فَذكر مثله (٢).
وَرَوَاهُ أَحْمد عَن مُحَمَّد بن يحيى بن حبَان عَن الْوَلِيد بن الْوَلِيدِ أَنْه قَالَ يَا
رَسُول الله إِنِّي أجد وَحْشَة قَالَ إِذا أخذت مضجعك فَقل فَذكر مثله وَمُحَمّد
لم يسمع من الْوَلِيد(٣).
قوله: في رواية للنسائي قال: كان خالد بن الوليد رجلا يفزع في منامه فذكر
ذلك لرسول الله وَل .. خالد بن الوليد هو أبو سليمان وقيل أبو الوليد خالد بن
الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب
بن لؤي بن غالب القرشي المخزومي سيف الله، أمه: لبابة الصغرى بنت
(١) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٦٠٢).
(٢) مالك في الموطأ (٢٧٣٧)، قال ابن عبد البر في التمهيد (١٠٩/٢٤)، هذا حديث مشهور
مسندًا وغير مسند.
(٣) أحمد (١٦٥٧٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (١٢٣/١٠)، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن محمد بن يحيى بن حبان لم يسمع
من الوليد بن الوليد.
٤٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحارث أخت ميمونة بنت الحارث، ولبابة الكبرى امرأة العباس، أسلم بعد
الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وشهد غزوة
مؤتة، وسماه النبي گیڵ يومئذ سيف الله، وشهد خیبر وفتح مكة وحنينا، روى
له عن رسول الله وَ ل ثمانية عشر حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث
وكان رَوَّهُ من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة، قال الزبير بن بكار
وغيره وكان خالد بن الوليد هو المقدم على خيول قريش في الجاهلة ولم
يزل من حين أسلم يوليه رسول الله وسلم أعنة الخيل في مقدمتها، وشهد فتح
مكة قاتلا فيها، وبعثه رسول الله وَل إلى العزى فهدمها وكان بيتا عظيما
لمضر تبجله ولما حضرت خالدا الوفاة قال: لقد شهدت مائة زحف أو
نحوها وما في بدني موشع شبر إلا وفيه ضربة أو رمية وها أنا أموت على
فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما لي من عمل أرجى من لا إله إلا الله وأنا
متترس بها، وتوفي زَقَّه في خلافة عمر بن الخطاب سنة إحدى وعشرين
وكانت وفاته بحمص وقبره مشهور على نحو ميل من حمص، وقيل: توفي
بالمدينة قاله أبو زرعة الدمشقي عن دحيم والصحيح الأول وحزن عليه عمر
زَّوَُّ والمسلمون حزنا شديدا وفضائله كثيرة مشهورة والله أعلم.
قوله: وقال مالك في الموطإ بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله و
وَسَلام
إني أروع في منامي، وفي بعض النسخ: أفزع في منامي، وهو تفسير لأروع قاله
(١)
عياض(١).
صلىالله
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣٠٢).
٤٩١
كتاب الذكر والدعاء
قوله: ورواه أحمد عن محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد [ومحمد
بن يحيى بن حبان]، حبان بالحاء المهملة المفتوحة وبالموحدة المشددة وبالنون
الأنصاري المازني النجاري بالجيم المدني التابعي كان له حلقة في مسجد رسول
الله وَاللّه وكان مفتيا ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة
قاله الكرماني في شرح البخاري(١)، وحبان يحتمل صرفه ومنعه نظرا إلى اشتقاقه
من حبن بكسر [٢٥٦/ ب] الموحدة إذا طرأ له السفر أو من أحب.
قوله: ((إذا أخذت مضجعك)) المضجع بفتح الجيم.
٢٤٨١ - وَرُوِيَ عَن أبي أَمَامَة رََّهُ قَالَ حدث خَالِد بن الْوَلِيدِ رَسُول اللّهِ وَّم
عَن أهاويل يَرَاهَا بِاللَّيْلِ حَالَتْ بَيْنِهِ وَبَيْن صَلَاة اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُول الله ◌َِّ يَا خَالِد
بن الْوَلِيد أَلا أعلمك كَلِمَات تقولهن وَلَا تقولهن ثَلَاث مَرَّات حَتَّى يذهب الله
عَنْك ذَلِك قَالَ بلَى يَا رَسُول الله بِأبِي أَنْت وَأْمِي فَإِنَّمَا شَكَوْت هَذَا إِلَيْك رَجَاء
هَذَا مِنْك قَالَ قل أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من غَضَبه وعقابه وَشر عباده وَمن
همزات الشَّيَاطِين وَأَن يَحْضِرُون قَالَت عَائِشَة ◌َوَّهَا فَلم ألبث إِلَّا لِيَالِ حَتَّى جَاءَ
خَالِدِ بنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ يَا رَسُول الله بِأبِي أَنْت وَأْمِي وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أتممت
الْكَلِمَاتِ الَّتِي علمتني ثَلَاث مَرَّات حَتَّى أذهب الله عني مَا كنت أجد مَا أَبَالِي لَو
دخلت على أَسد فِي خيسته بلَيْل رَوَاهُ الطَّيَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢).
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٩٠).
(٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٩٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٧/١٠)، وفيه
الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو متروك.
٤٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
خيسة الأسد بِكَسْرِ الْخَاء الْمُعْجَمَةِ هُوَ مَوْضِعه الَّذِي يأوي إِلَيْهِ.
قوله: وروي عن أبي أمامة رَّالَّهُ، تقدم الكلام عليه.
قوله: بأبي أنت وأمي، تقدم الكلام على ذلك.
قوله: ومن همزات الشياطين، تقدم الكلام على ذلك أيضاً.
قوله: ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته، قد فسر الحافظ: الخيسة
وضبطها.
قوله: [قوله عن أبي التياح إلى إذا الورقة بوجهيها معا مع أول الورقة التي
تليها، وذلك في خمسة أسطر ونصف كله مؤخر عن قوله هناك ما نصه: قوله:
ما أبالي لو دخلت على أسد في خيسته إلى آخر الباب وهذا محل هذه القولة
وما بعدها إلى آخر الباب المذكورة ثم يقرأ قوله: وعن أبي التياح في حسبما
نبه على ذلك المصنف رحمه الله].
٢٤٨٢ - وَعَن أبي التياحِ قَالَ قلت لعبد الرَّحْمَن بن خنبش التَّمِيمِي
الله.هـ
أضِوعِنْه
وَكَانَ كَبِيرا أدْرَكْت رَسُول الله وَّرِ قَالَ نعم قلت كَيفَ صنعِ رَسُول الله وَُّ
لَيْلَة كادته الْجِنّ قَالَ إِن الشَّيَاطِين تحدرت تِلْكَ اللَّيْلَة علی رَسُول الله ◌َالآ من
الأودية والشعاب وَفِيهِمْ شَيْطَانِ بِيَدِهِ شعلة من نَار يُرِيد أَن يحرق بهَا وَجه
رَسُول الله وَّرِ فهبط إِلَيْهِ جِبْرِيل ◌َهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّد قل قَالَ مَا أَقُول قَالَ قل
أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة من شَرّ مَا خلق وذرا وبرأ وَمن شَرّ مَا ينزل من السَّمَاء
وَمَن شَرّ مَا يعرِج فِيهَا وَمن شَرّ فتن اللَّيْلِ وَالنَّهَار وَمن شَرّ كل طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا
يَطْرق بِخَير يَا رَحْمَن قَالَ فطفئت نارهم وَهَزَمَهُمْ الله تبارك وَتَعَالَى رَوَاهُ أَحْمد
٤٩٣
كتاب الذكر والدعاء
وَأَبُو يعلى وَلَكُل مِنْهُمَا إِسْنَاد جيد مُحْتَج ◌ِبِهِ (١).
وَقَدْ رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأْ عَن يحيى بن سعيد مُرْسلا(٢).
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ (٣).
خنبش هُوَ بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا نون سَاكِنة وباء مُوَحِدَة مَفْتُوحَة
وشین مُعْجمة.
قوله: وعن أبي التياح، أبو التياح بفتح التاء المثناة فوق وبعدها مثناة تحت
مشددة وآخرها حاء مهملة واسمه يزيد بن حميد الضبعي البصري العبدي
الصالح، قال شعبة كنا نكنيه بأبي حماد قال: وبلغني أنه كان يكنى بأبي التياح
وهو علام.
قوله: قلت لعبد الرحمن بن خنبش التميمي زَّ وكان كبيراً، خنبش
بفتح الخاء المعجمة بعدها نون ساكنة وباء موحدة مفتوحة وشين معجمة
قاله المنذري.
(١) أحمد (١٥٤٦٠)، وأبو يعلى (٦٨٤٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣٨)،
والبيهقي في الدعوات الكبير (٥٣١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤٦٣٧)، وابن الأثير
في أسد الغابة (٣٣٩/٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٢٧/١٠)، رواه أحمد
والطبراني بنحوه، ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني رجال
الصحيح، وكذلك رجال الطبراني، وقال البخاري فيما نقله عنه الحافظ في الإصابة
(٢٧٥/٦)، في إسناده نظر، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٤٠).
(٢) مالك في الموطأ (٢٧٣٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٩٣).
(٣) النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٩٢).
٤٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((ومن شر كل طارق إلا طارقا یطرق بخير يا رحمن)) كل آت بالليل
طارق، قيل: أصل الطروق من الطرق [وهو الدق] وسمى الآتي بالليل طارقا
لحاجته إلى دق البيا قاله في النهاية(١).
قوله: ((من شر ما خلق وذرأ وبرا)) كله بمعنى واحد وأصل الهمز من الذرء
وهو الخلق لأن الله ذرأهم أي خلقهم قاله ابن دريد ذرأ الله الخلق ذرأ وهذا مما
تركت العرب الهمز فيه وقال الزبيدي أصله من النشر من ذرأ وقال غيره أصله
من الذب فعليه منه لأن الله تعالى خلقهم أو لا أمثال الذر وهو النمل الصغير
فعلى هذين الوجهين لا أصل له في الهمز أ.هـ قاله عياض، وقال في النهاية(٢):
ذرأ الله الخلق يذرأهم إذ خلقهم وكطان الذرء مختص بخلق الذرية أ.هـ.
قوله: وقد رواه مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله
وَلخلقه: رأيت ليلة أسري بي عفريتا من الجن يطلبني بشعلة من نار كلما التفت
رأيته فقال جبريل فَالشّاله: ألا أعلمك كلمات تقولهن فتنطفئ شعلته [ويخر]
[لفيه] فقال رسول الله وَيه: بلى فقال جبريل قل أعوذ بوجه الله الكريم
وبكلمات الله التامات التي لا يجاورهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء
ومن شر ما يعرف فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن
فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان(٣).
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٢١/٣).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٥٩/٢).
(٣) الموطأ (٢٧٣٨)، وحياة الحيوان (٢/ ١٧٢).
٤٩٥
كتاب الذكر والدعاء
٢٤٨٣ - وَعَن خَالِد بن الْوَلِيدِ زَّوَ أَنْه أَصَابَهُ أرق فَقَالَ رَسُول الله ◌َلِ أَلَا
أعلمك كَلِمَات إِذا قلتهن نمت قل اللَّهُمَّ رب السَّمَوَات السَّبع وَمَا أظلت
وَربِ الأَرْضين وَمَا أقلت وَربِ الشَّيَاطِين وَمَا أضلت كن لي جارا من شَرّ
خلقك أَجْمَعِينَ أَن يفرط عَليّ أحد مِنْهُم أَو أَن يطغى عز جَارك وتبارك
اسْمك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط وَاللَّفْظ لَهُ وَإِسْنَاده جيد إِلَّا أَن عبد
الرَّحْمَن بن سابط لم يسمع من خَالِد وَقَالَ فِي الْكَبِير عز جَارك وَجل ثناؤك
وَلَا إِلَهَ غَيْرِك (١).
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيثِ بُرَيْدَة بِإِسْنَادِ فِيهِ ضعف وَقَالَ فِي آخِرِه عز
جَارك وَجل ثناؤك وَلَا إِلَهَ غَيْرِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت (٢).
قوله: وعن خالد بن الوليد زَقْنَ، تقدم الكلام عليه.
قوله: أنه أصابه أرق، قال أهل اللغة: الأرق السهر.
قوله مقلية: ((قل اللهم رب السموات السبع وما أظلت ورب الأرضين))
الحديث، الأرضين بفتح الراء وسكون الراء لغة ضعيفة.
(١) الطبراني في المعجم الكبير (٣٨٣٩)، وفي الصغير (٩٦٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٢٦/١٠)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، إلا أن عبد الرحمن بن
سابط لم يسمع من خالد بن الوليد، ورواه في الكبير بسند ضعيف بنحوه، وضعفه الألباني
في ضعيف سنن الترمذي (٧٠٣).
(٢) الترمذي (٣٥٢٣)، والطبراني في الأوسط (١٤٦)، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده
بالقوي، والحكم بن ظهير قد ترك حديثه بعض أهل الحديث، وقال الحافظ بن حجر في
التقريب: متروك رمي بالرفض، واتهمه ابن معين.
٤٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وما أقلت)) أي حملت.
قوله: إلا أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد.
فائدة: قال النووي(١): روينا في كتاب ابن السني عن زيد بن ثابت رَ لَم
قال: سكوت على رسول الله ◌َله أرقا أصابني فقال: قل: ((اللهم غارت
النجوم وهدأت العيون وأنت حي قيوم لا تأخذك سنة ولا نوم يا حي يا قيوم
اهد ليلي وأنم عيني فقلتها فأذهب الله عني ما كنت أجد)».
فائدة أخرى: في أواخر دلائل النبوة للبيهقي (٢) عن أبي دجانة واسمه
سماك بن خرشة قال: شكوت إلى النبي وَّ أني نمت في فراشي فسمعت
صريرا كصرير الرحى ودويا كدوي النحل و لمعا كلمع البرق فرفعت رأسي
فإذا أنا بظل أسود يعلو ويطول في صحن داري عحسست جلده فإذا هو
كجلد القنفد فرمي في وجهي مثل شرر النار فقال وَّيقول: ((عامر دارك يا أبا
دجانة)) [٢٥٧ / أ] ثم طلب وَلل دواة وقرطاسا، وأمر عليا رَّهُ أن يكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين إلى من
طرق الدار من العمارلا والزوار إلا طارقا يطرق بخير. أما بعد، فإن لنا ولكم
في الجوسعة فإن تك غاسقا مولعا أو فاجرا مقتحما، فهذا كتاب الله ينطق
علينا وعليم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، ورسلنا يكتبون ما
تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام، وإلى من
(١) الأذكار (ص ٩٧) وأخرجه ابن السنى عن زيد بن ثابت (٧٥٤).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي محققا (٧/ ١٢٠).
٤٩٧
كتاب الذكر والدعاء
يزعم أن مع الله إلها أخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم
وإليه ترجعون، حم ثم لا تنصرون، حم عسق، تفرق أعداء الله وبلغت حجة
الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، قال أبو
دجانة: فأخذت الكتاب وأدرجته وحملته إلى داري وجعلته تحت رأسي
فبت ليلتي فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة، أحرقتنا هذه
الكلمات فبحق صاحبك، إلا ما رفعت عنا هذا الكتاب فلا عود لنا في دارك
ولا في جوارك ولا في موضع يكون فيه هذا الكتاب، قال أبو دجانة: ولقد
طالت علي ليلتي بما سمعت من أنين الجن وصراخهم وبكائهم حتى
أصبحت فغدوت فصليت الصبح مع رسول الله وَّ وأخبرته بما سمعت من
الجن ليلتي وما قلت لهم فقال: يا أبا دجانة ارفع عن القوم فوالذي بعثني
بالحق بينا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة، ورواه الوابلي أيضًا في
الإبانة والقرطبي في التذكار(١) ..
فائدة أخرى: في كتاب العرائس لأبي الفرج بن الجوزي(٢) أن بعض طلبة
العلم خرج من بلاده فرافق شخصاً في الطريق لما كان قريبا من المدينة التي
قصدها قاله له صار لي عليك حق وذمام وأنا رجل من الجان ولي إليك
حاجة قال: ما هي؟ قال: إذا أتيت إلى مكان كذا وكذا فإنك تجد فيه دجاجا
بينهم ديك، فاسأل عن صاحبه واشتره واذبحه فهذه حاجتي فقلت: يا أخي
(١) التذكار (ص ٢٢٤ -٢٢٥).
(٢) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٧-٥٥٨).
٤٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأنا أيضا أسألك حاجة قال: ما هي؟ قال: إذا كان الشيطان ماردا لا تعمل فيه
العزائم وألح بالآدمي منا، ما دواءه؟ فقال: يؤخذ له وترمي جلد يحمور فيشد
إبهامي المصاب من يديه شداً وثيقا ثم يؤخذ له من دهن السداب البري
فيقطر في أنفه الأيمن أربعا وفي الأيسر ثلاثا فإن السالك له يموت ولا يعود
إليه أحد بعده قال: فلما دخلت المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت
الديك لعجوز فسألتها بيعه فابت فاشتريته بأضعاف ثمنه فلما اشتريته تمثل
لي من بعيد، وقال: بالإشارة اذبحه فذبحته فخرج عند ذلك رجال ونساء
فضربوني ويقولون يا ساحر فقلت لست بساحر قالوا: إنك منذ ذبحت الديك
أصيبت شابة عندنا بجني وإنه منذ سلكها لم يفارقها فطلبت منهم وترامي
جلد يحمور ودهن السداب البري فلما فعلت به ذلك صاح وقال: إنما
علمتك على نفسي ثم قطرت في أنفه الدهن فخر ميتا من ساعته وشفا الله
تلك المرأة ولم یعاودها بعده شيطان.
فائدة: اليحمور المذكور في حديث الجني دابة وحشية نافرة لها قرنان
طويلان كأنهما منشاران تنشر بهما الشجر، إذا عطش يرد الفرات تجد الشجر
ملتفة فتنشر بهما، قال الجوهري: اليحمور حمار الوحش وحكمه الحل
كيف كان، الخواص دهنه ينفع من الاسترخاء الحاصل في أحد شفتي
الإنسان إذا استعمله مع دهن البلسان(١) والله أعلم.
(١) حياة الحيوان (٢/ ٥٥٧).
٤٩٩
كتاب الذكر والدعاء
فائدة: روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس أن النبي وَّ كان يعوذ الحسن والحسين رَ التّهنا: ((أعيذكما
بكلمات الله التامى من كل شيطان [٢٥٧/ ب] وهامة ومن كل عين لامة)) ثم
يقول: ((كان أبوكم إبراهيم ،عَ يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق)) أو قال
((إسماعيل وإسحاق عليهما السلام))(١)، وكان الإمام أحمد بن حنبل يستدل
بقوله ((بكلمات الله التامات)) على أن القرآن غير مخلوق ويقول: إن رسول الله
وَالخله لا يستعيذ بمخلوق وما من كلام مخلوق إلا فيه نقص فالموصوف منه
بالتام غير مخلوق وهو كلام الله تعالى (٢)، قال الخطابي(٣): والهامة بتشديد
الميم احد الهوام ذات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.
قوله: ((من كل عين لامة)) بتشديد الميم معناه: ذات لمم وهي التي تصيب
ما نظرت إليه بسوء.
[فائدة تذكر للحفظ: قال أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أبي الهيثم
المصعبى من أصحاب الشافعي إماما صالحا، عالما من أهل اليمن من أقران
صاحب البيان من تصنيفه احتراز المهذب والتعريف في الفقه، روى أن ناسا
ضربوه بالسيوف فلم تقطع سيوفهم فيه، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ
(١) مسند أحمد (٢٤٣٤) والترمذي (٢٠٦٠) وعبد الرزاق (٧٩٨٨)، وصححه الالباني كما
تخريج الكلم الطيب (ص: ١٣٠).
(٢) حياة الحيوان (٥١١/٢-٥١٢).
(٣) معالم السنن (٢٣٩/٢).
٥٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِّ الْعَظِيمُ﴾(١) ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ
ج
الرَّحِمِينَ﴾ (٢) ﴿لَهُو مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ، مِنْ أَمْرِ
اُللَّهُ﴾ (٣) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ، لَحَفِظُونَ ﴾﴾(٤) ﴿وَحَفِظْنَهَا مِن
ج
كُلِّ شَيْطَنِ رَّجِيمٍ ﴾﴾(٥) ﴿وَحِفْظَا مِّن كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِدٍ ﴾﴾(٦) ﴿وَحِفْظَا
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(٧) ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾﴾(٨)
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ﴾ وَهُوَ الْغَفُورُ اُلْوَدُودُ
﴾﴾ (٩) إلى آخر السورة، ثم قال: كنت بسرية يوما مع جماعة فرأينا ذئبا
يلاعب شاة عجفاء ولا يضرها بشيء فلما دنونا فر منا الذئب وجدنا في عنق
الشاة كتابا مربوطا فيه هذه الآيات، مات الضبعي سنة ثلاث وخمسين والله
اعلم (١٠).
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٢) سورة يوسف، الآية: ٦٤.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١١.
(٤) سورة الحجر، الآية: ٩.
(٥) سورة الحجر، الآية: ١٧.
(٦) سورة الصافات، الآية: ٧.
(٧) سورة فصلت، الآية: ١٢.
(٨) سورة الطارق، الآية: ٤.
(٩) سورة البروج، الآيات: ١٢ - ١٤.
(١٠) حياة الحيوان (٢/ ٦١).