Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب الجهاد
خاتمة: قد ورد في الحديث ((لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا))،
فإن قيل: فما الفرق بين تمني لقاء العدو حيث نهي عنه وبين تمني الشهادة
حيث طلبه ورغب فيه فقال وَّةِ ((من سأل الله الشهادة صادقا من قلبه أعطيها
وإن مات على فراشه))؟ قلنا: الفرق بينهما أن الجهاد ابتلاء وامتحان لا يعرف
ما تسفر عاقبته وقد لا تحصل فيه غنيمة ولا شهادة بل حصل ضد ذلك ففيه
خطر عظيم بخلاف الشهادة من حيث الشهادة فإنها درجة عظيمة يتمناها
العلماء، وقد قال عليه [١٧٠ / أ] السلام وددت أن أقتل في سبيل الله الحديث،
وربما تحصل الشهادة وهو على فراشه بغير قتال بالنية أو بمرض من
الأمراض انتھی.

٥٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في إخلاص النية في الجهاد
وما جاء فيمن يريد الأجر والغنيمة
والذكر وفضل الغزاة إذا لم يغنموا
وَلٌ فَقَالَ يَا رَسُول الله
٢٠٦٩ - عَن أبي مُوسَى رَو ◌َلَهُ أَن أَعْرَابِيَا أَتَى النَّبِي
الرجل يُقَاتل للمغنم وَالرجل يُقَاتل ليذكر وَالرجل يُقَاتل ليرى مَكَانَهُ فَمن فِي
سَبِيل الله فَقَالَ رَسُول اللهِّ مِن قَاتل لتكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل
الله رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه(١).
قوله: عن أبي موسى ◌َظَّالّه تقدم الكلام عليه.
قوله: أن أعرابيا أتى النبي وَّ)) الأعرابي بفتح الهمزة هو الذي يسكن
البادية.
قوله: ((فقال يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر)) أي
ليذكره الناس بالشجاعة.
قوله: ((والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله فقال رسول الله وَ ل من
قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) وفي حديث آخر (سئل
رسول الله وَّلة عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في
سبيل الله فقال رسول الله ويله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل
(١) البخاري (٢٨١٠)، ومسلم (١٩٠٤)، وأبو داود (٢٥١٧).

٥٠٣
کتاب الجهاد
الله)) (١) قال أهل اللغة الشجاعة شدة في القلب عند البأس (٢)، والحمية الأنفة
والغيرة والمحاماة عن عشيرته وأقاربه(٣) ولولا ذلك لم يقاتل، والرياء يمد
ويقصر والأشهر المد وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة وهو ضد الإخلاص
فإن أراد نفع الدنيا والآخرة فهو مراء أيضاً(٤)، وأما القتال للشجاعة فتارة
يكون لإظهارها ليقال هو شجاع وهذا هو الفرق بينه وبين من يقاتل لإعلاء
كلمة الله وبذل نفسه في رضاه رغبة فيما عند الله تعالى ظاهرا وهو في الباطن
بخلاف ذلك، فالأول قصد المدح على الشجاعة في الدنيا فقط فهذا قصد
الدنيا أو غيرها من الأغراض الفاسدة، وتارة يقاتل للشجاعة طبعا ولم يقصد
شيئا فهو أقل من الأول ذنبا لعدم قصده ولا يقال إنه قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا إذ لم يقصد ذلك، نعم إن أخلص أولا ثم قاتل طبعا وشجاعة ولم
يقصد ما ينافي الأول فهو على نيته لأن الإنسان عندما يدهمه القتال قد يذهل
عن ذلك كما [قد ] يذهل عن التوحيد عند الموت [فيحكم] بإيمانه المتقدم
ما لم يطرأ [على استحضاره ما ينافيه والثالث] يقاتل للشجاعة [قاصدا إعلاء
كلمة الله-تعالى - حال] القتال فهذا هو المراد بالحديث وهو الغاية(٥).
(١) أخرجه البخاري (٧٤٥٨) ومسلم (١٥٠-١٩٠٤) عن أبي موسى.
(٢) الصحاح للجوهري (١٢٣٥/٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٤٩/١٣).
(٤) رياض الأفهام (٦٠٩/٥).
(٥) رياض الأفهام (٦٠٩/٥-٦١٠).

٥٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واعلم أن من قاتل لثواب الله فهو في سبيل الله ويشهد له فعل الصحابة،
وقد سمع [رسول الله ◌َيٍّو] يقول: ((قوموا إلى جنة عرضها السموات
والأرض [فألقى التمرات التى فى يده وقاتل حتى قتل وظاهر هذا أنه قاتل
لثواب الجنة])) ذكره [ابن النحاس (١)] عفا الله عنه، وقال أبو العباس
القرطبي: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) يعني بكلمة
الله دين الإسلام وأصله أن الإسلام ظهر بكلام الله تعالى الذي أظهره على
لسان نبيه وية، ويفهم من هذا الحديث اشتراط الإخلاص في الجهاد
وكذلك هو شرط في جميع العبادات لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ
اُللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِّينَ﴾(٢)(٣) قال المهلب: إذا كان في أصل النية إعلاء
كلمة الله ثم دخل عليها من حب الظهور والمغنم ما دخل فلا يضرها ذلك،
ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فخليق أي حقيق أن يحب الظهور
بإعلاء كلمة الله وأن يحب الغنى بإعلاء كلمة الله فهذا لا يضره إذا كان عقدًا
(٤)
صحيحًا (٤). اهـ
ففي هذا الحديث بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة وأن
الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل الله مختص بمن قاتل لتكون كلمة
(١) مشارع الأشواق (ص ٦١٤ - ٦١٥) وانظر إحكام الأحكام (٣١٩/٢).
(٢) سورة البينة، الآية: ٥.
(٣) المفهم (١٢ / ٥٠).
(٤) شرح الصحيح (٢٦/٥) لابن بطال.

٥٠٥
كتاب الجهاد
الله هي العليا(١) والله أعلم، ففيه دليل على أن الإخلاص واجب في الجهاد
كما يجب في غيره، وأنه تدخله النية، وقد قسم العلماء [الشهداء ثلاثة أقسام
شهيد في الدنيا والآخرة وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وشهيد] في الدنيا
دون الآخرة [١٧٠/ ب] وهو الذي يقاتل رياء أو سمعة أو [طمعا فى المغنم]
ولا يمنع الإخلاص في الجهاد دخول الشهرة بالشجاعة ووقوع المحمدة من
الناس فإنا لو فتحنا هذا الباب أدى ذلك إلى ترك العمل جملة بل متى صح
القصد لم يضر المدح، وكذلك لا يمنع الإخلاص القتال لطلب الجنة
والغنيمة مع قصد إعلاء الكلمة لأنه طلب لما وعد الله على الجهاد ولذلك
لا يقدح قصد طلب الثواب وسائر الأعمال، قال عبد الله بن المبارك: العبادة
على ثلاثة أقسام عبادة الأحرار وهم الذين عبدوا الله لأداء حق الربوبية لا
لطلب ثواب ولا لخوف عقاب فهذه أعلاها، وعبادة التجار وهم الذين
عبدوا الله تعالى لطلب الثواب وعبادة العبيد وهم الذين عبدوا الله خوفا من
النار(٢) ا. هـ
وإنما كانت عبادة الأحرار أفضل لأنهم شاهدوا من أنفسهم التقصير ورأوا
نعم الله تعالى أوجبت عليهم الشكر ورأوا أعمالهم تقع قاصرة عن أداء
الشكر الواجب عليهم قال الله تعالى: ﴿أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾(٣)
(١) شرح النووي على مسلم (٤٩/١٣).
(٢) هذا كلام على بن الحسين كما في حلية الأولياء (١٣٤/٣)، وصفة الصفوة (٣٥٤/١).
(٣) سورة سبأ، الآية: ١٣.

٥٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والعامل إذا رأى عمله قاصرًا عن وفاء الحق الذي عليه لم يحسن منه طلب
ثوابا علیه کما أن دافع الدین لا یطلب عوض ما دفع ممن له الحق اهـ.
٢٠٧٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله رجل يُرِيد
الْجِهَادِ وَهُوَ يُرِيد عرضا من الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُول الله ◌َِّ لَا أجر لَهُ فأعظم ذَلِك
النَّاس وَقَالُوا للرجل عد لَرَسُول الله ◌ََّ فلعلك لم تفهمه فَقَالَ الرجل يَا
رَسُول الله رجل يُرِيد الْجِهَادِ فِي سَبِيل الله وَهُوَ يَبْتَغِي عرض الدُّنْيَا قَالَ لَا أجر
لَهُ فأعظم ذَلِك النَّاس وَقَالُوا عد لَرَسُول الله وَّةِ فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَة رجل يُرِيد
الْجِهَادِ وَهُوَ يَبْتَغِي عرضا من الذُّنْيَا فَقَالَ لَا أجر لَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن حبان فِي
صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ بِاخْتِصَار وَصَححهُ (١). الْعرض بِفَتْحِ الْعين الْمُهْمِلَة وَالرَّاء
جَمِيعًا هُوَ مَا يقتنى من مَال وَغَیره.
قوله: وعن أبي هريرة نَقْطَهُ تقدم الكلام عليه.
قوله: (أن رجلًا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد وهو یرید عرضًا من
الدنيا فقال رسول الله وَ لا أجر له)) العرض ما يقتنى من مال وغيره قاله
الحافظ المنذري اهـ، والعرض أيضا بالتحريك المال قل أو كثر وبالسكون
المتاع، وكل شيء فهو عرض سوى الدراهم والدنانير.
قوله: ((يبتغي عرضا)) أي يطلب.
(١) أبو داود (٢٥١٦)، وابن حبان (٤٦٣٧)، وأحمد (٧٩٠٠)، والحاكم (٨٥/٢)، وابن
المبارك في الجهاد (٢٢٧). وقال الألباني صحيح، أخرجه أبو داود (٢٥١٦)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود.

٥٠٧
كتاب الجهاد
قوله ((لا أجر له)) أي لا ثواب له.
اعلم أن المجاهدين في نية الجهاد على أقسام، منهم من يجاهد ونيته
تحصيل عرض الدنيا من غير التفات إلى قصد نوع من العبادة بحيث لو عرض
عليهم غزو طائفة من الكفار ليس لهم ما يغنم أو علم أنه يمنع من الغنيمة لم
يغز فهذا إذا قتل ليس بشهيد وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهيد وليس له
أجر البتة لقوله ◌َّ في حديث أبي هريرة المتقدم لما سئل عمن يريد الجهاد
وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال: ((لا أجر له)) ثم هل يعاقب على ذلك
في الآخرة؟ اختلف السلف في ذلك على قولين منهم من قال يعاقب لأنه عمل
عمل الآخرة للدنيا، القول الثاني أنه لا يثاب ولا يعاقب وهو الظاهر ويدل
عليه قوله وَّ ((لا أجر له)) ولم يذكر فيه عقابا، وكذلك قوله وَ﴾ ((من غزا ولم
ينوي إلا عقالا فله ما نوى)) وأشباه ذلك(١). اهـ
ومنهم من يخرج إلى الجهاد مكثرا سواد المسلمين ليس له من نية أن
يقتل ولا يقتل وهذا إن قتل فهو شهيد لأن من كثر سواد قوم فهو منهم(٢)
ومنه الحديث ((الشهداء ثلاثة)) وذكر منهم من يكثر سواد المسلمين، ومنهم
من يجاهد ونيته وجه الله ونيل الغنيمة جميعا فهذه النية مما اختلف فيها وفي
أشباهها أئمة السلف فذهب بعضهم إلى أن هذه النية فاسدة وأن صاحبها
يعاقب عليها لإدخاله قصد الدنيا في عمل الآخرة وذهب آخرون إلى أن هذه
(١) مشارع الأشواق (ص ٦٣١).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٦٢٢).

٥٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
النية صحيحة وهذا هو المذهب الصحيح وإليه ذهب حجة الإسلام أبو
حامد الغزالي وذكر كلاما مطولا ملخصه أن هذا تصريح منه بأن هذه النية
صحيحة ومن قتل بها فهو شهيد وكذلك صرح الإمام أبو عبد الله القرطبي
بصحتها فإنه قال في التفسير: ودل خروج النبي وَّ ليلقى العير يعني عير أبي
سفيان لما قدم من الشام على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو
يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل [١٧١ / أ] الله دون من يقاتل للغنيمة،
یراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ(١) أ.هـ
وهذا الدليل الذي استدل به القرطبي دليل جيد فإن أبا سفيان بن حرب
لما قدم من الشام في عير قريش وفيها أموالهم وتجارتهم وكان فيها ثلاثون
رجلا قال ابن عقبة كانوا سبعين رجلا وكانت عيرهم ألف بعير فلما سمع
النبي وَخلال بها فندب المسلمين إليها الحديث في غزوة بدر الكبرى(٢)، ومنهم
من إذا دهمه القتال يقاتل مقبلا غير مدبر ليس له نية البتة غير الدفع عن نفسه
وهذا قريب من أصحاب النية الثالثة وليس مثلهم وهو شهيد لأن من دفع عن
نفسه قطاع الطريق فقتلوه كان من الشهداء فكيف لا يكون شهيدا من قتل
بسيوف الأعداء بل هو شهيد في الفضل والحكم والمقاتل مع هؤلاء مع
(١) مشارع الأشواق (ص ٦٢٣ -٦٢٤) وكلام الغزالى في الاحياء (٣٨٥/٤)، وكلام القرطبى
في التفسير (٧ /٣٧٦).
(٢) مشارع الأشواق (ص ٦٢٤-٦٢٥).

٥٠٩
كتاب الجهاد
علمه أنه يسلم إذا استسلم أفضل من المقاتل الذي يعلم أنه إذا استسلم قتلوه
وأما من فر حيث يحرم الفرار فقتل مدبرا فإنه ليس بشهيد وإن جرت عليه
أحكام الشهداء في هذه الدار(١).
قوله في الحديث ((أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي فقال
رسول الله وَله نعم إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر)) فدل هذا
الحديث على أن من قتل مدبرا حيث لا يجوز له الفرار أنه ليس بشهيد بل قد
باء بغضب من الله وسخطه لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبْرَهُوَ إِلَّا
مُتَحَرِّفَا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾(٢) الآية، فأين
هذا من الفوز برتبة الشهادة ولهذا كان النبي ◌َّ يقول في دعائه ((وأعوذ بك
أن أقتل في سبيلك مدبرًا)) رواه النسائي وغيره(٣) والله أعلم قاله ابن النحاس
(٤)
عفا الله عنه (٤).
٢٠٧١ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رََّا أَنْه قَالَ يَا رَسُول الله أَخْبرِنِي
عَنِ الْجِهَاد والغزو فَقَالَ يَا عبد الله بن عَمْرو إِن قَاتَلت صَابِرًا محتسبا بعثك الله
(١) مشارع الأشواق (ص ٦٢١).
(٢) سورة الأنفال، الآية: ١٦.
(٣) أخرجه أحمد ٤٢٧/٣ (١٥٥٢٣) و(١٥٥٢٤)، وأبو داود (١٥٥٢)، والنسائي في
المجتبى ٣٨٧/٨ (٥٥٧٥) و٣٨٨/٨ (٥٥٧٦) و(٥٥٧٧) والكبرى (٧٩١٧ و٧٩١٨
و٧٩١٩)، والحاكم (٥٣١/١) عن أبي اليسر. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه
الألباني في صحيح أبي داود (١٣٨٨).
(٤) مشارع الأشواق (ص ٦٢٢).

٥١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صَابِرًا محتسبا وَإِن قَاتَلت مرائیا مکاثرا بعثك الله مرائیا مکاثرا یا عبد الله بن عَمْرو
على أَي حَال قَاتَلت أَو قتلت بعثك الله على تِلْكَ الْحَالِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ(١).
قوله: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ◌َفَّما تقدم الكلام عليه.
قوله وَله: لعمر بن العاص: إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا
محتسبًا وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا)) تقدم الكلام على
هذا الحديث في أوائل هذا التعليق.
٢٠٧٢ - وَعَن عمر بن الخطاب ◌ََّ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِوَّهِ يَقُول
إِنَّمَا الأَعْمَالِ بِالنَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ بِالنَّّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى فَمن كَانَت
هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله وَمن كَانَت هجرته إِلَی دنيا
يُصِيبِهَا أَو امْرَأَة بنْكِحِهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجِر إِلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو
دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(٢).
قوله: وعن عمر بن الخطاب رقّه تقدم الكلام عليه مبسوطا في أوائل هذا
الكتاب.
قوله وَالله: ((إنما الأعمال بالنية وفي رواية بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى))،
والنيات: جمع نية بالتشديد والتخفيف فإن شددت كانت من نوى ينوي إذا قصد
(١) أبو داود (٢٥١٩)، والحاكم (٨٥/٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه،
ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٥٤١).
(٢) البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي (١٦٤٧)، وابن ماجه
(٤٢٢٧)، وأحمد (١٦٨)، ومالك في الموطأ (٩٨٣).

٥١١
كتاب الجهاد
وأصلها نويه قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء بعدها فقيل نية وإن خففت كانت
من ونى يني إذ أبطأ وتأخر لأن النية تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء
وتأخر ولهذا ترى بعض الناس يبطئ في نية الصلاة حتى تفوته الركعة الأولى مع
الإمام، ومنها: نوى ينوي إذا قصد يقال: نواك الله بخير إذا قصدك به ونویت فلانا
وانتويته بمعنى، ا.هـ، قاله الطوفي (١)، ومعنى الحديث: لا تحسب الأعمال
الشرعية إلا بالنية (٢)، قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهما:
لفظة إنما موضوعة للحصر تثبت المذكور وتنفي ما سواه، فتقدير هذا الحديث:
أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية ولا تحسب إذا كانت بلا نية، وفيه: دليل على
أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا تصح إلا بالنية وكذلك الصلاة
والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات(٣)، ولهذا لو نوى الصلاة
بلسانه دون قلبه لم تصح، ولو قرأ الفاتحة بقلبه دون لسانه لم تصح، فهذا
الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات كما مثلنا، وتدخل النية في
الطلاق والعتاق والقذف، ومعنى دخولها: أنها إذا قارنت كناية صارت كالصريح،
وإذا أتی بصریح طلاق [١٧١/ ب] ونوی طلقتين أو ثلاثا وقع ما نوى، وإن نوى
بالصريح غير مقتضاه دين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يقبل منه في الظاهر (٤).
(١) التعيين (ص٢٨).
(٢) الفتح المبين (ص ٦٤٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٥٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣ / ٥٤).

٥١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ◌َّلّ: ((وإنما لكل امرئ ما نوى))، قالوا: فائدة ذكره بعد ((إنما الأعمال
بالنية)»: بيان أن تعين المنوي شرطٌ، فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا
يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو
غيرهما، ولولا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم
ذلك(١)؛ والنية: هي القصد إلى الشيء، تقول العرب: نواك الله بحفظه أي
قصدك الله بحفظه(٢)، وتقدم الكلام على ذلك مبسوطًا في أوائل هذا التعليق،
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: قوله ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) يقتضي
أن من نوى شيئاً يحصل له، وكل ما لم ينزه لم يحصل له فيدخل تحت ذلك
ما لا ينحصر من [المسائل]، فإن جاء دليل خارج يقتضي أن المنوي لا
يحصل أو أن غير المنوي يحصل وكان راجحا وعمل وخصص هذا العموم
ثم قال: وفرق بين قولنا من نوى شيئا لم يحصل له غيره، وبين قولنا: من لم
ينو شيئا لم يحصل له، والحديث: يحتمل الأمرين وآخره: يشير إلى المعنى
الأول(٣)، ا.هـ.
وقد [رأينا] من نوى شيئا فحصل غيره كالجمعة للمسبوق يفوتها قبل
سلام الإمام ويصليها ظهرًا وغير ذلك ولكن يدخل في ذلك قوله: إلا بدليل
قاله الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
(١) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٤٦/١) وشرح الأربعين (ص١١).
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٦١ و٦٣).

٥١٣
كتاب الجهاد
قوله ميّله: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله))
وأما الهجرة فأصلها الترك، والمراد هنا: ترك الوطن ومفارقة الأهل وكان
واجبا على من أسلم ان يهاجر إلى النبي ◌َّ مفارقا دار قومه، فلما فتحت
مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً انقطعت هذه الهجرة وبقيت هذه
الهجرة من دار الكفر على حالها، أما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام
فباقية إلى يوم القيامة، ولهذا قال عليّله): ((أنا برئ من كل مسلم يقيم بين
ظهراني المشركين)) (١) فمن لم يتمكن من إظهار دينه فعليه أن يهاجر من دار
الكفر إلى دار الإسلام، وعن معاوية رَقَ الَّةُ قال: قال رسول الله وَله: ((لا
تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من
مغربها))(٢)، وسمي الذين تركوا موطن مكة وتحولوا إلى المدينة من
الصحابة بالمهاجرين لذلك، واسم الهجرة يقع على أمور الهجرة الأولى إلى
الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة رتّهم، الهجرة الثانية: من مكة إلى
المدينة؛ الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله وقدخيار لتعلم الشرائع ثم
يرجعون إلى المواطن ويعلمون قومهم، الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من
أهل مكة ليأتي إلى النبي ◌َّ ثم يرجع إلى مكة، الهجرة الخامسة: هجرة ما
نهي الله عنه، وهي أعظمها وأعمها، قال فَ لَّم): ((المهاجر ما نهى الله عنه))
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والطبراني في الكبير (٣٠٢/٢ رقم
٢٢٦٤) واللفظ له. وصححه الألباني في الإرواء (١٢٠٧)، صحيح أبي داود (٢٣٧٧).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤٧٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٢٤١).

٥١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب يقتضي أن المراد
بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة والله أعلم، والتقدير: فمن كانت هجرته
إلى الله ورسوله نية وقصدا فهجرته إلى الله ورسوله حكما وشرعًا(١).
وقوله: «ومن کانت هجرته لدنیا یصیبها أو امرأة ینکحها فهجرته إلى ما
هاجر إليه)) هذا الحديث ورد على سبب: وهو أنه لما أمر بالهجرة إلى
المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّتُهُمُ
اٌلْمَلَئِكَةُ ظَالِمِيّ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) الآية، ولم يهاجر جماعة لفقدان استطاعتهم
فعذرهم الله تعالى واستثناهم بقوله: ﴿إِلَّ اٌلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾
(٣)
الآية، وهاجر إليه المخلصون فمدحهم الله تعالى في كتابه في غير موضع من
القرآن وكان من المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية [١٧٢ / أ] المخلصين
منهم من كانت نيته تزوج امرأة كانت بالمدينة يقال لها أم قيس فهاجرت إلى
المدينة فهاجر الرجل لأجلها لا تدينا فعرض النبي ◌َّ الله به في هذا الحديث،
هذا الحديث تنفيرا عن مثل قصده، وكان ذلك الرجل بعد يدعى مهاجر أم
قیس، وأم قیس هذه معدودة(٤).
وقوله: ((لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها)) يحتمل أن مهاجر أم قيس المذكور
(١) شرح الأربعين للنووى (ص ١٣ -١٥) وإحكام الأحكام (١ / ٦٢) والتعيين (ص ٣٩).
(٢) سورة النساء، الآية: ٩٧.
(٣) سورة النساء، الآية: ٩٨.
(٤) إحكام الأحكام (١/ ٦٢) والتعيين (ص ٣٨-٣٩).

٥١٥
كتاب الجهاد
كان يحبها لمالها وجمالها فجمعهما في التعريض به، ويحتمل أنه كان يطلب
نكاحها وغيره من الناس هاجر لتحصيل دنيا من جهة ما فعرض بهما،
ويحتمل غير ذلك، قاله الطوفي في شرح الأربعين النووية(١)، ومعنى
الحديث: من قصد بهجرته وجه الله وقع أجره على الله، ومن قصد دنيا أو
امرأة ينكحها فهي حظه ولا نصيب له في الآخرة (٢) والله أعلم، وتقدم الكلام
على ذلك مبسوطًا.
٢٠٧٣ - وَعَن أبي أُمَامَة رَّالَهُ قَالَ جَاءَ رجلٍ إِلَى رَسُول الله وٍَّ فَقَالَ
أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الأجر وَالذكر مَا لَهُ فَقَالَ رَسُول الله وَ لَا شَيْء لَهُ
فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول رَسُول الله وََّ لَا شَيْءٍ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِن الله لا يقبل من
الْعَمَلِ إِلَّ مَا كَانَ خَالِصا وابتغي ◌ِهِ وَجهه رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ (٣).
قَوْله يلْتَمس الْأجر وَالذكر يَعْنِي يُرِيد أجر الْجِهَادِ وَيُرِيد مَعَ ذَلِك أَن يذكرهُ
النَّاسِ بِأَنَّهُ غاز أَو شجيع وَنَحْوِ ذَلِك
٢٠٧٤ - وَعَن أبي بن كَعْب رَوُِّ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّل بشر هَذِه الأمة
بالتيسير والسناء والرفعة بِالدّينِ والتمكين فِي الْبِلَاد والنصر فَمن عمل مِنْهُم
بِعَمَل الْآخِرَة للدنيا فَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة من نصيب رَوَاهُ أَحْمد وَابْن حبان فِي
(١) التعيين (ص ٤٠)
(٢) شرح النووي على مسلم (١٣/ ٥٥).
(٣) النسائي في الكبرى (٤٣٤٨)، والطبراني في الكبير (٧٦٢٨)، والأصبهاني في الترغيب
(١٠٣)، وقال الألباني صحيح في صحيح سنن النسائي.

٥١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ وَاللَّفْظَ لَهُ وَتقدم فِي الرِّيَاء هُوَ وَغَيرِه(١).
٢٠٧٥ - وَتقدم أَيْضا حَدِيث معاذ بن جبل رَّهُ عَن رَسُول الله وَِّ قَالَ مَا
من عبد يقوم فِي الدُّنْيَا مقَام سمعة ورياء إِلَّا سمع الله بِهِ على رُؤُوس الْخَلَائق
يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن (٢).
قوله: وعن أبي أمامة، تقدم الكلام عليه.
قوله: جاء رجل إلى رسول الله وَيه فقال: أرأيت رجلا غزى يلتمس الأجر
والذكر، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا شيء له)) فذكر
الحديث إلى أن قال: ((إذ الله لا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا و ابتغى
به وجهه)).
قوله: يلتمس الأجر والذكر، يعني: يريد أجر الجهاد ويريد مع ذلك أن يذكره
الناس بأنه غاز أو شجاع ونحو ذلك، هكذا قاله المنذري، اختلف الناس هل
يعاقب على هذه النية أم لا؟ فذهب ذاهبون إلى أنه يعاقب لإرادته بعباده الله غيره،
وذهب آخرون إلى أنه لا يثاب ولا يعاقب بل يكفيه من العقوبة إحباط أجر في بذل
نفسه التي هي أنفس الأشياء لديه وأعزها عليه، والدليل لهذا القول جملة من
الأحاديث منها قوله وَّ: ((قال الله عز وجل أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن
(١) أحمد (٢١٢٢٠)، وابن حبان (٤٠٥)، والحاكم (٣١١/٤)، وقال: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٨٣٥)، وصححه الألباني في
صحيح الجامع (٢٨٢٥).
(٢) الطبراني في الكبير (٢٠/ رقم ٢٣٧)، وفي مسند الشاميين (١٠٣١)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٢٢٣/١٠)، إسناده حسن.

٥١٧
كتاب الجهاد
عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ وهو الذي أشرك))(١) وروى الترمذي عن
أبي سعد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله وَّ يقول: ((إذا جمع الله الأولين
والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمله أحدا
فليطلب ثوابه من عنده فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك))(٢) وهذه أدلة واضحة
لهذا القول إذ لم يذكر النبي ◌َّ فيها عقابا. فإن قلت: ينبغي أن يثاب على شائبة
القربى في قصده بقدرهما مما يثاب المخلص ويعاقب على قصده الرياء بقدر ما
يعاقب المرائي الكامل لأن: ( من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) الآية، قلنا يكفيه من
العقوبة إحباط أجره في بذل نفسه وعدم فوزه بالشهادة مع ما ناله من ألم القتل لأنه
لا يخفف عنه ألمه كما يخفف عن المخلص وحسبه من الثواب على شائبة القربة
في قصده دفع العقوبة عنه إذ لولا تلك الشائبة لكان من الثلاثة الذين تسعر بهم
النار فوجود تلك الشائبة هو الذي منعه من العقوبة التي يستحقها المرائي الكامل
ووجود الرياء هو الذي منعه من الأجر الذي يفوز به المخلص فلا يكون له أجر
لعدم حقيقة الإخلاص ولا يستحق عقوبة لما في عمله من قصد القربة وعدم
تمحض الرياء والله سبحانه أعلم، قاله ابن النحاس(٣) عفا الله عنه.
٢٠٧٦ - وَعَنِ معَاذ بن جبل ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ الْغَزْو غَزْوَان فَأَمَا
من ابْتغى وَجه الله وأطاع الإِمَام وَأَنْفق الْكَرِيمَة وياسر الشَّرِيك واجتنب
(١) أخرجه مسلم (٤٦- ٢٩٨٥) عن أبي هريرة.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٣)، والترمذي (٣١٥٤) وابن حبان (٤٠٤ و٧٣٤٥). وقال
الألباني: حسن صحيح - المشكاة (٥٣١٨)، صحيح الترغيب (٣٣).
(٣) مشارع الأشواق (ص ٦٣٣ - ٦٣٥).

٥١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْفساد فَإِن نَومه وتنبهه أجر كُله وَأما من غزا فخرا ورياء وَسُمْعَة وَعصى
الإِمَام وأفسد فِي الأَرْض فَإِنَّهُ لن يرجع بالكفاف رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيرِه(١).
قَوْله: يَاسر الشَّرِيك مَعْنَاهُ عَامله باليسر والسماحة
قوله: وعن معاذ بن جبل نظمالت تقدم الكلام عليه.
قوله وَّيه: ((الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق
الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد فإن نومه ونبهه أجر كله)) الحديث،
الكريمة هي العزيزة على صاحبها الجامعة للكمال الممكن في حقها من
الحيوان وغيره(٢).
قوله: ((وياسر الشريك)) معناه عامله باليسر والسماحة كذا قاله المنذري
والمياسرة المساهلة [١٧٢/ ب].
قوله: ((ونبهه)) بفتح النون وبعدها باء موحدة مفتوحة وهاء من الانتباه والسهر.
قوله: ((فإنه لن يرجع بالكفاف)) هو الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء
ويكون بقدر الحاجة إليه (٣) ويكون معناه يرجع ولم يحصل له حسنة ولم
يكتسب خطيئة أي يرجع بالإثم لا بالأجر(٤) والله أعلم.
(١) أبو داود (٢٥١٥)، وأحمد (٢٢٠٤٢)، والنسائي في الكبرى (٨٧٣٠)، والحاكم
(٢/ ٨٥)، والطبراني في الكبير (٢٠ / رقم ١٧٦)، وابن أبي عاصم في الجهاد (١٣٣)،
والبيهقي في شعب الإيمان (٤٢٦٥)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٧٤).
(٢) النهاية (٤ / ١٦٧).
(٣) النهاية (٤ / ١٩١).
(٤) المفاتيح (٣٦٣/٤)، وشرح المشكاة (٢٦٥٧/٨).

٥١٩
كتاب الجهاد
٢٠٧٧ - وَعَنِ عَبَادَة بن الصَّامِتِ زَّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ من غزا فِي
سَبِيل الله وَلم ينْو إِلَّا عقَالًا فَلهُ مَا نوى رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن حَبَان فِي
صَحِيحه(١).
قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله إِنِّي أَقف
٢٠٧٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَ لَا
الْموقف أُرِيد وَجه الله وَأُرِيد أَن يرى موطني فَلم يرد عَلَيْهِ رَسُول الله ◌َّهِ حَتَّى
نزلت: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ
رَبِّهِة أَحَدًا ﴾﴾(٢). رَوَاهُ الْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ (٣).
٢٠٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َو ◌َ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌ِّهِ يَقُول إِن أول
النَّاسِ يقْضى عَلَيْهِ يَوْمِ الْقِيَامَة رجل اسْتَشْهد فَأْتِي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا
عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِن قَاتَلت لان يُقَال
هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّارِ الحَدِيث
رَوَاهُ مُسلم وَاللَّفْظِ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه (٤).
٢٠٨٠ - وَعند التِّرْمِذِيّ حَدثنِي رَسُول اللهَوَّهِ قَالَ إِن الله تبارك وَتَعَالَى إِذا
كَانَ يَوْم الْقِيَامَة ينزل إِلَى الْعباد ليقضي بينهم وكل أمة جائية فَأول من يَدْعُو بِهِ
(١) ابن حبان (٤٦٣٨)، وأحمد (٢٢٦٩٢)، والحاكم (١٠٩/٢)، والبيهقي (٣٣١/٦)،
وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٠١).
(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.
(٣) الحاكم (٢/ ١١١)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي
في شعب الإيمان (٦٨٥٤).
(٤) مسلم (١٩٠٥)، والنسائي في الكبرى (٤٣٤٥)، وأحمد (٨٢٧٧)، والبيهقي (١٦٨/٩).

٥٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رجل جمع الْقُرْآن وَرجل قتل فِي سَبِيل الله وَرجل كثير المَال فَذكر الحَدِيث
إِلَى أَنْ قَالَ وَيُؤْتِى بِالَّذِي قتل فِي سَبِيل الله فَيَقُول الله لَهُ فيماذا قتلت فَيَقُول أَي
رب أمرت بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلك فقاتلت حَتَّى قتلت فَيَقُول الله لَهُ كذبت وَتقول
لَهُ الْمَلَائِكَة كذبت وَيَقُول الله تبارك وَتَعَالَى بل أردْت أَن يُقَال فلان جريء فقد
قيل ذَلِك ثمَّ ضرب رَسُول الله ◌ٍَّ على ركبتي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة أُولَئِكَ الثَّلَاثَة
أول خلق الله تسعر بهم النَّارِ يَوْم الْقِيَامَةِ(١). وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الرِّيَاء.
جريء هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكسر الرَّاء وبالمد أَي شُجَاعٍ.
قوله: وعن عبادة بن الصامت نقّ تقدم الكلام عليه.
قوله ◌َّيقول: ((من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالا فله ما نوى)) تقدم الكلام
على معنى ذلك.
قوله ◌َّيّةٍ: ((إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل)) [الحديث] قال
النووى: قوله وَحلّة: [في الغازي والعالم] والجواد وعقابهم [على فعلهم
ذلك آوجه الله تعالى [وإدخالهم النار دليل على] على تغليظ [تحريم الرياء
وشدة] عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال
تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(٢) وفيه أن
العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا
(١) الترمذي (٢٣٨٢)، وابن حبان (٤٠٨)، وابن المبارك في الزهد (٤١٩)، والبغوي في شرح
السنة (٤١٤٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٧١٣).
(٢) سورة البينة، الآية: ٥.