Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
كتاب الحج
واسمه مالك بن ربيعة.
قوله: كنا مع رسول الله وَخل على قبر حمزة بن عبد المطلب، الحديث،
حمزة يقال له أسد الرحمن وأسد رسول الله وَّليه وعمه وأخوه من الرضاعة،
وكنيته أبو عمارة كنى بابن له يقال له عمارة من امرأة من بني النجار، وقيل:
كنيته أبويعلى بابنه يعلى، وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن
العوام وكان حمزة أسن من رسول الله وَل بسنتين، وقيل: بأربع، وآخى رسول
الله وَّه بينه وبين زيد بن حارثة، أسلم حمزة في السنة الثانية من مبعث رسول
الله وَّه وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا وبارز وأبلى فيها بلاء عظيما وقاتل
بسیفین ودفن عند أحد في موضعه و قبره مشهور مزار ويتبرك به(١)، أ.هـ.
قوله: ((فجعلوا يجرون النمرة على وجهه فتنكشف قدماه)) الحديث .
النمرة: قد ضبطها الحافظ (٢) وفسرها فقال: هي بردة من صوف يلبسها
الأعراب، أ.هـ
قوله وَي: ((إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف)) تقدم معناه في
الحدیث قبله.
١٨٥٧ - وَعَنِ عِمر ◌َّهُ قَالَ غلا السّعرِ بِالْمَدِينَةِ فَاشْتَدَّ الْجهد فَقَالَ
رَسُول اللهِ وَّهِ اصْبِرُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنِّي قد باركت على صاعكم ومدكم وكلوا
(١) تهذيب الأسماء (١٦٨/١-١٦٩ ترجمة ١٣١). لا يجوز التبرك بالقبور وسبق الكلام
عنه.
(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٤٣٢/٣).
٢٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَلَا تتفرقوا فَإِن طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الِثْنَيْنِ وَطَعَام الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَة
وَطَعَامِ الْأَرْبَعَة يَكْفِي الْخَمْسَة والستة وَإِن الْبرِكَة فِي الْجَمَاعَة فَمن صَبر على
لأوائها وشدتها كنت لَهُ شَفِيعًا وشهيدا يَوْمِ الْقِيَامَة وَمن خرج عَنْهَا رَغْبَة عَمَّا
فِيهَا أبدل الله بِهِ من هُوَ خير مِنْهُ فِيهَا وَمن أرادها بِسوء أذابه الله كَمَا يذوب
الْمُلحِ فِي المَاء رَوَاهُ الْبَزَّارِ بِإِسْنَاد جيد (١).
قوله: وعن عمر زَقَّهُ، تقدم الكلام عليه.
قوله: ((غلا السعر بالمدينة فاشتد الجهد)) وهو بفتح الجيم المشقة وفي لغة
قليلة بضمها وتقدم الكلام عليه وكذلك تقدم الكلام على قوله ((فمن صبر
على لأوائها وشدتها)).
وقوله وَيّ: ((ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله به من هو خير منه
فيها)) قال القاضي(٢): اختلف في هذا فقيل في معناه قولان أحدهما أنه
مخصوص بمدة حياته وصلة، والثاني: أنه دائم أبدا بدليل قوله في حديث
آخر ((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء
والمدينة خير لهم))(٣) الحديث وهذا القول أصح (٤).
(١) البزار (١١٨٥)، وقال: تفرد به عمرو بن دينار، وهو لين، وأحاديثه لا يشار كه فيها أحد، قد
روى عنه جماعة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٥/٣)، ورجاله رجال الصحيح.
(٢) إكمال المعلم (٤/ ٣٨٣).
(٣) أخرجه مسلم (٤٨٧- ١٣٨١) عن أبي هريرة.
(٤) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٧).
٢٢٣
كتاب الحج
[قوله]((ومن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء)) الحديث،
قال القرطبي(١): ظاهر هذا أن الله يعاقبه بذلك في النار وقيل: يحتمل أن
المراد من أرادها غازيا مغيرا عليها ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه
في الدنيا أو عن [توهين] أمره وطمس كلمته كما قد فعل الله ذلك بمن غزاها
وقاتل أهلها كمسلم بن عقبة إذا أهلكه الله بمنصرفه عنها وكإهلاك يزيد بن
معاوية [إثر إغزائه أهل المدينة، إلى غير ذلك].
١٨٥٨ - وَعَن أَفْلِح مولى أبي أَيُّوب الأنْصَارِيّ أَنْه مر بزيد بن ثابت وَأبي
أَيُّوب ◌ََّا وهما قاعدان عِنْد مَسْجِد الْجَنَائِزِ فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه تذكر
حَدِيثا حدّثْنَاهُ رَسُولِ الله ◌ِّهِ فِي هَذَا الْمَسْجِد الَّذِي نَحن فِيهِ قَالَ نعم عَن
الْمَدِينَة سمعته يزعم أنه سَيَأْتِي على النَّاس زمَان تفتح فِيهِ فتحات الأَرْض
فَتخرج إِلَيْهَا رجال يصيبون رخاء وعيشا وَطَعَامًا فيمرون على إخْوَان لَهُم
حجاجا أَو عمارا فَيَقُولُونَ مَا يقيمكم فِي لأواء الْعَيْشِ وَشدَّة الْجُوع فذاهب
وقاعد حَتَّى قَالَهَا مَرَارًا وَالْمَدينَة خير لَّهُم لَا يثبت بها أحد فيصبر على لأوائها
وشدتها حَتَّى يَمُوتٍ إِلَّا كنت لَهُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ شَهِيدًا أَو شَفِيعًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد جيد وَرُوَاته ثِقَات (٢).
[قوله]: وعن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري [كنيته أبو عبد الرحمن
(١) ينظر: المفهم (٣٠/١١).
(٢) الطبراني في المعجم الكبير (٣٩٨٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٠/٣)، ورجاله
ثقات.
٢٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ويقال: أبويحيى ويقال: أبو كثير ، من سبي عين التمر الذين سباهم خالد بن
الوليد.
روى عن: مولاه أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وكان يكون معه في
مغازيه، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد سعد بن مالك الأنصاري الجدري ،
وعبد الله بن سلام، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب ، روى عنه: أبو
الوليد عبد الله بن الحارث البصري نسيب محمد بن سيرين، ومحمد بن
سيرين وقال محمد بن سعد: مات في خلافة يزيد بن معاوية، سنة ثلاث
وستين، وكان ثقة قليل الحديث وقال غيره : قتل بالحرة(١)].
قوله: أنه مر بزيد بن ثابت وأبي أيوب ◌َّهنا وهما قاعدان عند مسجد
الجنائز، اسم [أبى أيوب الأنصارى خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد
عوف ابن غنم بن مالك بن النجار الأنصارى الخزرجى النجارى المدنى
الصحابى الجليل. شهد العقبة، وبدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان،
وجميع المشاهد مع رسول الله وَليّة، ونزل عليه رسول الله وَلخلال حين قدم
المدينة مهاجرا، وأقام عنده شهرا حتی بنیت مساکنه ومسجده ، روی له عن
رسول الله وَ ل مائة وخمسون حديثا، اتفق البخارى ومسلم على سبعة منها،
وانفرد البخارى بحديث ومسلم بخمسة. روى عنه البراء بن عازب، وجابر
بن سمرة، والمقدام بن معدى كرب، وأبو أمامة الباهلى، وزيد بن خالد
الجهنى، وابن عباس، وعبد الله بن يزيد الخطمى، وكلهم صحابة، وسعيد بن
(١) تهذيب الكمال (٣٢٥/٣-٣٢٦ ترجمة ٥٤٩).
٢٢٥
كتاب الحج
المسيب، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثى، وعبد
الله بن حنين، وخلائق سواهم. توفى بأرض الروم غازيا سنة خمسين، وقيل:
سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثنتين وخمسين، وقبره بالقسطنطينية،
رضى الله عنه (١)] وتقدم معنى اللأواء في أحاديث هذا الباب.
١٨٥٩ - وَعَنِ ابْن عمر رَوََّا أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ من اسْتَطَاعَ أَن يَمُوت
بِالْمَدِينَةِ فليمت بهَا فَإِنِّي أشفع لمن يَمُوت بهَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن
حَبَان فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيّ. وَلَفظ ابْن مَاجَه من اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَن يَمُوت
بِالْمَدِينَةِ فَلْيفْعَلِ فَإِنِّي أشهد لمن مَاتَ بِهَا.
١٨٦٠ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ مِن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَن
يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ من مَاتَ بِالْمَدِينَةِ شفعت لَهُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٢).
قوله: وعن ابن عمر أَقِّيَّنَا، تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله: ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها)) الحديث.
والمدينة : تسمى طيبة، وسيأتي الكلام على أسمائها، فيستحب دعاء الإنسان
أن يكون موته في البلد الشريف(٣)، وقد كان [المهاجرون]إلى المدينة يكرهون أن
يموتوا بغيرها ويسألون الله عز وجل [١٣٧ / أ] أن يتوفاهم بها لهذا الحديث فإن
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٧٧/٢ ترجمة ٧٢٢).
(٢) الترمذي (٣٩١٧)، واثبن ماجه (٣١١٢)، وابن حبان (٣٧٤١)، والبيهقي في شعب
الإيمان (٤١٨٥)، وأحمد (٥٤٣٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٠١٥).
(٣) الأذكار (ص ١٣٨) وإعلام الساجد (ص ٢٤٨).
٢٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قيل: قد جاء ما يعارض هذا عن عمرو بن العاصي قال: مات رجل بالمدينة ممن
ولد بها فصلى عليه رسول الله وَخلال ثم قال: ((يا ليته مات بغير مولده)) قالوا: لم ذاك
يا رسول الله؟ قال: «إن الرجل إذا مات بغير مولده[قيس له]من مولده إلى منقطع
أثره في الجنة))(١) وذكره ابن طاهر في [الصفوة] وبوب عليه [إيثارهم] الغربة على
الوطن(٢) [فالجواب] إن صح فلا [یعارضه، بل الحدیث] خاص بمن يولد في
المدينة والله أعلم. قاله الزركشي (٣).
١٨٦١ - وَعَن الصميتة امْرَأَةٌ من بني لَيْث ◌َرِتَمَا أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله وَهُ
يَقُول من اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَن لَا يَمُوت إِلَّا بِالْمَدِينَةِ فليمت بِهَا فَإِنَّهُ من يمت بِهَا
نشفع لَهُ أَو نشْهد لَهُ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَِيّ(٤).
١٨٦٢ - وَفِي رِوَايَة للبيهقي أنَّهَا سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول من اسْتَطَاعَ
أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كنت لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدًا (٥) .
قوله: وعن الصميتة امرأة من بني ليث رَّايَتَهَا، بنو ليث [بطن من بكر من
كنانة نسبة إلى ليث بن كنانة].
(١) أخرجه أحمد ١٧٧/٢ (٦٦٥٦)، وابن ماجه (١٦١٤)، والنسائي في المجتبى
١٥/٤ (١٨٤٨) والكبرى (١٩٧١)، وابن حبان (٢٩٣٤)، والطبراني في الكبير (٧٣/١٤
رقم ١٤٦٧٤). وقال الألباني: حسن، المشكاة (١٥٩٣)، وصحيح الترغيب (٣١٣٤).
(٢) صفة الصفوة (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥ رقم ٤٦٦).
(٣) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٢٤٨ -٢٤٩)
(٤) ابن حبان (٣٧٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٨٣).
(٥) البيهقي في الشعب (٤١٨٢)، والطبراني في الكبير (٢٤/ رقم ٨٢٣).
٢٢٧
كتاب الحج
قوله: ((من استطاع منكم أن لا يموت إلا بالمدينة فليمت بها)) تقدم الكلام
على المدينة.
١٨٦٣ - وَعَن سبيعة الأَسْلَمِيَّة ◌ََّا أَن رَسُولِ اللهِ وَلَ قَالَ من اسْتَطَاعَ
مِنْكُمْ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ لَا يَمُوت بهَا أحد إِلَّا كنت لَهُ شَفِيعًا أَو
شَهِيدًا يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ إِلَّا
عبد الله بن عِكْرِمَة روى عَنهُ جمَاعَة وَلم يُخرجهُ أحدٍ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ هُوَ خطاء
وَإِنَّمَا هُوَ عَن صميتة كَمَا تقدم(١).
قوله: وعن سبيعة الأسلمية رَظَرايتها، هي: سبيعة بنت الحارث الأسلمية بنت
الحارث الأسلمية روى عنها: عمر بن عبد الله بن الأرقم، روى لها عن
رسول الله وَ جلهاثنا عشر حديثا، روى لها الجماعة إلا الترمذي.
قوله وَجيّة: ((من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت)) تقدم الكلام على
المدينة.
١٨٦٤ - وَعَنِ امْرَأَةٌ يتيمة كَانَت عِنْدِ رَسُول الله وَلِّ مِن ثَقِيف أَن رَسُول الله
وَّ قَالَ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَن يَمُوت بِالْمَدِينَةِ فليمت فَإِنَّهُ من مَاتَ بِهَا كنت لَهُ
شَهِيدًا أَو شَفِيعًا يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد حسن(٢).
(١) الطبراني في الكبير (٢٤ / رقم ٧٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤١٨٤)، وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٣٠٦/٣)، ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الله بن عكرمة، وقد ذكره
ابن أبي حاتم، وروى عنه جماعة ولم يتكلم فيه أحد بسوء.
(٢) الطبراني في الكبير (٢٤ / رقم ٨٢٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٦/٣)، وإسناد
حسن، ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ الطبراني.
٢٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن امرأة يتيمة كانت عند رسول الله وَ ل من ثقيف، وتقدم الكلام
على المدينة.
١٨٦٥ - وَعَنِ خَاطِب رَقْوَ قَالَ قَالَ رَسُول الله مَّه من زارني بعد موتي
فَكَأَنَّمَا زارنِي فِي حَياتِي وَمن مَاتَ بِأحد الْحَرَمَيْنِ بعث من الْآمنينَ يَوْم الْقِيَامَة
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن رجل من آل خَاطِب لم يسمه عَن خَاطِب(١).
قوله: وعن حاطب رَويّ [هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله حاطب بن أبى
بلتعة عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل بن العتيك بن سعاد، بفتح
السين وتشديد العين، ابن راشدة بن جزيلة، بالزاى، ابن لخم بن عدى
حليف للزبير بن العوام. وقيل: كان لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث
بن أسد، فکاتبه فأدی کتابته، شهد بدرا، والحديبية، وشهد الله له بالإيمان فى
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾(٢)
الآيتين نزلتا فيه.
قالوا: وأرسله رسول الله وَيّة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست
من الهجرة، فقال له المقوقس: أخبرنى عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قال:
بلى، قال: فما له لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته؟ قال له حاطب:
فعيسى ابن مريم رسول الله حين أراد قومه صلبه لم يدع عليهم حتى رفعه
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥١)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٤٧)، شطره
الأول وقال: موضوع.
(٢) سورة الممتحنة، الآية: ١.
٢٢٩
كتاب الحج
الله، قال: أحسنت، أنت حكيم جئت من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول
الله وَجيّ منها مارية القبطية، وأختها شيرين، وجارية أخرى، فاتخذ مارية
سرية، ووهب شيرين لحسان بن ثابت، والأخرى لأبى جهم بن حذيفة،
وأرسل معه من يوصله مأمنه.
توفى حاطب سنة ثلاثين بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان، رضى الله
عنه، وكان عمره خمسا وستين سنة. وروينا فى صحيح البخارى عن جابر، أن
عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله وَل يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله،
ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله وَلو: ((كذبت لا يدخلها، فإنه شهد
بدرا، والحديبية))، وكان حاطب حسن الجسم، خفيف اللحية. ذكره ابن
سعد (١)].
قوله ◌ُسيلة: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن مات بأحد
الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة)) الحديث.
١٨٦٦ - وعن عمر زَّهُ قال: سمعت رسول الله ◌َلل يقول: من زار قبري،
أو قال: من زارني كنت له شفيعاً، أو شهيداً يوم القيامة، ومنْ مات في أحدٍ
الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة. رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل
عُمر لم یسمه عن عمر (٢).
قوله: وعن عمر، تقدم الكلام على أمير المؤمنين عمر.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٥١/١ - ١٥٢ ترجمة ١١٠).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥٣)، والطيالسي (٦٥).
٢٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَاله: (من زار قبري أو قال زارني كنت له شفيعا أو شهيدا)) الحديث
تقدم الكلام على شفيعا أو شهيدا.
١٨٦٧ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مالك رَظْلَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلِّ مِن مَاتَ
فِي أحد الْحَرَمَيْنِ بعث من الآمنينَ يَوْمِ الْقِيَامَة وَمن زارني محتسبا إِلَى الْمَدِينَة
كَانَ فِي جواري يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضاً (١).
قَالَ المملي الْحَافِظِ رَحمَه الله وَقد صَحَّ من غيرِ مَا طَرِيق عَنِ النَِّي
مَا أَن
وسلم
الوباء والدجال لا يدخلانها اختصرت ذَلِك لشهرته
قوله: وعن أنس بن مالك زَقَالّه، تقدم الكلام على أنس.
قوله وَّة: ((من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ومن
زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة)) الحديث، وجاء في
الحديث أيضاً: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) رواه الدراقطني وغيره
وصححه عبد الحق، ورواه جماعة منهم الحافظ أبو علي بن السكن في كتابه
المسمى بالسنن الصحاح(٢)، فهذان إمامان صححا هذين الحديثين وقولهما
أولى من قول من طعن في ذلك.
فائدة: ويستحب لقاصد ذلك أن يغتسل قبل دخوله المدينة ويلبس أنظف
ثيابه فإذا دخل المدينة استحضر شرفها وحرمة من فيها وملأ قلبه من الهيبة
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٥٨).
(٢) سنن الدارقطني (٢٦٩٥)، الكنى والأسماء للدولابي (١٤٨٣) شعب الإيمان
(٣٨٦٢) وضعفه الألباني كما في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٥٦٠٧).
٢٣١
كتاب الحج
والإجلال والخشوع فإذا دخل المسجد بدأ بالتحية في مسجد النبي ◌َّو الذي
كان في زمنه وقد وسع بعده وقد تقدم ذلك، والضعيف مختص بذلك القدر
الذي كان في زمانه فليحرص عليه لكن إذا صلى في جماعة فالتقدم إلى
الصف الأول ثم ما يليه أفضل فإذا صلى التحية شكر الله تعالى وسأله إتمام
ما قصده وقبول [زيارته] ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة ويستقبل جدار
القبر والمسمار الفضة الذي في الجدار فمن استقبله استقبل وجه [النبى وَاليوم ]
واستقبال [القبلة مستحب] عند جمهور العلماء عند السلام وعند الدعاء
ومناظرة مالك بن أنس أبا جعفر المنصور مشهورة، وعن أبي حنيفة أنه
يستقبل القبلة ليجمع بين عبادتين السلام على النبي وَّة واستقبال القبلة
والجمهور على ما قدمناه [وآداب السلام عليه] كما في حالة الحياة ويقف
الزائر غاض البصر في مقام الهيبة والإجلال ثم يسلم ولا يرفع صوته بل
يقتصد فيقول السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبي الله السلام
عليك يا خيرة الله من خلقه السلام عليك يا حبيب الله السلام عليك يا صفوة
الله السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين السلام عليك
وعلى أصحابك أجمعين السلام عليك وعلى الأنبياء [١٣٧/ ب]
والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين السلام عليك أيها النبي رحمت الله
وبركاته جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى الله نبيا ورسولا عن أمته،
صلى الله عليك كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون، وصلى
عليك في الأولين وصلى عليك في الآخرين أفضل وأكمل وأطيب [ما صلى
٢٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على]، على أحد من الخلق أجمعين كما استنقذنا بك من الضلالة وبصرنا
بك من العمى والجهالة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله
وأمينه وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت وأديت الأمانة ونصحت الأمة
وجاهدت في الله حق جهاده اللهم آته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون وغاية
ما ينبغي أن يؤمله المأملون وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته و[أقل] ذلك
السلام عليك يا رسول الله وعن السلف [الاقتصار فى] ذلك جدا، فإنه
عَاجِيّة
وَسَلم
صالالله
يسمع ويعلم الواقف بين يديه(١)، أ.هـ قاله في الديباجة.
ومعنى وجبت: حقت وثبتت ولزمت وأنه لابد منها لمن زار قبره بوعده
الصادق، وفي هذا بشارة عظيمة وهو موت الزائر على الإسلام وهذه البشارة
العظيمة من ثمرة زيارة قبره المكرم وفي قوله وَيلة: ((وجبت له شفاعتي))
تحقيق لما قلته لأجل إضافة الشفاعة إليه لأنه عليه الصلاة والسلام مشفع لا
ترد له شفاعة في حياته ولا بعد وفاته ولا في عرصات القيامة ويا لها من فائدة
عظيمة ما أجزلها وأعظم نيلها (٢)، وقال بَلَاة: ((من جاءني زائرا لا تعمله
حاجة إلا زيارتي كان حقا على أن أكون شفيعا له يوم القيامة))(٣) قول الحافظ
(١) انظر: الايضاح (ص ٤٤٧-٤٥٣)، والمجموع (٢٧٣/٨ -٢٧٤).
(٢) دفع شبه من تمرد (ص ١٦١).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٦/٥ رقم ٤٥٤٦) والكبير (٢٩١/١٢ رقم ١٣١٤٩)
والخلعى في الخلعيات (٦٨) عن ابن عمر. وقال الطبراني: لم يرو هذه الأحاديث عن عبيد الله
ابن عمر إلا مسلمة بن سالم، قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٢: رواه الطبراني في الأوسط، والكبير
وفيه مسلمة بن سالم، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٥٧٣٢).
٢٣٣
كتاب الحج
رحمه الله(١): وقد صح من غير ما طريق عن النبي وَخير أن الوباء والدجال لا
يدخلان المدينة، ففي الصحيحين من حديث أنس مرفوعا: ((إن الدجال لا
يطأ مكة ولا المدينة وأنه يخرج حتى ينزل في ناحية المدينة فترجف ثلاث
رجفات فيخرج إليه كل كافر ومنافق وفي رواية البخاري عن أبي بكرة عن
النبي وَل: ((لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال [لها آيومئذ سبعة أبواب
على باب ملكان))(٢) وفي الحديث أيضً: ((إن الطاعون لا يدخل المدينة))
وهذا من خصائصها ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول
الله وَّةَ ([على أنقاب] المدينة ملائكة [لا يدخلها الطاعون] ولا الدجال))(٣)
قال القرطبي (٤): الطاعون الموت العام الفاشي، ويعني بذلك أنه لا يكون
بالمدينة من الطاعون مثل الذي يكون في غيرها من البلاد كالذي وقع في
طاعون عمواس والجارف وغيرهما، وقد أظهر الله تعالى صدق رسوله وَالجيد
فإنه لم يسمع من النقلة ولا من غيرهم من يقول أنه وقع بالمدينة طاعون عام
وذلك ببركة دعائه وَخلال حيث قال: ((اللهم صححها لنا))(٥) والسر في ذلك أن
الطاعون وباء عند الأطباء، وقد صح أنهم لما قدموا المدينة أصابتهم أمراض
عظيمة وحمى شديدة دعا لهم النبي ◌َّيّ فكشف عنهم ذلك، وقال: اللهم
(١) أى المنذری.
(٢) أخرجه البخاري (١٨٧٩) و(٧١٢٥) و(٧١٢٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٨٨٠) و(٥٧٣١) و(٧١٣٣)، ومسلم (٤٨٥-١٣٧٩) عن أبي هريرة.
(٤) ينظر: تفسير القرطبي (٤٣/٣) والمفهم (١١/ ٣٧).
(٥) أخرجه البخاري (١٨٨٩) و(٣٩٢٦) و(٥٦٥٤) و(٥٦٧٧)، ومسلم (٤٨٠ -١٣٧٦) عن
عائشة.
٢٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
انقل وباءها إلى خُمّ، هو بضم الخاء وتشديد الميم كما سيأتي أو إلى
الحجفة أ.هـ، قاله الزركشي (١).
الوباء بالقصر والمد والهمز لغتان، قال الجوهري وغيره: والقصر أشهر
وهو مرض عام يفضي إلى الموت غالبا(٢) أ.هـ
والمراد أن الطاعون وباء یترکه الله تعالی فیما شاء من أرضه یکون سببا
لكثرة الموت أ.ه، قاله ابن عقيل، وفي هذه الأحاديث فضيلة المدينة وفضيلة
سكانها وحمايتها من الطاعون والدجال والله أعلم.
١٨٦٨ - وَعَن أبي قَتَادَة رَ أَن رَسُول الله وَّهِ تَوَضَّأْ ثُمَّ صلى بِأَرْض
سعد بِأَرْض الْحَرَّة عِنْدِ بُيُوت السقيا ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيمٍ خَلِيلك وَعَبْدك
وَنَبِيك دعَاك لاهل مَكَّةٍ وَأَنَا مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك أَدْعُوك لاهلِ الْمَدِينَة مثل
مَا دَعَاك بِهِ إِبْرَاهِيم لمَكَّة ندعوك أَن تبَارك لَهُم فِي صاعهم ومدهم وثمارهم
اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كَمَا حببت إِلَيْنَا مَكَّة وَاجعَل مَا بهَا من وباء بخم
اللَّهُمَّ إِنِّي حرمت مَا بَين لابتيها كَمَا حرمت علی لِسَانِ إِبْرَاهِيم الحرم رَوَاهُ
أَحْمِد وَرِ جَال إِسْنَاده رجال الصَّحِيحِ(٣).
خم بِضَمِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمِيمِ اسْم غيضة بَيْن الْحَرَمَيْنِ قَرِيبا من
الْجِحْفَة لَا يُولد بها أحد فيعيش إِلَى أَن يَحْتَلِمِ إِلَّا أَن يرتحل عَنْهَا لشدَّة مَا بِهَا
(١) إعلام الساجد (ص ٢٥٤).
(٢) الصحاح (٧٩/١)، ومطالع الأنوار (١٤٦/٦)، النهاية (١٤٤/٥) وشرح النووي على
مسلم (١٨٦/١٣-١٨٧) و(٢٠٤/١٤).
(٣) أحمد (٢٢٦٣٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٤/٣)، ورجاله رجال الصحيح.
٢٣٥
كتاب الحج
من الوباء والحمى بدعوة النَّبِي وَّ وأظن غَدِير خم مُضَافا إِلَيْهَا.
قوله: وعن أبي قتادة زقڅ﴾، تقدم الكلام علیه.
قوله: ((اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة وأنا محمد
عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة)) إلى قوله ((أن تبارك لهم في صاعهم
ومدهم وثمارهم)) الحديث، قال القاضي عياض (١): [١٣٨ / أ] البركة هنا
بمعنى النماء والزيادة، وتكون بمعنى الثبات واللزوم، قال: فقيل: يحتمل أن
تكون هذه البركة دينية وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في
الزكوات والكفارات فتكون بمعنى الثبات، ويحتمل أن تكون دنيوية من
تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفى منه ما لا يكفي من غيره في غير
المدينة أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلى كثرة ما
يكال بها من غلاتها وثمارها أو تكون الزيادة فيما يكال بها الإتساع عيشتهم
وكثرته بعد ضيقه لما فتح الله تعالى عليهم ووضع من فضله لهم وملكهم من
بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى
المدينة واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدهم
وصار هاشميا مثل مد النبي صَل﴾ مرتين أو مرة ونصفا، وفي هذا كله ظهور
إجابة دعوته وَّر وقبولها هذا آخر كلام القاضي، والظاهر من هذا كله أن
المراد البركة في نفس المكيل في المدينة بحيث يكفي المد فيها لمن لا يكفيه
في غيرها والله أعلم.
(١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٢٧/٤).
٢٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله {وَّة: ((واجعل ما بها من وباء بخم)) خم بضم الخاء المعجمة وتشديد
الميم اسم غيضة بين الحرمين لا يولد بها أحد فيعيش إلى أن يحتلم إلا أن
يرتحل عنها [لشدة ما بها من ] الوباء والحمى بدعوة النبي وَّر وأظن غدير
خم مضافا إليها، قاله المنذري، وقال في النهاية (١): ((غدير خم)) هو موضع
بين مكة والمدينة تصب فيه عين هناك، وبينهما مسجد النبي وَلّ، قيل: وإنما
دعا النبي ويّ بنقل الحمى إلى الجحفة لأنها كانت إذ ذاك دار اليهود [قال ابن
بطال:] فيه الدعاء برفع المرض والرغبة في العافية وهذا [رد] على الصوفية في
[قولهم:] لا تتم له الولاية حتى يرضى بجميع ما ينزل به من البلاء [ولا
يدعو] في كشفه أ.هـ قاله الكرماني(٢)، وفيه دليل من دلائل النبوة إذ لا يشرب
أحد من مائها إلا صار [محموما] الحديث فإن قلت: كيف قدموا على الوباء
وفي الحديث النهي عن القدوم عليه؟ قلت: هذا كان قبل النهي أو المنهي عنه
[هو]الأمر العام وهذا الذي كان في المدينة هو للغرباء، وفيه: الدعاء على
الكفار بالأمراض وللمسلمين بالصحة وكشف الضر عنهم وفيه رد بعض
قول المتصوفة [أن الدعاء] قدح في التوكل وقول المعتزلة أنه لا فائدة في
الدعاء مع سبق القدر والمذهب أن الدعاء عبادة مستقلة ولا يستجاب منه إلا
ما سبق به التقدير أ.هـ قاله الكرماني (٣).
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٨١).
(٢) الكواكب الدراري (١٨٦/٢٠).
(٣) الكواكب الدراري (٧٤/٩-٧٥).
٢٣٧
كتاب الحج
تنبيه: فإن قلت: كيف يتصور نقل الحمى وهي عرض؟ قلت: جوزه
طائفة مع أن معناه أن يعدم من المدينة ويوجد في الجحفة، فإن قلت: لا دعاء
بالإعدام مطلقا؟ قلت: كانوا يهودها أعداء شديدى الإيذاء للمسلمين فدعا
عليهم إرادة الخير لأهل الإسلام(١) أ.هـ.
قوله وَة: ((اللهم إني أحرم ما بين لابتيها)) والمراد باللابتين الحرتان
والأحاديث كلها متفقة على أن المراد فيما بين لابتيها بيان لحد حرمها من
جهة المشرق والمغرب وما بين جبليها في الرواية الأخرى، وبيان لحده من
جهتي الجنوب والشمال(٢) ففي هذا الحديث حجة ظاهرة للشافعي ومالك
وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وقطع شجرها وأباح أبو حنيفة ذلك
والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد
المدينة وشجرها بل هو حرام بلا ضمان (٣) [١٣٨ / ب] وتقدم الكلام على
ذلك، والمراد بقوله ((وإني حرمت المدينة)) الحديث المراد بتحريمها أنه لا
يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها (٤).
قوله وَالر: ((كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم)) المراد أن إبراهيم
صلىالله
وَسَم
بين حرمة مكة وأنا بينت حرمة المدينة، فهذا الحديث دليل لمن يقول أن
(١) الكواكب الدراري (٢٠ /١٨٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٤).
(٤) شرح النووي على مسلم (٩ / ١٣٦).
٢٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تحريم مكة إنما كان في زمن إبراهيم ،َليّة والصحيح أنه كان يوم خلق الله
السموات والأرض وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين، أحدهما: إنه حرمها
بأمر الله تعالى له بذلك لا باجتهاده فلهذا أضاف التحريم إليه تارة وإلى الله
تارة، والثاني: أنه دعا لها فحرمها الله تعالى بدعوته فأضيف التحريم إليه
لذلك (١).
١٨٦٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ أَنْه قَالَ كَانَ النَّاسِ إِذا رَأَوْا أول الثَّمر جاؤوا
بِهِ إِلَى رَسُول الله ◌َّةٍ فَإِذا أَخِذه رَسُول الله وَِّ قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي ثمرنا
وَبَارك لنا فِي مدينتنا وَبَارك لنا في صاعنا ومدنا اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم عَبدك
وخليلك وَنَبِيك وَإِّي عَبدك وَنَبِيك وَإِنَّهُ دعَاك لمَكَّةٍ وَإِنِّي أَدْعُوك للمدينة
بِمثل مَا دعَاك بِهِ لمَكَّة وَمثله مَعَه قَالَ ثمَّ يَدْعُو أَصْغَر وليد يرَاهُ فيعطيه ذَلِك
الثَّمر رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيرِه (٢).
قَوْله فِي صاعنا ومدنا يُرِيد فِي طعامنا الْمكيل بالصاع وَالْمُدّ وَمَعْنَاهُ أَنه
دَعَا لَهُم بِالْبِركَةِ فِي أقواتهم جَمِيعًا.
قوله: وعن أبي هريرة زَقْوِّه، تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله: كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاؤوا به لرسول الله وَ له فإذا أخذه
رسول الله وَل﴾ قال: ((اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا)) الحديث.
(١) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٣٤).
(٢) مسلم (١٣٧٣)، ومالك في الموطأ (٢٥٩١)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٦٢)،
والترمذي (٣٤٥٤)، وابن ماجه (٣٣٢٩)، والنسائي (١٠١٣٤)، وابن حبان (٣٧٤٧).
٢٣٩
كتاب الحج
ومجيء الناس لرسول الله وَله بأول التمر مبادرة بهدية ما يستطرف واغتناما
لدعائه وبركته وَّة، ولذلك كان النبي ◌َّ- إذا أخذ أول ذلك التمر وضعه على
وجهه كما رواه بعض الرواة عن مالك في هذا الحديث من الزيادة (١)، قال
العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه وَّله وللمدينة والصاع والمد
وإعلاما له وَّ بابتداء صلاحها لما يتعلق بها من الزكاة وغيرها وتوجيه
الخارصين إليها(٢).
قوله: ((ثم يدعو أصغر وليد يراه)) لأنه أقل صبرا ممن هو أكبر منه وأكثر
جزعا وأشد فرحا وهذا من حسن سياسته وَّلَه ومعاملته الكبار والصغار، قيل:
إن ذلك من باب التفاؤل بنمو الصغير وزيادته كنمو التمرة وزيادتها والله
أعلم، ففي هذا الحديث بيان ما كان عليه النبي وَيّ من مكارم الأخلاق
وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار وَل 18 وشرف وكرم ذكره
(٣)
النووي(٣).
قوله وَّ: ((اللهم بارك لنا في تمرنا)) إلى قوله ((وصاعنا)) قال الحافظ
المنذري: يريد في طعامنا المكيل بالصاع والمد، ومعناه أنه دعا له بالبركة في
أقواتهم جميعا، أ.هـ
(١) المفهم (١١/ ٣٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (٩/ ١٤٦).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٤٦/٩).
٢٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال السهيلي (١): دعاؤه ◌َّيلو بالبركة في صاع المدينة ومدها يعني به الطعام
الذي يكال والمد ولذلك قال في حديث آخر كيلوا طعامكم (٢) وذكر في
تفسيره ما قلناه قال: وذكر أبو عبيد في كتاب الأموال (٣): مد المدينة قال: هو
رطل وثلث والرطل مائة وثمانية و [الرطل مائة وثمانية وعشرون] درهما
والدرهم خمسون حبة وخمسان قاله الزركشي (٤).
١٨٧٠ - وَعَن عَائِشَة ◌َلَهَا أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة
كحبنا مَكَّة أَو أَشد وصححها لنا وَبَارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها
فاجعلها بِالْجُحْفَةِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيرِه(٥) .
قيل إِنَّمَا دَعَا بِنَقْل الْحمى إِلَى الْجِحْفَة لِأَنَّهَا كَانَت إِذْ ذَاكِ دَار الْبُهُود.
قوله: وعن عائشة ◌َقُلّها، تقدم الكلام على عائشة.
قوله ◌َّة: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد)) الحديث تقدم معناه.
قوله مَّيّة: ((وانقل حماها فاجعلها بالجحفة)) تقدم الكلام على الحجفة.
١٨٧١ - وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ◌ََّهُ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله وَ حَتَّى
إِذا كُنَّا عِنْدِ السقيا الَّتِي كَانَت لسعد قَالَ رَسُولِ اللهِلَِّ اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم عَبدك
(١) الروض الأنف (٤٧/٥).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٢٨) عن المقدام بن معدی کرب.
(٣) الأموال للقاسم بن سلام (ص: ٦٢٩).
(٤) إعلام الساجد (ص ٢٥١).
(٥) البخاري (٥٦٧٧)، ومسلم (١٣٧٥)، وأحمد (٢٤٢٨٨)، والنسائي في الكبرى (٤٢٧١)،
ومالك في الموطأ (٢٦٠٣).