Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
كتاب الصيام
واجبا للمحافظة على بقاءء الخلوف المشهود له بذلك أولى (١)، قال
الشافعي(٢): أكره السواك بعد الزوال للصائم إلى آخر النهار وهكذا حكى
القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن [١١١/ ب] علي المالكي في كتاب عيون
المجالس(٣) حتى بالغ بعض العلماء فقال: ولا يستاك لصلاة المغرب حتى
يفطر، وبالغ آخر فقال: لا يتمضمض لإفطاره لئلا يزول الخلوف، وممن
وافق الشافعية على التحديد بالزوال في ذلك الحنابلة (٤) وعبارة الشيخ مجد
الدين ابن تيمية في المحرر: ولا يسن السواك للصائم بعد الزوال وهو
المنصوص عن الإمام أحمد وهل يكره؟ على روايتين ثم إن المشهور عند
أصحابنا زوال الكراهة بغروب الشمس وقال الشيخ أبو حامد: لا تزول
الكراهة حتى يفطر (٥) والله أعلم.
قوله: في الرواية الأخرى ((لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من
ريح المسك))، قوله: ((ويوم القيامة)) إشارة على أن ذلك يكون تشريفا
(١) شرح النووي على مسلم (٢٩/٨).
(٢) ينظر: الشرح الكبير للرافعي (٢٤٧/٦) والغرر البهية في شرح البهجة الوردية (٢٠٤/٢).
(٣) عيون المجالس (ص ٦٦٥)، والعلم المشهور (لوحة ١٢٣).
(٤) ينظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٥/ ١٥١) مزيد النعمة لجمع أقوال الأئمة (ص:
٢٢٤) الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ٤٩٢) منهج السالكين وتوضيح الفقة في الدين
(ص: ١١١).
(٥) طرح التثريب (٩٨/٤-٩٩).

٦٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وتعظيما للصائم حينئذ كما جعل التحجيل والغرة للمتوضئ وكون الدم
للشهيد علامة على شرفها وهي مقيدة لما أطلق في رواية من لم يذكر القيامة
وإن حملناه على الدنيا فتأويله أن رضاه جعله طيبا فيرجع إلى قوله ((مرضاة
للرب)) وهذا الحديث مجاز قطعا، فإن وصول الرائحة إلى الله تعالى محال
فإن ذلك من لوازم الجسمية فالمراد إثابة لفاعله والرضي، ويجوز أن يكون
ذلك حقيقة بحيث يفوح على أهل الموقف أن يكون عبارة عما يحل له به
من الراحة والجزاء أو بمجموع الأمرين كما ان الشهيد يجمع له الأمران
الثواب وريح المسك فيما كان دما وهذا أولى بالصواب.
تنبيه: وقع نزاع بين الشيخين عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين
بن الصلاح هل هو مخصوص بالآخرة أو في الدنيا أيضا ؟ والحديث صريح
باختصاصه بيوم القيامة ولأنه يوم الجزاء وهو المراد بطيب الرائحة أي يفوح
على أهل الموقف [رائحته] المسكية عكس ما [يكون منه فى] الدنيا [ .... ]
يثيبهم ذلك اليوم عليه [ .... ] له بالسواك وأيضا فالجمع بين العبادتين
حاصل بأن [يستاك لأن] الخلوف يعود سريعا [وسببه لا يزول فإن سببه
قائم] عن خلو المعدة [فإذا استاك فى] وقت الصلاة [عاد سريعا لخلو
المعدة] فتحصل المحافظة على هذه العبادة العظيمة التي فيها رضى [الله
تعالى] ولا سيما والصلاة [بسواك] أفضل من سبعين بغيرها وهذا يؤيد ما
يقدح من قربها من درجة الفرائض بكونها بدلا عن الوضوء الذي كان واجباً
لكل صلاة، ووجهه أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة

٦٤٣
كتاب الصيام
كما نبه عليه الإمام وذكر فيه حديثا لكن المحدثين لا يصححونه ففيه
استئناس والله أعلم قاله في شرح الإلمام.
قوله وَّ: (للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره)) أي فرح بزوال
جوعه وعطشه حين أبيح له الفطر وهذا الفرح طبيعي وهو السابق للفهم،
وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث أنه تمام صومه وخاتمة عبادته
وتخفيف ربه ومعونة على مستقبل صومه، وأما قوله: ((وإذا لقي ربه فرح
بصومه)) أي بجزاء صومه وثوابه قاله القرطبي(١)، قال ابن رجب في
اللطائف (٢): الصائمون على طبقتين، إحداهما: من ترك طعامه وشرابه
وشهوته لله تعالى يرجوا عنده عوض ذلك في الجنة فهذا قد تاجر مع الله
وعامله والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله بل
يربح عليه أعظم الربح؛ الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما
سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى ويحفظ البطن وما وعى ويذكر الموت
والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه من
صام عن شهواته في الدنيا أدركها غداً في الجنة ومن صام عما سوى الله تعالى
فعيده يوم لقائه: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اُللَّهِ لَتٍ﴾ (٣) أ.هـ
(١) المفهم (٥/١٠).
(٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٥٧-١٥٩).
(٣) سورة .....

٦٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَحية في رواية البخاري (١): (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي))
فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه وأن الصائم يقرب إلى الله بترك ما تشتهيه
نفسه من الطعام والشراب والنكاح وهذه أعظم شهوات النفس، وفي التقرب
[١١٢ / أ] بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد، منها: كسر النفس فإن الشبع
والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، ومنها:
تخلي القلب للفكر والذكر، ومنها: أن الغنى يعرف قدر نعمة الله عليه بإمراره
له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه
بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به،
ومن منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى
ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته [بما يمكن] من ذلك، ومنها: ان
الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم فإن
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فيسكن بالصيام وساوس الشيطان
وتنكسر سورة الشهوة والغضب، قاله ابن رجب في اللطائف(٢).
قوله وَية عن الله تعالى: ((الصوم لي وأنا أجزي به)) قال أبو عبيد: معناه أنا
أتولي جزاؤه إذ لا يظهر فتكتبه الحفظة إذ ليس من أعمال الجوارح الظاهرة
وإنما هو نية وإمساك فأنا أجازي به من التضعيف على ما أحب أ.هـ، قاله في
(١) سبق تخريجه.
(٢) لطائف المعارف (ص ١٥٥).

٦٤٥
كتاب الصيام
شرح الأحكام (١).
١٤٤٣- وَفِي رِوَايَة لمُسلم كل عمل ابن آدم يُضَاعف الْحَسَنَة بِعشر
أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمائة ضعف قَالَ الله تَعَالَى إِلَّ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أجزي بِهِ يدع
شَهْوَتِهِ وَطَعَامه من أَجلي للصَّائِمِ فرحتان فرحة عِنْد فطره وفرحة عِنْد لِقَاء ربه
ولخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك(٢).
١٤٤٤ - وَفِي أُخْرَى لَهُ أَيْضا وَلابْن خُزَيْمَة وَإِذا لَقِي الله عز وَجل فجزاه
فَرَحِ الحَدِيث(٣). وَرَوَاهُ مَالك وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ بِمَعْنَاهُ مَعَ
اخْتِلَاف بَينهم فِي الْأَلْفَاظ (٤).
١٤٤٥ - وَفِي رِوَايَة لِلِّرْمِذِي قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ: ((إِن ربِكُم يَقُول كل
حَسَنَة بِعشر أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمائة ضعف وَالصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ وَالصَّوْم
جنَّة من النَّار ولخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح المسك وَإِن جهل على
أحدكُم جَاهِلِ وَهُوَ صَائِمٍ فَلْيقل إِنِّي صَائِمٍ إِنِّي صَائِم)) (٥).
قوله {َّ في رواية لمسلم(٦) ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر
(١) طرح التثريب (٤ /١٠٢)
(٢) مسلم (١١٥١)، وابن ماجه (١٦٣٨).
(٣) مسلم (١١٥١)، وابن خزيمة (١٩٠٠).
(٤) مالك (٨٦١)، وأبو داود (٢٣٦٣)، والترمذي (٧٦٦)، وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٩٦٨).
(٥) الترمذي (٧٦٤)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٦٨).
(٦)سبق تخريجه.

٦٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))
الحديث فعلى هذه الرواية يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة
فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام
فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير حصر
عدد فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم
بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(١) ولهذا ورد عن النبي وَّل أنه سمى شهر رمضان شهر
الصبر(٢) أ.هـ
قوله وَّل عن الله تعالى: ((إلا الصوم فإنه لي وانا أجزي به)) فإن الله تعالى
خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال وقد كثر القول في معنى
ذلك من الفقهاء والصوفية وغيرهم وذكروا فيه وجوها كثيرة ومن أحسن ما
(١) سورة الزمر، الآية: ١٠.
(٢) لطائف المعارف (ص ١٥٠).
والحديث أخرجه أحمد (٧٥٧٧)، والنسائي في المجتبى ٤٢٨/٤ (٢٤٢٧) عن أبي هريرة
بلفظ: شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر. وصححه الألباني في الإرواء
(٤ / ٩٩).
وأخرجه أحمد (٢٠٣٢٣) وابن ماجه (١٧٤١) النسائي في الكبرى (٢٧٥٦) عن رجل من
باهلة، قال: أتيت رسول الله وَّل﴿ لحاجة مرة، فقال: ((من أنت؟)) قال: أو ما تعرفني؟ قال:
((ومن أنت؟)) قال: أنا الباهلي الذي أتيتك عام أول، قال: ((فإنك أتيتني وجسمك ولونك
وهيئتك حسنة، فما بلغ بك ما أرى؟)) فقال: إني والله ما أفطرت بعدك إلا ليلا، قال: ((من
أمرك أن تعذب نفسك؟)) ثلاث مرات، ((صم شهر الصبر رمضان)) الحديث. وصححه
الألباني في الصحيحة (٢٦٢٣).

٦٤٧
كتاب الصيام
ذكر فيه وجهان أحدهما: أن الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها
الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله عز وجل، ولا يوجد ذلك في عبادة
أخرى غير الصيام، الوجه الثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه
غيره لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله فتركه لتناول الشهوات التي
يستخفي بتناولها في العادة وكذلك قيل لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء
كذا قاله الإمام أحمد وغيره، وهذا الوجه اختيار أبي عبيد وغيره (١) أ.هـ.
قوله وسجل عن الله تعالى: ((للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء
ربه)) الحديث أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى
ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح فإذا منعت من ذلك في وقت من
الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، فالصائم ترك
شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له فما تركها إلا بأمر ربه ولا عاد إليها إلا
بامر ربه فهو مطيع له في الحالين وأما فرحه عند لقاء ربه فيما يجده عند الله
من ثواب الصيام مدخراً فيجده أحوج ما كان إليه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا
تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرَأْ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾(٣) ومن فهم
هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره فإن فطره على
(١) لطائف المعارف (ص ١٥٢ و١٥٤).
(٢) سورة المزمل، الآية: ٢٠.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.

٦٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته فيدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلٍ
اُللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ (١) ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على
[١١٢/ ب] حلال، فإن كان فطره على حرام كان ممن صام عما أحل الله له
وأفطر على ما حرم الله عليه ولم يستجب له دعاء قاله ابن رجب (٢) أ.هـ.
١٤٤٦ - وَفِي رِوَايَة لِبْنِ خُزَيْمَة قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ يَعْنِي قَالَ الله عز وَجل
كل عمل ابن آدم لَهُ إِلَّ الصَّوْمِ فَهُوَ لي وَأَنَا أجزي بِهِ الصّيام جنَّةٌ وَالَّذِي نفس
مُحَمَّد بِيَدِهِ لخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة من ريح المسك
للصَّائِم فرحتان إِذا أفطر فَرح بفطره وَإِذا لَقِي ربه فَرح بصومه(٣).
١٤٤٧ - وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ كل عمل ابن آدم لَهُ الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالِهَا إِلَى
سَبْعِمِائَة ضعف قَالَ الله إِلَّ الصَّوْمِ فَهُوَ لي وَأَنَا أجزي بِهِ يدع الطَّعَام من أَجلي
ويدع الشَّرَاب من أَجلي ويدع لذته من أَجلي ويدع زَوجته من أَجلي
ولخلوف الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح المسك وللصائم فرحتان فرحة حِين
يفطر وفرحة حین يلقى ربه (٤).
الرَّفَث بِفَتْحِ الرَّاء وَالْفَاء يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْجِمَاعِ وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْفُحْش
(١) سورة يونس، الآية: ٥٨.
(٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٥٦- ١٥٧).
(٣) ابن خزيمة (١٨٩٦)، وأحمد (٢٧٣/٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٩٦٨).
(٤) أخرجه ابن خزيمة (١٨٩٧)، وأحمد (٤١٩/٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٩٦٨).

٦٤٩
كتاب الصيام
وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ خطاب الرجل وَالْمَرْأَة فِيمَا يَتَعَلَّقْ بِالْجِمَاعِ، وَقَالَ كثير من
الْعلمَاء إِن المُرَاد بِهِ فِي هَذَا الحَدِيثِ الْفُحْش ورديء الْكَلَام.
وَالْجِنَّة بِضَم الْچِيمِ هُوَ مَا يجنك
أَي يسترك ويقيك مِمَّا تخَاف وَمعنى الحَدِيث إِن الصَّوْم يستر صَاحبه
ويحفظه من الْوُقُوعِ فِي الْمعاصِي.
والخلوف بِفَتْحِ الْخَاء الْمُعْجَمَة وَضم اللَّامِ هُوَ تغير رَائِحَة الْفَم من الصَّوْم
وَسُئِلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَةٌ عَن قَوْله تَعَالَى كل عمل ابْن آدم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ
لِي فَقَالَ إِذا كَانَ يَوْمِ الْقِيَامَة يُحَاسب الله عز وَجل عَبده وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ من
الْمَظَالِمِ من سَائِرِ عمله حَتَّى لَا يَبْقى إِلَّ الصَّوْم فيتحمل الله مَا بَقِي عَلَيْهِ من
الْمَظَالِم ويدخله بِالصَّوْمِ الْجِنَّة هَذَا كَلَامِه وَهُوَ غَرِيبٍ وَفِي معنى هَذِهِ اللَّفْظَة
أو جه كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوضِع استفائها
قوله وَالّ: في رواية ابن خزيمة ((والذي نفس محمد بيده لخلوف فم
الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك)) قال العراقي في شرح
الأحكام(١) في الحديث: يقتضي أن طيب رائحة الخلوف إنما هو في الآخرة
ويوافقه القول الذي حكي عن العلماء فيما تقدم أن الله تعالى يجز به في
الآخرة حتى تكون نكهته أطيب من ريح المسك، قال الخطابي رحمه الله (٢).
(١) طرح التثريب في شرح التقريب (٩٦/٤).
(٢) ينظر: أعلام الحديث (٢ /٩٤٠).

٦٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
طيبها عند الله رضاه به وثناؤه عليه، وقال ابن عبد البر (١): معناه أزكى عند الله
وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك وقال البغوي في شرح السنة (٢):
معناه الثناء على الصائم والرضي بفعله وأما ذكر يوم القيامة في الرواية
المتقدمة وهي رواية ابن خزيمة فإنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف
في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضى الله
حيث يؤمر باجتنابها واجتناب الرائحة الطيبة فخص يوم القيامة بالذكر في
الرواية لذلك كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيِدٍ لَخَبِيرٌ
(٣)(٤)
فائدة: تتعلق بالخلوف: أسند أبو موسى المدني في الترغيب والترهيب عن
أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلو: ((إذا كان يوم القيامة يخرج الصائمون
من قبورهم يعرفون بريح صيامهم أفواههم أطيب من ريح المسك فيلقون
بالموائد والأباريق مختمة بالمسك فيقال لهم كلوا فقد جعتم واشربوا فقد
عطشتم دون الناس واستريحوا فقد عييتم إذ استراح الناس فيأكلون ويشربون
ويستريحون والناس متعلقون في الحساب في عناء وظمأ))(٥) ذكره في
(١) ينظر: الاستذكار (٣/ ٣٧٥) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (١٩ / ٥٧).
(٢) ينظر: شرح السنة للبغوي (٢٢٢/٦).
(٣) سورة العاديات، الآية: ١١.
(٤) طرح التثريب (٤/ ٩٧).
(٥) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٤٤٦) من طريق حماد أبو عمرو، عن النضر
بن حميد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس. والنضر بن حميد واه قَالَ أَبُو حاتم: متروك
=

٦٥١
كتاب الصيام
اللطائف(١).
قوله ◌َّله وفي رواية ابن خزيمة: ((للصائم فرحتان إذا أفطر فرح بفطره وإذا
لقي ربه فرح بصومه)) قال العلماء: أما فرحته عند فطره فبسببها تمام عبادته
وسلامتها من المفسدات وما يرجوه من ثوابها وأما فرحته عند لقاء ربه
فسببها ما يلقاه من جزائه وتذكر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك والله أعلم،
ذكر الخطابي (٢) رحمه الله تعالى: إن لفرحته فطره سببين أحدهما: سرور
بحصول الأجر ونيل الثواب، والثاني: إعطاء النفس حظها من الأكل
والشرب.
قوله: وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم
فإنه لي)) سفيان هذا هو أبو محمد وهو بضم السين على المشهور، ويقال:
بكسرها وحكي فتح السين أيضاً ابن عيينة: بضم العين ابن أبي عمران ميمون
الكوفي المكي الهلالي مولاهم مولى محمد بن مزاحم أخي الضحاك، وكان
بنو عيينة عشرة حرازين، حدث منهم خمسة وأشهرهم وأجلهم سفيان هذا
وكان من أحد حفاظ الاسلام وهو شيخ الحميدي روي عنه الشافعي وكان
الشافعي يجلس إليه وكان سفيان إذا سئل عن بعض المسائل يقول للسائل
=
الحديث. وقال العقيلي: روى النضر بن حميد عَن أَبِي الجارود، وثابت، ثم قَالَ: وقَالَ
البخاري: منكر الحديث.
(١) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٥٧).
(٢) ينظر: أعلام الحديث (٢/ ٩٤٧).

٦٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
هذا: سل هذا، ويشير إلى الشافعي رُوه، وربما كان يقول في بعض المسائل:
ما عندك في هذا؟ وهو معدود من تابعي التابعين، سمع الزهري وعمرو بن
دينار والسبيعي واتفقوا على إمامته وجلالته وعظيم مرتبته، أسند ابن عيينة عن
جماعة من جماهير التابعين وأدرك ستة وثمانين نفسا من أعلام التابعين
وحدث عنه الأئمة سفيان والأعمش وشعبة والأوزاعي، وقال سفيان: لما
بلغت خمس عشرة سنة دعاني أبي فقال: يا سفيان قد انقطعت عنك شرائع
الصبا فاحفظ الخير تكن من أهله واستأنس بالوحشة عن جلساء السوء، واعلم
أنه لن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم [١١٣ / أ] قال سفيان: فجعلت وصية أبي
قبلة أميل إليها ولا أميل عنها، وقال الحسن بن عمران: حججت مع عمي
سفيان آخر حجة فلما كنا بجمع في مزدلفة وصلى، استلقى على فراشه ثم قال:
قد وافيت هذا الموضع ثمانين عاما أقول في كل [سنة اللهم لا تجعله]آخر
العهد بهذه المواضع [وإنى] قد [استحييت] من الله [من كثرة ما اسأله] ذلك
فرجع فتوفي السنة الداخلة في رجب سنة ثمان وتسعين وهو ابن إحدى
وتسعين سنة، وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من سفيان بن عيينة،
وقال سفيان بن عيينة: قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا
ابن [سبع سنين]، وقال أبو يوسف الغسولي: دخلت على ابن عيينة وبين يديه
قرصان من شعير فقال: إنهما طعامي منذ أربعين سنة وهو أحد أجداد الشافعية
في طريق الفقه ولد سفيان سنة سبع ومائة وسكن مكة وتوفي بها ومناقبه كثيرة

٦٥٣
كتاب الصيام
مشهورة ◌َقُولُ ونفعنا ببركاته(١).
قول سفيان: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ونودي ما عليه من
المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من
المظالم ويدخله بالصوم الجنة، قال الحافظ (٢): هذا كلامه وهو غريب، قال
بعض العلماء: وعلى هذا فيكون المعنى أن الصيام لله عز وجل فلا سبيل
لأحد إلى أخذ أجره من الصيام بل أجره مدخر لصاحبه عند الله عز وجل
وحينئذ فقد يقال: عن سائر الأعمال قد يكفر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها
أجر فإنه روي أنه يوازن يوم القيامة به الحسنات والسيئات ويقص بعضها من
بعض، فإن بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها إلى الجنة، قاله سعيد
بن جبير وغيره فيحتمل أن يقال في الصوم إنه لا يسقط ثوابه بمقاصة ولا
غيرها بل يوفر أجره لصاحبه حتى يدخل الجنة فيوفي أجره فيها (٣) أ.هـ.
وَتقدم حَدِيث الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيّ فِيهِ وآمركم بالصيام وَمثل ذَلِك كَمثل
رجل فِي عِصَابَة مَعَه صرة مسك كلهم يحب أن يجد رِيحهَا وَإِنِ الصّيام
أطيب عِنْد الله من ريح المسك الحَدِيثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ إِلَّا أَنه قَالَ
وَإِن ريح الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح المسك وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٢٤/١-٢٢٥ ترجمة ٢١٦).
(٢) أى المنذری.
(٣) لطائف المعارف (ص ١٥٢).

٦٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْنِ حبَان وَالْحَاكِمِ وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الأَلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ(١).
قوله: وتقدم حديث الحارث الأشعري وفيه قال رسول الله وَّيقول: ((وآمركم
بالصيام ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة مسك كلهم يحب أن يجد
ريحها)) وتقدم تفسير العصابة في الالتفات في الصلاة، وأما معنى الحديث
فقال ابن قيم الجوزية الحنبلى (٢): إنما مثل النبي ◌َّلو ذلك بصاحب الصرة
التي فيها المسك لأنها مستورة عن العيون مخبوءة عن مشاهدة الخلق تحت
ثيابه كعادة حامل المسك وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق لا
تدركه حواسهم و الصائم هو الذي صامت جوارحه عن الأثام ولسانه عن
الكذب والفحش وقول الزور وبطنه عن الطعام والشراب وفرجه عن الرفث
فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه
فيخرج كلامه كل نافعا صالحا وكذلك أعماله فهو بمنزلة الرائحة التي يشمها
من جالس حامل المسك كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن
فيها من الزور والكذب والفجور والظلم هذا هو الصوم المشروع لا مجرد
الإمساك عن الطعام والشراب ففي الحديث: ((من لم يدع قول الزور والعمل
به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))(٣) وفي الحديث: ((رب صائم حظه
(١) الترمذي (٢٨٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي (١١٣٤٩)، وابن
خزيمة (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١ /١١٧)، وأحمد (١٧١٧٠).
(٢) الوابل الصيب (ص ٢٦).
(٣) صحيح البخاري (١٩٠٣).

٦٥٥
كتاب الصيام
من صيامه الجوع والعطش)) (١) الحديث.
فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن الشراب والطعام،
فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد
ثمرته فيصير بمنزلة من لم يصم، وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من
الصائم، هل هي في الدنيا أو في الآخرة على قولين: تقدم الكلام في ذلك عن
ابن الصلاح وابن عبد السلام(٢).
١٤٤٨ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عِمر ◌َّ ◌َا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّةِ الْأَعْمَالِ عِنْد الله
عز وَجل سبع عملان موجبان وعملان بأمثالهما وَعمل بِعشر أَمْثَاله وَعمل
بسبعمائة وَعمل لا يعلم ثَوَابِ عَامله إِلَّ الله عز وجل فَأَما الموجبان فَمِن لَقِي
الله يعبده مخلصا لَا يُشْرك بِهِ شَيْئًا وَجَبت لَهُ الْجَنَّة وَمن لَقِي الله قد أشرك بِهِ
وَجَبت لَهُ النَّارِ وَمن عمل سَيِّئَة جزي بِهَا وَمن أَرَادَ أَن يعْمل حَسَنَة فَلم يعملها
جزي مثلهَا وَمن عمل حَسَنَة جزي عشرا وَمن أنْفق مَاله فِي سَبِيل الله ضعفت
لَهُ نَفَقَته الدِّرْهَم بسبعمائة وَالدِّينَار بسبعمائة وَالصِّيَام الله عز وجل لا يعلم
ثَوَابِ عَامله إِلَّ الله عز وَجل رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيّ(٣).
(١) أخرجه أحمد (٨٨٥٦) الدارمي (٢٧٢٠) أبو يعلى (٦٥٥١)، وابن خزيمة (١٩٩٧)
والبغوي (٧٤٧)، والحاكم ٤٣١/١، والقضاعي في مسند الشهاب (١٤٢٦) وصححه
الالباني كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٣٤٨٨).
(٢) الوابل الصيب (ص ٢٧ -٣١).
(٣) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٦٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٨٩)، وقال الهيثمي

٦٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَهُوَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حبَان من حَدِيث خريم بن فاتك بِنَحْوِهِ لم یذکر فِيهِ
الصَّوْم(١).
قوله: وروي عن ابن عمر، تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله وَاللّ: ((الأعمال عند الله سبع: عملان موجبان وعملان بأمثالهما
وعملان بعشر أمثاله وعمل بسبعمائة وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله تعالى
وهو الصوم)) وقد [١١٣ / ب] فسر ذلك في الحديث.
فائدة: قوله في الحديث: رواه الطبراني(٢) قال ذو النسبين في كتابه ((العلم
المشهور)): وقد قرأت بمدينة أصبهان في معجم الإمام أبي القاسم الطبراني
وعندي منه أصله في مائتين وأحد وثلاثين جزءً يحتوي على ستين ألف
حديث وهو أكبر مسانيد الدنيا قرأته كله على موفق الدين أبي جعفر محمد
بن أحمد بن نصر سبط [حسين] بن مندة وقد قارب التسعين وكان ثقة مسندا
مجاب الدعوة وآخر من حدث في الدنيا عن قريبه الإمام أبي زكريا يحيى بن
منده إجازة(٣) والله أعلم.
قوله: وهوفي صحيح ابن حبان من حديث خريم بن فاتك بنحوه، ولفظه
في مجمع الزوائد (١٨٢/٣)، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن المتوكل وقد
ضعفه جمهور الأئمة.
(١) ابن حبان (٦١٧١).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) العلم المشهور (لوحة ٥٤). انظر ترجمة أبي جعفر الصيدلانى: التكملة (١٢١/٢)،
وتاريخ الاسلام (٨٢/١٣)، وسير أعلام النبلاء (١٤/١٦).

٦٥٧
كتاب الصيام
أن النبي وَيّ قال: ((الناس أربعة والأعمال ستة، فالناس موسع عليه في
الدنيا[وفى] الآخرة، وموسع عليه في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، موسع عليه
في الآخرة مقتور عليه في الدنيا، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان
ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، [فأما]الموجبتان من مات
مسلما لا يشرك بالله دخل الجنة، ومن مات كافراً وجبت له النار، وأما مثل
بمثل فمن هم بحسنة ولم يعملها وعلم الله أنه [قد أشعرها] قلبه وحرص
عليها كتبت له حسنة، ومن عمل سيئة كتبت له سيئة، ومن عمل حسنة كتبت
له بعشر أمثالها، ومن أنفق في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف))(١) أ.هـ.
١٤٤٩ - وَعَن سهل بن سعد رََّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ إِن فِي الْجِنَّة بَابا يُقَال
لَهُ الريان يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْمِ الْقِيَامَة لا يدخل مِنْهُ أحد غيرهم فَإِذا دخلُوا
أغلق فَلم يدْخل مِنْهُ أحد رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ.
وَالتِّرْمِذِيّ وَزَادٍ وَمن دخله لم يظمأ أبدا وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه إِلَّا أَنْه
قَالَ فَإِذا دخل أحدهم أغلق من دخل شرب وَمن شرب لم يظمأ أبدًا (٢).
قوله: وعن سهل بن سعد زََّ [هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى سهل بن
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المسند (٧٤٣)، وأحمد في المسند ٣٤٥/٤ (١٩٠٣٥)، وابن
حبان (٦١٧١)، والطبراني في الكبير (٢٠٥/٤-٢٠٧ رقم ٤١٥١ -٤١٥٥). وصححه
الألباني في الصحيحة (٢٦٠٤).
(٢) البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢)، والترمذي (٧٦٥)، وابن ماجه، وابن خزيمة
(١٩٠٢)، وابن ماجه (١٦٤٠)، وأحمد (٢٢٨١٨)، وابن حبان (٣٤٢٠).

٦٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة
بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدنى، كان اسمه حزنا، فسماه
النبى وَل سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله وَ﴾ فى المتلاعنين، قال الزهرى:
سمع من النبى وَّةٍ، وكان له يوم وفاة النبى وَل خمس عشرة سنة. وتوفى
بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو
آخر من مات من أصحاب النبى ◌َ لّ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل
فيه خلاف. روى له عن رسول الله وَله مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا،
اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخارى بأحد عشر. روى عنه الزهرى،
وأبو حاتم، وغيرهما.(١)].
قوله وَّله: ((إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة))
الحديث، وفي هذا الحديث فضيلة الصيام وشرف الصائمين وكرامتهم
والصائم الذي يدخل باب الريان هو كامل الصوم الذي صان صومه عن
الرفث والفسق وقول الزور ومع ذلك المراد به من كان الغالب عليه عبادة
الصوم بأن يكثر منه بأن يصوم يوما ويفطر يوما أو يصوم الأيام البيض
والاثنين والخميس وعرفة وعاشوراء وتاسوعاء وكل ما ورد في ثوابه حديث
ونحو ذلك هذا هو الظاهر، أ.هـ، قاله في الديباجة.
قال صاحب العلم المشهور (٢): وقد أعد الله جلت قدرته للصائمين بابا في
(١) تهذيب الأسماء والصفات (١/ ٢٣٨ ترجمة ٢٣٧).
(٢) العلم المشهور (لوحة ١٢٤).

٦٥٩
كتاب الصيام
الجنة يسمى الريان لا يدخل منه غير الصائمين وقد ثبت وصح اسم هذا
الباب لدار المآب قال أهل اللغة: الريان فعلان مشتق من الري بكسر الراء
على جهة المبالغة واكتفى بذكر الري عن الشبع لأنه يدل عليه من حيث أنه
يستلزمه(١)، والري هو استيفاء الشرب حتى يمتلئ محله من الجسم امتلاء لا
يحتمل زيادة خص به الصائمون جزاء على عطشهم في الدينا (٢)، قال:
والحكمة في ذلك إنه لما كان الصائم موصوفا بالعطش سمي الباب الذي
يدخل منه باب الريان أي الذي قد زال عنه العطش ووصل إلى الري (٣) أ.هـ،
وقال ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام، قيل: إنما سمي بالريان لري
من دخل منه بانهار الجنة (٤) وقيل: لما كان الصائم يكابد العطش أدخل من
هذا الباب على سبيل المجازاة له ومقابلة عطشه بالري، فروعي المناسبة بين
العمل وجزائه بباب الريان ؟(٥).
فإن قيل: من المعلوم أن الجنة لا عطش فيها وأن الري شامل لجميع
أهلها، فما وجه اختصاص الصائمين؟
قلنا: الصائمين يحصل لهم الري قبل حصوله لغيرهم مجازاة لعطشهم في
(١) المفهم (٦/١٠).
(٢) مطالع الأنوار (١٩٨/٣) والعلم المشهور (لوحة ١٢٥).
(٣) مشارق الأنوار (لوحة ١٢٥).
(٤) انظر المفهم (٩ / ٤٠).
(٥) انظر: كشف المشكل (٣٩١/٣)، والكواكب الدراري (٨١/٩-٨٢).

٦٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الهواجر (١) أ.هـ.
وقال في شرح المشارق (٢): وقيل المعنى أن الصيام بتعطيشهم أنفسهم في
الدنيا يدخلون من باب الريان ليأمنوا من العطش قبل تمكنهم في الجنة، وقال
بعض العلماء: لما صبر الصائمون الله عز وجل في الحر على شدة العطش
والظمأ أفرد لهم بابا من أبواب الجنة وهو باب الريان من دخله شرب ومن
شرب لم يظمأ أبدا فإذا دخلوا [١١٤ / أ] أغلق على من بعدهم فلا يدخل منه
غيرهم(٣)، وفي هذا الحديث فضيلة الصيام وكرامة الصائمين(٤) جعلنا الله
منهم بمنه وكرمه آمین.
١٤٥٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َو ◌َلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ اغزوا تغنموا
وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاته
ثِقَات(٥).
قوله: وعن أبي هريرة نَّه، تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وَالر: ((اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا)) الحديث،
(١) لطائف المعارف (ص ٣٢٣)، والتوضيح (٣٨/١٣).
(٢) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٢).
(٣) لطائف المعارف (ص ٣٢٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (٣٢/٨).
(٥) الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٩/٣)، رواه
الطبراني في الأوسط، ورواته ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٢١٠).