Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الصدقات
من فيح جَهَنَّم رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد(١).
وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي اصطناع الْمَعْرُوف وَلَفظه قَالَ دخل رَسُول الله ◌َّد
الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول أَيَّكُم يسره أَن يَقِيه الله عز وجل من فيح جَهَنَّمَ قُلْنَا يَا
رَسُول الله كلنا يسره قَالَ من أنظر مُعسرا أَو وضع لَهُ وَقَاه الله عز وجل من فیح
جَهَنَّم (٢).
قوله: و عنه تقدم الكلام علیه.
قوله: وَّجله ((من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم)) الحديث
فيح جهنم هو بفاء مفتوحة ثم مثناة تحت ساكنة ثم بحاء مهملة أي سطوع
حرها وانتشاره وغليانها وفاحت القدر تفيح وتفوح إذا غلت وقد أخرجه
مخرج التشبيه والتمثيل أي كأنه نار جهنم في حرها قاله في النهاية (٣) وجهنم
هي الطبقة العليا من النار يدخلها عصاة الموحدين والنار(٤) سبع دركات
أولها جهنم ثم الجحيم ثم السعير ثم لظى ثم سقر ثم الحطمة ثم الهاوية وقد
نظمها ابن العماد في بيتين:
(١) أحمد (٣٠١٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣٣/٤)، رواه أحمد وفيه عبد الله بن
جعونة السلمي، ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح، قلت: إنما هو نوح بن
جعونة السلمي، وهو نوح بن أبي مريم، ينظر ترجمته في الميزان، وفي التقريب: كذبوه في
الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع، والله أعلم.
(٢) ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج (١٠٥).
(٣) النهاية (٤٨٤/٣).
(٤) تفسير ابن عرفة (٣٦٩/٢)، وتفسير الثعلبى (٤٥٨/٥).

٤٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جهنم ثم الحجيم والسعر ثم لظى أربعة ثم سفر
بالله عز من كل نار حامية(١)
حاطمة وبعد هذا هاوية
١٣٥٠ - وَعَن أبي قَتَادَة ◌َّ ◌َهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َِّ يَقُول من نفس
عَن غَرِيمِه أو محى عَنْهُ كَانَ فِي ظِلّ الْعَرْشِ يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي شرح
السّنة وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن (٢). وَتقدم فِي أول الْبَاب بِنَحْوِهِ.
قوله: وعن أبي قتادة تقدم الكلام علیه.
قوله: وَّ﴾ ((من نفس عن غريمه أو محى كان في ظل العرش يوم القيامة))
تقدم معنى تفسير هذه الحديث في الأحاديث قبله.
١٣٥١ - وَرُوِيَ عَن عُثْمَان بن عَفَّان رَّوَ قَالَ سَمِعتَ رَسُول اللهِوَهِ يَقُول
أظل الله عبدا فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله أنظر مُعسرا أو ترك لغارم رَوَاهُ عبد
الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الْمسند(٣).
(١) قلنا: هذا مخالف للترتيب المأثور عن ابن جريج حيث قال: النار سبع دركات أولها جهنم
ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية. لكل باب منهم جزء
مقسوم، أي: لكل دركة قوم يسكنونها. وقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد
الذين أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة
اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي
السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِىِ الدَّركِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:
١٤٥]، تفسير الطبرى (٧٤/١٤)، وتفسير البغوى (٣٨٢/٤).
(٢) البغوي في شرح السنة (٢١٣٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٢).
(٣) عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥٣٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣٣/٤)،
وفيه عباس ابن الفضل الأنصاري، ونسب إلى الكذب، قلت: قال الحافظ في التقريب:
متروك، واتهمه أبو زرعة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٢٠).

٤٦٣
كتاب الصدقات
قوله: وروى عن [٩٠ / أ] عثمان بن عفان هو أمير المؤمنين عثمان بن
عفان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي
الأموي المكي ثم المدني(١) أمه أروي بنت كريز بضم الكاف وفتح الراء من
ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد
المطلب عمة رسول الله وله أسلم عثمان قديما دعاه أبو بكر إلى الإسلام
فأسلم وهاجر الهجرتين إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة فهاجر بزوجته
رقية بنت رسول الله وقّله إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية.
(٢): روينا في تاريخ دمشق في أحوال بنات رسول الله وَله عن
قال النووي
أسماء بنت أبي بكر عن النبي وَيُّ أنه قال: حين هاجر عثمان برقية والذي
نفسي بيده أنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط صلى الله عليهما وسلم
ويقال: لعثمان ذي النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله وَ إحداهما بعد
الأخرى قالوا ولا يُعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره تزوج رقية قبل النبوءة
وتوفيت عنده في أيام غزوة بدر في شهر رمضان السنة الثانية من الهجرة وكان
تأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله فجاء البشير بنصر المؤمنین ببدر يوم
دفنوها بالمدينة وولدت له رقية ثم تزوج بعد وفاتها أختها أم كلثوم بنت
(١) ينظر: تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٤٤٥/١٩) وطبقات ابن سعد: ٥٣/٣-٨٤،
وتاريخ الدوري: ٣٩٤/٢، وفضائل الصحابة لأحمد: ٤٤٨/١-٥٢٧، وتاريخ البخاري
الكبير: ٢١٩١، والقضاة لوكيع: ١/ ١١٠، والجرح والتعديل: ٦/ الترجمة ٨٨٢.
(٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١١١/٣).

٤٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رسول الله وَ﴾ وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة ولم تلد له شيئا روى
لعثمان عن رسول الله وَليلي مائة حديث وستة وأربعون حديثا اتفق البخاري
ومسلم منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة ولد عثمان في
السنة السادسة بعد الفيل وقتل شهيدا يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي
الحجة سنة خمس وثلاثين وقيل قتل يوم الأربعاء وهو ابن تسعين سنة وقيل
ثمان وثلاثين وقيل ثنتين وثمانين وقيل غير ذلك وبويع له بالخلافة غرة
المحرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليالي، قال:
ابن عبد البر(١) بويع يوم السبت بعد دفن عمر بثلاثة أيام وحج فيها بالناس
عشر سنين متوالية وصلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا بالبقيع واختفى
قبره ذلك الوقت ثم أظهر وقيل دفن حشر كوكب قال ابن قتيبة: وهي أرض
اشتراها عثمان وزادها في البقيع والحشر البستان وكوكب اسم رجل من
الأنصار وقيل صلى عليه حكيم بن حزام وقيل المسور بن مخرمة وإنما دفن
ليلا للعجز عن إظهار دفنه بسبب غلبة قاتليه قال: ابن قتيبة وفي زمن عثمان
كانت غزوة الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبوس وغير ذلك ثم حصر
في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فحصر عشرين يوما في داره وقتل فيها
وقال: الواقدي (٢) حصروه تسعة وأربعين يوما وقال: الزبير بن بكار حصروه
(١) الاستيعاب: ١٠٣٧/٣
(٢) ينظر: تهذيب النووي: ٣٢١/١، والكاشف ٣٧٧٧، وتذكرة الحفاظ: ٨/١، والعبر:
١٠،٥/١، ٣٠، وتجريد أسماء الصحابة: ٤٠٠٤.

٤٦٥
كتاب الصدقات
شهرين وعشرين يوما وكان حسن الوجه رقيق البشرة كث اللحية أسمر كثير
الشعر بين الطويل والقصير وكان محببا في قريش واشترى بئر رومة من
يهودي بعشرين ألف درهم وسبّلها للمسلمين وجهز جيش العسرة بتسعمائة
وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا وفي كتاب الترمذي (١) عن عبد الرحمن بن
خباب بالخاء المعجمة السلمي الصحابي قال: شهدت النبي وضَّ وهو يحث
على جيش العسرة فقال: عثمان بن عفان يا رسول الله عَلَيَّ هذه ثلاثمائة بعير
بأحلاسها وإقتابها في سبيل الله فإنا رأيت رسول الله وَ لا ينزل [٩٠/ ب] عن
المنبر وهو يقول ما على عثمان ما عمل بعد هذه، وعن عبد الرحمن بن
سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي وَ لَه بألف دينار حين جهز جيش العسرة
فنثرهافي حجره ويقول ((ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم مرتين)) رواه
الترمذي (٢) وعن أنس قال: لما أمر رسول الله وَله ببيعة الرضوان كان عثمان
بن عفان رسول، رسول الله وسيلة إلى أهل مكة فبايع الناس فقال النبي {
صَلى الله.
وسلم
((إن عثمان في حاجة الله وفي حاجة رسول الله وَّل فضرب إحدى يديه على
الأخرى، فكانت يد رسول الله وسي لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم)) رواه
(١) أخرجه والترمذي (٣٧٠٠) وأحمد (٢٤٨/٢٧) ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني
(١٤١٩)، وفي السنة (١٢٨٠) الطيالسي (١١٨٩)، وابن سعد ٧٨/٧، وعبد بن حميد في
المنتخب (٣١١)، والبخاري في التاريخ الكبير ٢٤٦/٥،، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٥٨-
٥٩، والبيهقي في الدلائل ٢١٤/٥. قال الألباني: ضَعِيف ينظر مشكاة المصابيح
(١٧١٣/٣).
(٢) سنن الترمذي ت بشار (٣٧٠١) قال الألباني: حسن ينظر: مشكاة المصابيح (١٧١٣/٣).

٤٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترمذي (١) وعن كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله وَله فتنة
فقال: يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان رواه الترمذي (٢).
وعثمان بن عفان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة واحد الخلفاء
الراشدين وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد المنفقين في سبيل الله الإنفاق
العظيم وأحد أصهار رسول الله وَّ ولم يلبس السراويل في جاهلية ولا
إسلام إلا يوم قتله وقال: إني رأيت رسول الله وَ له البارحة وأبو بكر وعمر
وقالوا اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة ثم دعا بمصحف ففتحه فقتل وهو
بين يديه وأعتق عشرين مملوكا وهو محصور ومناقبه كثيرة رضي الله تعالى
عنه.
قوله: وَ جّر ((أظل الله عبد في ظله يوم لا ظل إلا ظله أنظر معسر أو ترك
لغارم)) تقدم الكلام على الظل وعلى إنظار المعسر.
١٣٥٢ - وَرُوِيَ عَن أسعد بن زُرَارَة رَّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ من سره
أَن يظله الله فِي ظله يَوْمِ لَا ظلّ إِلَّا ظله فلييسر على مُعسر أَو ليضع عَنْهُ رَوَاهُ
الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير(٣) وَلَه شَوَاهِد.
(١) سنن الترمذي ت بشار (٣٧٠٢) قال الألباني: ضعيف ينظر: سنن الترمذي (٣٩٦٨).
(٢) في حاشية مسند أحمد (٤٥٩/١): وجاء متواتراً أن النبي وَ لَهَ بَشَّره بالجنة، وعَدَّه من أهل
الجنة، وشهد له بالشهادة ... ثم ذكر هذا الحديث.
(٣) الطبراني في الكبير (٨٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣٤/٤)، وفيه عاصم
ضعيف، ولم يدرك أسعد بن زرارة، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب
(٩٠٣).

٤٦٧
كتاب الصدقات
قوله: وروى عن أسعد بن زرارة [هو أبو أمامة بضم الهمزة وتخفيف
الميمين أسعد بن زرارة بضم الزاي وتخفيف الرائين بن عدس بضم العين
المهملة وفتح الدال المهملة وبالسين المهملة بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بفتح
الغين المعجمة وسكون النون بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي،
ويقال له: أسعد الخير، غلبت عليه كنيته، وهو من أول الأنصار إسلاما،
وكان سبب إسلامه ما ذكره الواقدي، أن أسعد بن زرارة خرج إلى مكة هو
وذكوان بن عبد قيس يتنافران إلى عتبة بن ربيعة، فسمعا برسول الله وَالجلد
فأتياه، فعرض عليهما الإسلام، وقرأ عليهما القرآن فأسلما، ولم يقربا عتبة،
ورجعا إلى المدينة، وكانا أول من قدم بالإسلام إلى المدينة، وشهد العقبة
الأولى والثانية وبايع فيهما، وكانت العقبة الأولى في ستة نفر أو سبعة والثانية
في اثني عشر رجلا، والثالثة في سبعين وهو نقيب بني ساعدة، ويقال: إنه أول
من بايع النبي ◌ُّ ليلة العقبة، وكان أول من جمع الأنصار بالمدينة قبل مقدم
النبي ◌َّ، مات قبل بدر أيام بناء مسجد رسول الله وَلو، أخذته الذبحة
والمسجد يبنى فكواه رسول الله وَ ل ومات في تلك الأيام، وذلك في سنة
إحدى، وقيل: على رأس ستة أشهر من الهجرة (١)].
قوله وَلية: ((من سره أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على
معسر أو لیضع عنه)) تقدم الكلام أيضا على ذلك.
(١) جامع الأصول (١٢ / ١٤١)، وأسد الغابة (١ / ٨٦ ترجمة ٩٨).

٤٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٣٥٣ - وَرُوِيَ عَن شَدَّاد بن أَوْس ◌َهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِوَهِ يَقُول
من أنظر مُعسرا أَو تصدق عَلَيْهِ أظلهُ الله فِي ظله يَوْمِ الْقِيَامَة رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
الْأَوْسَط (١).
قوله: وروى عن شداد بن أوس تقدم الكلام على شداد بن أوس في أوائل
هذا التعليق في باب الرياء.
قوله: وَّجله ((من أنظر معسر أو تصدق عليه أظله الله في ظله يوم القيامة)) تقدم
أيضا الكلام على الظل في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله في صدقة
السر وإن المراد به ظل العرش.
(١) الطبراني في الأوسط (٤١٢٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣٤/٤)، وفیہ یحیی بن
سلام الإفريقي وهو ضعيف، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٤).

٤٦٩
كتاب الصدقات
الترغيب في الإنفاق في وجوه الخير کرما
والترهيب من الإمساك والادخار شحا
١٣٥٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ مَا من يَوْم يصبح
الْعباد فِيهِ إِلَّا ملكان ينزلان فَيَقُول أَحدهمَا اللَّهُمَّ أعط منفقا خلفا وَيَقُول
الآخر اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم (١).
وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظه إِن ملكا بِبَاب من أَبْوَابِ الْجَنَّة يَقُول من
يقْرض الْيَوْمِ يجز غَدا وَملك بِبَاب آخر يَقُول اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا وَأعْطِ
ممسكا تلفا(٢).
وَرَوَاهُ الطََّرَانِيّ مثل ابْنِ حَبَانِ إِلَّا أَنْه قَالَ بِبَابِ من أَبْوَابِ السَّمَاءِ(٣).
١٣٥٥ - وَعِنْهُ زَّوَّهُ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَّةِ قَالَ قَالَ الله تَعَالَى يَا عَبدِي أنْفق
أَنْفق عَلَيْك وَقَالَ يَد الله ملأى لَا يغيضها نَفَقَة سحاء اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَرَأَيْتُم مَا
أنْفق مُنْذُ خلق السَّمَوَاتِ وَالأَرْض فَإِنَّهُ لم يغض مَا بِيَدِهِ وَكَانَ عَرْشه على
المَاء وَبِيَدِهِ الْمِيزَان يخْفض وَيَرْفَعِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم (٤).
لا یغیضها بفتح أوله أَي لا ينقصها.
(١) البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠).
(٢) ابن حبان (٣٣٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٩٠٥).
(٣) الطبراني في الأوسط (٨٩٣٥).
(٤) البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣).

٤٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وَالحلقة: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء فيقول
أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا)).
قوله: خلفاً: أي عوضا يقال أخلف الله عليك بخير وأخلف عليك خيرا أي
أبدلك مما ذهب منك وعوضا عنه وأما أعط الثاني فهو مشارك للأول إذ التلف
لا يعطي قاله ابن الأثير وغيره(١) قال: العلماء وهذا في الإنفاق في الطاعات
ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك بحيث لا
يذم ولا يسمي سرفا والامساك المذموم هو الامساك عن هذا (٢) انتهى.
وهو موافق في المعنى لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُةُ﴾(٣) الآية وهذا يعم الواجبات والمندوبات [وقول الملك: ((اللهم
أعط ممسكا تلفا)؛ يعني: الممسك عن النفقات الواجبات، وأما الممسك
عن المندوبات] فقد لا يستحق هذا الدعاء اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها
وإن قلت في أنفسها كاللقمة واللحمة وما شاكل هذا فهذا قد يتناوله هذا
الدعاء لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه وقل ما يكون
كذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات ولا يطيب نفسا بها(٤) وأسند [٩١/ أ]
الترمذي الحكيم، عن الزبير قال: قال رسول الله وَله: ((أتدرون ماذا قال:
(١) النهاية (٦٦/٢) وشرح المشكاة (١٥٢٣/٥)، والكواكب الدراري (٢٠٥/٧)
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ٩٥).
(٣) سورة سبأ، الآية: ٣٩.
(٤) المفهم (٩/ ٢٥/٢٤).

٤٧١
كتاب الصدقات
ربکم)) قلت الله ورسوله اعلم قال: «قال ربکم حین استوى على عرشه، ونظر
إلى خلقه: عبادي! أنتم خلقي، وأنا ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما
تكفلت لكم، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإلي فارفعوا حوائجكم، انصبوا إلي
أنفسكم، أصب أرزاقكم، أتدرون ماذا قال ربكم؟ قال الله-تبارك وتعالى -:
عبدي! أنفق أنفق عليك، وأوسع أوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، ولا
تصر، فأصر عليك، ولا تخزن، فأخزن عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق
سبع سماوات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلاً ولا نهاراً، ينزل الله منه
الرزق على كل امرئ بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، فمن أكثر، أكثر
له، ومن أقل، أقل له، ومن أمسك، أمسك عليه، يا زبير! فكل وأطعم، ولا
توك فيوكى عليك، ولا تحص فيحصى عليك، ولا تقتر فيقتر عليك، ولا
تعسر فيعسر عليك، يا زبير! إن الله يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، وإن
السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار من أيقن، ولا يدخل
الجنة من شك، يا زبير! إن الله يحب السخاء ولو بفلق تمرة، والشجاعة ولو
بقتل عقرب أو حية، يا زبير! إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين
النافذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، والورع
الصادق عند الحرام والخبيثات، يا زبير! عظم الأخوان، وجلل الأبرار، ووقر
الأخيار، وصل الجار، ولا تماش من الفجار والأشرار، وادخل الجنة بغير
حساب ولا عذاب، هذه وصية الله إلي، ووصيتي إليك يا زبير بن العوام))(١).
(١) أخرجه الحكيم الترمذي (٦٨٤) قال: حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا عبد
الرحمن بن سلام الجمحي، عن عيسى بن يونس، عن وائل بن داود، عن النخعي، عن

٤٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وعن أنس بن مالك أن رسول الله وَال قال: للزبير ((يا زبير، إن مفاتيح
الرزق بإزاء العرش، ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر
له، ومن قلل قلل له))(١).
فائدة: وفي كتاب الأربعين (٢) على مذهب المحققين من الصوفية للحافظ
أبي مسعود سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني بإسناده إلى
عمران بن حصين قال قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ وَّهِ بِطَرَفِ عِمَامَتِي مِنْ وَرَائِي فَقَالَ:
(يَا عِمْرَانُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْإِنْفَاقَ، وَيُبْغِضُ الْإِقْتَارَ، فَأَنْفَقْ وَأَطْعِمْ، وَلَا تُصِرُّ صَرًّا
فَيَعْسُرَ عَلَيْكَ الطََّبُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ النَّظَرَ النَّاقِدَ عِنْدَ مَجِيءٍ
الُّبُهَاتِ، وَالْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ نُزُولِ الشَّهَوَاتِ، وَيُحِبُّ السَّمَاحَةَ وَلَوْ عَلَى
تَمَرَاتٍ، وَيُحِبُّ الشَّجَاعَةَ وَلَوْ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ))(٣) قاله في حياة الحيوان(٤).
قوله: وعنه تقدم الكلام علیه.
=
الزبير بن العوام، وفيه شيخه عمر بن أبي عمر البلخى وهاه ابن حجر كما في الفتح
(١٢/ ٣٧٠ رقم ٦٩٨٢). وإبراهيم النخعى لم يدرك الزبير بن العوام.
(١) أخرجه الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٣٣٨٥)، والسلفى في المشيخة البغدادية
(٢٨). وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٣٢٤١).
(٢) الأربعون للسلمى (٢٥) وانظر تخريجه في التعليق التالى.
(٣) أخرجه أبو بكر النجاد (١٨)، وابن جميع في المعجم (ص ٨٨-٨٩)، والسلمى في
الأربعون (٢٥)، وأبو نعيم في الحلية (١٩٩/٦)، وأبو منصور الأصفهانى في فى جزئه
(٢٠)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٠٨٠ و١٠٨١) والأصبهانى في الترغيب
(٤١١). وفيه عمر بن حفص العبدی متروك.
(٤) حياة الحيوان (٣٩٩/١).

٤٧٣
كتاب الصدقات
(١)
قوله: وَّ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾
فيتضمن الحث على الإنفاق والتبشير بالخلف من فضل الله عز وجل.
قوله: {وَحقول ((يد الله ملآى)) ملآى بفتح الميم وإسكان اللام بعدها همزة
مفتوحة تأنيث ملآن قال: القرطبي (٢) في شرح مسلم كذا صحت الرواية
ورواه بعضهم ملا مثل دعا حكاه القاضي عياض (٣) قال: وقيل يصح هذا
على نقل الهمزة وفي رواية لمسلم ملآن بزيادة نون وقالوا إنها غلط من ابن
نمير راويها وإن الصواب ملآى كما في سائر الروايات (٤) لأن اليمين مؤنثة
وملآى هو كناية عن كرمه سبحانه وتعالى وسعة فضله وهذه استعارة وحمل
هذه على الاستعارة عادة التخاطب وحصول التعاظم وكل ما أطلق على الله
تعالى مما يدل على الجوارح والأعضاء كلها عين والأيدي والجنب
والأصبع فهي كلها مؤولة في حقه سبحانه وتعالى لاستحالة حملها على
ظواهرها (٥) وقال المازري(٦): إطلاق اليدين على الله تعالى متأول على
القدرة وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه
ليكون أوضح وآكد في النفوس [٩١/ ب] وذكر اليمين والشمال حتى يتمم
(١) سورة سبأ، الآية: ٣٩.
(٢) المفهم (٩/ ٦).
(٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٠٩/٣)
(٤) شرح النووي على مسلم (٧٩/٧).
(٥) المفهم (٩/ ٧).
(٦) المعلم (١٨/٢ -١٩).

٤٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المثال لأنا نتناول باليمين ما نكرمه بالشمال ما دونه ولأن اليمين في حقنا
یقوی لما لا یقوی له الشمال(١) فنحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا
به ولا نشبهه بشيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٢) وما قاله
(١) أجمع السلف على إثبات صفة اليد لله تعالى على مايليق بجلاله سبحانه قال تعالى: ﴿بَلْ
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ﴾ وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ وقال: (وَالْأَرْضُ
جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيِمِينِهِ) وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. ومن
الأحاديث: ففي الصحيح في حديث احتجاج آدم وموسى أن موسى يقول له: (أنت آدم
خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه
وخط لك التوراة بيده) وهذه كلها أدلة تثبت لله جل في علاه يداً حقيقية لا تشبه يد
المخلوق، وأيضا قوله وَله: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ
يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) رواه مسلم (٢٧٥٩).
وقوله ◌َّله في حديث الشفاعة: (( ... فيأتونه فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده،
ونفخ فيك من روحه)) رواه: البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).
وقال الإمام أبو حنيفة: وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله
تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إن يده
قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال ... [الفقه الأكبر
ص٣٠٢] والقول بأن يد الله ليست كأيدينا دل عليه الوحي أيضا، قال تعالى: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] إذن نثبت صفة اليد لله تعالى حقيقة على
ما يليق بجلاله دون تشبيه ولا تمثيل لها بيد المخلوقين، ودون تحريف لها ولا تعطيل،
فكما أن له تعالى ذاتً حقيقة لا تشبه ذوات العباد، فصفاته لا تشبه صفاتهم، وقد وردت
نصوص أخرى كثيرة تؤيد هذه النصوص في إثبات صفة اليد لله مفردة ومثناة ومجموعة،
فيجب الإيمان بها على الحقيقة.
(٢) سورة الشورى، الآية: ١١.

٤٧٥
كتاب الصدقات
رسول الله وَل فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله وما خفي علينا
ءامنا به ووكلنا علمه إلى الله سبحانه وتعالى وحملنا لفظه على ما احتمل في
لسان العرب الذي خوطبنا به وبالله التوفيق.
وقوله وَ له: ((لا يغيضها نفقة)) قال الحافظ(١) رحمه الله تعالى: لا يغيضها
بفتح أوله أي لا ينقصها ا. هـ، وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي:(٢) تقديره لا
ينقصها شيء يقال: غاض الشيء إذا نقص وغضته أنا (٣) ومنه قوله تعالى:
﴿وَمَا تَغِيضُ اُلْأَرْحَامُ﴾ (٤) أي تنقص ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ
اُلْمَآءُ﴾(٥) أي ذهب وإنما خاطبهم رسول الله وَّ بما يفهمونه وأراد الإخبار
بأن الله تعالى لا ينقصه الإنفاق ولا يمسك خشية الإملاق جل الله تعالى عن
ذلك (٦).
قوله وقالله: ((سحاء الليل والنهار)) بفتح السين والحاء المهملتين وتشديد
الحاء ممدود مهموز مرفوع على أنه خبر بعد خبر قال قاضى القضاة محدث
الإسلام ولى الدين العراقى (٧) كذا ضبطناه عن شيخنا والدي رحمه الله
(١) يعني المنذري في الترغيب (٢/ /٢٥) وينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣).
(٢) ينظر: المفهم (٩/ ٧).
(٣) النهاية (٤٠١/٣).
(٤) سورة الرعد، الآية: ٨.
(٥) سورة هود، الآية: ٤٤.
(٦) إكمال المعلم (٥٠٩/٣).
(٧) طرح التثريب (٦٩/٤).

٤٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وضبطه القاضي عياض (١) عن أبي بحر سحا بالتنوين على المصدر ونقله في
المشارق وعن جميع شيوخهم إلى الصدفي وابن عيسى وذكر النووي (٢) أنه
الأصح الأشهر وعلى كل حال فقوله: الليل والنهار منصوبان على الظرف
متعلقان [بما فى] سحاء من معنى الفعل وهي الرواية المشهورة(٣) ومنه
حديث أبي بكر أنه قال: ((لأسامة حين أنفذ جيشه إلى الشام أغر عليهم غارة
سحا إلى أي تسح عليهم البلاء دفعة من غير تلبث فالسح الصب والسيلان
كأنها لامتلائها بالعطاء تسيل أبدا في الليل والنهار)) (٤)، قال النووي(٥):
ضبطناه بوجهين بنصب الليل والنهار ورفعهما النصب على الظرف والرفع
على أنه فاعل ووقع عند الطبري(٦) في حديث عبد الرزاق لا يغيضها سح
الليل والنهار برفع سح على أنه فاعل يغيضها [وخفض الليل والنهار
بالإضافة على التوسع، كما قالوا: يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدار](٧) ويقال سح
يسح سحا فهو ساح وسحاء أي دائمة الصب والهطل بالعطاء وهو كناية عن
كثرة العطاء والفضل (٨) مأخوذ من قولهم سح الماء سحا إذا سال من فوق
(١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٠٦/٣).
(٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (١١١/٣).
(٣) المفهم (٩/ ٧).
(٤) النهاية (٣٤٥/٢-٣٤٦)، والكواكب الدراري (١٥٥/١٧) و(١٢٤/٢٥).
(٥) ينظر: شرح النووي على مسلم (٧/ ٨٠-٨١).
(٦) سبق تخريجه.
(٧) المفهم (٨/٩).
(٨) النهاية (٣٤٥/٢).

٤٧٧
كتاب الصدقات
ولم يرد أسح ومثله ديمة هطلاء ولم يردا أهطل وعبر ◌َيّ عن توالي النعم
بسح اليمين لأن الباذل منا يفعل ذلك بيمينه قال: القاضي عياض قال:
المازري ويحتمل أنه يريد بذلك أن قدرة الله سبحانه وتعالى على الأشياء
على وجه واحد لا تختلف ضعفا وقوة وإن المقدورات تقع بها على جهة
واحدة ولا تختلف قوة وضعفا كما تختلف أفعالنا باليمين والشمال تعالى
الله عن صفات المخلوقين ومشابهة المحدثين(١) انتهى.
وفي رواية يمين الله ملاء واليمين هنا كناية عن محل عطاءه ووصفها
بالإمتلاء لكثرة منافعها وخص اليمين بذلك لأنها في الأكثر مظنة العطاء على
طريق المجاز والإتساع(٢) وما أتم هذه البلاغة وأحسن هذه الاستعارة فلقد
نبه وَله بما ذكر من حيث الاشتقاق على معان دقيقة وذلك أنه وصف يد الله
تعالى اليمين لأنها مظنة العطاء ثم أشار ◌َّ إلى أنها هي المعطية عن ظهر
غنى لأن الماء إذا أنصب من فوق أنصب بسهولة ثم أشار وَيّة إلى جزالة
عطايها وغزارتها لأن السح يستعمل فيما ارتفع عن القطر وبلغ حد السيلان
وأشار وَجّ [٩٢/ أ] أيضا إلى أنه لا مانع لعطائه لأن الماء إذا أخذ في
الانصباب لم يستطع أحد أن يرده ثم وصف السح بالدوام تنبيها على أنه لا
انقطاع لمادة عطائه سبحانه وتعالى(٣) ا.هـ.
(١) إكمال المعلم (٣/ ٥١٠)، وطرح التثريب (٦٨/٤).
(٢) النهاية (٣٤٥/٢-٣٤٦)، وطرح التثريب (٦٨/٤).
(٣) الميسر (٥٨/١).

٤٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَخير: ((أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما
بيده وكان عرشه على الماء)) أي كان سريره خلق قبل خلق السموات
والأرض وارتفاعه فوق الماء فالعرش في أصل اللغة السرير والعرش
المضاف إليه سبحانه وتعالى عبارة عن موجود عظيم هو أعظم المخلوقات
خلقه الله تعالى على الماء فاستوى عليه بمعنى أنه سخره كيف شاء ا.هـ
فهذا كالدليل والشاهد لما قدمه من أن يمينه سبحانه وتعالى لا يغيضها
نفقة ولما ذكر خلق السموات والأرض استشعر الخاطر ما قبل ذلك فذكر أن
الله تعالى كان عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء،
وفي ذلك دليل على أن خلق العرش والماء كان قبل خلق الأرض
والسموات، وفي صحيح البخاري(١) من حديث عمران بن حصين فذكر
الحديث إلى أن قال فقال عليه الصلاة والسلام ((كان الله عز وجل ولم يكن
شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض)) وقد أجمع
علماء الإسلام على أن الله تعالى خلق السموات والأرض فى ستة أيام
واختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون
على قولين(٢) واختلفوا هل كان قبل السموات والأرض مخلوق قبلهما
فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شيء وإنما خلق من
العدم المحض وقال آخرون: بل كان قبل خلق السموات والأرض
(١) سبق تخريجه.
(٢) البداية والنهاية (٨/١).

٤٧٩
كتاب الصدقات
مخلوقات أخر لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ
أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُو عَلَى الْمَآءِ﴾(١) الآية. [فقال قائلون]: خلق القلم قبل هذه
الأشياء [كلها، وهذا هو اختيار] ابن جرير وابن الجوزي وغيرهما، قال: ابن
جرير (٢) وبعد القلم السحاب الرقيق وبعده [العرش] واحتجوا بالحديث
الذي رواه أبو داود والترمذي(٣) عن عبادة بن الصامت موقوفًا: [إن أول ما
خلق الله القلم. ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم
القيامة] (٤) قال: الترمذي حديث حسن صحيح غريب والذي عليه الجمهور
فيما نقله أبو العلاء وغيره أن العرش مخلوق قبل ذلك وهذا هو الذي رواه
ابن جرير من طريق الضحاك من طريق ابن عباس كما دل عليه الحديث
الذي رواه مسلم(٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((سمعت رسول الله
وَّه يقول ((كتب الله تعالى الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض
بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء)) فدل هذا على أن ذلك بعد خلق
العرش فثبت تقدم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما دل على
ذلك الجماهير ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات قال: ابن جرير
(١) سورة هود، الآية: ٧.
(٢) تاريخ الطبري (٣٢/١).
(٣) أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٢١٥٥) و(٣٣١٩).
(٤) بياض بالاصل تممنا من السنن للترمذي.
(٥) صحيح مسلم (٢٦٥٣).

٤٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقد قيل أن الله تعالى خلق بعد القلم الكرسي ثم خلق بعد الكرسي العرش ثم
بعد ذلك خلق الماء فوضع عرشه على الماء (١) ا. هـ قاله في الديباجة.
وعن كعب الأحبار قال: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة
فصارت ماء يرتعد من مخافة الله فلذلك يرتعد الماء إلى الأن وإن كان ساكنا
ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء وعن سعيد
بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُو عَلَى
اُلْمَآءِ﴾ (٢) على أي شيء [٩٢/ ب] كان الماء قال: على متن الريح (٣)]. هـ
والمتن الظهر وفيه إشارة إلى أن العرش كان مخلوقا قبل خلق السموات
والأرض ولم يكن تحت العرش قبل خلق السموات والأرض إلا الماء والله
سبحانه وتعالى ممسكه بقدرته(٤) وقال: أبو بكر الأصم ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى
اُلْمَآءِ﴾ (٥) كقولهم السماء على الأرض وليس ذلك على سبيل كون أحدهما
(١) انظر تاريخ الطبرى (٣٢/١-٣٩)، والبداية والنهاية (٨/١-٩)، والإعلام بفوائد عمدة
الأحكام (١ / ١٠٠-١٠١).
(٢) سورة هود، الآية: ٧.
(٣) تفسير القرطبى (٨/٩)، والمفهم (٨/٩). وقول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق في التفسير
(١١٨٥)، والطبرى في التاريخ (٤٠/١) والتفسير (٣٣٣/١٢-٣٣٤)، وابن أبي حاتم في
التفسير (١٠٦٩٧)، والحاكم في المستدرك ٣٤١/٢، وقال: (هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(٤) الميسر (١٢٣١/٤) وشرح المشكاة (٣٦٠٠/١١).
(٥) سورة هود، الآية: ٧.