Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
كتاب الصدقات
الثانية: روى الطبراني في معجمه الكبير (١) عن أبي هريرة عن النبي وَّةِ ((أن
نفرا مروا على عيسى ابن مريم عليَّلاة، فقال: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء
الله، فمضوا ثم رجعوا عليه بالعشي، ومعهم حزم الحطب، فقال: ضعوا،
فقال للذي قال إنه يموت اليوم: حل حطبك، فحله، فإذا فيه حية سوداء، قال:
ما عملت اليوم قال: ما عملت شيئا قال: انظر ما عملت قال: ما عملت شيئا،
إلا أنه كان معي في يدي فلقة من خبز فمر بي مسكين، فسألني فأعطيته
بعضها، فقال: بها دفع عنك»
الثالثة: في تاريخ ابن النجار(٢) في حديث الحسن بن أبي الحسن عن أبي
هريرة أن النبي وَّ قال: ((كان فيمن قبلكم رجل يأتي وكر طائر، كلما أفرخ
أخذ فراخه فشكا ذلك الطائر إلى الله تعالى ما يفعل به، فأوحى الله تعالى إليه
إن عاد فسأهلكه، فلما أفرخ ذلك الطير، خرج ذلك الرجل كما كان يخرج،
فبينما هو في بعض الطريق سأله سائل فأعطاه رغيفا كان معه يتغذاه، ثم مضى
حتى أتى الوكر ووضع سلمه ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران إليه،
فقالا: ربنا إنك لا تخلف الميعاد، وقد وعدتنا أنك تهلك هذا إذا عاد، وقد
(١) المعجم الأوسط (٧٧٠٤) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١١٠/٣) رواه
الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن أبي شيبة، ولم أعرفه.
(٢) أخرجه ابن ماسى في فوائده (٣٤) من طريق أبان بن أبي عياش، عن الحسن بن أبي
الحسن، عن أبي هريرة. وأبان ضعيف. ومن طريقه تاج الدين السبكي في معجمه (ص
٢٤٥) وذكره الدميري في حياة الحيوان الکبری(٢/ ٢٨٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق
(١٠٢/٧٢)،
٤٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عاد وأخذ فرخينا ولم تهلكه، فأوحى الله إليهما، ألم تعلما أني لا أهلك أحدا
تصدق بصدقة في يومه بموتة سوء وقد تصدق)).
الرابعة: في تاريخ ابن النجار أيضا عن وهب بن منبه قال: بينما امرأة من
بني إسرائيل، على ساحل البحر تغسل ثيابها، وصبي لها يدب بين يديها، إذ
جاء سائل فأعطته لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب
فالتقم الصبي، فجعلت تعدو خلفه وتقول: يا ذئب ابني يا ذئب ابني، فبعث
الله ملكا فنزع الصبي من فم الذئب ورمى به إليها. وقال: لقمة بلقمة.
وحكى أن إمرأة تصدقت برغيف فأخذ السبع ولدها فجاءت إلى بعض
الصالحين فألقى السبع ولدها ونوديت لقمة بلقمة تصدقت برغيف من أجلنا
فرددنا ولدك وإنا لحافظون من استودع إلينا قاله في تهذيب النفوس (١).
الخامسة في كتاب الثواب (٢) عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما،
أنه كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة، فلم توجد حتى
وجدت بعد كذا وكذا يوما فاشتريت بدرهم ونصف، وشويت وحملت له
على رغيف، فقام سائل على الباب فقال للغلام: لفها برغيفها وادفعها إليه.
فقال الغلام: أصلحك الله اشتهيتها منذ كذا وكذا يوما، فلم نجدها فلما
(١) أخرجه الدينورى في المجالسة (٣٥٢٩) من طريق يزيد بن أبي حكيم العدني، عن الحكم
بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، وضعفه الألباني في الضعيفة (١٦٨٤). وانظر: حياة
الحيوان (١/ ٥٠٣).
(٢) كتاب الثواب لأبي الشيخ مفقود.
٤٠٣
كتاب الصدقات
وجدناها واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له نحن نعطيه ثمنها،
فقال: لفها وادفعها إليه فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهما وتدع
هذه السمكة؟ فأخذ منه درهما وردها، فعاد الغلام وقال له: دفعت له درهما
وأخذتها منه فقال له: لفها وادفعها إليه، [٨٣/ أ] ولا تأخذ منه شيئا، فإني
سمعت رسول الله آل﴾ يقول: «أيما امرىء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها
على نفسه غفر الله له))(١).
لطيفة: في الإحياء(٢) في كتاب كسر الشهوتين حديث لا يستدير الرغيف
ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل
الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة ثم الملائكة التي تزجي السحاب
والشمس والقمر والأفلاك وملكوت الهوى ودواب الأرض وآخر ذلك
الخباز: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَاً﴾(٣) الآية.
١٣١٣- وَعَنِ الْمُغيرَة بن عبد الله الْجِعْفِيّ قَالَ جلسنا إِلَى رجل من
أَصْحَابِ النَّبِي ◌َِّ يُقَال لَهُ خصفة بن خصفة فَجعل ينظر إِلَى رجل سمين
(١) أخرجه من طريق أبي الشيخ الديلمى كما في الغرائب الملتقطة (١٠٧٢)، وأخرجه ابن
عساكر في تاريخ دمشق (٣١/ ١٤٢)، والسلفى في السادس عشر من المشيخة البغدادية
(١٢) وابن الجوزى في الموضوعات (١٣٨/٣). قال ابن الجوزى: هذا حديث موضوع،
والمتهم به عمرو بن خالد. قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي:
عامة ما یروي موضوعات، کذبه أحمد ویحیی.
(٢) قوت القلوب (٣٥٠/١)، وإحياء علوم الدين (٧٩/٣).
(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤.
٤٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فَقلت لَهُ مَا تنظر إِلَيْهِ فَقَالَ ذكرت حَدِيثا سمعته من رَسُول الله وَّ سمعته
يَقُول هَل تَدْرُونَ مَا الشَّديد قُلْنَا الرجل يصرع الرجل قَالَ إِن الشَّديد كل
الشَّديد الَّذِي يملك نفسه عِنْدِ الْغَضَب تَدْرُونَ مَا الرقوب قُلْنَا الرجلِ الَّذِي لَا
يُولد لَهُ قَالَ إِن الرقوب الرجل الَّذِي لَهُ الْوَلَد لم يقدم مِنْهُمْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ تَدْرُونَ
مَا الصعلوك قَالَ قُلْنَا الرجل الَّذِي لَا مَال لَهُ قَالَ إِن الصعلوك كل الصعلوك
الَّذِي لَهُ المَال لم يقدم مِنْهُ شَيْئًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَينظر سَنَده(١) قَالَ الْحَافِظِ وَيَأْتِي
إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي كتاب الملبس بَاب فِي الصَّدَقَة على الْفَقِيرِ بِمَا يُلْبسهُ.
قوله: وعن المغيرة بن عبد الله الجعفي (ويقال المغيرة بن سعيد الجعفى،
ويقال عروة بن عبد الله الجعفى روى عنه يزيد بن خصفة مجهول).
قوله: جلسنا إلى رجل من أصحاب النبي وَخلال يقال له خصفة بن خصفة.
قوله وَّه: ((يقول هل تدرون ما الشديد قلنا الرجل يصرع الرجل قال إن
الشديد كل الشديد الرجل الذي يملك نفسه عند الغضب)).
وفي رواية: ((ما تدرون ما الصرعة فيكم قالوا الذي لا تصرعه الرجال قال
هو الذي يملك نفسه عند الغضب)) (٢) الصرعة بضم الصاد وفتح الراء المبالغ
في الصراع الذي لا يغلب فنقله إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها
فإنه إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه ولذلك قال ((أعدى عدو لك نفسك التي
(١) أخرجه البيهقي في الشعب (٤٤/٥-٤٥ رقم ٣٠٧٠) والخطيب في المتفق والمفترق
(١٥٦٧). وقال الألباني: منكر الضعيفة (٦٧٤٠) وصححه في صحيح الترغيب (٨٨٦)
إلا زيادة تدرون من الصعلوك فضعفها في ضعيف الترغيب (٥٢٨).
(٢) سبق تخريجه.
٤٠٥
كتاب الصدقات
بين جنبيك)) وهذا من الألفاظ التي نقلها عن وضعها اللغوي لضرب من التوسع
والمجاز وهو من فصيح الكلام لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ
وقد ثارت عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه وصرعها بثباته كان كالصرعة
الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه(١) ومعناه أنكم تعتقدون أن الصرعة
الممدوح القوي الفاضل هو الذي لا تصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو
كذلك شرعا بل هو من يملك نفسه عند الغضب فهذا هو الفاضل الممدوح
الذي قل من يقدر على التخلق بخلقة ومشاركته في فضيلتة بخلاف الأول(٢).
قوله: {َّو «تدرون ما الرقوب قلنا الرجل الذي لا يولد له قالوا إن الرقوب
الرجل الذي له الولد ثم لم يقدم منهم شيئا)) الحديث، الرقوب: بفتح الراء
وتخفيف القاف وأصل الرقوب في كلام العرب الذي لا یعیش له ولد ومعنى
الحديث أنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب يموت أولاده
وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه
ويكتب له ثواب مصيبته وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا (٣) وقال:
في الفائق(٤) وكذا في النهاية(٥) الرقوب في اللغة الرجل والمرأة إذا لم يعيش
لهما ولد (لأنه) متى ترقب موته وترصده خوفا عليه فنقله وسل إلى الذي لم
(١) النهاية (٢٣/٣-٢٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٦٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦٢/١٦).
(٤) الفائق في غريب الحديث (٢/ ٧٦).
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٤٩/٢).
٤٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يقدم من الولد شيئا أي يموت قبله تعريفا أن الأجر والثواب لمن قدم شيئا
من الولد وإن الإعتداد به أكثر والنفع به أعظم وإن فقدهم وإن كان في الدنيا
عظيما فإن فقد الأجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الأخرة أعظم
وإن المسلم ولده في الحقيقة من قدمه واحتسبه ومن لم يرزق ذلك فهو
کالذي لا ولد له.
ففي هذا الحديث فضل موت الأولاد والصبر عليهم ويتضمن الدلالة
لمذهب من يقول بتفضيل التزويج وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحابنا
وفيه فضيلة كظم الغيظ [٨٣/ ب] وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار
والمخاطبة والمنازعة(١) انتهى.
خاتمة: عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي
صَلىالله
علي
وَسِلم
فقال: يا رسول الله ما رزقت ولد قط ولا ولد لي فقال: ((أين أنت عن كثرة
الاستغفار والصدقة يرزق الله تعالى بهما الولد)) فكان الرجل يكثر الصدقة
ويكثر الاستغفار قال: جابر فولد له تسعة من الذكور (٢) والله أعلم.
(١) شرح النووي على مسلم (١٦٢/١٦ - ١٦٣).
(٢) الأربعين من حديث أبي حنيفة (٥١) ينظر: الإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء
(٢/ ٢٠٠) وهو موضوع.
٤٠٧
كتاب الصدقات
[الترغيب في صدقة السر]
١٣١٤ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َو ◌َّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُولِ سَبْعَة
يظلهم الله في ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله الإِمَام الْعَادِل وشاب نشأ فِي عبَادَة الله عز
وَجل وَرجل قلبه مُعَلّق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجْتمعًا على ذَلِك
وتفرقا عَلَيْهِ وَرجل دَعَتْهُ امْرَأَةَ ذَات منصب وجمال فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الله وَرجل
تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه ورجل ذكر الله خَالِیا
فَفَاضَتْ عَيناهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم عَن أبي هُرَيْرَة هَكَذَا(١). ورويناه أَيْضا
وَمَالك وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَةٍ أَو أبي سعيد على الشَّك(٢).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام على ترجمته.
قوله : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله))
الحديث. قال القاضي عياض (٣) رحمه الله تعالى: إضافة الظل إلى الله تعالى
إضافة ملك وكل ظل فهو لله تعالى وملكه وخلقه وسلطانه والمراد هنا ظل
العرش كما جاء في حديث آخر مبينا والمراد يوم القيامة إذا قام الناس لرب
العالمين ودنت منهم الشمس واشتد عليهم حرها وأخذهم العرق ولا ظل
هناك لشيء إلا للعرش وقد يراد به هنا ظل الجنة وهو نعيمها والكون فيها
(١) البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١)
(٢) مالك (٢٧٤٢)، والترمذي (٢٣٩١).
(٣) إكمال المعلم (٣/ ٥٦٢).
٤٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كما قال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًا ظَلِيلًا﴾(١) قال القاضي عياض(٢): وقال
ابن دينار: المراد بالظل هنا الكرامة والكنف والكثرة من المكارم في ذلك
الموقف قال: وليس المراد ظل الشمس قال القاضي: وما قاله معلوم في
اللسان يقال فلان في ظل فلان أي في كنفه وحمايته قال: وهذا أولى الأقوال
وعلى أن المراد بالظل ظل العرش يكون إضافته إلى العرش لأنه مكان
التقرب والكرامة وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش وفي ظله.
قوله وَيّ: ((الإمام العادل)) قال: القاضي(٣) هو كل من إليه نظر في شيء من
أمور المسلمين من الولاة والحكام وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه ووقع
في أكثر النسخ الإمام العادل، وفي بعضها الإمام العدل وهما صحيحان (٤).
قوله وهي: ((وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل)) أي ليس له صبوة أي ميل
إلى الهوى وهي المرة منه قاله في النهاية. (٥)
قوله وَي: ((رجل قلبه معلق بالمساجد)) هكذا هو في جميع النسخ كلها في
المساجد، وفي غير هذه الرواية بالمساجد ووقع في هذه الرواية في أكثر النسخ
معلق في المساجد، وفي بعضها معلق بالمساجد بالباء وكلاهما صحيح
(١) سورة النساء، الآية: ٥٧.
(٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٦٢).
(٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٦٢/٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢١).
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٨٤/٣).
٤٠٩
كتاب الصدقات
ومعناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها وليس معناه دوام القعود في
المساجد(١).
قوله مَله: ((ورجلان تحاب في الله تعالى اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه))
معناه اجتمعا على حب الله وافترقا على حب الله تعالى أي كان سبب
اجتماعهما حب الله واستمرا على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما
صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه لله تعالى حال اجتماعهما
وافتراقهما، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى التَّحَابِّ فِي اللهِ وَبَيَانُ عِظَمٍ فَضْلِهِ
وَهُوَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ فَإِنَّ الْحُبَّ فِ اللهِ وَالْبُغْضَ فِي اللهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَهُوَ بِحَمْدِ
اللهِ كَثِيرٌ يُوَفَّقُ لَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ أَوْ مَنْ وُفِّقَ لَهُ (٢).
قوله وَالجهة: ((ورجل دعته إمرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله)).
قوله: ((منصب)) أي قدر وشرف نصاب الرجل ومنصبه أصله، قال:
القاضي عياض(٣) يحتمل قوله: ((إني أخاف الله)) أن يكون ذلك باللسان
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ فِي قَلْبِهِ لِيَزْجُرَ نَفْسَهُ وَخَصَّ ذَاتَ الْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لِكَثْرَةِ
الرَّغْبَةِ فِيهَا وَعُسْرِ حُصُولِهَا وَهِيَ جَامِعَةٌ [٨٤/ أ] لِلْمَنْصِبِ وَالْجَمَالِ لَا سِيَّمَا
وَهِيَ دَاعِيَةٌ إِلَى نَفْسِهَا طَالِبَةٌ لِذَلِكَ قَدْ أَغْنَتْ عَنْ مَشَاقٌّ التَّوَصُّلِ إِلَى مُرَاوَدَةٍ
وَنَحْوِهَا فَالصَّبْرُ عَنْهَا لِخَوْفِ اللهِ تَعَالَى وَقَدْ دَعَتْ إِلَى نَفْسِهَا مَعَ جَمْعِهَا
(١) إكمال المعلم (٥٦٢/٣)، وشرح النووي على مسلم (١٢١/٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢١/٧).
(٣) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٤٥٧/٣).
٤١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْمَنْصِبَ وَالْجَمَالَ مِنْ أَكْمَلِ الْمَرَاتِبِ وَأَعْظَم الطَّاعَاتِ فَرَتَّبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
أَنْ يُظِلَّهُ فِي ظِلِّهِ وَذَاتُ الْمَنْصِبِ هِيَ ذَاتُ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ الشَّرِيفِ وَمَعْنَى
دَعَتْهُ أي دعته إلى الزنى بِهَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ.
وقول المدعو في هذا الحال أني أخاف الله وامتناعه لذلك دليل على عظيم
معرفته بالله تعالى وشدة خوفه من عقابه وحيائه من الله تعالى وهذا هو المقام
اليوسفي(١) ذكر القاضي عياض في قوله: ((دعته إمرأة)) احتمالين أصحهما ما
تقدم والثاني أنه يحتمل أنها دعته لنكاحها فخاف العجز عن القيام بحقها أو
إن الخوف من الله تعالى شغله عن لذات الدنيا وشهواتها(٢).
قوله ◌َّجله: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق
يمينه)) وفي رواية ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) كذا روى الحديث في
مسلم والصحيح المعروف حتى ((لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) هكذا رواه
مالك في الموطأ(٣) والبخاري في صحيحه(٤) وغيرهما من الآئمة وهو وجه
الكلام لأن المعروف في النفقة فعلها باليمين(٥)، وفي هذا الحديث فضل
صدقة السر قال العلماء: وهذا في صدقة التطوع فالسر فيها أفضل لأنه أقرب
إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل وهكذا
(١) المفهم (٩/ ٤٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سبق تخريجه.
(٥) إكمال المعلم (٥٦٣/٣)، وشرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).
٤١١
كتاب الصدقات
صَلىالله
وسلم
حكم الصلاة فإعلان فرائضها أفضل وإسرار نوفلها أفضل لقوله:
((أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة))(١) قال العلماء: وذكر اليمين
والشمال مبالغة في الإخفاء والإستتار بالصدقة وضرب المثل بهما لقرب
اليمين من الشمال وملازمته لها ومعناه لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما
علم صدقة اليمين لمبالغة الإخفاء ونقل القاضي عن بعضهم أن المراد من
عن يمينه وشماله من الناس والصواب الأول(٢).
قال الإمام القرطبي (٣): وقد سمعنا من بعض المشايخ ـأن معنى لا تعلم
شماله ما تنفق يمينه المبالغة في إخفاء الصدقة وهو أن يتصدق على الضعيف
في صورة المشتري منه فيدفع له درهما مثلا في شيء يساوي نصف درهم
فالصورة مبايعة والحقيقة صدقة وهو اعتبار حسن.
قوله وَّة: ((ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)) خاليا يعني من الخلق
ومن الالتفات إلى غير الله وفيض العين بكاؤها وهو على حسب حال الذاكر
وبحسب ما ينكشف له من أوصافه تعالى فإن انكشف له غضبه وسخطه
فبكاؤه عن خوف وإن انكشف له جماله وجلاله فبكاؤه عن محبة وشوق
وهكذا يتلون الذاكر بتلون ما تذكر من الأسماء والصفات (٤).
(١) صحيح البخاري (٧٣١) صحيح مسلم (٧١٠).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٢٢).
(٣) المفهم (٩/ ٤٥).
(٤) المفهم (٩/ ٤٥).
٤١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفيه فضيلة البكاء من خشية الله تعالى وفضل طاعة السر لكمال
الإخلاص فيها (١).
فائدة: نظم بعض الفضلاء(٢) هذه السبعة المذكورة في الحديث في بيتين هما:
إِمَام محب نَاشِئ متصدق مصل وَبَاكٍ خَائِف سطوة الباس
إِذا كَانَ يَوْم الْحَشْرِ لَا ظلّ للنَّاس
يظلهم الرَّحْمَن فِي ظلّ عَرْشه
والله أعلم.
١٣١٥ - وَرُوِيَ عَن أنس زَّوَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله رَّ لما خلق الله الأرْض
جعلت تميد وتكفأ فأرساها بالجبال فاستقرت فعجبت الْمَلَائِكَة من شدَّة
الْجِبَال فَقَالَت يَا رَبنَا هَل خلقت خلقا أَشد من الْجِبَالِ قَالَ نعم الْحَدِيد قَالُوا
فَهَل خلقت خلقا أَشد من الْحَدِيد قَالَ النَّارِ قَالُوا فَهَل خلقت خلقا أَشد من
النَّارِ قَالَ المَاء قَالُوا فَهَل خلقت خلقا أَشد من المَاء قَالَ الرّيحِ قَالُوا فَهَل
خلقت خلقا أَشد من الرّيح قَالَ ابْن آدم إذا تصدق بِصَدقَة بِيَمِينِهِ فأخفاها من
شِمَاله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرِهمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث
غَرِيب (٣).
قوله: وروي عن أنس تقدم الكلام على أنس بن مالك.
(١) إكمال المعلم (٣/ ٥٦٤)، وشرح النووي على مسلم (١٢٣/٧).
(٢) هو أبو شامة المقدسى كما في فوات الوفيات (٢٧١/٢)، والوافى بالوفيات (٦٩/١٨)،
والمنهل الصافى (١٦٦/٧).
(٣) الترمذي (٣٣٦٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٤٤١)، وأحمد (١٢٢٥٣)، وعبد بن
حميد (١٢١٥)، وأبو يعلى (٤٣١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٤٧٧٠).
٤١٣
كتاب الصدقات
قوله: وَّة ((لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتكفأ فأرساها بالجبال
فاستقرت)) الميد المیل.
قوله [٨٤/ ب]: (جعلت تميد فأرساها بالجبال) الميد الميل يقال: ماد
يميد(١)، إذا مال وتحرك، ومنه حديث ابن عباس («فدحا الله الأرض من تحتها
فمادت)).
قوله: وَّة ((قالوا)) يعني الملائكة ((يا ربنا فهل خلقت خلقا أشد من الريح
قال ابن عادم إذا تصدق بصدقة بيمينه فأخفاها من شماله)) الحديث وليس
المراد شدة يديه وإنما المراد قوة قلبه وثباته على امتثال الأوامر واجتناب
النواهي ولا يتمكن الإنسان من نيل مكرمة ولا دفع كريهة إلا بالشجاعة
المعبر عنها بقوة القلب فلهذا كان المتصدق سراً أقوى المخلوقات وأشدها
لهذا الحديث ذكره ابن النحاس في تنبيهه والله أعلم، فعلمنا بهذا الحديث أن
من قدر على اخفاء الصدقة فهو أشد المخلوقات(٢).
قوله: ((فأرساها بالجبال)) أي ضرب بالجبال على الأرض فاستقرت فذكر
الحديث إلى أن قال ((ابن عادم إذا تصدق بصدقة فأخفاها)) يعني لمخالفة
النفس وقهر الشيطان(٣).
اعلم أن الصدقة الموصوفة إنما كانت أشد من الريح وهو أشد مما قبله
لأن صدقة السر تطفيء غضب الرب وغضب الرب تعالى لا يقابله شيء في
(١) النهاية (٣٧٩/٤).
(٢) ذكره ابن النحاس في مصارع العشاق (ص ٩٥٧).
(٣) المفاتيح (٥٤٦/٢)، وشرح المشكاة (١٥٥٩/٥).
٤١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الصعوبة فإذا عمل ابن عادم عملا توسل به إلى إطفائه كان أشد وأقوى من
هذه الأجرام ولأن النفس الإنسان جبلت على غرائز لا يلينها شيء من هذه
الأجرام الشديدة فهي أشد من كل شديد لأن الحديد دافع للحجر والنار
دافعة والماء دافعة والريح دافعة (١) ا. هـ.
فعلمنا بهذا الحديث أن من قدر على إخفاء الصدقة فهو أشد المخلوقات(٢).
١٣١٦ - وَعَن مُعَاوِيَة بن حيدة رَّهُ عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ إِن صَدَقَة السِّرّ
تطفئ غضب الرب تبارك وَتَعَالَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَفِيه صَدَقَة بن
عبد الله السمين وَلَا بَأس بِهِ فِي الشواهد (٣).
قوله: وعن معاوية بن حيدة، وحيدة بفتح الحاء المهملة وإسكان الياء المثناة
تحت [ابن معاوية بن قيس بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة
القشيرى البصرى الصحابى، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية الراوى عن أبيه،
عن جده، وغزا خراسان ومات بها، سئل يحيى بن معين، عن بهز بن حكيم، عن
أبيه، عن جده، فقال: إسناد صحيح إذا كان من دونهم ثقة (٤)].
(١) انظر الميسر (٤٥٠/٢)، وشرح المشكاة (١٥٥٩/٥-١٥٦٠)، وشرح المصابيح
(٤٨٤/٢).
(٢) مصارع العشاق (ص ٩٥٦).
(٣) الطبراني في الكبير (١٠١٨)، وفي الأوسط (٩٤٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١١٥/٣)، رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه صدقة بن عبد الله وثقه دحيم وضعفه
جماعة، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٧٩).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات (٢ / ١٠١ ترجمة ٥٨٧).
٤١٥
كتاب الصدقات
قوله وَّة: ((إن صدقة السر تطفيء غضب الرب تبارك وتعالى)) قال: عبد
العزيز بن أبي رواد كان يقال ثلاثة من كنوز الجنة كتمان المرض وكتمان
المصيبة وكتمان الصدقة، وقال: ابن أبي الجعد إن الصدقة لتدفع سبعين بابا
من السوء وفضل سرها على علانيتها سبعين ضعفا ذكره الحافظ الدمياطي
في كتابه المتجر الرابح(١).
قوله: وفيه صدقة بن عبد الله السمين (ضعفه أحمد والبخاري، وابن نمير،
والنسائي والدار قطني، وقال أبو زرعة: كان قدريا لينا، وقال ابن عدي: أكثر
حديثه مما لا يتابع عليه وهو إلى الضعف أقرب ووثقه دحيم وأبو حاتم
وأحمد بن صالح المصري).
١٣١٧ - وَعَن أبي أمَامَةِ رَِّلَ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ صِنائعِ الْمَعْرُوفِ تَقِيّ
مصَارِع السوء وَصدقَة السِّرّ تطفىء غضب الرب وصلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر
رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد حسن(٢).
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.
قوله : ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء)) الحديث المعروف اسم
جامع لما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس
والمنكر ضد ذلك قاله أبو السعادات(٣).
(١) المتجر الرابح (ص ٢٨٧).
(٢) الطبراني في الكبير (٨٠١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١١٥/٣)، رواه الطبراني في
الكبير، وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٨٠).
(٣) النهاية (٢١٦/٣).
٤١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ◌َّ: ((وصدقة السر تطفيء غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر))
تقدم الكلام على الرحم وهي القرابة وتقدم الكلام على الزيادة في العمر
وسيأتي الكلام أيضا على الزيادة في كتاب بر الوالدين مطولا.
١٣١٨ - وَرُوِيَ عَن أم سَلِمَة ◌َّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُول الله وَّهِ صنائع
الْمَعْرُوفِ تَقِيّ مصَارِع السوء وَالصَّدَقَة خِفِيا تطفىء غضب الرب وصلَة
الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر وكل مَعْرُوف صَدَقَة وَأهل الْمَعْرُوف فِي الدُّنْيَا هم أهل
الْمَعْرُوف فِي الْآخِرَة وَأهل الْمُنكر فِي الدُّنْيَا هم أهل الْمُنكر فِي الْآخِرَة وَأول
من يدْخل الْجِنَّة أهل الْمَعْرُوف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ(١).
قوله: وروي عن أم سلمة تقدم الكلام على أم سلمة.
قوله: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء والصدقة خفيا تطفيء غضب
الرب وصلة الرحم تزيد في العمر)) تقدم الكلام على ذلك.
قوله وَّه: ((وكل معروف صدقة)) المعروف اسم جامع لكل ما عرف من
طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع
من المحسنات ونهى عنه من المقبحات والصدقة العطية التي يبتغي بها
المثوبة من الله تعالى [٨٥/ أ] فكل ما يفعل من أعمال البر والخير كان ثوابه
کثواب من تصدق بالمال.
(١) الطبراني في المعجم الأوسط (٦٠٨٦)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١١٥/٣)، وفيه
عبيد الله بن الوليد الوصافي، وهو ضعيف. وقال الألباني حسن، دون قوله: ((وأول من
يدخل الجنة أهل المعروف)»، صحيح الترغيب والترهيب (٨٨١).
٤١٧
كتاب الصدقات
قوله وَّيه: ((وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الأخرة وأهل
المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الأخرة وأول من يدخل الجنة أهل
المعروف)) الحديث أي من بذل معروفه للناس في الدنيا أداه الله جزاء معروفه
في الآخرة، وقيل أراد من بذل جاهه لأصحاب الجرائم التي لا تبلغ الحدود
فيشفع فيهم شفعه الله في أهل التوحيد في الأخرة وروي عن ابن عباس في
معناه أنه يأتي أصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيغفر لهم بمعروفهم
وتبقى حسناتهم جامة فيعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فيغفر له
ويدخل الجنة فيجتمع لهم الإحسان إلى الناس في الدنيا والأخرة قاله في
النهاية(١) وسئل أبو جعفر عن معنى قول النبي ◌ّ ((أهل المعروف في الدنيا
هم أهل المعروف في الآخرة)) فكيف يكون المعروف في الأخرة قال:
معروفهم في الأخرة أنهم يشفعون لغيرهم لأنهم كانوا يعملون المعروف في
الدنيا فيأمنون على أنفسهم فيشفعون لغيرهم ذكره السمرقندي في كتاب
النوازل(٢).
١٣١٩ - وَعَن أبي أُمَّامَةِ رَّ ◌َ أَنْ أَبَا ذَر قَالَ يَا رَسُول الله مَا الصَّدَقَة قَالَ
أَضْعَاف مضاعفة وَعند الله الْمَزِيد ثمَّ قَرَأَ: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنَا فَيُضَعِفَهُو لَهُوَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾(٣) قيل: يَا رَسُول الله أَي الصَّدَقَة أفضل
(١) الغريبين (١٢٦١/٤)، والنهاية (٢١٦/٣-٢١٧).
(٢) فتاوى النوازل (لوحة ٢٦٨/خ ٢٤١٤).
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.
٤١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قَالَ سر إِلَى فَقير أَو جهد من مقل ثمَّ قَرَأَ: ﴿إِن تُبُدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىٍ﴾(١).
رَوَاهُ أَحْمد مطولا وَالطَّبَرَانِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَفِي إسنادهما عَليّ بن يزِيد(٢).
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة.
قوله: أن أبا ذر قال: يا رسول الله ما الصدقة قال: ((أضعاف مضاعفة وعند
الله المزيد ثم قرأ: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَةُ، لَهُوَّ
أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾(٣)) قال الكسائى القرض ما أسلفت من عمل صالح أو
سيىء وقال: ابن كيسان(٤) القرض أن تعطي شيئا ليرجع إليك مثله أو ليقضي
شبهه فشبه الله تعالى عمل المؤمنين لله عز وجل على ما يرجون من ثوابه
بالقرض وأصل القرض القطع ومنه قرض الفأر الثوب وسمي الشعر قريضا
لأنه يقطعه من كلامه وسمي الدين قرضا لأنه يقطعه من ماله [ومعنى قوله]
قرضا حسنا قال (علي بن الحسين) الواقدي يعني محتسبا طيبة بها نفسه [شبه
الله عز وجل عمل المؤمنين لله عز وجل على ما يرجون ثوابه بالقرض؛ لأنهم
إنما يعطون ما ينفقون] ابتغاء ما وعدهم الله عز وجل من جزيل الثواب (٥)
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧١.
(٢) أحمد (٢٢٢٨٨)، والطبراني في الكبير (٧٨٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١١٦/٣)، وفيه علي بن يزيد وفيه كلام.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٤٥.
(٤) ينظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (١/ ٤٣٠) العزيز شرح الوجيز
المعروف بالشرح الكبير (٣/٣)
(٥) تفسير الثعلبى (٢٠٥/٢-٢٠٦)، والتفسير البسيط (٣١١/٤-٣١٣)
٤١٩
كتاب الصدقات
فالقرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازي عليه (١) وقال: أهل الإشارة أمر
الله تعالى بالصدقة على لفظ القرض إظهارا لمحبته لعباده المؤمنين وذلك
أنه لا يستقرض إلا من الأحبة ولذلك قال يحي بن معاذ الرازي عجبت لمن
يبقى له مال ورب العزة يستقرضه وقال: بعضهم هذا ترغيب(٢) قال: أهل
التفسير (٣) كما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٤)
قال أبو الدحداح(٥) فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضا وهو غني
عن القرض قال: ((نعم يريد أن يدخلكم الجنة)) قال: فإني أن أقرضت ربي
قرضا تضمن لي به الجنة قال: ((نعم من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة))
قال: وزوجتي أم الدحداح معي قال: ((نعم)) قال ناولني يدك فناوله رسول الله
وَّ يده فقال إن لي حديقتين أحداهما بالسالفة والآخرى بالعالية والله لا
أملك غيرهما وجعلتهما قرضا لله عز وجل فقال رسول الله وَالاول ((اجعل
احداهما لله عز وجل والآخرى معيشة لك ولعيالك)) قال: فأشهدك يا رسول
(١) تفسير البغوى (٢٩٤/١).
(٢) تفسير الثعلبى (٢٠٦/٢).
(٣) ينظر: تفسير الطبري (٥/ ٢٨٢) تفسير التستري (ص: ١٦١) تفسير ابن أبي حاتم-محققا
(٤٦٠/٢).
(٤) سورة الحديد، الآية: ١١.
(٥) أخرجه أحمد (١٢٤٨٢) وعبد بن حميد (١٣٣٤) وابن حبان (٧١٥٩)، والحاكم
٢٠/٢، وعنه البيهقي في الشعب (٣٤٥١) وأصله من حديث جابر بن سمرة عند مسلم
(٩٦٥).
٤٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة قال: ((إذا
يجزيك الله به الجنة)) قال: فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أم الدحداح وهي
مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشا يقول:
هَدَاكِ رَبِّي سُبُلَ الرَّشَادِ إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالسَّدَادِ
فَقَدْ مَضَى قَرْضًا إِلَى التَّنَادِّ [٨٥/ ب]
بِينِي مِنَ الْخَائِطِ بِالْوِدَادِ
بِـالطَّوْعِ لَا مَنٌّ وَلَا ارْتِدَادٍ
أَقْرَضْتُهُ اللهَ عَلَى اعْتِمَادِي
فَارْتَحِلِي بِالنَّفْسِ وَالأَوْلَادِ
إِلَّا رَجَاءَ الضِّعْفِ فِي الْمَعَادِ
وَالْبِرُّ لَا شَكَّ فَخَيْرُ زَادٍ قَدَّمَهُ الْمَرْءُ إِلَى الْمَعَادِ
قالت أم الدحداح: ربح بيعك بارك الله لها فيما اشتريت وأجابته أم
الدحداح وأنشأت تقول:
مِثْلُكَ أَدَّى مَا لَدَيْهِ وَنَصَحْ
بَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَرَحْ
قَدْ مَتَّعَ اللهُ عِيَالِي وَمَنَحْ
أزلك الحظ إذا الحظ وضح
بِالْعَجْوَةِ السَّوْدَاءِ وَالزَّهْوِ الْبَلَخْ
طُولَ الليالي وعليه ما اجترح
وَالْعَبْدُ يَسْعَى وَلَهُ مَا قَدْ كَدَخْ
ثم أقبلت أم الدحداح على صيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في
أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الأخر فقال: رسول الله وَّ ((كم من عذق
دواح ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح)) (١) دواح العظيم الشديد العلو وكل
شجرة عظيمة دوحة ومنه حديث الرؤيا فأتينا على دوحة عظيمة أي
(١) تفسير الثعلبى (٢٠٧/٢-٢٠٨)، وتفسير القرطبي (٢٣٨/٣-٢٣٩).