Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١
كتاب الصدقات
لا تلحفوا: أَي لَا تلحوا فِي الْمَسْأَلَة، وعن معاوية بن أبي سفيان تقدم
الكلام عليه مبسوطًا رضي الله تعالى عنه، قوله: وَي ((لا تلحفوا في المسألة
فوالله ما يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره
قيبارك له فيما أعطيته)) الحديث تلحفوا هو بضم المثناة من فوق وبسكون
اللام وكسر الحاء المهملة وبالفاء قد فسره المنذري فقال: معناه لا تلحوا في
المسألة ا.هـ. والمسألة بمعنى السؤال، وقال: جار الله العلامة الإلحاف
والإلحاح وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه من قولهم لحفني من
فضل لحافة أي أعطاني من فضل ما عنده، وقال: " الإمام أبو عبد الله
القرطبي(١) في كتابه قمع الحرص: الملحف هو الملح يقال: الحف وأخفى
وألحّ بمعنى، واشتقاقه من اللحاف من التغطية أي أن هذا السائل يعم الناس
بسؤاله فيلحفهم ذلك وقد جعل سعيد بن المسيب لزوم المسجد ألحافًاً
فقال: من لزم المسجد وليس له ما يقيمه فقد ألحف في السؤال يعني شغل
قلوب أهل المسجد بنفسه وأضرهم إلى مواساته فكأنما ألحف في السؤال
فینبغی أن یعمل ویکتسب.
واختلف العلماء في معنى قوله: لا يسألون الناس إلحافاً على قولين فقال:
قوم منهم الطبري (٢) والزجاج (٣) أن المعنى لا يسألون ألبتة وهذا على أنهم
(١) قمع الحرص (ص ٤٧ -٤٨).
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٥٩٠/٥).
(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣٥٦/١).
٢٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
متعففون عن المسألة عفة تامة وعلى هذا جمهور العلماء المفسرين ويكون
التعفف صفة ثابتة لهم أي لا يسألون إلحافاً ولا غير إلحاف وقال: قوم إن
المراد نفي الإلحاف أي أنهم يسألون غير ملحفين وهذا هو السابق للفهم وفي
هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافًا لأنه يسأل مستكثراً ولذلك يكون
بغيضاً مقيتاً لقوة حرصه وعماه عن ربه حين اشتغل بمسألة الناس عن مسألة
كريم يحب الملحين في الدعاء وألحف بسؤاله فهو يكلح وجهه عند السؤال
ويبخل بالبذل عند النوال وأما سؤال غير ملحف عند الحاجة فجائز كما تقدم
وقد ثبت في الصحيح قوله ◌َ ◌ّلام: ((رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له))(١)
الحديث ففي هذا دليل على جواز المسألة والطلب لكن من غير إلحاف وقد
يكون وجه سؤال الفقير إرادة نفع الناس به لينالوا جزيل الثواب وكريم المآب
لما في عطية الفقراء من الفضل.
وجاء [٦٩ / أ] رجل إلى الجنيد فقال: يا شيخ رأيت النورى يسأل الناس
فقال: إنما يسأل لهم يعني ليؤجروا، ورأيت هذه الحكاية مطولة (وذلك كما
روي أن) بعضهم رأى أبا الحسين النوري مد يده ويسأل الناس في بعض
المواطن فاستعظمت ذلك واستقبحته فلما أتيت الجنيد فأخبرته فقال: لا يعظم
هذا عليك فإن النوري لا يسأل الناس إلا ليعيطهم إنما سألهم ليثيبهم من الآخرة
فيؤجرون من حيث لا يضره(٢) وكأنه أشار إلى قوله وَّلية- (يد المعطي هي
(١) صحيح مسلم (٢٦٢٢)
(٢) قوت القلوب (٢٣٧/٢-٢٣٨).
٢٨٣
كتاب الصدقات
العليا))(١) فقال بعضهم: يد المعطي هي يد الأخذ للمال لأنه يعطي الثواب
والمدد له لا لما يأخذه من المال ثم قال: الجنيد عليه الميزان فوزن مائة درهم
ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ثم قال: احملها إليه فقلت في نفسي إنما
يوزن ال[شىء ليعرف] بمقداره فكيف خلط به (شيئا آخر فصار مجهولا)
وهو رجل حكيم واستحييت أن أسأله فذهبت بالصرة إلى النوري فقال:
هات الميزان فوزن مائة وقال: ردها عليه وقل له إنا لا نقبل منك شيئًا وأخذ
ما زاد على المائة فزاد بعجبي فسألته فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ
الحبل بطرفيه وزن المائة طلبًا لثواب الآخرة وطرح عليها قبضة بلا وزن لله
تعالى أخذ ماله وزن (فأخذت ما كان لله تبارك وتعالى ورددت ما جعله لنفسه
قال فرددتها إلى الجنيد فبكى وقال أخذ ماله ورد مالنا الله المستعان (٢).
قوله: فيبارك له فيما أعطيته على بناء المفعول قاله: في شرح المشارق(٣).
قوله وَي: في رواية مسلم ((إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس
فمبارك له فيه))، وفي الرواية الآخرى ((وإنما أنا قاسم ويعطي الله)) معناه أن
المعطي حقيقة هو الله تعالى ولست أن معطيًا وإنما أنا خازن على ما عندي
ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به فالأمور كلها بمشيئة الله
تعالى وتقديره والإنسان مصرف مربوب أي عبد، قاله: النووي(٤)، وقيل
(١) سبق تخريجه.
(٢) قوت القلوب (٢٣٧/٢-٢٣٨)، والإحياء والكلام للغزالى (٢١٥/٤-٢١٦).
(٣) حدائق الأزهار (لوحة ٨٧/ أ)، ومبارق الأزهار (٥١٣/١).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٢٩/٧).
٢٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((إنما أنا قاسم)) يدل على أنه لم يستأثر من مال الله بشىء دونهم وإنما
قال: ((أنا قاسم))(١).
قوله: ((ومن أعطيته عن مسألة، وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع)) فقيل هو
الذي به داء لا يشبع بسببه، وقيل الشره هو الحرص وتقدم ذكره.
وقوله: ((كان الذي يأكل ولا يشبع)) هو الذي [به داء لا يشبع بسببه أي
کمن به الجوع الكاذب وقد یسمی بجوع الكلب كلما ازداد أکلا ازداد جوعا
وقيل يحتمل أن المراد ال] تشبيه (بالبهيمة) الراعية (٢) (وتقدم) قريباً في
حديث حكيم بن حزام في السؤال.
١٢٤٤ - وَعَن ابْنِ عِمر ◌َُّّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ لَا تلحفوا فِي الْمَسْأَلَةُ
فَإِنَّهُ من يسْتَخْرِج منا شَيْئًا بِهَا لم يُبَارِك لَهُ فِيهِ، رَوَاهُ أَبُو يعلى وَرُوَاته مُحْتَج بهم
فِي الصَّحِيحِ(٣).
قوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر قوله: {َ له ((لا تلحفوا في
المسألة)) معناه لا تبالغوا في السؤال يقال: ألحف في المسألة يلحف إلحافاً
إذا ألح فيها ولزمها قاله في النهاية (٤) وتقدم معناه مبسوطً في حديث معاوية.
(١) الكواكب الدراري (٣٨/٢).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٢٦/٧)، والكواكب الدراري (٢٠٨/٢٢).
(٣) أبو يعلى (٥٦٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٥/٣)، ورجاله رجال الصحيح،
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٤).
(٤) النهاية (٤ /٢٣٧).
٢٨٥
كتاب الصدقات
١٢٤٥ - وَعَنِ جَابر بن عبد الله زَّوُّهَا قَالَ قَالَ رَسُول اللّهِ وَهَ إِن الرجل
يأتيني فيسألني فَأَعْطِيه فَيَنْطَلِق وَمَا يحمل فِي حضنه إِلَّ النَّارِ رَوَاهُ ابْن حبَان
فِي صَحِیحه(١).
قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر.
قوله: وَيّة ((إن الرجل يأتيني فيسألني فأعطيه فينطلق وما يحمل في حضنه
إلا النار)) والمعنى أنه يحمل ما يجر إلى النار فكأنه نار في الحقيقة.
١٢٤٦ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَوَّهُ قَالَ بَيْنَمَا رَسُول اللّهِ وَّلِ يقسم ذَهَبا
إِذْ أَتَاهُ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله أَعْطِي فَأَعْطَاهُ ثُمَّ قَالَ زِدْنِي فزاده ثَلَاث مَرَّات
ثُمَّ ولى مُدبرا فَقَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ يأتيني الرجل فيسألني فَأَعْطِيه ثمَّ يسألني
فَأَعْطِيه ثَلاث مَرَّات ثمَّ ولى مُدبرا وَقد جعل فِي ثَوْبِه نَارا إِذا انْقَلبٍ إِلَى أَهله،
رَوَاهُ ابْن حِبَان فِي صَحِيحِهِ(٢).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام علیه.
قوله: بينما رسول الله وَلا يقسم ذهبًا إذا أتاه رجل فقال: يا رسول الله
أعطني فأعطاه ثم قال: زدني فزاده ثلاث مرات تقدم معناه في حديث حكيم
ابن حزام في قصة العباس.
(١) ابن حبان (٣٣٩٢)، وعبد الله بن حميد (١١١٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٨٣٥).
(٢) ابن حبان (٣٢٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٦).
٢٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢٤٧ - وَعَن عمر بن الخطاب ◌َّهُ أَنْه دخل على النَّبِيِ وَِّ فَقَالَ يَا
رَسُول الله رَأَيْت فلانا يشْكر يذكر أَنَّك أَعْطيته دينارين فَقَالَ رَسُول الله
صَلَى اللّه
وستـ
لَكِن فلانا قد أَعْطيته مَا بَيْن الْعِشْرَة إِلَى الْمِائَة فَمَا شكره وَمَا يَقُوله إِن أحدكُم
ليخرج من عِنْدِي بحاجته متأبطها وَمَا هِيَ إِلَّا النَّارِ، قَالَ قلت يَا رَسُول الله لم
تعطهم قَالَ يأبون إِلَّا أَن يَسْأَلُونِي ويأبى الله لي الْبُخْلِ رَوَاهُ ابْن حبَان فِي
صَحِيحه(١).
وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى من حَدِيث أبي سعيد وَتقدم.
متأبطها أي جاعلها تحت إبطه.
قوله: وعن عمر بن الخطاب وختم الله تعالى لعمر بالشهادة وكان يسألها
فطعنه العلج أبو لؤلؤة وهو قائم في صلاة الصبح حين أحرم بالصلاة طعنه
بسكين مسموم ذات طرفين فضربه في كتفه وخاصرته وقيل ضربه ست
ضربات فقال الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام وطعن
العلج مع عمر ثلاثة عشر رجلا توفي منهم سبعة وعاش [٦٩/ ب] الباقون
فطرح عليه رجل مسلم برنسا فلما أحس العلج أنه مقتول قتل نفسه وشرب
عمر لبناً فخرج من جرحه فعلم هو والناس أنه لا يعيش فأشاروا عليه
بالوصية فجعل الخلافة شورى بين عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن
أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وقال: [لا أعلم أحدا] أحق بها من هؤلاء
الذين توفى رسول الله وَّل وهو عنهم راض، وقال: يؤمر المسلمون أحد
(١) ابن حبان (٣٤١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٧).
٢٨٧
كتاب الصدقات
هؤلاء الستة (١).
قوله: توفي رسول الله څچلڑ وهو عنهم راض، تقدم،
وقوله عمر تقدم الكلام على عمر بن الخطاب مبسوطًا.
قوله: وَل﴾ ((إن أحدكم ليخرج من عندي بحاجته متأبطها وما هي إلا النار))
قد فسر الحافظ (٢) رحمه الله متأبطها فقال: جاعلها تحت إبطه.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٣/٢).
(٢) أى المنذرى،
ترغيب من جَاءَهُ شَيْء من غير مَسْأَلَة
وَلَا إشراف نفس فِي قبُوله سِيمَا إِن كَانَ مُحْتَاجًا
وَاللَّهْي عَنْ ردِه وَإِن كَانَ غَنِيا عَنهُ
١٢٤٨ - عَنِ ابْن عمر ◌ََّا قَالَ كَانَ رَسُول الله وَّه يعطيني الْعَطاء فَأَقُول
أعْطه من هُوَ إِلَيْهِ أفقر مني قَالَ فَقَالَ خُذْهُ إِذا جَاءَك من هَذَا المَالِ شَيْء وَأَنت
غير مشرف وَلَا سَائل فَخذه فتموله فَإِن شِئْت كُله وَإِن شِئْت تصدق بِهِ وَمَا لَا
فَلَا تتبعه نَفسك قَالَ سَالم بن عبد الله فلاجل ذَلِك کَانَ عبد الله لا يسْأَل أحدا
شَيْئًا وَلَا يرد شَيْئًا أعْطِيه رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ(١).
قوله: عن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله: أن ابن عمر رَّه قال: كان رسول الله وَله يعطيني العطاء فأقول أعطه
من هو أفقر إليه مني قال: فقال: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير
مشرف ولا سائل وفي هذا الحديث وما قبله وما بعده الحث على التعفف
والقناعة والرضى بما تيسر في عفاف وإن كان قليلا والإجمال في الكسب وأنه لا
يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف ونحوه فإنه لا يبارك فيه وهو قريب من
قول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوْأْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتُ﴾ (٢)(٣)
(١) البخاري (١٤٧٣)، ومسلم (١٠٤٥).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٧٦.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٢٦/٧).
٢٨٩
كتاب الصدقات
المشرف بالشين المعجمة والمشرف إلى شيء هو المتطلع إليه الحريص
عليه(١) وإشراف النفس هو تطلعها وطمعها بالشيء يقال: أشرفت النفس
الشيء وأشرفت الشىء أى علوته وأشرفت عليه اطلعت عليه من فوق(٢)
أراد ما جاءك منه وأنت غير متطلع إليه ولا طامع فيه(٣) وسخاوة النفس هو
عدم الإشراف إلى الشيء والطمع فيه والمبالاة به (٤).
قوله وَالله: ((فخذه فتموله)) يقال: تمول الرجل إذا صار ذا مال وقال: صاحب
المغيث(٥) فتموله أي اتخذه مالا وقد مولته أنا ويقال: مال يمال ويمول إذا كثر
ماله فهو مائل ومال [: أي ذو مال](٦).
قوله مَّ: ((وَمَا لَا فَلا تتبعه نَفسك)) أي ما لا يكون كذلك بأن لا تتبعه نفسك،
وتميل نفسك إليه فلا تتبعه نفسك معناه ما لا يوجد فيه هذه الشروط فلا تعلق
النفس به ولا تأخذه وقال: غيره وما أشرفت إليه نفسك وامتدت إليه فلا تتبعه
نفسك أي لا تأخذه قاله: النووي(٧) واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب
قبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب(٨) حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري
(١) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).
(٢) قاله الفراء كما في تهذيب اللغة (٢٣٥/١١) وانظر شرح السنة (١٢٨/٦) والنهاية (٢/ ٤٦٢).
(٣) شرح السنة (١٢٨/٦)، والنهاية (٢/ ٤٦٢).
(٤) رياض الصالحين (ص ١٨١).
(٥) هو محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني أبو موسى (المتوفى: ٥٨١هـ).
(٦) المجموع المغيث (٢٤٢/٣).
(٧) شرح النووي على مسلم (١٣٤/٧).
(٨) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤ -١٣٥).
٢٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
و(ءاخرون قال: النووي(١) الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحب في
غير عطية السلطان وأما عطية السلطان فحرمها قوم فأما من حمله على عطية
السلطان وأنها مندوب إليها فإنما يصح ذلك إذا كانت أموالهم كما كانت أموال
سلاطين السلف مأخوذة من وجهها غير ممنوعة من مستحقها فأما اليوم فالأخذ
إما حرام أو مكروه(٢) ا.هـ
وأباحها قوم وكرهها قوم والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان
حرمت وكذا إن أعطي شخصًا ما لا يستحقه، وإن لم يغلبه الحرام فمباح إن لم
يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ وقالت طائفة الأخذ واجب من
السلطان وغيره وقال: «اخرون هو مندوب في عطية السلطان دون غيره(٣) وأنَّ
(رد عطاء) الإمام ليس من الأدب وقال: الطبري قال: بعضهم ندب النبي وَ ل
إلى قبول العطية سواء كان المعطي سلطانًا أو عاميًا [٧٠ / أ] صالحاً أو فاسقاً
إلا ما علم يقينًا أنه حرام وهو الصواب وقال عثمان رَقَموته: جوائز السلطان لحم
ظبي ذكي، وقال: عكرمة لا تقبل إلا من الأمراء وقيل ما كان من مأثم فهو عليهم
وما کان من مهنا فهو لنا (٤) انتھی.
وفي هذا الحديث منقبة لعمر وبيان لفضله وزهده وإيثاره(٥).
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٤/٧-١٣٥).
(٢) المفهم (٩ / ٥٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤ -١٣٥).
(٤) الكزاكب الدراري (١٨/٨-١٩).
(٥) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).
٢٩١
كتاب الصدقات
قال: سالم بن عبد الله ((فلأجل ذلك كان عبد الله بن عمر لايسأل أحدا
شيئاً ولا يرد شيئًا أعطيه))، وفي هذا الحديث ما كان عليه ابن عمر من شدة
الإتباع للسنة والوقوف عندها حتى روي أنه قيل له إن رسول الله وَ خلال جلس
تحت هذه الشجرة فقام حتى جلس تحتها وسقاها ماء وأراد بذلك إتباعًا
((إن ابن عمر ألزمهم للأمر الأول يعني ما كان عليه
وقالت عائشة نزَ لَّهَ
رسول الله ◌َله))(١).
وروى الحاكم (٢) بإسناده في المستدرك عن مالك بن أنس أن ابن شهاب
الزهري قال: له عليك برأي ابن عمر فإنه عاش بعد رسول الله ◌ُ له ستين سنة
ولم يغب عليه شيء من أمر رسول الله وَ ل ولا أصحابه وأراد بقوله أنه كان
شديد الاتباع للسنة وملازماً لها بحيث كانت متيسرة عليه غير متعذرة وروى
الحاكم(٣) في المستدرك أيضً عن محمد بن الحنفية نَّه قال: إن ابن عمر
خير هذه الأمة وعن زين العابدين علي بن الحسين عليهم السلام قال: أزهد
القوم وأصوبهم رأيًا عبد الله بن عمر (٤) وعن نافع قال: دخل ابن عمر الكعبة
فجعل يقول في سجوده وقد تعلم أنه لا يمنعني من مزاحمة قريش على الدنيا
إلا خوفك(٥) والله أعلم.
(١) المستدرك (٥٥٩/٣).
(٢) المستدرك (٥٥٩/٣).
(٣) المستدرك (٥٦٠/٣).
(٤) المستدرك (٥٦٠/٣).
(٥) المستدرك (٥٦٠/٣).
٢٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢٤٩ - وَعَن عَطاء بن يسَار ◌َوَهُ أَن رَسُول الله ◌َِّ أرسل إِلَى عمر بن
الْخطاب ◌َ ◌ّهُ بعطاء فَرده عمر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ◌َّه لم رددته فَقَالَ يَا رَسُول
الله أَلَيْسَ أخبرتنا أَن خيرا لاحدنا أَن لَا يَأْخُذ من أحد شَيْئًا فَقَالَ رَسُول الله
صَ الله
وسلم
إِنَّمَا ذَلِك عَنِ الْمَسْأَلَة فَأَمَا مَا كَانَ عَنِ غيرِ مَسْأَلَةٌ فَإِنَّمَا هُوَ رزق يرزقكه الله
فَقَالَ عمر رَوَهُ أَما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أسأَل أحدا شَيْئًا وَلَا يأتيني شَيْء من
غير مَسْأَلَةٍ إِلَّا أَخَذته، رَوَاهُ مَالك هَكَذَا مُرْسلا(١).
رَوَاهُ الْبَيْهَِيّ عَن زيد بن أسلم عَن أَبِه قَالَ سَمِعت عمر بن الخطاب ◌َّى
يَقُول فَذکر بِنَحْوِهِ (٢).
قوله: وعن عطاء بن يسار بالمثاناة التحتانية والسين المهملة هو أبو محمد
المدني الهلالي مولى ميمونة أم المؤمنين رض الله عنها.
قوله: إن رسول الله وَالله أرسل إلى عمر بعطاء فرده عمر فقال له رسول الله
وَل: لم رددته، فقال: يا رسول الله أليس أخبرتنا إن خيراً لأحدنا أن لا يأخذ
من أحد شيئًا فذكر الحديث إلى أن قال: ((فإنما رزق يرزقكه الله)) فقال عمر:
أما والذي نفسي بيده لا أسأل أحداً شيئًا ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا
أخذته الحدیث.
(وفي حديث) آخر لبعض الرواة لا ترد على الله رزقه وهذا كله مركب
ومبني على ما أجمعوا عليه وهو الحق فمن عرف الشيء المحرم بعينه لا
(١) مالك في الموطأ (٢٨٥٢)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٣٩).
(٢) البيهقي (١٨٤/٦)، وعبد بن حميد (٤٢).
٢٩٣
كتاب الصدقات
يحل له أخذه(١) وقد أشار الخطابي في المعالم (٢) في شرح حديث النعمان بن
بشير إلى شيء من هذا فقال: ويدخل في هذا الباب معاملة من في ماله شبهة
أو خالطه ربا فإن الاختيار تركها إلى غيرها وليس ذلك محرم عليك مالم
يتيقن أن عينه حرام ومخرجه حرام فقد رهن النبي ◌َ ل درعه عند يهود على
(صاع) من شعير أخذها لقوت (عياله) ومعلوم أنهم يربون في تجاراتهم
ويستحلون أثمان الخمور ووصفهم الله تعالى بأنهم: ﴿سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ
أَكَلُونَ لِلسُّحْتِ﴾(٣) فلا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحرم ما
أحل الله من غير علم ولا بصيرة والله أعلم.
١٢٥٠ - وعن المطلب بن عبد الله بن حنطَب أَن عبد الله بن عامر بعث
إِلَى عَائِشَة ◌َِّّنَا بِنَفَقَة وَكِسْوَة فَقَالَت للرسول أَي بني لَا أقبل من أحد شَيْئا
فَلَمَّا خرج الرَّسُول قَالَت ردُّوهُ عَليّ فَرِدُّوهُ قَالَت إِنِّي ذكرت شَيْئًا قَالَ لي
رَسُولِ اللهِوَّه يَا عَائِشَة مِن أَعْطَاك عَطاء من غير مَسْأَلَة فاقبليه فَإِنَّمَا هُوَ رزق
عرضه الله إِلَيْك، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ(٤). ورواة أَحْمد ثِقَات لَكِن قد قَالَ
التِّرْمِذِيّ قَالَ مُحَمَّد يَعْنِي البُخَارِيّ لَا أعرف للمطلب بن عبد الله سَمَاعا من
(١) جامع المسائل (ص ٣١٢/ المجموعة الثالثة) لابن تيمية.
(٢) معالم السنن (٥٨/٣).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٤٢.
(٤) أحمد (٢٦٢٣٣)، والبيهقي في السنن (١٨٤/٦)، وفي شعب الإيمان (٣٥٥٥)، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٠/٣)، رواه أحمد، ورجاله ثقات، إلا أن المطلب بن عبد
الله مدلس واختلف في سماعه من عائشة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦٣٩٥).
٢٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَّ إِلَّ قَوْله حَدثني من شهد خطْبَة النَّبِي
أحد من أَصْحَاب النَّبِي
صلى الله
عَاني
وَسلم
وَسمعت عبد الله بن عبد الرَّحْمَن يَقُول لَا نَعْرِف للمطلب سَمَاعا من أحد من
أَصْحَابِ النَِّي ◌َِّ.
قَالَ المملِي ◌ََّهُ قد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة وَأَمَا عَائِشَة فَقَالَ أَبُو حَاتِم الْمطلب لم
يَدْرك عَائِشَةٍ وَقَالَ أَبُو زرْعَةِ ثِقَةٍ أَرْجُو أَن يكون سمع من عَائِشَة فَإِن كَانَ الْمطلب
سمع من عَائِشَة فالإسناد مُتَّصِل وَإِلَّا فالرسول إِلَيْهَا لم يسم وَالله أعلم.
قوله: وعن المطلب بن عبد الله بن حنظب أن عبد الله بن عامر بن ربيعة بن
مالك بن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ سَلَامَانَ حليف الخطاب والد عمر ولد
عبد الله هذا زمن النبي ◌َّ وتوفي النبي ◌َّ﴾ وله أربع سنين وقيل خمس وكان
أبوه عامر من كبار الصحابة وقد روى البخاري ومسلم لعبد الله بن عامر هذا
عن أبيه توفي سنة خمس وثمانين والله أعلم(١).
قوله: {وَي ((يا عابث ما أعطاك من غير مسألة فاقبليه فإنما هو رزق عرضه
الله إليك)) أي بغير سؤال.
١٢٥١ - وَعَن عمر بن الخطاب زَّو ◌َّهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله قد قلت لي إِن
خيرا لَك أَن لَا تسْأَل أحدا من النَّاسِ شَيْئًا، قَالَ إِنَّمَا ذَاك أَن تَسْأَل وَمَا آتَاك الله من
غير مَسْأَلَةُ فَإِنَّمَا هُوَ رزق رزقكه الله رَوَاهُ الطَّرَانِيّ وَأَبُو يعلى بِسْنَادِ لَا بَأْس ◌ِهِ(٢).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٧٣/١ -٢٧٤ الترجمة ٣١١).
(٢) أبو يعلى (١٦٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠٠/٣)، رواه أبو يعلى ورجاله
موثقون، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٠).
٢٩٥
كتاب الصدقات
قوله: وعن واثلة بن الخطاب (١) سأل قاضي القضاة شيخ الإسلام
العسقلاني الشهير بابن حجر، عن واصل هذا فلم يعرفه وقال: ليس فى أولاد
الخطاب والد [٧٠/ ب] عمر من اسمه واصل فهو دائر بين أمرين أما أن
يكون صحابياً غير مشهور أو غلط فيه الناسخ فصحفه والله أعلم، والظاهر
أنه تصحيف [من الرواة]فقد قال(٢): في كتابه الذي ألفه في ذكر الصحابة أقوالهم،
(واثلة) ابن الخطاب القرشي العدوي من القريش قال: أبو الحسين الرازى
[والد تمام:]صحابي من رهط [عمر، وذكره يحيى بن يونس الشيرازي،
وجعفر المستغفري، وأوردا من طريق ابن [عياش آعن مجاهد بن فرقد
[الصنعانى] عن واثلة بن الخطاب القرشي (قال) دخل رجل المسجد[فلما
رآه] النبي وَّ تزحزح فقال: يا رسول الله إن (في الْمَسْجِدِ قَاعِدٌ) فقال
إن (للمسلم على المسلم إذا راءاه أن يتزحزح له))(٣) وأخرجه أبو بكر بن [بن
أبي علي] في الصحابة [وأورد] حديثه [من طريق قتيبة بن مهران، عن
إسماعيل] فقال: عن مجاهد [بن فرقد] عن واثلة بن الخطاب [قال أبو
موسى: وأظنه] صحفه وذكر في [التجريد] واصلة [بن حباب القرشى إنما
هو ] واثلة بن [الخطاب] من رهط عمر له صحبة سكن دمشق له حدیث تفرد
به عنه مجاهد بن فرقد شيخ للفریابی ثم قال: بعد واصلة بن حبان القرشي
(١) صحف في الأصل ((واصلة)).
(٢) الإصابة (٦ / ٤٦٢ - ٤٦٣ ترجمة ٩١٠٧).
(٣) شعب الإيمان (٨٥٣٤) قال في المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي (٢/ ٥١٤) فيه
إسماعيل بن عياش، قال الذهبي: مختلف فيه وليس بقوي، ومجاهد بن فرقد قال في اللسان:
حديثة منكر تكلم فيه وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (١٩٦٧).
٢٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إنما هو واثلة بن الخطاب صحفه بعضهم فإن صاحبه هو مجاهد [بن فرقد
المذكور] والمتن واحد(١) ا. هـ
قوله ◌َله: ((أتاك الله من غير مسألة فإنما هو رزق رزقك الله)) الحديث.
صَلى الله
١٢٥٢- وَعَنِ خَالِد بن عَليّ الْجُهَنِيّ نَظَلَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله
وَسكم
يَقُول من بلغه عَن أَخِيهِ مَعْرُوف من غير مَسْأَلَة وَلَا إشراف نفس فليقبله وَلَا
يردّهُ فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله عز وجل إِلَيْهِ رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَأَبُو
يعلى وَالطََّرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمْ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادَ(٢).
١٢٥٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َمَِّهُ عَنِ النَِّي ◌ََّ قَالَ من آتَاهُ الله شَيْئًا من هَذَا
المَال من غير أَن يسْأَله فليقبله فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْهِ وَرُوَاته مُحْتَج بهم
فِي الصَّحِيح(٣).
قوله: وعن خالد بن عدي الجهني هو خالد بن عدي الجهني يعد في أهل
المدينة وَكَانَ ينزل الْأَشْعر عده ابن عبد البر في الصحابة(٤) وكذلك الذهبي
(١) تجريد أسماء الصحابة (٢/ ١٢٥ ترجمة ١٤٢٦ و١٤٣٤).
(٢) أحمد (١٧٩٣٦)، وأبو يعلى (٩٢١)، والطبراني في الكبير (٤١٢٤)، وابن حبان
(٣٤٠٤)، والحاكم (٦٢/٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٥١)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (١٠٠/٣)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير، إلا أنهما قالا: من
بلغه معروف من أخيه، وقال أحمد: عن أخيه، ورجال أحمد رجال الصحيح، قلت: وهي
كذلك عند ابن حبان والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤١).
(٣) أحمد (٧٩٢١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠١/٣)، ورجاله رجال الصحيح،
وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٢).
(٤) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤٣٦/٢).
٢٩٧
كتاب الصدقات
روی عنه بسر بن سعید ذکره ابن حبان في ثقاته(١) وخرج حدیثه هذا.
قوله ◌َّه: ((من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله
ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه)) وتقدم معنى الإشراف أنه التطلع يقال:
أشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه اطلعت [عليه من فوق] والمراد ولا تطلع
عليه ولا طمع فيه فقوله: ((من أخيه)) لا مفهوم له فإنه خرج مخرج الغالب(٢).
قوله: ((فإنما هو رزق ساق الله إليه)) قد يستدل به المعتزلة على أن الرزق هو
الحلال دون الحرام، وجوابه أن القرينة خصصته هنا ولأهل السنة على المسألة
أدلة [كثيرة] وأصول [السنة تدل على] أنه يطلق على الحلال والحرام.
قوله: ((فليقبله فَإِنَّمَا هُوَ رزق سَاقه الله إِلَيْهِ)) الصحيح أن الأمر بالشيء نهي
عن ضده وسواء في هذا [الهبة] والهدية والصدقة.
وتقدم من تحل له الصدقة والهدية والهبة ولذلك لا يجوز قبول هدايا
المشركين للنهي عنه وهو محمول على المحاربين لأنه عليه الصلاة والسلام قبل
هدية أهل الكتاب كالنجاشي وأكيدر دومة والمقوقس وأما هدية كسرى وقبولها
ولم يكن كتابياً ففي حديثه مقال: وقد رد ثالثلهما على عياض بن حمار كما رواه
أهل السير هديته لكونه غير كتابي وقال فيه: ((نهيت عن زبد المشركين))(٣) وقد
(١) ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة (٢٠٨/٢) أسد الغابة ت (١٣٧٧)، الاستيعاب ت
(٦٤٠). الثقات (١٠٥/٣)، الطبقات (١٢١)، تجريد أسماء الصحابة (١٥٢/١) التحفة
اللطيفة (١٣/٢)، ذيل الكاشف (٣٧٢).
(٢) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف.
(٣) أخرجه أحمد (٣٠/٢٩) الطيالسي (١٠٨٢)، وابن زنجويه (٩٦٥)، والطحاوي في شرح
المشكل (٢٥٦٧) و(٢٥٦٨)، والطبراني في الأوسط (٧٦١٦)، والبيهقي في السنن
٢٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قيل أن ذلك منسوخ بقبوله ممن ذكرناه واستشكله المنذري لجهل التاريخ
ولأن الجمع ممكن بما تقدم،وقيل بل أراد غيظه برد هديته لعله يسلم، وقيل
إنما ردها سداً للذريعة عن والله أعلم.
قوله: ((رزق ساقه الله إليه)) فيه عدم الإلتفات إلى الأسباب فإنه إن كان
على يد شخص أو بتسببه فإن الله هو المعطي واختلف العلماء فيمن جاءه
مال هل يجب قبوله أو يندب على ثلاثة مذاهب وتقدم ذلك وليس هذا
الحديث على ظاهره وإطلاقه كما ظنه بعض الفقراء الجهال الذين [٧١/أ]
يهجمون على ما عَنّ لهم من الأموال فإن الشيء إذا كان حراما لا يجوز
قبوله ويجب رده وذلك بأن يكون من سلطان ظالم متحقق ظلمه أو متحرف
حرفة محرمة كالطبال والزمار والخمار والمكاس والعشار والمغنيين والنوائح
إلى غير ذلك لأنه حرام محض بإجماع(١) قال أبو عمر بن عبد البر(٢) ومن
المكاسب المجمع على تحريمها الربا ومهور البغي والسحت والرشا وأخذ
الأجرة على النياحة والغنا وعلى الكهانة وادعاء أخبار السماء وعلى الزمر
واللعب والباطل كله ومن الكسب الحرام المجمع عليه أيضً الغصب
والسرقة وكل ما لا تطيب به نفس مالكه من مال مسلم أو ذمي وفي قبوله من
الظالم عون له على المظالم ولأنه لا يأمن أن يحبه قلبه فيعصي الله تعالى
بمحبته إياه على ظلمه ولهذا قال: قَالَ: ((جبلت القلوب على حب من أحسن
=
٢١٦/٩، قال الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (١٥٢/٤) رواه الطبراني في الصغير
والأوسط، وفيه الصلت بن عبد الرحمن الزبيدي، وهو ضعيف.
(١) قمع الحرص (ص ٦٥).
(٢) قمع الحرص (ص ٦٥ -٦٧).
٢٩٩
كتاب الصدقات
إليها وبغض من أساء إليها))(١) ولأن في قبوله من الظالم والفاسق تقليل
فتنتهم وقال: عَلَا﴾((اللهم لا تجعل لفاجر عندي منة فيحبه قلبي)) (٢) ولأنه إذا
قبل من الظالم والفاسق دعاه قبوله إلى الدعاء لهم قال: سفيان الثوري من
أخذ من ظالم ذرعًا أومالا أو سلاحاً فغزى به في سبيل الله لعن بكل قدم
یرفعه ویضعه حتی یرجع.
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي ومثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو
توقيف وقال أيضاً: من دعا للظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصي الله عز وجل
قالوا ومن حكم الفقير أن لايقبل إلا ممن يعلم حاله الكرم ولا يكون مناناً
فإن ءافة ذلك أعظم وأنشدوا في ذلك المعنى:
إذا تكرمت لا تمنن به أبدا لا خير في كرم من عند منان
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣): فهذا حكم الفقراء في أخذ النوال وقد
انعكس الحال في هذه الآثار فتراهم، ومن يظن بهم العلم يلحقون وإلى
الظلمة والفساق يترددون وعندهم يأكلون، ومنهم يقبلون: ﴿سَآءَ مَا
يَحْكُمُونَ﴾(٤) وبئس ما يتناولون: ﴿ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾(٥) وهم
(١) أخرجه أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني (ص: ١٩٥) حلية الأولياء وطبقات
الأصفياء (٤/ ١٢١) مسند الشهاب القضاعي (٥٩٩) شعب الإيمان (٨٥٧٣) ضعيف
الجامع الصغير وزيادته (٢٦٢٥).
(٢) أخرجه موقوفًا على ابن المبارك اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (برقم ٢٧٥).
(٣) قمع الحرص (ص ٦٧).
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٣٦.
(٥) سورة الكهف، الآية: ١٠٤.
٣٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأخسرون: ﴿رَبَّنَا لَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾(١) أ.هـ
١٢٥٤ - وَعَن عَابِد بن عَمْرو ◌ََّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ من عرض لَهُ من هَذَا
الرزق شَيْء من غير مَسْأَلَة وَلَا إِشراف نفس فليتوسع بِهِ فِي رزقه فَإِن كَانَ غَنِیا
فليوجهه إِلَى من هُوَ أْوِجٍ إِلَيْهِ مِنْهُ رَوَاهُ أَحْمد وَالطََّرَانِيّ وَالْبَيْهَِيّ وَإِسْنَاد
أَحْمد جيد قوي قَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله سَأَلَت أبي مَا
الاستشراف قَالَ تَقول فِي نَفسك سيبعث إِلَيّ فلان سيصلني فلان(٢).
قوله: وعن عائذ بن عمرو رَقَّهُ [هو عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن
يزيد بن رواحة بن زبينة بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن ثور بن هذمة بن لاطم
بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر المزني، يكنى أبا
هبيرة، ويقال لولد عثمان وأوس ابني عمرو: مزينة، نسبا إلى أمهما.
وكان مما بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان من صالحي الصحابة،
سكن البصرة، وابتنى بها دارا، وتوفي في إمارة عبيد الله بن زياد، أيام يزيد بن
معاوية، وأوصى أن يصلي علیه أبو برزة الأسلمي، لئلا يصلي علیه ابن زياد.
قوله وَالّ: ((من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا إشراف
نفس فليتوسع به في رزقه)) الحديث، وإشراف النفس قد فسر في هذا الحديث
(١) سورة النمل، الآية: ٤.
(٢) أحمد (٢٠٦٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٣٥٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(١٠١/٣)، رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٤٣).