Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
كتاب الصدقات
١٢٢١ - وَعَنْ حَكِيم بن حِزَامِ رَوَهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ◌َوَ الْيَد الْعليا خير
من الْيَدِ السُّفْلى وابدأ بمن تعول وَخير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى وَمن
يستعف يعفه الله وَمن يسْتَغْنِ يغنه الله، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَمُسلم(١).
قوله: وعن حكيم بن حزام تقدم الكلام على حكيم.
قوله وَّة: ((وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) قال ابن الأثير في
النهاية (٢): أي ما كان عفوا قد فضل عن غني وقيل ما فضل عن قوت العيال
وكفايتهم والظهر يراد في مثل هذا اتساعًا إشباعا للكلام وتمكينًا كأن صدقته
مستندة إلى ظهر قوي من المال ا.هـ، وفي رواية ((خير الصدقة ما ابقت
غني))(٣) فإذا أعطيتها غيرك أبقت بعدها لك ولهم غنى وكانت على استغناء
منك ومنهم [٦٣ / ب] عنها(٤) وقيل معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها
بعدها مستغنياً بما بقي معه، وتقديره أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غني
ويعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه، وقيل خير الصدقة ما
أغنيت به من أعطيته عن المسألة وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى
من تصدق بجميع ماله لآن من تصدق بالجميع يندم غالباً أو قد يندم إذا
إحتاج ويود أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنياً فإنه لا يندم عليه
(١) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).
(٢) النهاية (١٦٥/٣).
(٣) النهاية (٣/ ٣٩٠).
(٤) الغريبين (١٣٩٢/٤)، والنهاية (٣٩١/٣).
٢٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بل يسر بها وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله فمذهبنا أنه مستحب
لمن لا دين عليه ولا له عيال لا يصبرون بشرط أن يكون ممن يصبر على
الإضاقة والفقر فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه(١).
قال: القاضي عياض (٢) جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة
بجميع ماله والله أعلم، وقال: في شرح مشارق الأنوار قال: الإمام شهاب
الدين التور بشتى هو عبارة عن تمكن المتصدق عن غنى ما وذلك مثل
قولهم هو على ظهر سير وراكب متن السلامة ونحو ذلك من الألفاظ التي
يعبر بها عن التمكن من الشيء والإستواء عليه (٣) ).هـ.
قال: أبو عبيد الهروي يعني ما فضل عن أهلك وقال: غيره خير الصدقة ما
أغنيت به من أعطيته عن المسألة فتجزل له العطية (٤).
لطيفة: عن جابر بن عبد الله قال: قدم أبو حصين السلمى بذهب من
معدنهم فقضى ديناً كان عليه وفضل معه مثل بيضة الحمامة فأتى بها رسول
الله وَلا فقال: يا رسول الله ضع هذا حيث أراك الله أو حيث رأيت، قال:
فجاءه عن يمينه فأعرض عنه ثم جاءه عن يساره فأعرض عنه ثم جاءه من بين
یدیه فنکس رسول الله ګ﴾ رأسه فلما أکثر عليه أخذها من يده فحذفه بها لو
(١) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٣/ ٥٦٧)، وشرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٣) الميسر (٢/ ٤٥١).
(٤) انظر الغريبين (١٣٩٢/٤)، وشرح السنة (١٧٩/٦ - ١٨٠)، ومشارق الأنوار (٢/ ١٣٧)،
ومطالع الأنوار (١٨٥/٥).
٢٤٣
كتاب الصدقات
أصابته لعقرته ثم أقبل عليه رسول الله وَّله فقال: ((يعمد أحدكم إلى ماله
فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس، وإنما الصدقة عن ظهر غنى وابدأ بمن
تعول» رواه البزار (١) وقد رواه أبو داود في سننه(٢) من حديث محمود بن لبيد
عن جابر بن عبد الله بنحوه وفي رواية أخرى خذ عنا مالك لا حاجة لنا به
ذكره ابن الجوزي فى تلبيس إبليس(٣).
لطيفة أخرى: كان بشر يقول الفقراء ثلاثة لا يسأل وإن أعطي لم يأخذ
فهذا مع الروحانيين في عليين وفقير لا يسأل وإن أعطي أخذ فهذا مع
المقربين في جنات الفردوس وفقير يسأل عند ضاقته قهذا مع الصادقين من
أصحاب اليمين فإذن اتفق كلهم على ذم السؤال وعلى أنه مع الفاقة تحط
المرتبة والدرجة (٤) ا.هـ.
قَالَ شَقِيقُ البَلْخِيُّ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَذْهَم، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِن خُرَاسَان: كَيْفَ
تَرَكْتَ الفُقَرَاءَ مِن أَصْحَابِك .. ؟
(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢٧٧/٤)، ومن طريقه أبو نعيم كما في المسند المستخرج
(٢/ ١٠٩١-١٩٠٢ رقم ٢٢٣). وفيه الواقدى.
(٢) أخرجه عبد بن حميد (١١٢١)، وابن زنجويه في الأموال (٢٣٤٦)، والدارمى (١٧٠٠)،
وأبو داود (١٦٧٣) و(١٦٧٤)، وأبو يعلى (٢٢٢٠)، وابن خزيمة (٢٤٤١)، وابن حبان
(٣٣٧٢)، والحاكم ٤١٣/١، والبيهقي ١٨١/٤. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود
(٢٩٨).
(٣) تلبيس إبليس (ص ١٧٦ - ١٧٧).
(٤) إحياء علوم الدين (٤ /٢١٥).
٢٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قَال: تَرَكْتُهُمْ؛ إِن أَعْطُواْ شَكَرُواْ، وَإِنْ مُنعُواْ صَبِرُواْ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُمْ
بِتَرْكِ السُّؤَال؛ قَدْ أَثْنِى عَلَيْهِمْ غَايَةَ الثَّنَاءِ، فَقَال شَقِيق: هَكَذَا تَرَكْتُ كِلاَبَ بَلْخ
- قَالَ رَّو ◌َّهُ: الفُقَرَاءُ عِنْدَنَا؛ إِنْ مُنِعُواْ شَكَرُوا، وإِن أَعْطُواْ آثَرُواْ فَقَبَّلَ إِبْرَاهِيمُ
رَأْسَهُ وَقَال: صَدَقْتَ يَا أُسْتَاذِي ...!
فإذن درجات أرباب الأحوال في الرضى والصبر والشكر والسؤال كثير
فلابد لسالك طريق الأخرة من معرفتها ومعرفة أسبابها واختلاف درجاتها(١).
قوله وَّة: ((ومن يستعفف يعفه الله)) قال: الإمام أبو عبد الله القرطبي(٢) في
كتابه قمع الحرص قال علماؤنا الاستعفاف الصبر ومنه قوله: تعالى:
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِصَاحًا﴾(٣) قال ابن عرفة وغيره: من أهل
اللغة أي ليصبروا فالمعنى من يستعفف عن السؤال للخلق يعفه الله أي
يجازيه على استعفافه بصيانة وجهه ورفع فاقته وربما أثمر له العفة غنى قلبه
بربه عن خلقه والتيه به على عباده كما قال: بعضهم فأحسن [٦٤ / أ]:
لَبِسْتُ بِالْعِقَّةِ ثَوْبَ الْغَنِيِّ فَصِرْتُ أَمْشِي شَامِخَ الرَّاسِ
إِذَا رَأَيْتُ التِيهَ مِنْ ذِي الْغِنَا تُهْتُ عَلَى النَّاتِهِ بِالْيَأْسِ أ.هـ
قوله: يعفه الله بفتح الفاء، قوله وَخّر: ((ومن يستغن يغنه الله)) الحديث قال
التيمي: من يستغني يغنه الله شَرط وَجَزَاء وعلامة الْجَزْم حذف الْيَاء أَي من
(١) إحياء علوم الدين (٢١٥/٤).
(٢) قمع الحرص (ص ٤٤).
(٣) سورة النور، الآية: ٣٣.
٢٤٥
كتاب الصدقات
يطْلب الْغنى من الله يُعْطِه ومن يطلب العفاف وهو ترك المسألة يعطه الله
العفاف وقال بعضهم معناه من طلب من نفسه العفة عن السؤال ولم يظهر
الاستغناء يعفه الله أي يصيره عفيفاً ومن ترقى من هذه المرتبة إلى ما هو أي
منها وهو إظهار الاستغناء عن الخلق يملأ الله قلبه غني لكن أن أعطى شيئاً
لم يرده. قاله الكرماني(١). ومعنى قوله: ومن يستغن أي بالله يغنه أي يخلق في
قلبه غنى أو يعطيه ما يستغني به عن الخلق(٢) وقد يجمع الله له الأمرين غنى
قلبه ويده تفضلا منه سبحانه وتعالى وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي الأشهب
قال: سمعت بكر بن عبد الله يقول في دعائه: اللهم ارزقنا من فضلك رزقا
تزيدنا لك به شكراً وإليك فاقةً وفقراً وبها عمن سواك غنى وتعففً(٣)). هـ.
١٢٢٢ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَ أَنْ أُنَاسًا من الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُول الله
وَِّ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى إِذا نفد مَا عِنْده قَالَ مَا
يكون عِنْدِي من خير فَلَنْ أدخره عَنْكُم وَمن استعف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله
وَمن يتصبر يصبره الله وَمَا أعْطَى الله أحدا عَطاء هُوَ خير لَهُ وأوسع من الصَّبْرِ،
رَوَاهُ مَالِك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْ مِذِيّ وَالنَّسَائِيّ(٤).
(١) الكواكب الدراري (١٩٧/٧).
(٢) المفهم (٦٦/٩)، وقمع الحرص (ص ٤٤).
(٣) قمع الحرص (ص٤٥). والأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢١١/٧)، وعنه ابن أبي
الدنيا في القناعة (٨٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢٢٥/٢).
(٤) البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣)، والنسائي (٩٥/٥).
٢٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه.
قوله: أنا أناساً من الأنصار سالوا رسول الله وَ فأعطاهم ثم سألوه
فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، الأنصار هم الذين نصروا رسول الله وَ له حين
هاجر إلى المدينة.
قوله حتى إذا نفذ ما عنده، نفذ بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فني قوله: وقد
((ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم)) ومعناه أقتنيه وأرفعه دونكم والخير
٥﴾(١) أي لحب المال(٢).
المال قال: الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِیدُ
قوله ◌َله: ((ومن استعف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره
الله)) الاستعفاف طلب العفاف أي من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياها
ورزقه من حيث لا يحتسب(٣).
قوله: ومن يستغن أي يطلب الغنا من الله والغنا مقصور هو اليسار(٤) وفي
الحديث الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من
مكاره الدنيا(6) وتقدم الكلام على ذلك في حديث حكيم بن حزام مبسوطًاً
والله أعلم.
(١) سورة العاديات، الآية: ٨.
(٢) كشف المناهج (١١٤/٢).
(٣) كشف المناهج (١١٤/٢).
(٤) كشف المناهج (١١٤/٢).
(٥) كشف المناهج (١١٤/٢)
٢٤٧
كتاب الصدقات
١٢٢٣ - وَعَن سهل بن سعد زَّوَهُ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلٍ إِلَى النَّبِيِ وَِّ فَقَالَ یَا
مُحَمَّد عش مَا شِئْت فَإِنَّك ميت واعمل مَا شِئْت فَإِنَّك مَجْزِي بِهِ وأحبب من
شِئْت فَإِنَّك مفارقه وَاعْلَم أَن شرف الْمُؤمن قيام اللَّيْل وعزه استغناؤه عَن
النَّاسِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَاد حسن (١).
قوله: وعن سهل بن سعد هو أبو العباس وقيل أبو يحي سهل بن سعد بن
مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب
بن الخزرج الأنصاري الساعدي المدني(٢) كان اسمه حزنا فسماه رسول الله
وَخلهسهلا قال: الزهري سمع من النبي وَ﴾ وكان له يوم وفاة النبي ◌َخلال خمس
عشرة سنة وتوفي بالمدينة سنة ثمان وثمانين وقيل سنة إحدى وتسعين قال
ابن سعد: هو آخر من حدّث من أصحاب النبي وَلّ بالمدينة ليس فيه خلاف
فروي له عن رسول الله ◌َ ◌ّر مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا اتفقا على
ثمانية وعشرين وانفرد البخاري باحد عشر والله أعلم.
قوله: جاء جيريل إلى النبي ◌َّ، جبريل هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه
عليهم الصلاة والسلام وتقدم الكلام عليه في الجمعة مبسوطً والله أعلم.
(١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٢٧٨)، والحاكم (٣٢٤/٤)، وصححه، ووافقه الذهبي،
والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٤١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٥٣)، فيه
زافر بن سليمان وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وتكلم فيه ابن عدي وابن حبان بما لا
يضر، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨١٧).
(٢) ينظر: سير أعلام النبلاء (٤٢٢/٣) الاستيعاب: ٦٦٤، أسد الغابة ٤٧٢/٢، تهذيب
الأسماء واللغات ٢٣٨/١/١، تهذيب الكمال: ٥٥٨، تذهيب التهذيب ٦١/٢].
٢٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَحقّ: ((وإعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس))
تقدم في قيام الليل.
١٢٢٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّهُ عَنِ النَّبِي وَّ قَالَ لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة
الْعرض وَلَكِنِ الْغنى غنى النَّفْس، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ
وَالنَّسَائِيّ(١).
الْعرض: بِفَتْحِ الْعين الْمُهْمَلَة وَالرَّاء هُوَ كل مَا يقتنى من المَالِ وَغَيرِه
قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله وَاله: (ليس الغنى
عن كثرة العرض)) و((عن)) هنا يحتمل معناها أوجهاً أحدها أن تكون للتعليل
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ﴾(٢) وقوله [٦٤/ ب]
تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أُسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ ﴾(٣) أي ليس علة
الغنى وسببه كثرة العرض.
ثانيها: أن تكون للظرفية أي ليس الغناء في كثرة العرض.
ثالثها: أنها بمعنى الباء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىّ
أي بالهوى أي ليس الغنا بكثرة العرض (٥).
(١) البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم (١٠٥١)، والترمذي (٢٣٧٣)، وابن ماجه (٤١٣٧)، وأحمد
(٧٣١٦).
(٢) سورة هود، الآية: ٥٣.
(٣) سورة التوبة، الآية: ١١٤.
(٤) سورة النجم، الآية: ٣.
(٥) طرح التثريب (٤ / ٨٠-٨١).
٢٤٩
كتاب الصدقات
والعرض: بفتح العين والراء المهملتين وبالضاد المعجمة قد فسره
الحافظ فقال: هو كل ما يقتني من المال وغيره ا.هـ. وقال: غيره هو حطام
الدنيا ومتاعها من أي نوع كان سمي بذلك لزواله وقال: بعضهم في كتاب
العين العرض ما قيل من الدنيا وجمعه عروض ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ
عَرَضَ الدُّنْيَا﴾(١) وفي الحديث الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر
وأما العرض بإسكان الراء فهو ما عدا النقد والنقد الدراهم والدنانير قاله: أبو
زيد والأصمعي وغيرهما وقال: أبو عبيد العرض المتاع الذي لا يدخله كيل
ولا وزن ولا يكون حيوانا ولا عقاراً (٢) ا.هـ
قوله ◌َله: ((إنما الغنى غنى النفس)) ومعنى هذا الحديث أن الغنى النافع أو
العظيم أو الممدوح هو غنى النفس (٣) ا. هـ.
وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع، فعزت وعظمت، فحصل
لها من الحظوة والنزاهة والتشريف والمدح أكثر ممن كان غنيا بماله، فقيرا
بحرصه وشرهه، فإن ذلك يورطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال، لبخله
ودناءة همته، فيكثر ذاموه من الناس، ويصغر قدره فيهم ؛ فيكون أحقر من
كل حقير، وأذل من كل صغير (٤) قال العلماء: علامة غنى النفس أن لا
(١) سورة الأنفال، الآية: ٦٧.
(٢) طرح التثريب (٤ /٨٠).
(٣) المفهم (٩ / ٦٣).
(٤) المفهم (٩ / ٦٣).
٢٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يحرص ولا يلحف في الطلب، وعلامة غنى القلب القناعة والرضا بما وجد
وعكوف همه على المسبب دون السبب (١)]. هـ، قاله في الديباجة.
وقال النووي: مَعْنَى الْحَدِيثِ الْغِنَى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة
حِرْصِهَا لَا كَثْرَةَ الْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلْزِّيَادَةِ لَمْ
يَسْتَغْنِ بِمَا مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ غِنَّى. ثم حكى عن الإمام المازني أنه قال: يحتمل أن
يريد الغنى النافع والذي يكف عن الحاجة وليس ذلك على ظاهره لأنه معلوم
أن كثير المال غني (٢) ا. هـ. وأنشد دريد لسالم بن وابصة شعراً منه بيتً:
غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة فإن زاد شيئًا عاد ذاك الغنى فقراً(٣)
١٢٢٥ - وَعَن زيد بن أَرقم رَنَّهُ أَن رَسُول الله ◌َّهِ كَانَ يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي
أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع وَمن نفس لا تشبع وَمن دَعْوَة لا
يُسْتَجَابِ لَهَا، رَوَاهُ مُسلم وَغَيرِه(٤).
قوله: وعن زيد بن أرقم هو أبو عمر وقيل أبو عامر وقيل أبو سعيد وقيل
أبو سعد وقيل أبو حمزة وقيل أبو أنيسة زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن
النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن ثعلبة
الأنصاري الخزرجي المدني وهو الذي ذكر للنبي وس﴾ قول عبد الله بن أبي بن
(١) قمع الحرص (ص ١٢٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٤٠)، وطرح التثريب (٨١/٤).
(٣) قمع الحرص (ص ١٢٢).
(٤) مسلم (٢٧٢٢)، وأحمد (١٩٣٠٨)، والترمذي (٣٥٧٢)، والنسائي (٢٦٠/٨).
٢٥١
كتاب الصدقات
.....
سلول: ﴿لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ﴾(١) الآية فأنزل الله تصديق زيد (٢)
وغزا مع رسول الله وَّ سبع عشرة غزوة استصغره النبي و خلال يوم أحد وكان
يتيماً في حجر عبد الله بن رواحة وسار معه في غزوة مؤته روي له عن رسول
الله وَّ سبعون حديثاً اتفقا على أربعة وللبخاري حديثان ولمسلم ستة روى
عنه أنس بن مالك وابن عباس وخلائق من التابعين نزل الكوفة وابتنى بها
داراً في كنده وتوفي بها سنة ست وقيل سنة خمس وخمسين وقال: محمد بن
سعد وأخرون سنة ثمان وستين وشهد صفين مع علي وكان من خاصة
أصحابه روى له الجماعة ومناقبه كثيرة مشهورة (٣) والله أعلم.
قوله: أن النبي ◌َّر كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن
قلب لا يخشع)) الخشوع الخضوع ((ومن نفس لاتشبع)) الحديث فقوله:
((ومن قلب لا يخشع)) الخشوع الخضوع، وقوله: ((ومن نفس لاتشبع))
یحتمل وجهين:
أحدهما: أنها لا تقنع بما آتاها الله تعالى ولا تفتر عن الجمع لشدة ما فيها
من الحرص. ثانيها: [٦٥ / أ] أن يراد به كثرة الأكل (٤).
(١) سورة المنافقون، الآية: ٨.
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٠ و٤٩٠١ و٤٩٠٢ و٤٩٠٣ و٤٩٠٤) ومسلم (١- ٢٧٧٢)،
(٣) الاستيعاب (٢ / الترجمة ٨٣٧)، وأسد الغابة (٢ / ترجمة ١٨١٩)، وتهذيب الأسماء
واللغات (١ / ترجمة ١٨٩)، وتهذيب الكمال (١٠ / ترجمة ٢٠٨٧).
(٤) الميسر (٥٧٦/٢).
٢٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل: هو استعاذة من الحرص والطمع والشره وتعلق النفس بالآمال
البعيدة وهذا الحديث وغيره من الأدعية المسجعة دليل لما قاله كثير من
العلماء أن السجع المذموم في الدعاء هو التكلف فإنه يذهب الخشوع
والخضوع والإخلاص ويلهي عن الضراعة والإفتقار وفراغ القلب فأما ما
حصل بلا كلفة ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك أو كان محفوظاً
فلا بأس بذلك(١).
١٢٢٦ - وَعَن أبي ذَرِ رَّالَّهُ قَالَ قَالَ لِي رَسُول اللهِ وَِّ يَا أَبَا ذَر أَتَرَى كَثْرَة
المَالِ هُوَ الْغنى قلت نعم يَا رَسُول الله قَالَ أفترى قلَّة المَال هُوَ الْفقر قلت نعم
يَا رَسُول الله قَالَ إِنَّمَا الْغنى غنى القلب والفقر فقر القلب، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي
صَحِيحه فِي حَدِيث يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى(٢).
قوله وعن أبي ذر تقدم الكلام على أبي ذر.
قوله زَّ لَّهُ قال: لي رسول الله وَّ﴾ ((يا أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى))
قلت: نعم يا رسول الله قال: ((أفترى قلة المال هو الفقر)) قلت نعم يا رسول
الله قال: ((إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب)).
وقوله: ((أفترى) بضم التاء المثناة ومعناها أتظن. لمَحْمُود الْوَرَّاقُ:
الْفَقْرُ فِي النَّفْسِ وَفِيهَا الْغِنَى وَفِي غِنَى النَّفْسِ الْغِنَى الْأَكْبَرُ
يَقْنَعْ فَذَاكَ الْمُوسِرُ الْمُعْسِرُ
مَنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَلَمْ
(١) شرح النووي على مسلم (١٧/ ٤١).
(٢) ابن حبان (٦٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٠).
٢٥٣
كتاب الصدقات
وَكُلَّ مَنْ كَانَ قَنُوعًا وَإِنْ كَانَ مُقِلَّا فَهْوُ الْمُكْثِرُ(١)
ولعُثْمَانُ بْنُ سَعْدَانَ:
تَقَنَّعْ بِمَا يَكْفِيكَ وَاسْتَعْمَلِ الرِّضَا فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَنْصْبِحُ أَمْ تُمْسِي
يَكُونُ الْغِنَى وَالْفَقْرُ مِنْ قِبَلِ النَّفْس (٢)
فَلَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْمَالِ إِنَّمَا
ولغيره:
وَمَلّكَهُ اللهُ قَلْبًا قَنُوْعَا
إِذَا عُوْفِيَ المَرْءُ فِي جِسْمِهِ
فَذَاكَ الغَنِيّ وَلَو مَاتَ جُوْعًا(٣)
وَأَلْقَى المَطَامِعَ عَنْ نَفْسِهِ
ذكرها القرطبي (٤) في كتابه.
١٢٢٧ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ لَيْسَ الْمِسْكِينِ الَّذِي
ترده اللَّقْمَة وَاللَّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَة وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنِ الْمِسْكِينِ الَّذِي لَا يجد غنى
يُغْنِه وَلَا يفْطِن لَهُ فَيَتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا يقوم فَيَسْأَلِ النَّاسِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ
وَمُسلم(٥).
قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة قوله وَخاله: ((ليس
المسكين الذي ترده اللقمة واللقماتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين
(١) جامع بيان العلم وفضله (١ / ٧٤٤).
(٢) جامع بيان العلم وفضله (١ / ٧٤٤).
(٣) الدر الفريد (٣٦/٣) والبيتان لأبي القاسم الوزير المغربي.
(٤) لم أقف على كل الأبيات في كتاب قمع الحرص. انظرها في جواهر الأدب: (٤٨٦/٢).
(٥) البخاري (١٤٧٩)، ومسلم (١٠٣٩)، ومالك في الموطأ (٢٦٧٢)، وأبو داود (١٦٣١)،
والنسائي (٨٥/٥)،
٢٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الذي لا يجد غنى يغنيه)) ولا يعطي له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسئل الناس
ومعنى الحديث ليس المسكين الكامل المسكنة والذي هو أحق بالصدقة
وأحوج إليها ليس هو بهذا الطواف بل هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يعطي
له فيتصدق عليه ولا يسئل الناس وليس معناه أصل المسكنة عن الطواف بل
معناه نفي كمال المسكنة كقوله ◌َخلال ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي
يملك نفسه عند الغضب وكقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَّلَّواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآخِرِ﴾(١) الآية
أي ليس البر الكامل والغرض من هذا التأويل أن من ردته اللقمة واللقمتان
لا يخرج عن أصل المسكنة لكن المسكنة الكاملة لا تحصل إلا بالخمول
والانقطاع (٢).
قوله: ((لا يجد غني فيغنيه)) بكسر الغين وبالقصر ضد الفقر وإن صح
الرواية بالفتح وبالمد فهو الكفاية ا.هـ
تنبيه: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَفِي المِسْكِين، فَقِيلَ: الفَقِيرِ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ،
والمِسْكين الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يَكْفيه، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. (٣) وَقِيلَ فِيهِمَا
بالعَكْس، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. والفَقِير مَبْنِيٌّ عَلَى فَقُرَ قِيَاسَاً، وَلَمْ يُقَلِ فِيهِ
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
(٢) شرح الصحيح (٥١٦/٣-٥١٧)، وإكمال المعلم (٥٧٢/٣)، وشرح النووي على مسلم
(١٢٩/٧).
(٣) ينظر: الأم للشافعي (١٦/٢) الحاوي الكبير (١٠٦/٣) المهذب في فقة الإمام الشافعي
الشيرازي (١/ ٢٦٢) نهاية المطلب في دراية المذهب (١١٥/٣)،
٢٥٥
كتاب الصدقات
إِلَّا افْتَقَرَ يَفْتَقِرُ فَهُوَ فَقِيرٍ. أ.هـ. قاله ابن الأثير في النهاية(١).
وقوله: ترده اللقمة واللقمتان تفسير لما وقع في بعض الروايات الأكلة
والأكلتان وهي بضم الهمزة ولا يجوز الفتح لأن المراد بالفتح فعل الأكل
ولا يناسب ها هنا (٢) والله أعلم، قاله: ابن عقيل في شرح الأحكام.
١٢٢٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرِو ◌َّ ◌ََّا أَن رَسُول الله ◌َّهِ قَالَ قد أَفْلِح من
أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بِمَا آتَاهُ، رَوَاهُ مُسلم وَالتِّرْ مِذِيّ وَغَيرِهمَا (٣).
١٢٢٩ - وَعَن فضَالة بن عبيد رَُّ أَنْه سمع رَسُول الله ◌َ يَقُول طُوبَى
لمن هدي لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ عيشه كفافا وقنع، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِیث حسن
صَحِيحِ وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرط مُسلم(٤).
الكفاف من الرزق مَا كفا عَنِ السُّؤَال مَعَ القناعة لا يزيد على قدر الْحَاجة
قوله: وعن عبد الله بن عمر تقدم الكلام على ابن عمر قوله: وَّة ((قد أفلح
من أسلم ورزق كفافًا)) أفلح تقدم الكلام عليه في حديث قدیم.
قوله: ((ورزق كفافًا)) [٦٥/ ب] والكفاف: ما كف عن السؤال (وألا يزيد
على) قدر الحاجة ولا ينقص.
(١) النهاية (٤٦٢/٣).
(٢) انظر: رياض الأفهام (٣٩٢/٣).
(٣) مسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وابن ماجه (٤١٣٨)، وأحمد (٦٥٧٢)، وابن حبان
(٦٧٠).
(٤) الترمذي (٢٣٤٩)، وأحمد (٢٣٩٤٤)، وابن حبان (٧٠٥)، وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٨٢٣).
٢٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢٣٠ - وَعَن أبي أُمَامَةِ رَ لَ أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ يَا ابْن آدم إِنَّك أَن تبذل
الْفضل خير لَك وَأَن تمسكه شَرّ لَك وَلا تلام على كفاف وابدأ بمن تعول
وَالْيَدِ الْعليا خير من الْيَدِ السُّغْلِى رَوَاهُ مُسلمٍ وَالتِّرْ مِذِيّ وَغَيرِهمَا(١).
قوله: وعن أبي أمامة تقدم الكلام على أبي أمامة الباهلي، قوله: {وَ ل ((يا
ابن ءادم إنك إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ولا تلام على
كفافاً، واليد العليا خير من اليد السفلى)) سيأتي الكلام على بذل الفضل في
باب الإنفاق في وجوه الخير مبسوطًا إن شاء الله تعالى.
١٢٣١ - وَرُوِيَ عَنِ جَابر بن عبد الله ◌َو ◌َّهَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ إِيَّاكُمْ
والطمع فَإِنَّهُ هُوَ الْفقر وَإِيَّاكُمْ وَمَا يَعْتَذْرِ مِنْهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطُ(٢).
١٢٣٢ - وَعَن سعد بن أبي وَقَاصِ رَمِّهَ قَالَ أَتَى النَّبِيِ وَِّ رِجل فَقَالَ يَا
رَسُول الله أوصني وأوجز فَقَالَ النَّبِيِ نَِّ عَلَيْك بالإياس مِمَّا فِي أَيدي النَّاس
وَإِيَّاك والطمع فَإِنَّهُ فقر حَاضر وَإِيَّك وَمَا يَعْتَذْر مِنْهُ، رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي
كتاب الزّهْد وَاللَّفْظِ لَهُ وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ كَذَا قَالَ(٣).
قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام على جابر، قوله: {وَ خلال ((إياكم
(١) مسلم (١٠٣٦)، والترمذي (٢٣٤٣).
(٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٧٧٥٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٨/١٠)،
وفيه محمد بن أبي حميد، وهو مجمع على ضعفه. وقال الألباني ضعفه دون الشطر الثاني
فحسن في ضعيف الجامع (٢٢٠٢)، وصحيح الجامع (٢٦٧١).
(٣) الحاكم (٣٢٦/٤)، والبيهقي في الزهد الكبير (١٠٢)، وقال الألباني حسن دون قوله:
((وإياك والطمع)) في صحيح الترغيب والترهيب (٨٢٥).
٢٥٧
كتاب الصدقات
والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم وما يعتذر منه)) الحديث ومعنى يعتذر منه (أي
یقبح عند الله وعند الناس).
١٢٣٣ - وَرُوِيَ عَنِ جَابِرِ زَّ لَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه وَلِّ القناعة كنز لا يفنى،
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد وَرَفعه غَرِيب(١).
قوله: وعن جابر بن عبد الله تقدم ذكره.
قوله: وَّيِ ((القناعة كنز لا يفنى)) الحديث لأن الإنفاق منها كنز لا ينقطع
كلما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي ومنه الحديث
الأخر ((عز من قنع، وقل من طمع)) لأن القانع لا يذله الطلب فلا يزال عزيزاً
قاله في النهاية (٢) ولبعض الفضلاء.
وهَلْ عِزِّ أعزُّ مِنْ القَنَاعَةْ
أَفَادتني القناعةُ كلَّ عزّ
واجعل بعدها التَّقْوى بِضَاعَةْ
فَصَيِّرْها لنفسِكَ رأس مالٍ
لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ
أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ
وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ(٣)
وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي
(١) البيهقي في الكبير (١٠٥)، وابن عدي في الكامل (١٠٣١٩)، القضاعي في مسند الشهاب
(٦٣)، والطبراني في الأوسط (٦٩٢٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥٦/١٠)، وفيه
خالد بن إسماعيل وهو متروك، وقال الألباني ضعيف جدا في ضعيف الجامع (٤١٤٠).
(٢) النهاية (٤ /١١٤).
(٣) البيتين الأخيرين للإمام الشافعي، وقَالَ لَهُ تِلْمِيذُهُ الإمام أحمدبْنُ حَنْبَل:
تُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنَالُوا بِك الشَّفَّاعَةْ
وَتَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي حَمَاك اللهُ مِنْ تِلْكَ الْبِضَاعَةْ
٢٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢٣٤ - وَعَن عبد الله بن مُحصن الخطمي ◌ََّهُ أَن رَسُول الله ◌ٌَّ قَالَ من
أصبح آمنا فِي سربه معافى فِي بدنه عِنْده قوت يَوْمه فَكَأَنَّمَا حيزت لَهُ الدُّنْيَا
بحذافيرها، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيبٍ(١).
فِي سربه بِكَسْر السِّينِ الْمُهْمَلَة أَي فِي نَفسه
قوله وعن عبد الله بن محصن الخطمي واختلفوا في اسم عبد الله بن
محصن فقيل عبيد الله بن محصن وقيل عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته
وكنيته العقيلي وقال بعض الفضلاء أيضاً:
فإِنَّ ذَلِكَ نَقْصُ مِنْكَ في الدِينِ
لا تَخْضَعَنَّ لِمَخْلُوقٍ عَلَى طَمَعِ
فإنما الرِزْقُ بين الكَافِ والنُونِ
واسْتَرْزِقِ الله مَمَّا فِي خَزَائِه
كما استَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدینِ
فَإِسْتَغْنِ بِاللهِ عَن دُنيا المُلوكِ
ولو سألت الذي أعطاه يعطيني
لماذا أذل المخلوق على طمع
وَشَرْبَةٌ مِنْ قَرَاحِ الْمَاءِ تُرْوِينِي
لِكَسْرَةٌ مَنْ رَغِيفِ الْخُبْزِ تُشْبِعُنِي
حَيَّا وَإِنْ مِتُّ تَكْفِينِي لِتَكْفِيْنِي
وَخِرْقَةٍ مِنْ خَشِينِ الثّوْبِ تَسْتُرُني
قوله: وعن عبد الله بن محصن الخطمي واختلفوا في اسم عبد الله بن
محصن فقيل عبيد الله وقيل عبد الله وكذلك اختلفوا في صحبته وكنيته
العقيلي ولم يرو عن عبيد الله هذا من أصحاب السنن غير الترمذي وابن
(١) الترمذي (٢٣٤٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٠)، وابن ماجه (٤١٤١)، والحميدي
(٤٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٣٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٨٢٦).
٢٥٩
كتاب الصدقات
ماجه روى له هذا الحديث خاصة والخطمي بفتح الخاء المعجمة منسوب
إلى خطمة من الأنصار وهم بنو عبد الله بن مالك بن اوس(١) والله أعلم.
قوله والقر: ((من أصبح أمنًا في سربه)) قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: أي في
نفسه وقال: غيره السرب نفس الإنسان أي ءامناء في نفسه وفلانة واسع
السرب أي رضي البال قال: ابن الأثير (٢): ويروى السرب بفتح السين وهو
المسلك والطريق، يقال خل سربه: أي طريقه.
قوله وَّل: ((حيزت له الدنيا)) حيزت بكسر الحاء المهملة أي جمعت
والحيازة الجمع والضم إلى النفس.
قوله ◌َّه: ((بحذافيرها)» الحذافير الجوانب وقيل الأعالي واحدها حذفار،
وقيل حذفور أي فكإنما أعطى الدنيا بأسرها، ومنه حديث المبعث.
[٦٦/ أ] فإذا نحن بالحي قد جاءوا بحذافيرهم أي جميعهم ا.هـ، قاله في
-(٣)
النهاية(٣).
قال الجوهري(٤): السرب بالفتح الإبل وما يرعى من المال فالإنسان ابن
وقته [يهمه وقته الذي هو فيه]، فالأمن والعافية وحصول القوت اليومي
(١) انظر: الاستيعاب (٣/ الترجمة ١٧٢٢)، وأسد الغابة (٣/ الترجمة ٣٤٧٧)، وتهذيب
الكمال (١٦ / الترجمة ٣٥٢٤).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٥٦).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٥٦/٢)
(٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١ / ١٤٦).
٢٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كحيازة الدنيا كلها إذ مالك الدنيا كلها إنما ينال منها قوته والله أعلم.
وقال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١) في كتابه ((قمع الحرص)): خرَّج الإمام
الحافظ أبو بكر بن محمد بن إسحاق السني الحافظ عن ابن عمر قال: قال
رسول الله: ((ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، ابن آدم لا بقليل
تقنع ولا بكثير تشبع، ابن آدم إذا أصبحت معافى في بدنك آمنًا في سربك عندك
قوت يومك)) فعلى الدنيا العفاف(٢) وأنشدوا في المعنى:
رَضِيتُ مِنَ الدُّنْيَا بِقُوتٍ يُقِيمُنِي فَلَا أَبْتَغِي مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا فَضْلَا
وَلَسْتُ أَرُومُ الْقُوتَ إِلَّا لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى عِلْمِ أَرُدُّ بِهِ جَهْلَا
وعن ابن عباس زَّوَّهَا قال: قال موسى ◌َّلام: ((رب ما علامة من صافيته
من خلقك)) فأوحى الله تعالى إليه ((أقنعه باليسير وأدخر له في الآخرة
الكثير))(٣)، وعن ابن عباس رَّهَا قال: قال: موسى، ◌َهُ﴾ ((أي رب أي عبادك
أغنى)) قال: ((الراضي بما أعطيه)) قال: فأي عبادك أحب إليك قال: ((أكثرهم
لي ذكراً)) قال: ((يا رب فأي عبادك أحكم)) قال: ((الذي يحكم على نفسه بما
يحكم به على الناس)) (٤) انتهى.
(١) لم تقف عليه.
(٢) المعجم الأوسط (٨٨٧٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٢٨٩/١٠):
رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أبو بكر الداهري، وهو ضعيف.
(٣) قمع الحرص (ص ١٢٩).
(٤) قمع الحرص (ص ١٣٠).