Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب الصدقات
الْمَسْأَلَةُ يَا قبيصَة سحت يأكلها صَاحِبهَا سحتا رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيّ(١).
الْحمالَة بِفَتْحِ الْحَاء الْمُهْمِلَةِ هُوَ الدِّيَة يتحملها قوم من قوم وَقيل هُوَ مَا
يتحمله المصلح بين فئتين فِي مَاله ليرتفع بينهم الْقِتَال وَنَحْوه. والجائحة:
الآفة تصيب الإِنْسَان فِي مَاله. والقوام: بِفَتْحِ الْقَاف وَكسرهَا أَفْصح هُوَ مَا
يقوم بِهِ حَال الإِنْسَان من مَال وَغَيرِه. والسداد: بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمِلَة هُوَ مَا
يسد حَاجَة المعون ويكفيه. والفاقة: الْفقر والاحتياج. والحجى: بِكَسْر الْحَاء
الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْعقل.
قوله: وعن أبي بشر قبيصة بن المخارق بضم الميم بن عبد الله بن شداد
الهلالي العامري البصري. [٦١/ أ] وكنيته أبو بشر (وفد على رسول الله،وَال
فأسلم، وروى عنه ستة أحاديث، روى مسلم أحدها. روى عنه أبو عثمان
النهدى،، وأبو قلابة، وكنانة بن نعيم، وابنه قطن بن قبيصة(٢).
(وقوله) تحملت حمالة فأتيت رسول الله وَالل قال الخطابي(٣): وفي هذا
الحديث علم كثير وفوائد جمة ويدخل في أبواب من العلم والحكم وذلك
(١) مسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٨٨/٥)، وفي الكبرى (٢٣٦١)، وأحمد
(١٥٩١٦).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٥٧/٥٦/٢ ترجمة ٥٠٢)، وتهذيب الكمال (٢٣ / الترجمة
٤٨٤٥).
(٣) معالم السنن (٢/ ٦٦).

٢٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أنه قد جعل من تحل المسألة من الناس أقسامًا ثلاثة غنيًا وفقيرين وجعل
الفقر على ضربين فقراً ظاهر أو فقراً باطنًا فالغنى الذي تحل المسألة هو
صاحب الحمالة، قال الحافظ (١): الحمالة بفتح الحاء المهملة هي الدية
يتحملها قوم عن قوم وقيل هو ما يتحمله المصلح بين فئتين في ماله ليرتفع
بینهم القتال ونحوه ا.هـ
وقال المنذري في الحواشي على سنن أبي داوود: والحمالة هي الكفالة
والحميل والكفيل والضمين والزعيم واحد، وتفسيرها أن يقع بين القوم تشاجر
في الدماء والأموال ويحدث بسببها العداوة والشحناء ويخاف منها الفتن العظيمة
فيتوسط رجل بينهم ويسعى في إصلاح ذات البين ويضمن مالا لأصحاب الدم أو
المال أو نحوه يترضاهم بذلك تسكينًا للثائرة وجلباً للألفة(٢) ا.هـ.
وكانت العرب إذا وقعت بينهم ثائرة اقتضت غرماً في دية أو غيرها قام
أحدهم فيتبرع بإلتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الثائرة ولا شك أن هذا
من مكارم الأخلاق ولا يصدر مثله إلا عن سادات الناس وخيارهم وكانت
العرب لكرمها إذا علمت بأن أحدا تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه
ما يتم به وجه مكرمته وتبرأ به ذمته(٣)، فهذا رجل صنع معروفًا وابتغى بما
أعطاه صلاحًا فليس من المعروف أن تكون الغرامة عليه في ماله ولكن يعان
(١) هو المنذرى.
(٢) مختصر سنن أبي داود (٢/ ٢٣٧).
(٣) المفهم (٩/ ٥٤).

٢٢٣
كتاب الصدقات
على أداء ما تحمله منهم ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته ويخرج من
عهدة ما ضمنه منه(١) ا.هـ.
ولو سأل المتحمل من تلك الحمالة لم يعد ذلك نقصاً بل شرفً وفخراً
ولذلك سأل هذا الرجل رسول الله وَالر في حمالته التي تحملها على عادتهم
فأجابه رسول الله وَله إلى ذلك بحكم المعونة على المكرمة ووعده النبي
وَلَّ بمال من الصدقة لأنه غارم من جملة الغارمين المذكورين في آية
الصدقات(٢) وإنما تحل له المسألة ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير
معصية(٢) ومثل هذا يجوز صرف الزكاة إليه وإن كان غنياً هذا ظاهر مذهب
الشافعي وقد جاء في حديث ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة وذكر منهم
الغني الغارم ولإصلاح ذات البين)» (٤) أما من غرم في حاجة نفسه فيدفع إليه
من الزكاة عند حاجته ما يقضي به ديونه وهو المراد بالقسمين الأخيرين(٥)
والله أعلم.
(١) معالم السنن (٦٧/٢)، والمفهم (٥٤/٩) وقمع الحرص (ص ٣٤).
(٢) المفهم (٩/ ٥٤-٥٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٣).
(٤) عبد الرزاق في المصنف (٧١٥١)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه
(١٨٤١)، وابن الجارود في المنتقى (٣٦٠٥)، وابن خزيمة (٢٣٧٤)، والدار قطني في
السنن ١٢١/٢، والحاكم ٤٠٧/١-٤٠٨، والبيهقي في السنن ١٥/٧، ٢٢. وصححه
الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الإرواء (٨٧٠) وصحيح أبي
داود (١٤٤٥).
(٥) انظر: المجموع (٢٠٥/٦-٢٠٨)، والنجم الوهاج (٤٤٥/٦-٤٤٧).

٢٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: {وَّيه ((ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله)) أي أهلكته فحلت له
المسألة حتى يصيب قوامًا من العيش، الجائحة بتقديم الجيم على الحاء أي
حادثة إجتاحت أي أهلكت قال: الحافظ (١) الجائحة الأفة تصيب الإنسان في
ماله ا.هـ، وقال: في النهاية (٢) الإجتياح من الجائحة وهي الآفَةُ التي تُهْلِك
الثمار والأموال وتستأصلها، وكلَّ مُصِيبة عظيمة وفِتنةٍ مُبِيرَة: جائحة،
والجمع الجوائح وجاحهم يجوحهم جوحاً [: إذا غشيهم بالجوائح
وأهلكهم ومنه الحديث ((أعاذكم الله من جوح الدهر))].
وقال فى الديباجة: والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الأفات
كالسيل يغرق متاعه والنار تحرقه والزرع تفسد زرعه ومتاعه وثماره ونحو
ذلك وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها ووقوعها فإذا أصاب الرجل
شيء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه
الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها(٣).
وقال القرطبي في شرح مسلم الجائحة ما اجتاحت المال وأتلفته إتلافًاً
ظاهراً كالسيل والمطر والحرق والسرق وغلبة العدو وغير ذلك مما يكون
إتلافه للمال ظاهراً مما لا تخفى آثاره (٤).
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٦٤/٣) وصحححه الالباني كما في إرواء الغليل في تخريج
أحاديث منار السبيل (٣٧٧/٣)
(٢) النهاية (١/ ٣١١-٣١٢).
(٣) معالم السنن (٢/ ٦٧).
(٤) المفهم (٩/ ٥٥).

٢٢٥
كتاب الصدقات
تنبيه: واستنبطت الشافعية منه أن الجوائح في باب [٦١/ ب] البيع غير
مضمونة على البائع بل هي فى ضمان المشترى فإذا اشترى ثمرة وقبضها
بالتخلية فتلفت قبل قطافها كانت من ضمان المشترى ألا تراه وحسآ سوغ دفع
الزكاة إليه فلو كانت الجوائح من ضمان البائع لم يكن لدفع الزكاة إليه وجه
وقد روى مسلم(١) إن رجلا ابتاع ثماراً فأصابتها جائحة فأمر رسول الله وَ الخلال
بالصدقة عليه ثم قال: لغرمائه خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك وأراد أنه
وَاليه أنهم لا يحل لهم حبسه لعدم ما بيده(٢) والله أعلم.
قوله وَي: ((حتى يصيب قواماً من عيش)) القوام: ضبطه الحافظ وفسره هو
ما يقوم به حال الإنسان من مال وغیرہ ا.هـ.
قوله: أو قال: ((سداداً من عيش)) والسداد قال الحافظ(٣): بكسر السين
المهملة ما يسد به حاجة المعوز ويكفيه ا.هـ، وقال القرطبي(4): السداد:
بکسر السین ما يسد به الشيء و کل شيء سددت به شيئًا فهو سداد بالكسر
وبه سمي سدادا الثغر والقارورة والحاجة وبفتحها الإصابة وقال: غيره
(١) أخرجه مسلم (١٨- ١٥٥٦)، وأبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي في
المجتبی ٢٢٣/٧ (٤٥٧٢) و ٣٠٣/٧ (٤٧٢١) والكبرى (٦٢٩٧) و(٦٤٥٠) عن أبي
سعید.
(٢) انظر: المجموع (٢٢٠/٩) والروضة (٤٥٣/٣) وشرح النووي على مسلم (٢١٦/١٠-
٢١٧).
(٣) هو المنذرى.
(٤) المفهم (٩ / ٥٥).

٢٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
السداد بكسر السين ما يسد الخلة ويدفع الحاجة أی ما یکفی حاجته یعنی ما
يحصل به العيش من قوت ولباس(١) والسداد [يعنى بفتح السين والدال]
العقل والتدبير (٢).
لطيفة: حكى أن النضر بن شميل دخل على المأمون على التزوج (٣) ثم
قال: المأمون حدثنا هشيم وساق الحديث أن المرأة سداد ففتح السين فقال:
(١) المفاتيح (٥١٣/٢).
(٢) انظر شرح السنة ٦/ ١٢٥.
(٣) كذا هو في الأصل وسياق الخبر كما في مجالس العلماء للزجاجى (ص ١٥٢ -١٥٣): قال
النضر بن شميل: دخلت على المأمون وعلي إزار مرفوع، فقال لي: يا نضر، ما هذا
التقشف؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، حر مرو كما قد علمت، وأنا شيخ وأحب التروح بهذه
الخلقان. قال: فأخذ بنا في الحديث في ذكر النساء، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير
عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَسين: ((أيما رجل تزوج امرأة
لدینها وجمالها کان ذلك سدادا من عوز)). قلت: يا أمير المؤمنين، صدق هشیم، حدثنا
عوف بن أبي جميلة قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب زَّه قال: قال رسول الله
وَلجر: ((أيما رجل تزوج امرأة لدينها وجمالها كان ذلك سدادا من عوز)). قال: فاستوى
جالسا ثم قال: يا نضر، كيف قلت سدادا بالكسر ولم تقل سدادا، ما الفرق بينهما؟ قلت:
يا أمير المؤمنين، السداد: القصد في الدين والسبيل والطريق. والسداد للثلمة. وكل ما
سددت فهو سداد بالکسر.
قال: وفي العرب من يقول ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول: أضاعوني وأي فتى
أضاعوا، .. لیوم کریھة وسداد ثغر.
فقال: قبح الله اللحن. قلت: يا أمير المؤمنين، إنما لحن هشيم، وكان هشيم لحانا، فاتبع
أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ العلماء ... الخبر.

٢٢٧
كتاب الصدقات
النضر بن شميل صدق أمير المؤمنين وأخطأ هشيم، حدثنا عوف عن الحسن
وساق الحديث في السداد بكسر السين فقال: له المأمون ما الفرق بينهما
ففرق بينهما بأن السداد بفتح السين هو العقل وبكسرها ما يسد الخلة فكتب
له المأمون إلى وزيره بمال ثم أراد أن يترب الكتاب فقال: أَتْرِبِ الْكِتَابَ يَا
غُلام ويريد بذلك ما ورد في الحديث ((أتربوا الكتاب فإنه أنحج للحاجة))
(١) يقال: أتربت الشيء إذا جعلت عليه التراب قاله في النهاية، (٢) فقال
المأمون: فيكون ماذا؟ فقال: مترب ثم أخذ المأمون طينًا ليختم به الكتاب
فقال: كيف الأمرفي التطين، فقال النضر: طنه يا غلام، فقال: فهو ماذا، فقال
النضر: فهو مطين، فاستحسن ذلك المأمون، ثم حمل الكتاب إلى الوزير
فنظر فيه فإذا هو كتب له بخمسين ألف درهم فقال: الوزير ما الذي أوجب
لك ذلك يا نضر فذكر القصة فقال: تلحن أمير المؤمنين وتأخذ هذا فقال: لم
يلحن أمير المؤمنين وإنما لحن هشيم فدفع إليه ثمانين ألفاً وقال: هذه
الثلاثون من كيسي قاله في شرح مشارق الأنوار.
قوله وَيقة: ((ورجل أصابته فاقة)) قال الحافظ (٣): الفاقة: الفقر والإحتياج.
(١) أخرجه الزجاجى في مجالس العلماء (١٥٢/١- ١٥٥)، والمعافى بن زكريا في الجليس
الصالح (ص ٣٨٢-٣٨٣)، والخطابى في غريب الحديث (٥٥/١)، وابن عساكر في
تاريخ دمشق (٢٩٣/٣٣-٢٩٥)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٢٨/٢-١٢٩).
(٢) النهاية (١ / ١٨٥).
(٣) أى المنذری.

٢٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله {َّهِ ((حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ)) يقول باللام الحديث
فلا يحتاج إلى تقدير وشرط فيهم العقل وفي غير أبي داوود حتى يقوم بالميم
قال النووي (١): هكذا هو في جميع نسخ مسلم يقوم ثلاثة هو صحيح أي
يقومون بهذا الأمر فيقولون لقد أصابت فلانً فاقة والحِجا بكسر الحاء
المهملة مقصوراً هو العقل قاله المنذري والفاقة: الفقر والإحتياج قاله
الحافظ (٢)، وإنما قال: النبي ◌َّر ((من قومه)) لأنهم أهل الخبرة بباطنه والمال
مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيراً يصاحبه ولهذا قال: ((من قومه))
ولوكان المراد العقل المشهور لم يكن للتخصيص فائدة إذا هو مشروط في كل
شهادة [وهو أولى من القول بأنه خرج مخرج الغالب فيما مفهوم له والله أعلم
] وإنما شرط الحجا تنبيهاً على أنه يشترط في الشاهد التيقظ فلا تقبل من
مغفل وأما إشتراط الثلاثة فقال: بعض أصحابنا هو شرط في بينة الإعسار فلا
تقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث [٦٢ / أ] قال الجمهور: تقبل من عدلين
كسائر الشهادات غير الزنى وحملوا الحديث على الإستحباب وهذا الحديث
محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله: في تلفه والإعسار إلا ببينة وأما
من لم يعرف له مال فالقول قوله: في عدم المال(٣) ا. هـ.
ولم يحتج في الجائحة إلى مثل هذا لظهور أمرها، وفيه من العلم أن من
ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام وطلب المحكوم له به حبسه وأدعى
(١) شرح النووي على مسلم (١٣٣/٧).
(٢) أى المنذرى.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٣٣/٧ -١٣٤).

كتاب الصدقات
٢٢٩
المطلوب الإفلاس والعدم فإن الواجب في ذلك أن ينظر فإن كان الطالب
إنما استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل أن يقرضه مالا أو يبيعه متاعا فيقبضه
إياه فإنه يحبس له ولا يقبل قوله في العُدم لأنه قد ثبت له ملك ما صار إليه
وحصل في يده من ذلك فالظاهر من حاله الوجد واليسار حتى تقوم دلالة
على إفلاس حادث بعده فإن أقام البينة على ذلك لم يحبس وخلي عنه وإن
كان ذلك مستحقا عليه بجناية من إتلاف مال أو أرش جراحة أو من قبل مهر
امرأة أو ضمان أوما أشبهها مما لم يتقدم فيه تمليك ولا إقباض فإنه لا
يحبس له وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منه أو بيع عليه وإلا أنظر إلى
الميسرة وأصل الناس العدم والفقر (١) انتهى قاله: في الديباجة.
قوله وَّة: ((فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت)) قال: النووي(٢) هكذا
هو في جميع نسخ مسلم سحتاً ورواه غيره سحت بالرفع وهو واضح ورواية
مسلم صحيحة وفيه إضمار أي اعتقده سحتًاً أو يؤكل سحتًا.هـ.
والمراد بالسحت الحرام قال: الله تعالى: ﴿أُكَّلُونَ لِلسُّحْثِّ﴾(٣) أي
الحرام وهو ما كانوا يأكلون من هدايا اليهود ومنه الحديث أيما لحم نبت من
سحت فالنار أولى به (٤) والله أعلم ذكره ابن عقيل.
(١) معالم السنن (٦٨/٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٣٤).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٤٢.
(٤) روى من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث كعب بن عجرة ومن حديث أبي بكر.
=

٢٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َّ ◌َا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ استغنوا عَن النَّاس
وَلَو بشوص السِّوَاك، رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالطِّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ(١).
قوله: وعن ابن عباس تقدم الكلام على ابن عباس، قوله وَي ((إستغنوا عن
الناس ولو بشوص السواك))، وفي الحديث كان النبي وَّ إذا قام من الليل
يشوص فاه بالسواك (٢) أي يدلك أسنانه وينقيها، وقيل هو أن يستاك من سفل
إلى علو واصل الشوص الغسل يقال: شاص يشوص وماص يموص إذا
غسله(٣) والله أعلم، أي بغُسالته وقيل بما يتفتت منه عند التسوك (٤)، وفي
=
أما حديث جابر:
أخرجه أحمد ٣٢١/٣ (١٤٤٤١)، والبزار ١٦٠٩، وابن حبان (١٧٢٣)، والحاكم
٤٧٩/٣، ٤٨٠. وصححه الألباني في الظلال (٧٥٦).
وأما حديث كعب بن عجرة:
أخرجه الترمذي (٦١٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، لا
نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٧٢٩)
وأما حديث أبي بكر:
أخرجه أبو يعلى (٨٤) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٦/٥
رقم ٥٧٥٩ و٥٧٦٠). وصححه الألباني في المشكاة (٢٧٧٢).
(١) البزار (٩١٣)، والطبراني في الكبير (١٢٢٥٧)، والبيهقي في الشعب (٣٥٢٧)، والقضاعي
(٦٨٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٤/٣)، رواه البزار والطبراني في الكبير،
ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٨١٢).
(٢) البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٥)
(٣) غريب الحديث لأبى عبيد (٢٦١/١)، والنهاية (٥٠٩/٢)
(٤) النهاية (٥٠٩/٢).

٢٣١
كتاب الصدقات
الحديث أيضاً ((استغنوا عن الناس ولو عن قضمة السواك))(١) القضمة
بالكسر: ما انكسر منه وانشق إذا استيك به. ويروى بالفاء، قاله في النهاية(٢).
١٢١٥ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ عَنِ النَّبِي ◌َلْ قَالَ لَا يُؤْمن عبد حَتَّى
يَأْمَن جاره بوائقه وَمن كَانَ يُؤْمن بِالله وَالْيَوْمِ الآخر فَلْيُكرم ضيفه وَمن كَانَ
يُؤمن بِالله وَالْيَوْم الآخر فَلْيقل خيرا أَو لِيَسْكُت إِن الله يحب الْغَنِيّ الْحَلِيم
الْمُتَعَقِّف وَيبغض البذي الْفَاجِرِ السَّائِلِ الْملحِ رَوَاهُ الْبَزَّار(٣).
قوله: وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة، قوله {وَل
((لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه)) الحديث. الإيمان في اللغة (٤): هو
التصديق، والبوائق: الشر وغائلته، قوله وَلي: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليكرم ضيفه)) سيأتي الكلام على ذلك في الضيافة.
قوله: {وَلّ ((فليقل خيراً أو ليسكت)) سيأتي الكلام على ذلك أيضاً في الصمت.
قوله وله: ((إن الله يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذيء الفاجر
السائل الملح)) البذيء بالذال المعجمة والمد هو المتكلم بالفحش ورديء
الكلام.
(١) ذكره في النهاية (٤ / ٧٤).
(٢) النهاية (٤ / ٧٤).
(٣) البزار (٢٠٣١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٥/٨)، وفيه محمد بن كثير، وهو
ضعيف جدًّا.
(٤) سبق وأشرنا الى تعريف الايمان وحقيقته عند أهل السنة.

٢٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٢١٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّلِ عِرض عَليّ أول
ثَلَاثَة يَدْخُلُونَ الْجِنَّة وَأول ثَلَاثَة يَدْخُلُونَ النَّارِ فَأَما أول ثَلَاثَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة
فالشهيد وَعبد مَمْلُوك أحسن عبَادَة ربه ونصح لسَيِّده وعفيف متعفف ذُو
عِيَال، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي منع الزَّكَاةُ(١).
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام عليه، قوله: وَّ ((عرض علي أول ثلاثة
يدخلون الجنة)) إلى قوله ((وعفيف متعفف ذو عيال)) الحديث ذو بمعنى
صاحب، قوله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه.
أبو سلمة: اسمه: عبد الله الزهري القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة في
المدينة ومن مشاهير التابعين وأعلامهم، وقيل: اسمه كنيته كان كثير الحديث
سمع [جماعة من الصحابة،، وجماعة من التابعين (٢)].
كان النبي وَالله يأمر كثيراً بالتعفف عن السؤال ويقول وَلّ ((من سألنا
أعطيناه ومن استغنى أغناه الله))(٣) وقال النبي بَّ ((ومن لم يسألنا فهو أحب
إلينا)) (٤) وقال النبي وَّيه: ((استغنوا عن الناس [٦٢/ ب] ومن قل من السؤال
(١) ابن خزيمة (٢٢٤٩).
(٢) سقط من الأصل وأضفناه من ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٠/٢-٢٤١
ترجمة ٨٠١).
(٣) أخرجه الطيالسي (٢١٦١) وابنُ حبان (٣٣٩٨) و مطولا ابنُ حبان (٣٣٩٩)، وأبو نعيم
في الحلية ١/ ٣٧٠. قال الألباني صحيح ينظر: الجامع الصغير وزيادته (٦٠٢٧).
(٤) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء = المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٦٥)
أخرجه ابن أبي الدُّنْيَا فِي القناعة، والْحَارث بن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده من حَدِيث أبي سعيد
الْخُذْرِيّ، وَفِيه حصن بن هِلَال لم أر من تكلم فِيهِ، وباقيهم ثِقَات.

٢٣٣
كتاب الصدقات
فهو خير)) قالوا ومنك يا رسول الله فقال وَّل: ((ومني)) (١).
لطيفة: سمع عمر زَقُولَّهُ سائلا يسأل بعد المغرب فقال لواحد من قومه
عش الرجل فعشاه ثم سمعه ثانيا يسأل فقال ألم أقل لك عش الرجل قال قد
عشيته فنظر عمر فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال لست سائلا ولكنك
تاجر ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة وضربه بالدرة وقال لا
تعد، ولولا أن سؤاله كان حراما لما ضربه ولا أخذ مخلاته ولعل الفقيه
الضعيف المنة يستبعد هذا من فعل عمر ويقول أما ضربه فهو تأديب وقد
ورد الشرع بالتعزير وأما أخذ ماله فهو مصادرة والشرع لم يرد بالعقوبة بأخذ
المال فكيف استجازه عمر وهو استبعاد مصدره القصور في الفقه فأين يظهر
فقه الفقهاء كلهم في حوصلة عمر بن الخطاب وقُّه وإطلاعه على أسرار دين
الله ومصالح عباده بل الفقه الذي لاح له فيه أنه رآه مستغنيا عن السؤال وعلم
أن من أعطاه شيئا فإنما أعطاه على اعتقاد أنه محتاج وقد كان كاذبا فلم
يدخل في ملكه بأخذه مع التلبيس وعسر تمييز ذلك ورده إلى أصحابه إذ لا
يعرف أصحابه بأعيانهم فبقي مالا لا مالك له فوجب صرفه إلى المصالح
وإبل الصدقة وعلفها من المصالح ويتنزل أخذ السائل مع إظهار الحاجة
كاذبا كأخذ العلوي بقوله إني علوي وهو كاذب فإنه لا يملك ما يأخذه کأخذ
(١) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء أو المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٥٦٥)
أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس «استغنوا عَن النَّاس وَلَو بشوص السِّوَاك،
وَإِسْنَاده صَحِيحِ، وَله فِي حَدِيث)) فتعففوا وَلَو بحزم الْخَطِب وَفِيه من لم يسم، وَلَيْسَ فِیهِ:
وَمَا قل من السُّؤَال ... )) إِلَخ.

٢٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الصوفي الصالح الذي يعطي لصلاحه وهو في الباطن مقارف لمعصية لو
عرفها المعطي لما أعطاه وقد ذكر أن ما أخذه على هذا المنوال لا يملكونه
وهو حرام عليهم ويجب عليهم الرد إلى مالكه فاستدل بفعل عمر رَقْ لهم على
صحة هذا المعنى الذي يغفل عنه كثير من الفقهاء ولا تستدل بغفلتك عن
هذا الفقه على بطلان فعل عمر (١) والله أعلم.
١٢١٧ - وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أَبِهِ رَّ ◌َ قَالَ
كَانَت لي عِنْد رَسُول الله وَِّ عدَّة فَلَمَّا فتحت قُرَيْظَة جِئْت لينجز إِلَيّ مَا
وَعَدَنِي فَسَمعته يَقُول من يسْتَغْنِ يُغْنِيهِ الله وَمن يقنع يقنعه الله فَقلت فِي نَفسِي
لا جرم لا أسألُه شَيْئًا رَوَاهُ الْبَزَّار (٢). وَأَبُو سَلمَة لم يسمع من أَبِه قَالَه ابْن
معِین وَغَیره.
قوله: وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أبو سلمة اسمه عبد الله
الزهري القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة ومن مشاهير التابعين
وأعلامهم وقيل اسمه كنيته كثير الحديث سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن
عمر وعائشة وغيرهم مات سنة أربع وتسعين وقيل أربع ومائة وله ثمان
وسبعون سنة(٣) قاله في شرح الإلمام.
(١) إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي (٢١١/٤)،
(٢) البزار (٩١٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٤/٣)، وأبو سلمة قيل إنه لم يسمع من
أبيه.
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٠/٢-٢٤١ ترجمة ٨٠١).

٢٣٥
كتاب الصدقات
قوله كانت لي عند رسول الله وح له عدة فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي
ما وعدنى به، قريظة: بضم القاف وفتح الراء المهملة وفتح الظاء المشالة
المعجمة قوم من يهود بقرب المدینة كان بينهم وبين النبي وقخلال عهد.
قوله مُخيّر: ((من يستغني يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله) القنع عبارة [عن
الطبق الذي يؤكل عليه، والقنع هو الراضي بما عنده وبما يعطى من غير
سؤال، ويقال قنع قناعة فهو قنع، إذا تعفف واستغنى ببلغته ولم يسأل(١)].
قوله: ((فقلت في نفسي لا جرم لا اسأله شيئاً)) الحديث. قال الفراء: لاجرم
كلمة كانت فى الأصل بمنزلة لابد ولا محالة فجرت على ذلك وكثرت حتى
تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقاً فلذلك یجاب عنه باللام كما
يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لأتينك(٢) ا.هـ.
١٢١٨ - وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌َوالَِّا أَن رَسُولِ اللهِوَِّ قَالَ وَهُوَ على الْمِنْبَر وَذكر
الصَّدَقَة وَالتَّعَقُّف عَنِ الْمَسْأَلَةِ الْيَدِ الْعليا خير من الْيَدِ السُّفْلِى والعليا هِيَ
المنفقة والسفلى هِيَ السائلة، رَوَاهُ مَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد
. (٣)
وَالنَّسَائِيّ(٣).
وَقَالَ أَبُو دَاوُد اخْتلف على أَيُّوب عَن نَافِعٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ عبد
(١) انظر: الكشاف ١٥٨/٣، والنهاية ١١٥/٤، وتفسير القرطبى ١٢ /٦٤.
(٢) الصحاح (١٨٨٦/٥).
(٣) البخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، ومالك في الموطأ (٢٨٥١)، وأبو داود (١٦٤٨)،
والنسائي (٦١/٥)، وفي الكبرى (٢٣١٢).

٢٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الْوَارِثِ الْيَدِ الْعليا المتعففة وَقَالَ أَكْثَرِهم عَن حَمَّاد بن يزيد عَن أَيُّوب المنفقة
وَقَالَ وَاحِد عَن حَمَّاد المتعففة(١).
قَالَ الْخطابِيّ(٢): رِوَايَة من قَالَ المتعففة أشبه وَأَصَحِ فِي الْمَعْنِى وَذَلِكَ أَن
ابْن عمر ذكر أَن رَسُول الله وَِّ ذكر هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ يذكر الصَّدَقَة وَالتَّعَفُّف
عَنْهَا فعطف الْكَلَام جزم على سَببه الَّذِي خرج عَلَيْهِ وعَلى مَا يطابقه فِي مَعْنَاهُ
أولى وَقد يتَوَهَّم كثير من النَّاسِ أَن معنى الْعليا أَن يَدِ الْمُعْطِي مستعلية فَوق يَد
الْآخِذ يجعلونه من علو الشَّيْء إِلَى فَوق وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ
من علا الْمجد وَالْكَرمِ يُرِيد التعفف عَن الْمَسْأَلَة والترفع عَنْهَا انْتهى كَلَامه
وَهُوَ حسن.
قوله: وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله: إن رسول الله وَل قال: وهو على المنبر وذكر ((الصدقة والتعفف
عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى والعليا هي المنفقة السفلى هي
السائلة)) الحديث هكذا وقع في صحيحي البخاري ومسلم (٣) العليا المنفقة
من الإنفاق وكذا ذكره أبو داوود عن أكثر الرواة (٤)، قال الحافظ (٥): وقال أبو
(١) راجع سنن أبي داود (١٦٤٨). وقال الألباني شاذة، ينظر: صحيح الترغيب والترهيب
(٣٤٦/١).
(٢) معالم السنن (٢/ ٧٠).
(٣) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).
(٤) ينظر: سنن أبي داود (١٦٤٨).
(٥) يعنى المنذرى.

٢٣٧
كتاب الصدقات
داوود: اختلف أبوب عن نافع في هذا الحديث قال: عبد الوارث اليد العليا
المتعففة بالعين المهملة من العفة [٦٣/ أ] الصحيح الرواية الأولى قال ابن
عبد البر(١) رحمه الله تعالى: ففيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة
(٢) ويتضمن التحذير لذوي الأنفة من ذل السؤال(٣) وفيه إباحة الكلام
للخطيب بكل ما يصلح وما يكون موعظة أو علما أو قربة إلى الله تعالى (٤)،
قلت لا يلزم من كونه،َليَّه قال: ذلك على المنبر أن يكون في خطبة الجمعة
فقد كان عليه الصلاة والسلام يرقى المنبر فيما يهم من حادثة وموعظة(٥)
ا.هـ. والله أعلم.
وفيه التصريح بأن اليد العليا هي المنفقة وبهذا قال الجمهور: وهو
الصحيح كما تقدم ونقل عن الخطابي أنها المتعففة وقال النووي (٦): بعد
تصحيح رواية المنفقة ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة
والمتعففة أعلى من السائلة.
وقوله: وذكر الصدقة والتعفف عنها أي التعفف من أخذ الصدقة في كلام
الخطابي بعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه بالسين والبائين
(١) ينظر: الاستذكار (٦٠٤/٨)، والتمهيد (٢٤٧/١٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).
(٣) كشف المشكل (٥٤٣/٢).
(٤) التمهيد (٢٥٠/١٥).
(٥) طرح التثريب (٤ /٧٥ -٧٦).
(٦) شرح النووي على مسلم (١٢٥/٧).

٢٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الموحدتين وعلى ما يطابقه فى معناه أولى وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى
العليا أن يد المعطي مستعلية فوق يد الأخذ يجعلونه من علا الشيء إلى فوق
وليس ذلك عندي بالوجه وإنما هو من علا المجد والكرم يريد به الترفع عن
المسألة والتعفف عنها(١) ا. هـ. قال الحافظ (٢): وهو حسن وقال: غيره وهذا
الذي اختاره الخطابي وجه حسن ولا يمتنع ما أنكره لأنك إذا حملت العليا
على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر وقد صحت لفظة المنفقة فكأن المراد أن
هذه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل
والمجد ونيل الثواب وقد زعم قوم مالوا إلى الترفة أن اليد العليا هي الأخذة
والسفلى المعطية، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلَا أرى هَؤُلَاءِ إِلَّا قوما استطابوا السُّؤَال،
فهم يحتجون للدناءة، وَالنَّاس إِنَّمَا يعلون بِالْمَعْرُوفِ والعطايا لَا بِالْأَخْذِ
وَالسُّؤَال، والمعالي للصانعين لا للمصطنع إِلَيْهِم.(٣) والله أعلم.
فائدة: سئل أبو نصر عن قوله اليد العليا خير من اليد السفلى؟ قال: لأن
الدافع إذا دفع ماله فإنه يقرب نفسه إلى الفقير والقابض إذا قبض يقرب نفسه
إلى الغني فصار الدافع أفضل من القابض ذكره في كتاب النوازل للحنفية (٤).
(١) معالم السنن (٢/ ٧٠).
(٢) يعنى المنذرى.
(٣) كشف المشكل (٥٤١/٢-٥٤٢).
(٤) فتاوى النوازل (لوحة ٢٦٧/ أ/ خ ٢٤١٤ تركية). ولفظه: الدافع إذا دفع ماله فإنه يقرب
نفسه إلى الفقراء والقابض يقرب نفسه إلى الأغنياء فصار الدافع أفضل من القابض.

٢٣٩
كتاب الصدقات
١٢١٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َوَ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّةِ الْأَيْدِي
ثَلَاثَة فيد الله الْعليا وَيَدِ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِلِ السُّفْلى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
فاستعف عَن السُّؤَال وَعَنِ الْمَسْأَلَةِ مَا اسْتَطَعْتِ فَإِن أَعْطَيْت شَيْئًا أَو قَالَ خيرا
فلير عَلَيْك وابدأ بمن تعول وارضخ من الْفضل وَلَا تلام على الكفاف، رَوَاهُ
أَبُو يعلى وَالْغَالِب على رُوَاته التوثيق وَرَوَاهُ الْحَاكِم وَصححٍ إِسْنَاده(١).
قوله: وعن عبد الله بن مسعود تقدم الكلام على ابن مسعود قوله: وَال
الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى إلى يوم
القيامة فاستعفف عن السؤال وعن المسألة ما استطعت الإستعفاف طلب
العفاف وقيل الإستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء(٢) ومنه الحديث ((اللهم
إني أسألك العفة والأمانة وحسن الخلق والرضى بالقدر)) (٣)). هـ.
(١) أخرجه أحمد ٤٤٦/١ (٤٢٦١)، وأبو يعلى (٥١٢٥)، وابن خزيمة (٢٤٣٥)، )،
والحاكم (٤٠٨/١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤ /١٩٨). وصححه الحاكم.
وقال البيهقي: تابعه إبراهيم بن طهمان، عن الهجري مرفوعا، ورواه جعفر بن عون، عن
إبراهيم الهجري موقوفا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٩٧)، رواه أحمد وأبو
يعلى، ورجاله موثقون. وقال البوصيرى في اتحاف الخيرة ٣/ ٤١: ومدار أسانيدهم على
إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف، لكن لم ينفرد بها الهجري؛ فقد رواه البزار
والطبراني من طريق يحيى بن وثاب-وهو ثقة-عن مسروق، عن عبد الله به. وضعفه
الألباني في ضعيف الترغيب (٤٩٧).
(٢) النهاية (٢٦٤/٣).
(٣) أخرجه ابن أبي عمر كما في الاتحاف (٦/ ٤٨٧ رقم ٦٢٥٤) والمطالب (٣٣٤٧)،
والبخاري في الأدب المفرد (٣٠٧)، والبزار (٣١٨٧ / كشف)، والخرائطى في المكارم
=

٢٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وإبدأ بمن تعول وأرضخ من الفضل ولا تلام على الكفاف))
وسيأتي الكلام على ذلك قريبًا مبسوطً إن شاء الله.
١٢٢٠ - وَعَن مَالك بن نَضْلَةِ رَوْنَهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ الْأَيْدِي ثَلَاثَة
فيد الله الْعليا وَيَدِ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَد السَّائِلِ السُّفْلى فأعط الْفضل وَلَا
تعجز عَن نَفسك، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْن حبَان فِي صَحِيحِه وَاللَّفْظِ لَهُ(١).
قوله: وعن مالك بن نضلة (ويقال: مالك بن عوف ابن نضلة بن خديج،
ويقال: جريج بن حبيب بن حدير بن غنم ابن كعب بن عصيم بن جشم بن
معاوية بن بكر بن هوازن الجشمي، الجشمي صاحب ابن مسعود روى عنه
أبو الأحوص، واسمه عوف بن مالك، له صحبة، وعداده في أهل الكوفة(٢).
قوله ◌َّي «الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل
السفلى فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك)) الحديث الفضل ما فضل عن
الكفاية.
=
(١٦٦)، والطبراني في الكبير (١٤ / ٥٠ رقم ١٦٤٤٤) والدعاء (١٤٠٦).
قال الهيثمي في المجمع ١٧٣/١٠: رواه الطبراني والبزار، وقال: أسألك العصمة بدل:
الصحة، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف الحديث، وقد وثق، وبقية رجال
أحد الإسنادين رجال الصحيح. قال البوصيرى: هذا إسناد ضعيف. وضعفه الألباني في
الجامع (١١٩١).
(١) أبو داود (١٦٤٩)، وابن حبان (٣٣٦٢)، وأحمد (١٥٨٩٠)، وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٨١٤).
(٢) الاستيعاب (٣/ الترجمة ٢٢٩٩)، وأسد الغابة (٥/ الترجمة ٤٦٥٠)، وتهذيب الكمال
(٢٧/ الترجمة ٥٧٥٥).