Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
كتاب الصدقات
تابعي وقال: ابن عباس أعطي علي تسعة أعشار العلم والله لقد شاركهم في
العشر الباقي قال: وإذا أثبت لنا الشيء عن علي لم نعدل إلى غيره، وسؤال
كبار الصحابة له ورجوعهم إلى فتاويه وأقواله في المواطن الكثيرة والمسائل
المعضلات مشهورة(١)، و الله أعلم.
قوله ◌َّه ((إِن الله فرض على أَغْنِيَاء الْمُسلمين فِي أَمْوَالهم بِقدر الَّذِي يسع
فقراءهم وَلنْ يجْهِد الْفُقَرَاء إِذا جَاعُوا وعروا إِلَّ بِمَا يصنع أغنياؤهم))
الحديث. الأغنياء هم أصحاب الأموال.
قوله عن مسروق (هو أبو عائشة مسروق بن الأجدع، بالجيم ودال
مهملة، ابن مالك بن أمية بن عبد الله الهمدانى الكوفى التابعى المخضرم.
روى عن أبى بكر الصديق، وعثمان، وعلي وغيرهم. روى عنه أبو وائل،
وهو أكبر منه، وآخرون. واتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته.
وكان مسروق يصلى حتى تورمت قدماه. قال أبو سعد السمعانى: كان
مسروق سرق فى صغره، فغلب عليه ذلك. توفى سنة ثنتين، وقيل: سنة ثلاث
وستین، رحمه الله تعالى(٢).
قوله: قال عبد الله: ((آكِلُ الرِّبَا، وَمُوكِلُهُ، وَشَاهِدَاهُ، إِذَا عَلِمَاهِ، وَالْوَاشِمَةُ
وَالْمُسْتَوْشِمَةُ لِلْحُسْنِ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ، وَالْمُرْتَدُّ أَغْرَابِيًّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ مَلْعُونُونَ
عَلَى لِسَانٍ مُحَمَّدٍ وَِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٤٤/١-٣٤٩ ترجمة ٤٢٩).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢ /٨٨ ترجمة ٥٦٧).

٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وأراد بآكل الربا و موكله: البائع والمشتري وقيد الشاهدين بالعلم بالربا
بأن يريا المبيع وأنه ربوي باطل فإن جهلا الحال والحكم فلا إثم.
قوله: والواشمة للحسن أي تتحسن بذلك وهو قبيح، وأما لاوي الصدقة فهو
مانعها واللي المطل يقال لواه بحقه يلويه ليا وأصله لويً، والمراد بالصدقة الزكاة.
قوله: والمرتد أعرابيا بعد الهجرة وهو أن يعود [٣٩/ ب] إلى البادية ويقيم مع
الأعراب بعد أن کان مهاجرا، وکان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غیر
عذر يعدونه كالمرتد تقدم الكلام على حديث مسروق و فيه قال: عبد الله آكل
الربا و موكله وشاهداه إذا علماه .. الحديث، تقدم الكلام على ذلك.
١١٣٢- وروى الْأَصْبَهَانِيّ عَن عَلَيّ ◌َوَّلَهُ قَالَ لعن رَسُول الله وَّ آكل
الرِّبَا وموكله وَشَاهده وكاتبه والواشمة والمستوشمة ومانع الصَّدَقَة والمحلل
والمحلل لَهُ (١).
١١٣٣ - وَعَن أنس ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّه ويل للأغنياء من الْفُقَرَاء
يَوْمِ الْقِيَامَة يَقُولُونَ رَبنَا ظلمونا حقوقنا الَّتِي فرضت لنا عَلَيْهِم فَيَقُول الله عز
وَجل وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأدنينكم ولأباعدنهم، ثمَّ تَلا رَسُول الله وَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ
فِىّ أَمْوَلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلِسَّآيِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾﴾(٢)، رَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي
الصَّغِير والأوسط وَأَبُو الشَّيْخِ ابْنِ حيّان فِي كتاب الثَّوَابِ(٣). كِلَاهُمَا من
(١) الأصبهاني في الترغيب (١٤٠٨)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٥٦).
(٢) سورة المعارج، الآية: ٢٤ -٢٥.
(٣) الطبراني في الأوسط (٤٨١٣)، وفي الصغير (٦٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٦٢/٣)، رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه الحارث بن النعمان، وهو ضعيف،
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٦١٤٠).

٤٣
كتاب الصدقات
رِوَايَةِ الْحَارِث بن النُّعْمَانِ قَالَ أَبُو حَاتِم لَيْسَ بِقَوي وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر
الحدیث.
قوله: وروى الأصبهاني عن علي قال: لعن رسول الله وَّخليل ((آكل الربا و
موكله وشاهده وكاتبه و الواشمة والمستوشمة ومانع الصدقة و المحلل
والمحلل له)) تقدم الكلام على آكل الربا وعلى ما بعده في الحديث قبله،
والكلام الآن على المحلل والمحلل له المحلل بكسر اللام الأولى وهو
الذي يتزوج مطلقة الغير ثلاثا بعد العدة على قصد أن يطلقها بعد أن يحلها
للزوج الأول بالنكاح والوطء والمحلل له هو الزوج الأول وإذا تزوج بهذا
القصد لم يصح، وقال: أبو حنيفة يصح ويبطل الشرط وحمله الشافعي
رحمه الله على ما إذا شرطه في العقد قال: البغوي (١) فإن شرط في العقد
مفارقتها فالنكاح باطل عند الأكثرين كنكاح المتعة وسمي محللا لقصده إليه
وإن كان لا يحصل التحليل به وقيل يصح النكاح ويفسد الشرط كما تقدم
عن أبي حنيفة ولها صداق مثلها فأما إذا لم يكن ذلك في العقد شرطا وكان
نية وعقيدة فهو مكروه غير أن النكاح صحيح وإن أصابها ثم طلقها وانقضت
عدتها حلت للأول عند أكثر أهل العلم لكن يكره (٢) ذلك كما تقدم، وقال:
(١) شرح السنة للبغوي (٩ / ١٠١).
(٢) ينظر: الأصل المعروف بالمبسوط الشيباني (١/٢) تحفة الفقهاء (٢٦٣/١) بدائع
الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/٢)، شرح مختصر خليل للخرشي (١٤٧/٢) الفواكه
الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٣٢٥/١) حاشية العدوي على كفاية الطالب
الرباني (١/ ٤٧٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي

٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إبراهيم النخعي لا تحل إلا أن يكون نكاح رغبة فإن كانت نية أحد الثلاثة،
الزوج الأول أو الثاني أو المرأة التحليل فالنكاح باطل، وقال سفيان الثوري:
إذا تزوجها على نية التحليل للأول ثم بداله أن يمسكها لا يعجبني إلا أن
يفارقها ويستأنف نكاحا جديدا، ولذلك قال أحمد ومالك: يفرق بينهما بكل
حال(١) ا. هـ
قال المنذري: وقال الشافعي:(٢) لا تفسد النية النكاح شيئا لأن النية
حديث النفس وقد رفع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم وروى البيهقي مسندا:
أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا، وَكَانَ مِسْكِينٌ أَعْرَابِيٌّ يَقْعُدُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ
فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ فِي امْرَأَةٍ تَنْكِحُهَا فَتَبِيتُ مَعَهَا اللَّيْلَةَ، وَتُصْبِحُ
فَتُفَارِقُهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَكَانَ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ إِذَا أَصْبَحْتَ فَإِنَّهُمْ
(٢٠٨/٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٦٢/٢) شرح الزركشي على
مختصر الخرقي (٤١١/٢) المبدع في شرح المقنع (٣٠٩/٢) الإنصاف في معرفة
الراجح من الخلاف للمرداوي (٣/٣).
(١) معالم السنن (١٩٣/٣ -١٩٤) وشرح السنة (٩ /١٠١).
(٢) ينظر: الأم للشافعي (١٦/٢) الحاوي الكبير (١٠٦/٣) المهذب في فقة الإمام الشافعي
الشيرازي (٢٦٢/١) نهاية المطلب في دراية المذهب (١١٥/٣) البيان في مذهب الإمام
الشافعي (١٦٠/٣) فتاوى ابن الصلاح (٥٤٩/٢) فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب
(١٢٠/١) منهج الطلاب في فقه الإمام الشافعي نظرات (ص: ٣٣) تحفة المحتاج في شرح
المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (٢٠٨/٣) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ
المنهاج (٦٢/٢) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٤٣/٣) حاشيتا قليوبي وعميرة (٣/٢)
العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير (٣/٣) بحر المذهب للروياني (٣/٣).

٤٥
كتاب الصدقات
سَيَقُولُونَ لَكَ فَارِقْهَا فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي مُقِيمَةٌ لَكَ مَا تَرَى وَاذْهَبْ إِلَى عُمَرَ
زَّ ◌َّهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَوْهُ وَأَتَوْهَا، فَقَالَتْ: كَلِّمُوهُ فَأَنْتُمْ حِثْتُمْ بِهِ فَكَلِّمُوهُ فَأَبَى،
فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ رََّ فَقَالَ: ((الزَمِ امْرَأَتَكَ فَإِنْ رَابُوكَ بِرِيبَةٍ فَأْتِي))، وَأَرْسَلَ
إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي مَشَتْ لِذَلِكَ فَنَكَّلَ بِهَا، ثُمَّ كَانَ يَغْدُو عَلَى عُمَرَ وَيَرُوحُ فِي
◌ُلَّةٍ فَيَقُولُ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَاكَ بَا ذَا الرُّفْعَتَيْنِ خُلَّةً تَغْدُو فِيهَا وَتَرُوحُ))(١).
قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وما يروى عن عثمان(٢) أنه قال: لَا
أُوتَى بِمُحَلِّل إلَّا رَجَمْته مَحْمَلُهُ التَّغْلِيظُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ عِنْدَ عَدَمِ حَدِّ الْجَاهِلِ
بِالتَّحْرِيمِ، فَكَيْفَ بِالْمُتَأَوِّلِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا رَجْمَ عَلَيْهِ. اهـ.
وإنما خص النبي وَيّ باللعنة المحلل والمحلل له دون المرأة لأن
الغالب جهلها بذلك، قال في الْمَطْلَبِ (٣): فإن علمت وفعلت لعنت (٤)، وفي
حديث عقبة بن عامر أن النبي وَالله قال: ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا
بلى يا رسول الله قال: هو المحلل ثم قال ((لعن الله المحلل والمحلل له
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٨٦ و١٠٧٨٧)، وسعيد بن منصور (١٩٩٩)، والبيهقي في
الكبرى (٣٤١/٧ رقم ١٤١٩٧) والمعرفة (١٠ /١٨٢ رقم ١٤١٢٤). قال الشافعي رضي
الله عنه: وسمعت هذا الحديث مسندًا شاذًا متصلًا عن ابن سيرين يوصله عن عمر مثل
هذا المعنى. وضعفه الألباني في الإرواء (١٩٠٠).
(٢) كذا في الأصل وفى التمهيد عن عمر بن الخطاب انظر التمهيد (٢٣٥/١٣) والاستذكار
(٤٥٠/٥).
(٣) كتاب للعلامة نجم الدين بن الرفعة.
(٤) النجم الوهاج (٧/ ١٧٧).

٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث)) رواه الدارقطني وابن ماجه وكذلك رواه الحاكم وقال صحيح
الإسناد(١) قيل وإنما لعن رسول الله مع حصول التحلل لأن التماس ذلك
هتك للمروءة والملتمس ذلك هو المحلل له، وإعارة التيس للوطء. لغرض
الغير أيضا رذيلة. ولذلك شبهه بالتيس المستعار وإنما يكون كالتيس
المستعار إذا سبق التماس من المطلق، والعرب تعير بإعارة التيس قال
الشاعر: وشر منيحة تيس معار (٢).
وإنهم إذا مدحوا شخصا قالوا إنما هو كبش وإذا ذموه قالوا هو تيس (٣).
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه (١٩٣٦) والحاكم في المستدرك (١٩٨/٢ -١٩٩) الدار قطني
في سننه (٢٥١/٣) -ومن طريقه رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٠٧٢)، وقال
إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني -كما نقل ذلك ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢٧٧/٣)،
وابن كثير في تفسيره (٢٨٠/١-٢٨١) -: ((كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث
إنكارا شديد)). وقد تعقب ابن الملقن البخاريَّ فقال في البدر المنير (٥/ ل٢٢١ ب): ((قد
ذكر الحاكم في روايته لهذا الحديث سمعتُ مشرح بن هاعان، وقال قبله: قد ذكر كاتب
اللیث سماعه فيه، و کونه لم يخرجه في أيامه لا يضر إذن، وقوله: لأن حيوة روی عن بکر
بن عمرو عن مشرح، يريد أنّ حيوة من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما يروي عن بكر عن
مشرح، وهذا غير لازم لأنَّ الليث كان معاصراً لمشرح، وقد صرح بسماعه منه)). وقد
قوى الزيلعي في نصب الراية (٢٣٩/٣) سماعه منه فقال: ((قوله في الإسناد قال لي أبو
مصعب يردُّ ذلك، ورواه الدارقطني في سننه معنعنا عن أبي صالح كاتب الليث، عن الليث
عن مشرح به وكذلك حسنه عبدالحق لأنه ذكره من جهة الدار قطني)). وقد قوى الحديثَ
شيخُ الإسلام ابنُ تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٢٧٧/٣ -٢٧٨).
(٢) حياة الحيوان (٢٤٠/١).
(٣) حياة الحيوان (٢/ ٢٥٦).

٤٧
كتاب الصدقات
فائدة: قال: ابن العربي (١): أنه سمع من [٤٠ / أ] علماء الحنفية من يقول في
نكاح المحلل أنه قربة لأن فيه سعة ضيق وإباحة تحريم أذن الله تعالى فيها
ورأيت في كلام بعض العلماء قال داوود: لا أبعد أن يكون المحلل مأجورا إذا
نوى بذلك حلها للأول لأنه قصد إرفاق أخيه وإدخال السرور عليه وهو قول
ربيعة شيخ مالك ویحي بن سعید ا .هـ.
قال ابن العربي: (٢) وأهل المدينة يقولون هو معصية موجبة للنار وكان
بعض العلماء يرى أن مجرد [العقد] كاف في [التحليل] لقوله تعالى: ﴿حَتَّى
تَنكِحَ زَوْجًّا غَيْرَهُ﴾(٣) وقد بينت [السنة ذلك التحليل فقال النبي وَّة
(أتُرِيدينَ أنّ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي الْعُسَيلَةَ))(٤) فبين اشتراط
الغاية [في الغاية وذهب] ابن المسيب إلى الاكتفاء[بمجرد العقد من الثاني
وإن لم يطأها الثاني]ا. هـ
فائدة أخرى: قال الماوردي والغزالي: من لطائف الحيل الرافعة للغيرة
والعار المحصلة للمقصود: أن يشتري عبدًا صغيرًا ويزوجها منه، ثم
تستدخل حشفة الصغير ولو مع حائل من ثوب أو غيره، ثم يملكها العبد ببيع
أو هبة فينفسخ النكاح ويحصل التحليل. [قلت]: وهذا مبني على أصول
(١) ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣١٣/١).
(٢) السابق.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.
(٤) سبق تخريجه.

٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مختلف فيها منها: حصول التحليل بوطء الصغير، ومنها: جواز إجبار العبد
على التزويج، فإن لم نجوزه،. امتنع ذلك. (١) والله أعلم قاله في الديباجة.
والأعراب ساكنوا البادية من الأعراب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا
يدخلونها إلا لحاجة قوله: ملعونون على لسان محمد، هذا مرفوع وهذا
يقتضي أن ذلك من الكبائر لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة على قول بعض
العلماء [وهو الذهبى] في کتاب سماه الكبائر ا.هـ.
قوله: وروى الأصبهاني عن علي، الأصبهاني بكسر الباء الألف أو فتحها
وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة والهاء وفي أخره النون هَذِه النِّسْبَة إِلَى
أشهر بَلْدَة بالجبال وَإِنَّمَا قيل لَهَا هَذَا الإِسْم على مَا سَمِعت من بعضهم أَنَّهَا
تسمى بالعجمية سباهان وسباه: الْعَسْكَر وَهَان: الْجمع، وَكَانَت جموع
عَسَاكِرِ الأكاسرة تَجْتَمِع إِذا وَقعت لَهُم وَاقعَة فِي هَذَا الْموضع مثل عَسْكَر
فَارس وكرمان والأهواز فعرب فَقيل أَصْبَهَان خرج مِنْهَا كثير من الْعلمَاء فِي
كل فن ا.هـ. قاله في (كتاب الأنساب) لابن الأثير(٢).
قوله: عن أنس تقدم الكلام على أنس،
قوله وَلايقر: ((ويل للأغنياء من الْفُقَرَاء يَوْم الْقِيَامَة .. » الوَيْلُ: كلمةُ عذاب،
وقيل: واد في جهنم، وقيل غير ذلك. قوله عز وجل: ((وَعِزَّتِي وَجَلَالِي
◌َأُدْنِيَنَّكُمْ وَلَأُبَاعِدَنَّهُمْ .. )) هذا قرب من الله تعالى.
(١) النجم الوهاج (٧/ ١٧٧).
(٢) اللباب (١ / ٦٩).

٤٩
كتاب الصدقات
لطيفة: قوله في الكلام على الحديث رواه أبو الشيخ بن حيان وهو الحافظ
أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان بمهملة [وياء مشدد] ونون وأبو الشيخ
لقبه قاله الحافظ العسقلاني المشهور بابن حجر (١) فحيان منصرف وغير
منصرف قيل جاء رجل اسمه حيان إلى ملك فقيل للملك أينصرف حيان أم
لا فقال الملك إن أكرمته فلا ينصرف وإلا فينصرف ووجهه بأنه إن أكرمه
فكأنه أحياه فيكون من الحي فلا ينصرف لزيادة الألف والنون وإن لم يكرمه
فكأنه أهلكه فيكون من الحين ا.هـ والله أعلم، قاله الكرماني في شرح
(٢)
البخاري
١١٣٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َيِّ عرض عَليّ أول
ثَلَاثَة يَدْخُلُونَ الْجِنَّة وَأول ثَلَاثَة يَدْخِلُونَ النَّارِ فَأَما أول ثَلَاثَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة
فالشهيد وَعبد مَمْلُوك أحسن عبَادَة ربه ونصح لسَيِّده وعفيف متعفف ذُو
عِيَال وَأما أول ثَلَاثَة يدْخِلُونَ النَّارِ فأمير مسلط وَذُو ثروة من مَال لَا يُؤَدِّي حق
الله فِي مَاله وفقير فخور، رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَابْن حبَان مفرقا فِي
(٣)
موضِعین
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣٤٤/٣)
(٢) الكواكب الدراري (٨٧/٢).
(٣) ابن خزيمة (٢٢٤٩)، وابن حبان (٤٣١٢)، وأحمد (٩٤٩٢)، والحاكم (٣٨٧/١)،
وقال: عامر بن شبيب شيخ من أهل المدينة مستقيم الحديث، وهذا أصل في هذا الباب،
فترد به عنه يحيى بن أبي كثير، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في ضعيف
الجامع (٣٧٠٣): ضعيف جدا.

٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وَّية: ((عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار
فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح
لسيده وعفيف متعفف)) الحدیث.
العفة: هي الكف عن الحرام والسؤال من الناس فالاستعفاف طلب
العفة. قوله: ذو عيال، ذو بمعنى صاحب عيال و ((أما أول ثلاثة يدخلون النار
فأمير مسلط)) أي ظالم و((ذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله))، وذو أيضا
بمعنى صاحب (المال) الواسع أي الكثير المال يقال: أثرى الرجل: إذا كثر
ماله، والمراد بالحق: الزكاة الواجبة، قوله: ((وفقير فخور)) أي معجب
متکبر.
١١٣٥ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َوَّهُ قَالَ أمرنَا بإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة
وَمَن لم يزك فَلَا صَلَاة لَهُ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ مَوْقُوفًا هَكَذَا بأسانيد
أَحدهمَا صَحِيح والأصبهاني(١). وَفِي رِوَايَة للأصبهاني: قَالَ من أَقَامَ الصَّلَاة
وَلَمْ يُؤْت الزَّكَاةِ فَلَيْسَ بِمُسلمٍ يَنْفَعَهُ عمله(٢).
١١٣٦ - وَعَنِ ثَوْبَانِ رَقُولَهُ أَن رَسُول الله ◌َلَ قَالَ: من ترك بعده كنزا مثل لَهُ
يَوْمِ الْقِيَامَةِ شُجَاعِ أَقرع لَهُ زَبِبَتَانِ يتبعهُ فَيَقُول من أَنْتِ فَيَقُول أَنَا كَنْزِكِ الَّذِي
(١) الطبراني في الكبير (١٠٠٩٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٢/٣): وله إسناد
صحيح. والأصبهاني برقم (١٤٤٩). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب برقم (٤٦٥).
(٢) الأصبهاني في الترغيب (١٤٧٧).

٥١
كتاب الصدقات
خلفت فَلَا يزَال يتبعهُ حَتَّى يلقمه يده فيقضمها ثمَّ يتبعهُ سَائِر جسده، رَوَاهُ الْبَزَّار
وَقَالَ: إِسْنَاده حسن وَالطَّبَرَانِيّ وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ حَبَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا(١).
قوله: وعن عبد الله بن مسعود زَقَّوَّلَهُ تقدم الكلام على الصلاة. والكلام
الآن على الزكاة.
قوله وعن ثوبان مولى رسول الله وسل هو أبو عبد الله ويقال: أبو عبد
الرحمن ثَوْبَانُ [٤٠/ ب] بْنُ بُجْدُدٍ بموحدة مضمومة ثم جيم ساكنة ثم دال
مكررة الأولى مضمومة، ويقال: ابن جحدر الهاشمي من أهل الشراة موضع
بين مكة واليمن، وقيل أنه من حمير، وقيل من الهان أصابه سبي فاشتراه
رسول الله وَ له فأعتقه ولا يزال معه في الحضر والسفر فلما توفي رسول الله
وَّه خرج إلى الشام فنزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وابتنى بها داراً وتوفي بها
سنة خمس وأربعين وقيل سنة أربع وخمسين روي له عن رسول الله وله
مائة حديث وسبعة وعشرون حديثا روى له مسلم عشرة أحاديث. و الله
أعلم.
قوله وثيقة: ((من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع)) والصحيح
أن الكنز كل مال لم تؤد زكاته، وتقدم الكلام على قوله: مثل له شجاعا أقرع،
(١) البزار (٨٨٢)، والطبراني في الكبير (١٤٠٨)، وابن خزيمة (٢٢٥٥)، وابن حبان
(٣٢٥٧)، والحاكم (٣٨٨/١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٤/٣)، رواه البزار
وقال: إسناده حسن، قلت: ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في
صحیح الترغيب والترهيب (٧٥٧).

٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: له زبيبتان قد فسر الحافظ ذلك فقال: الزبيبتان هما [الزبدتان] في
الشدقين، وقيل هما النكتتان السوداوان فوق عينيه ا.هـ.
وقال: في حياة الحيوان(١) هما الريشتان من جانبي فمه من السم ويكون
مثلهما في شد قيء الإنسان عند كثرة الكلام وقيل نكتتان في عينيه وما هو بهذه
الصفة من [الحيات ]هو أشد أذى، وقيل هما نابان يخرجان من فيه والله أعلم
قاله: الداوودي(٢) ولا يعرف أهل اللغة هذا الوجه، وقال غيره قیل أراد بهما
ما يخرج من فيه من السم في جانبي شدقيه كما يتفق لبعض الناس إذا انزعج
خرج من فيه زبد يمينا وشمالا(٣)، قوله وسلّ فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده
فيقضمها ثم يتبعه سائر جسده، تقدم الكلام على القضم.
١١٣٧ - وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌ََِّّا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِن الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاة
مَاله يخيل إِلَيْهِ مَالِه يَوْم الْقِيَامَة شجاعا أَقرع لَهُ زَبِبَتَانِ قَالَ فَيَلْزمهُ أَو يطوقه
يَقُول أَنَا كَنْزِك، أَنَا كَنْزِك، رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِ صَحِيح (٤).
الزبيبتان هما الزبدتان في الشدقين وَقيل هم النكتتان السوداوان فَوق
عَيْنَيْهِ، والشجاع تقدم.
(١) حياة الحيوان (٦٩/٢).
(٢) المفهم (١٤٩/٨).
(٣) المفهم (١٤٩/٨).
(٤) النسائي (٣٨/٥)، وأحمد (٥٧٢٩)، وابن خزيمة (٢٢٥٧)، وصححه الألباني في صحيح
الترغيب والترهيب (٧٥٨).

٥٣
كتاب الصدقات
قوله وعن ابن عمر تقدم الكلام على ابن عمر.
قوله وَالّ ((إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يخيل له ماله يوم القيامة شجاعا
أقرع له زبيبتان قال: فيلزمه أو يطوقه)) الحديث تقدم الكلام على ذلك.
١١٣٨ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ أَقْرِع لَهُ زَبِيبَتَانِ يطوقه يَوْم
الْقِيَامَة ثُمَّ يَأْخُذْ بِلِهْزِ مَتَيِّهِ يَعْنِي شدقيه ثُمَّ يَقُول أَنَا مَالك أَنَا كَنْزِك ثمَّ ثَلا هَذِه
الْآيَة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾(١) قَالَ من آتَاهُ الله مَالا فَلم يؤد زَكَاته
مثل لَهُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ شجاعا، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ(٢).
قوله: وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله وقال: ((من آتاه الله مالا فلم يؤدي زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا
أقرع له زبيبتان)) تقدم الكلام على ذلك في الأحاديث قبله، قوله إنَّه (يطوقه
يوم القيامة)) يعني تجعل هذه الحية بأذن الله طوقاً لمن لا يؤدي زكاة ماله فهو
مطوق بالشجاع الأقرع نعوذ بالله من عقابه، قوله رَّ «ثم يأخذ بلهز متيه يعني
بشدقيه ويطوقه)) بالبناء للمفعول أي يجعل ذلك الشجاع طوقا في عنقه كما
قال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ﴾(٣) قوله ◌َِّ ((ثم يأخذ
بلهزمتیه يعني شدقيه)) وقوله بلهزمتيه ضبطه الجوهري(٤) بكسر اللام وكسر
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.
(٢) البخاري (١٤٠٣).
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨٠.
(٤) الصحاح للجوهري (٢٠٣٨/٥).

٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الزاي واحدها لهزمة بالكسر وَقِيلَ: هُمَا عَظْمَانِ نَاتِثَانِ تَحْتَ الأَذْنَين. وَقِيلَ:
هُمَا مُضْغَتان عَلِيَّتان)) تحتَهما (وفسرهما في الحديث بالشدقين أي جانبي
الفم)،
١١٣٩ - وَعَن عمَارَة بن حزم ◌َو ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ أَربع فرضهن
الله فِي الْإِسْلَام فَمن جَاءَ بِثَلَاث لم يغنين عَنْهُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِي بِهِن جَمِيعًا
الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَان وَحِجِ الْبَيْت، رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده ابْنِ لَهِيعَة
وَرَوَاهُ أَيْضا عَن نعيم بن زِيَادِ الْحَضْرَمِيّ مُرْسلاً(١).
١١٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَةَ رََّّهُ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ أَتِي بفرس يَجْعَل كل
خطْوَة مَعَه أَقْصَى بَصَرِه فَسَار وَسَار مَعَه جِبْرِيل ◌َلَا فَأتى على قوم يزرعون
فِي يَوْم ويحصدون فِي يَوْم كلما حصدوا عَاد كَمَا كَانَ فَقَالَ يَا جِبْرِيل من
هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ المجاهدون فِي سَبِيلِ الله تضَاعف لَهُم الْحَسَنَة بسبعمائة
ضعف وَمَا أَنْفِقُوا من شَيْءٍ فَهُوَ يخلفه ثمَّ أَتَى على قوم ترضخ رؤوسهم
بالصخر كلما رضخت عَادَتْ كَمَا كَانَت وَلا يفتر عَنْهُم من ذَلِك شَيْء، قَالَ یَا
جِبْرِيل من هَؤُلاءِ قَالَ هَؤُلاءِ الَّذين تثاقلت رؤوسهم عَن الصَّلَاة ثمَّ أَتَّى على
قوم على أدبارهم رقاع وعَلى أقبالهم رقاع يسرحون كَمَا تسرح الْأَنْعَام إِلَى
الضريع والزقوم ورضف جَهَنَّم، قَالَ مَا هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيل قَالَ هَؤُلاءِ الَّذين لا
يؤدون صدقَات أَمْوَالهم وَمَا ظلمهم الله وَمَا الله بظلام للعبيد، الحَدِيث بِطُولِهِ
فِي قَصَّة الْإِسْرَاء وَفرض الصَّلَاة، رَوَاهُ الْبَزَّار عَن الرّبيع بن أنس عَن أبي
(١) أحمد (١٧٧٨٩).

٥٥
كتاب الصدقات
الْعَالِيَةِ أَو غَيرِه عَن أبي هُرَيْرَة (١).
قوله وعن عمارة بن حزم (هو عمارة بن حزم الأنصاري، أخو عمرو بن
حزم، وأمه خالدة بنت أنس بن سنان بن وهب بن لوذان، كان من السبعين
الذين بايعوا رسول الله و خلال ليلة العقبة، شهد بدرًا وشهد عمارة أيضًا أحدًا،
والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله وَّخلال وكانت معه راية بني مالك بن
النجار يوم الفتح، وشهد قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، وقتل يوم
اليمامة شهيدًا(٢).
قوله: ((أَربع فرضهن الله فِي الْإِسْلَام فَمن جَاءَ بِثَلَاث لم يغنين عَنْهُ شَيْئًا
حَتَّى يَأْتِي بِهِن جَمِيعًا الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَان وَحج الْبَيْت)) الحديث.
تقدم الكلام على أبي هريرة،
قوله: أن رسول الله وَّة ((أتى بفرس يجعل كل خطوة منه أقصى بصره
فسار وسار معه جبريل ◌َّلام)) فذكر حديث البراق هي الدابة التي ركبها سيد
المرسلين وحمّ ل ليلة الإسراء وركبها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مشتقة من
البرق الذي يلمع في الغيم وفي الصحيح أنه دآبة [٤١ / أ] دون البغل وفوق
الحمار أبيض يضع خطوة عند أقصى طرفه، ويؤخذ من هذا أنه أخذ من
الأرض إلى السماء في خطوة وإلى السموات السبع في سبع خطوات.
(١) البزار (٥٥)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١ / ٦٧): رواه البزار ورجاله موثقون، إلا أن
الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره، فتابعیه مجهول.
(٢) تلقيح فهوم أهل الأثر (ص ٢٧٢)، وأسد الغابة (١٢٩/٤).

٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال السهيلي: ومما يسأل عنه شماس البراق حين ركبه ◌َ ل فقال له جبريل
عَ لَآم: أما تستحي يا براق فما ركبك عبد قبل محمد أكرم على الله منه؟
قال ابن بطال(١): إنما كان ذلك لبعد عهده بالأنبياء، وطول الفترة بين
عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (٢).
وقال صاحب المقتفى: والحكمة في كونه على هيئة بغل ولم يكن على
هيئة فرس، التنبيه على أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو
لإظهار الآية في الإسراع العجيب في دابة لا يوصف شكلها بالإسراع فإن
قيل: ركب وَّ البغلة في الحرب، فالجواب أن ذلك كان لتحقيق نبوّته
صَلىالله
وشجاعته
وسلم.
قال: وكان البراق أبيض وكانت بغلته شهباء، وهي التي أكثرها بياض
إشارة إلى تخصيصه بأشرف الألوان.
قال: واختلف الناس هل ركب جبريل ،َالثَّلاث معه وَّة؟ فقيل: نعم، كان
رديفه صلى الله عليه وسلم. قال: والظاهر عندي أنه لم يركب معه لأنه وَله
هو المخصوص بشرف الإسراء، لكن روي أن إبراهيم عليكلاما كان يزور ولده
إسماعيل على البراق وأنه ركبه هو وإسماعيل وهاجر، حين أتى بهما البيت
الحرام.
(١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٣٨٩/٣) بمعناه،
(٢) الروض الأنف (٤٣٠/٣).

٥٧
كتاب الصدقات
ثم إن البراق يوم القيامة يركبه النبي وَلّ دون سائر الأنبياء. واختلف
الناس في تاريخ الإسراء قال ابن الأثير (١): الصحيح عندي إنه كان ليلة الإثنين
لسبع وعشرين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وبهذا جزم شيخ
الإسلام محي الدين النووي في شرح مسلم وجزم في فتاويه في كتاب الصلاة
بأنه کان في شهر ربيع الآخر.
وفي سير الروضة أنه كان في رجب وإنما كان ليلا لتظهر الخصوصية بين
جليس الملك نهارا و جليسه ليلًا. وقد اختصرت هذه النبذة [من الروض
للسهيلى](٢) ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَدْبَارِهِمْ رِفَاعٌ، وَعَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاءٌ،
يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْأَنْعَامُ إِلَى الضَّرِيعِ وَالزَّقْومِ وَرَضْفِ جَهَنَّمَ.
الرضف: الحجارة المحماة وسيأتي الكلام على الضريع والزقوم في ذكر
النار اعاذانا الله الكريم منها.
١١٤١ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّّهُ قَالَ سَمِعت من عمر بن الخطاب
رَّ بَّهُ حَدِيثا عَنِ رَسُول الله ◌َِّ مَا سمعته مِنْهُ وَكنت أَكْثَرِهم لُزُوما لَرَسُول الله
وَِّ قَالَ عمرٍ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا تلف مَالٍ فِي بر وَلَا بَحر إِلَّ بِحَبْسِ الزَّكَاة،
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَهُوَ حَدِيثٍ غَرِيب(٣).
(١) نقله عن الدميري في حياة الحيوان (١/ ١٧٠).
(٢) انظر حياة الحيوان (١٧٠/١-١٧١).
(٣) الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد (٦٣/٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، رواه
الطبراني في الأوسط وفيه عمر بن هارون وهو ضعيف، قلت: بل هو متروك كما في
التقريب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٤٧).

٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١١٤٢ - وَعَن أنس بن مالك رَّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ مَانع الزَّكَاة يَوْم
الْقِيَامَة فِي النَّارِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِيرِ عَن سعد بن سِنَان وَيُقَال فِهِ سِنَان
بن سعد عَن أنس(١).
١١٤٣ - وَرُوِيَ عَن عَائِشَة ◌َّهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله وَيَّةِ مَا خالطت
الصَّدَقَةِ أَو قَالَ الزَّكَاةِ مَالا إِلَّا أفسدته، رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالْبَيْهَقِيّ(٢).
وَقَالَ الْحَافِظِ: وَهَذَا الحَدِيث يحْتَمَلِ مَعْنيين أَحدهمَا أَن الصَّدَقَة مَا تركت
فِي مَال وَلم تخرج مِنْهُ إِلَّا أهلكته وَيَشْهد لَهَذَا حَدِيث عمر الْمُتَقَدّم مَا تلف
مَالٍ فِي بر وَلَا بَحر إِلَّا بِحَبْس الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي أَن الرجل يَأْخُذ الزَّكَاةِ وَهُوَ غَنِي
عَنْهَا فَيَضَعْهَا مَعَ مَاله فتهلكه، وَبِهَذَا فسره الإِمَامِ أَحْمد وَالله أعلم.
١١٤٤ - وَرُوِيَ عَن عمر ◌ََّا قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ ظَهرت لَهُم الصَّلَاة
فقبلوها وخفيت لَهُم الزَّكَاة فأكلوها أُولَئِكَ هم المُنَافِقُونَ، رَوَاهُ الْبَزَّارِ (٣).
(١) الطبراني في الصغير (٩١٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٤/٣)، رواه الطبراني في
الصغیر وفیه سنان بن سعد وفیہ کلام کثیر وقد وثق، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٧٦٠).
(٢) البزار (٨٨١)، وقال إسناده لين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٤/٣)، رواه البزار
وفيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، قال أبو حاتم، يكتب حديثه ولا يحتج به، وضعفه
الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٥٧).
(٣) البزار (٨٨٣)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٤/٣)، وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري
وهو ضعيف، وقال الألباني ضعيف جدا كما في ضعيف الجامع (٣٦٦٦).

٥٩
كتاب الصدقات
١١٤٥ - وَعَنِ بُرَيْدَة رَّ الَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَيهِ مَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا
ابْتَلَاهُم الله بِالسِّنِينَ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرُوَاتِهِ ثِقَات (١).
وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ فِي حَدِيث إِلَّا أَنَّهُمَا قَالًا وَلَا منع قوم الزَّكَاة إِلَّا حبس
الله عَنْهُم الْقطرِ، وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيح على شَرط مُسلم (٢).
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ أَن
رَسُولِ اللهِ وَّ قَالَ: يَا معشر الْمُهَاجِرِين خِصَال خمس إِن ابتليتم بهن ونزلن
بكم أعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الْفَاحِشَة فِي قوم قطّ حَتَّى يعلنوا بهَا إِلَّا
فَشَا فيهم الأوجاع الَّتِي لم تكن فِي أسلافهم وَلم ينقصوا الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ إِلَّا
أخذُوا بِالسِّنِينَ وَشَدَّة الْمُؤْنَة وجور السُّلْطَان وَلم يمنعوا زَكَاةٍ أَمْوَالهم إِلَّا
منعُوا الْقطر من السَّمَاء وَلَوْلَا الْبَهَائِم لم يمطروا وَلَا نقضوا عهد الله وعهد
رَسُوله إِلَّا سلط عَلَيْهِم عَدواً من غَيرهم فَيَأْخُذ بعض مَا فِي أَيْديهم وَمَا لم
تحكم أئمتهم بِكِتَاب الله إِلَّا جعل بأسهم بينهم (١).
(١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٥٧٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦٦/٣)، رواه
الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦١).
(٢) الحاكم (١٢٦/٢)، والبيهقي (٣٤٦/٣)، وفي شعب الإيمان (٣٠٤٠)، وحسنه الألباني
في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦١).
(٣) ابن ماجه (٤٠١٩)، والبزار (١٦٧٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٥٥٠)، والحاكم
(٤ / ٥٤٠)، وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في الحلية (٣٣٣/٨)، وأبو عمرو الداني
(٣٢٧)، قال البوصيري في الزوائد (٢٤٦/٣)، هذا حديث صالح العمل به، وصححه
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٦٢).

٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وروي عن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة.
قوله ◌َّة: ((ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة)) أي بعدم إخراج
الزكاة.
قوله: وعن أنس بن مالك تقدم الكلام على أنس.
قوله: وَّ﴾ ((مانع الزكاة يوم القيامة في النار))، مانع الزكاة: هو المماطل بها
الممتنع من أدائها، تقدم ذلك،
قوله: رواه الطبراني عن سعد بن سنان ويقال فيه: سنان بن سعد،
قوله: رُوي عن عائشة وتقدم الكلام على عائشة.
قوله وَية: ((ما خالطت الصدقة أو قال الزكاة مالا إلا أفسدته)) قد ذكر
الحافظ (١) فيه احتمالين: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّدَقَةَ مَا تُرِكَتْ فِي مَالٍ وَلَمْ تَخْرُجْ
مِنْهُ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الإحتمال حَدِيثُ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ": ما تلف مال ..
الحديث. الإحتمال الثاني: أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزكاة وهو غني عَنْهَا، فَيَضَعُهَا مَعَ
مَالِهِ فَتُهْلِكُهُ، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. ا.هـ
وقال الشافعي (٢): يعني أن خيانة الصدقة تتلف المال المخلوط بها وقيل
أراد تحذير العمال عن الخيانة في شيء منها [وقيل أن يأخذ الزكاة وهو غني]
وقيل هو حث على تعجيل أداء الزكاة من قبل أن تخلط بالمال بعد وجوبها
فيه فيذهب [به وقيل: أراد تحذير العمال عن اختزال شيء منها وخلطهم إياه
(١) أي المنذري.
(٢) الأم (٢/ ٦٢).