Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كتاب الجمعة فيوما تكون ما بين أن يجلس الإمام، أي للخطبة إلى أن تقضى الصلاة كما هو مذكور في حديث أبي بردة؛ ويوما حين تقام الصلاة إلى السلام؛ ويوما تكون فيما بين العصر إلى غروب الشمس؛ ويوما تكون في آخر ساعة، ويكون النبي وسيم قد سئل عن ذلك في أوقات متفرقة، فأجاب عن ذلك بما أجاب. قال صاحب سلاح المؤمن(١): ورأيت غير واحد من الأئمة جنح إلى هذا، والله أعلم بحقيقة ذلك، وقيل: إنها مبهمة في جميع اليوم حكمة من الله تعالى ليعكف الداعي على مراقبتها، ويجتهد في الدعاء في جميع اليوم، أ. هـ قال العراقي (٢): ولو عُرِفت لخصوها بالدعاء وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى ليسأل بجميع أسمائه الحسنى، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك، وكما أخبر ساعة الإجابة في الليل، وكما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين حتى لَا يَخُصُّ بِالْإِكْرَام وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ، وقد ورد فيها ما ورد في ليلة القدر من أنه أُعْلِمْتَهَا ثُمَّ أَنْسِيتِهَا . رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه، ولعل هذا يكون خيراً للأمة (١) سلاح المؤمن (ص: ١٦٦). وهناك أقوال أخرى كثيرة، استقصاها الحافظ في الفتح (٣٤٥/٢-٣٥١) فبلغت ثلاثًا وأربعين قولاً .. وقال: وقد صح اتفاق الصحابة أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، فلا يجوز مخالفتهم. (٢) طرح التثريب في شرح التقريب (٢١٤/٣). ٦٠٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ليجتهدوا في سائر الأيام؛ قال شيخ الإسلام ولي الدين العراقي: قال والدي رحمه الله في شرح الترمذي: وإن كان مطلبه خطيراً عظيمًا كسؤال المغفرة والنجاة من النار ودخول الجنة ورضى الله تعالى عنه، لجديرٌ أن يستوعب جميع عمره بالطلب والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد، كما قال عبد الله بن عمر: أن طلب حاجة في يوم يسير، والله أعلم، أ.هـ. تنبيه: يستحب إذا صلى الإنسان الجمعة أن يقيم في المسجد حتى يصلي العصر، فقد روى الحاكم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَخير: ((لكم في كل جمعة حجة وعمرة، فالحجة: الهجير إلى الجمعة، والعمرة: انتظار العصر بعد الجمعة))(١)، والله أعلم. (١) أخرجه البيهقي في السّنن الكبرى (٢٤١/٣) وقال: وروي ذلك عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر، وفيهما جميعا ضعف. وأحد رواته: القاسم بن عبد الله: ذكره ابن عرّاق في: (تنزيه الشريعة ١/ ٩٧ ت/٤) في الوضّاعين، والكذّابين. وذكر الذّهبيّ في (الميزان ٢٩٢/٤) حديثه هذا، وقال: هذا موضوع، باطل. وانظر: الضعيفة (٦٢٠٨). ٦٠٣ كتاب الجمعة الترغيب في الغسل يوم الجمعة وَقد تقدم ذكر الْغسْلِ فِي الْبَابِ قبله فِي حَدِيث نُبَيْشَة الْهُذِلِيّ وسلمان الْفَارِسِي وَأَوْس بن أَوْس وَعبد الله بن عَمْرو. وَتقدم أَيْضا حَدِيث أبي بكر وَعمْرَان بن حُصَيْن قَالَا قَالَ رَسُول الله وٍَّ: من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كفرت عَنهُ ذُنُوبِه وخطاياه ... الحَدِیث. الغسل: إن أريد به الماء فهو مضموم الغين، وإن أريد به المصدر فيجوز به ضم الغين وفتحها، لغتان مشهورتان، وبعضهم يقول: إن كان مصدراً لغسلت فهو بالفتح كضربت ضربًا، وإن كان بمعنى الاغتسال فهو بالضم كقولنا غسل يوم الجمعة مسنون، وكذا الغسل من الجنابة واجب وما أشبهه (١)؛ وأما الغسل بكسر الغين فهو اسم لما يغسل به الرأس من خطمي وغيره (٢)، والله أعلم. وقد تقدم ذكر الغسل في الباب قبله في حديث نبيشة الهذلي وسلمان الفارسي وأوس بن أوس وعبد الله بن عمرو، وتقدم أيضًا حديث أبي بكر وعمران بن حصين. (١) شرح النووي على مسلم (٩٩/٣). (٢) الصحاح (١٧٨١/٥)، والمجموع المغيث (٥٦٠/٢)، والنهاية (٣٦٨/٣)، والميسر (١٥١/١) و(٥٩١/٢)، وشرح النووي على مسلم (٩٩/٣). ٦٠٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ١٠٥٤ - وَعَن أبي أُمَامَةِ رََّ عَنِ النَّبِيِوَ قَالَ إِن الْغَسْلِ يَوْم الْجُمُعَة ليسل الْخَطَايَا من أصُول الشّعْرِ استلالا، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاته ثِقَات(١). قوله: وعن [١٦ / أ] أبي أمامة، تقدم الكلام على أبي أمامة. قوله ◌َية: ((إن الغسل يوم الجمعة ليسل الخطايا من أصول الشعر استلالا)) الحديث، المراد بالخطايا الصغائر من الذنوب. ١٠٥٥ - وَعَن عبد الله بن أبي قَتَادَة زَّوَّهُ قَالَ دخل عَليّ أبي وَأَنا أَغْتَسِل يَوْم الْجُمُعَةِ فَقَالَ غسلك هَذَا من جَنَابَة أَو للْجُمُعَة قلت من جَنَابَة قَالَ أعد غسلا آخر إِنِّي سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كَانَ فِي طَهَارَة إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ وَإِسْنَاده قريب من الْحسن وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لم يروه غيرِ هَارُون يَعْنِي ابْن مُسلم صَاحِب الحنا وَرَوَاهُ الْحَاكِمِ بِلَفْظ الطّبَرَانِيّ وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا(٢). وَرَوَاهُ ابْنِ حَبَان فِي صَحِيحِه وَلَفظه من اغْتسل يَوْمِ الْجُمُعَة لم يزل طَاهِرا إِلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى (٣). (١) الطبراني في المعجم الكبير (٧٩٩٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٤/٢)، رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٥٠٩). (٢) الطبراني في المعجم الأوسط (٨١٨٠)، وابن خزيمة (١٧٦٠)، والحاكم (٢٨٢/١)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٦). (٣) ابن حبان (١٢٢٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٦). ٦٠٥ كتاب الجمعة قوله: وعن عبد الله بن أبي قتادة عبد الله هذا يكنى أبا إبراهيم، ويقال: أبا يحيى الأنصارى السلمى، بفتح السين واللام، المدنى التابعى، سمع أباه (١). قوله: دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من جنابة أو للجمعة، قلت: من جنابة، قال: أعد غسلا آخر، إني سمعت رسول الله وَل يقول: ((من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى)) الحديث، رواه ابن حبان في صحيحه (٢)، ولفظه: «من اغتسل يوم الجمعة لم يزل طاهراً إلى الجمعة الأخرى)) وهذا يشمل كل غسل، والله أعلم؛ قال العلماء: ومن نوى غسل الجمعة لم يجزه عن الجنابة لأنه لم ينوها ولا تضمنتها نيته(٣)، قال: ومن نوى غسل الجنابة لم يجزه عن الجمعة في أصح القولين عملا بما نواه(٤)، وهذا هو الأصح عند النووي تبعا للرافعي في المحرر (٥)، فلو نوى غسل الجنابة والجمعة، فالمذهب أنه إذا نواهما حصلا نص عليه الشافعي، واستدل له بأن عمر زَقُولَّهُ كان يغتسل لهما غسلا واحداً. (١) بياض في الأصل وكملته من: الاستيعاب (٤/ الترجمة ٣١٣٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢٨٣/١ ترجمة ٣٢٦)، وتهذيب الكمال (٣٤/ الترجمة ٧٤٧٥). (٢) سبق تخريجه. (٣) كفاية النبيه (١ /٥١٠). (٤) التنبيه (ص ١٩)، وكفاية النبيه (١ / ٥١٠). (٥) المجموع شرح المهذب (٥٣٤/٤) روضة الطالبين وعمدة المفتين (٣٣٣/١) وانظر: حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب (٨٥/١). ٦٠٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فرع: لو نوى الجمعة والعيد، قال في الكافي (١): حصلا، وكذا لو نوى به الجنابة والجمعة والعيد يحصل الكل(٢)، وقد صححه النووي(٣) وغيره، والله أعلم، ذكره في مختصر الكفاية (٤)، قال صاحب تهذيب النفوس(٥): واختلف العلماء في بعض مسائل الغسل: فَالَّذِي يُوجِبُ اغْتِسَالَ الْحَيِّ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ إِيلَاجُ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي فَرْجٍ وَخُرُوِجُ الْمَنِيِّ وَالْخَيْضُ وَالنَّفَاسُ(٦). (١) هو كتاب الکافی في النظم الشافى في الفقه تصنیف محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان أبو محمد العباسي مظهر الدين الخوارزمي [المتوفى: ٥٦٨ هـ]، قال أبو سعد السمعاني: كان فقيها، عارفا بالمتفق والمختلف، صوفيا، حسن الظاهر والباطن. سمع الكثير على كبر السن، وعلق المذهب عن الحسن بن مسعود البغوي. وأفاد الناس بخوارزم، وألف تاريخ خوارزم . ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، قال الذهبي: توفي في رمضان سنة ثمان رحمه الله، وكان يعرف بالعباسي، وله ترجمة في تاريخ ابن النجار . انظر: تاريخ الإسلام (٣٩٨/١٢-٣٩٩)، وطبقات الشافعية (٢٨٩/٧)، وطبقات الشافعيين (٣٧٢/١- ٣٧٣). (٢) الكافى في النظم الشافى (لوحة ٤٤/أ/ مخطوط ٣٤٤٣ تشستربتى المجلد الأول)، وكفاية النبيه (١/ ٥١١). (٣) المجموع شرح المهذب (٤ / ٥٣٤). (٤) مختصر الكفاية (لوحة ١٢٦/ خ ٢١٧٥ الظاهرية). (٥) ينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام (١٧/١) التاج والإكليل لمختصر خليل (٤٤٥/١) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (١/ ٢١١) الكافي في فقه الإمام أحمد (١١٤/١) شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (٨٥/١). (٦) المجموع (٢/ ١٣١) والنجم الوهاج (٣٧٨/١). ٦٠٧ كتاب الجمعة أما إيلاج الحشفة فهو إدخالها بكمالها في فرج حيوان آدمي أو غيره قُبله أو دبره ذكر أو أنثى حي أو ميت صغير أو كبير(١)، هذا مذهب الشافعي؛ وعند أبي حنيفة: لا يجب في الإيلاج في البهيمة والميتة (٢)، وقد بين الشيخ أبو حامد فرج المرأة والتقاء الختانين (٣) - بَيَانًا شَافِيًا - ، فقال هو وغيره: خِتَانُ الرَّجُلِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ فِي حَالِ الْخِتَانِ وَهُوَ مَا دُونَ خُزَّةِ الْحَشَفَةِ وَأَمَّا خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْخَيْضِ وَالْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ ثَقْبٌّ مِثْلُ إِحْلِيلِ الرَّجُلِ هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَبَيْنَ هَذَا الثّقْبِ وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ وَفَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ مِثْلُ وَرَقَةٍ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ وَالشَّفْرَانِ تُحِيطَانِ بِالْجَمِيعِ فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ وَهِيَ خِتَانُ الْمَرْأَةِ، فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ المرأة مستقل وَتَحْتَهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ، فَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَإِذَا غَابَتْ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَالْمُحَاذَاةُ هِيَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ ، هذا كلام الغزالي (٤)؛ وقال النووي(٥): إذا أولج ذكره في قبل امرأة أو دبرها أو أو دبر رجل أو خنثى أو صبي أو في قبل بهيمة أو دبرها وجب الغسل بلا (١) المجموع (١٣٢/٢). (٢) المجموع (٢ / ١٣٦). (٣) زيادة من المجموع (٢/ ١٣١). (٤) إحياء علوم الدين (١/ ١٣٦). (٥) المجموع شرح المهذب (١٣٢/٢). ٦٠٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب خلاف، وسواء كان المولج فيه حيا أو ميتاً أو مجنوناً أو مكرها، ويجب على المولج والمولج فيه المكلفين، وعلى الناسي والمكره؛ وأما الصبي إذا ولج في امرأة أو دبر رجل أو أولج رجل في دبره فيجب الغسل على المرأة والرجل، وكذا إذا استدخلت امرأة ذكر صبي فعليها الغسل، ويصير الصبي في هذه الصور كلها جنبً، وكذا الصبية إذا أولج فيها رجل أو صبي، وكذا لو أولج صبي في صبي، وسواء في هذا الصبي المميز وغيره، فإذا صار جنبا لا تصح صلاته ما لم يغتسل، وَلَوْ أَوْلَجَ مَجْنُونٌ أَوْ أُولِجَ فِيهِ صَارَ جُنُبًا فَإِذَا أَفَاقَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ(١)؛ لَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ رَجُل وجب الغسل عليه وعليها سواء كان عَالِمًا بِذَلِكَ مُخْتَارًا أَمْ نَائِمًا أَمْ مُكْرَهًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي الْأُمِّ(٢)؛ واتفق عليه أصحابه، ولو استدخلت ذكراً مقطوعًا ففي وجوب الغسل عليها وجهان، ولا حد عليها بلا خلاف؛ وإذا استدخلت ذكر بهيمة لزمها الغسل كما لو أولج في بهيمة، صرح به أبو محمد الجويني وطائفة (٣)، وإذا كان المولج غير مختون فأولج الحشفة لزمهما الغسل بلا خلاف؛ ولو لفَّ على ذكره خرقة وأولجه حيث غابت الحشفة ولم يُنْزل، ففيه ثلاثة أوجه، أصحهما: يجب الغسل عليهما، لأن الأحكام [١٦/ ب] متعلقة بالإيلاج، وقد حصل؛ والثاني: لا يجب الغسل ولا الوضوء لأنه لم يلمس (١) المجموع (٢/ ١٣٣). (٢) ينظر: الأم للشافعي (١ /٥٢). (٣) المجموع (٢/ ١٣٣). ٦٠٩ كتاب الجمعة بَشَرَةً ، الثالث: إن كانت الخرقة غليظة تمنع اللذة لم يجب وان كان رقيقة لا تمنعها وجب(١). فال صاحب المهذب(٢): وإن كانت المرأة تغتسل من الحيض استحب لها إن تأخذ فِرْصة من المسك فتتبع بها موضع الدم لحديث عائشة نَظُوالتَّهَا فان لم تجد مسكا فطيبا غيره وهذا التطبيب متفق على استحبابه . قال البغوي (٣) وآخرون: تَأْخُذُ مِسْكًا فِي خِرْقَةٍ أَوْ صُوفَةٍ أَوْ قُطْنَةٍ وَنَحْوِهَا وَتُدْخِلُهَا فَرْجَهَا وَالنُّفَسَاءُ كَالْخَائِضِ فِي هَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وأصحابه قال الْبَنْدَنِيچِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغ ولها فإن لم تجد شيئا من الطيب تأخذ طينا أو نحوه لقطع الرائحة الكريهة فالمقصود بذلك تطييب المحل وتستعمل ذلك بعد الغسل لحديث عائشة في ذلك، واتفق العلماء على استحباب ذلك للمتزوجة وغيرها(٤). والعلماء متفقون على أنه لا يشرع الجهر بالنية وإنما النزاع بينهم في التكلم بها سراهل يكره أو يستحب(٥) اهـ. قال النووي: وَقْتُ نِيَّةِ الْغُسْلِ عِنْدَ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا بَعْدَهُ وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُهَا إِلَى الْفَرَاغِ كَالْوُضُوءِ فَإِنْ غَسَلَ (١) المجموع (٢/ ١٣٤). (٢) المهذب (١ / ٦٥) (٣) انظر: تفسير البغوي-طيبة (٢١٩/٢)، والمجموع (١٨٨/٢). (٤) المجموع (١٨٨/٢). (٥) جامع المسائل (المجموعة السابعة ص ٤٠٠- ٤٠١) لابن تيمية. ٦١٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بَعْضَ الْبَدَنِ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى أَجْزَأَهُ مَا غَسَلَ بَعْدَ النَّّةِ وَيَجِبُ إعَادَةُ مَا غَسَلَهُ قَبْلَهَا (١) اهـ. قال في الإلمام : فإذا أراد المغتسل الاغتسال استحب له أن يسمي الله تعالى وينوي استباحة الصلاة ويذكر ما قاله العلماء وتكفي النية بالقلب إجماعاً(٢) ويشرع الكلام على النية ويغسل كفيه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا للحديث ثم قال: ويبدأ المغتسل بعد غسل يديه خارج الحوض فيتوضأ وضوءه للصلاة ويبالغ في تخليل لحيته(٣) ولو اقتصر على النية وعمم بالماء جسده ورأسه أجزأ بعد أن يتمضمض ويستنشق(٤) قال صاحب المهذب(6): ولا يجب الترتيب في أعضاء المغتسل ولكن يستحب البداية بالرأس ثم بأعالى البدن وبالشق الأيمن والسنة أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه ويتوضأ وضوء الصلاة غير رجليه ثم يفيض الماء علي رأسه وسائر جسده ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل رجليه إذا كان قدماه في مستنقع الماء وان كان علي حجر أو آجرة فلا يؤخر غسلهما(٦) قال وأدنى ما يكفي من الماء الإغتسال صاع والمتوضئ مد وهذا ليس بتقدیر لازم بل إن کفاه أقل من ذلك نقص عنه وان لم يكف زاد (١) المجموع (٣٢١/١). (٢) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٤٩). (٣) الإلمام (ص ١٥١). (٤) الإلمام (ص ١٥٢). (٥) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (١/ ٦٤). (٦) المحيط البرهانى (٧٨/١). ٦١١ كتاب الجمعة عليه بحيث لا اسراف ولا تقتير (١) والمد رطل وثلث بالبغدادي واكثر ما قيل فى وزن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهما(٢) والصاع أربعة أمداد فمن نقص عن ذلك وأسبغ أجزاء ومن لم يكتف بذلك فقد اعتدى وأساء وظلم وللأحاديث في ذلك(٣)، والوضوء سنة في الغسل وليس شرط ولا واجب وبه قال العلماء كافة إلا ما حكى عن أبي ثور وداود الظاهري أنها شرطاه ونقل ابن جرير الإجماع(٤) الإجماع(٤) على أنه لا يجب ودليله أن الله تعالى أمر بالغسل ولم يشترط وضوءا، وقوله عَل لأم سلمة(٥) يكفيك أن تفيضي عليك الماء(٦) وأما وضوء وضوء النبي وَ لّ في غسله محمول على الإستحباب جمعا بين الأدلة. قال صاحب المهذب: وان كانت امرأة تغتسل من جنابة فغسلها كغسل الرجل قال النووي(٧): وقال الإمام أحمد: فإن كانت امرأة قد وجب عليها غسل جنابة أو حيض أو نحوه وهي لا تستطيع الاغتسال في البيت تعين عليها (١) انظر الحاوى (٢٣٢/١)، والتنبيه (ص ١٩)، والبيان (١/ ٢٥٧)، والمحيط البرهانى (٨٦/١)، والمجموع (١٨٩/٢)، والإلمام (ص ١٥٧). (٢) تحرير ألفاظ التنبيه (ص ١١٠)، والعدة (٨٠٦/٢). (٣) التنبيه (ص١٩)، وكفاية النبيه (٥٠٥/١ - ٥٠٦)، ومختصر الكفاية (لوحة ١٢٣ / مخطوط ٢١٧٥ ظاهرية) والإلمام (ص ١٥٧). (٤) الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٥) الإقناع لابن المنذر (٤٧/١)، والمجموع (٢ / ١٨٦). (٥) في الأصل أم سليم ووقع عنده بلفظ: يكفيك غسلك بالماء ولم أجد هذا اللفظ: والحديث الذي ذكرته أخرجه مسلم (٥٨-٣٣٠)، وابن ماجه (٦٠٣)، وأبو داود (٢٥١) و(٢٥٢)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي في المجتبى ٣٩٩/١ (٢٤٦). (٦) المجموع (٢/ ١٨٦) والإلمام (ص ١٦٧). (٧) ينظر: شرح النووي على مسلم (٢١٩/٣). ٦١٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الإتيان إلى الحمام ولا تمشي وسط الطريق فقد نهاهن النبي د عن تحقيق الطريق وان كن جماعة فلا تمشي الواحدة إلي جانب الأخرى بل تمشي واحده خلف واحدة بسكينة وانضمام من غير إظهار زينة أو طيب أو تبرج ومزاحمة للرجال كما يفعله كثير من نساء زماننا هذا(١) انتهى. [١٧ / أ]. فائدة: اجمع العلماء (٢) على ان الحيض يوجب الغسل وكذلك النفاس وذهب الأكثرون إلى أنها إذا انقطع دم الحيض لايقربها الزوج حتى تغتسل وقال أبو حنيفة واصحابه اذا انقطع دمها لأكثر مدة الحيض وهي عشرة أيام عندهم جاز وطئها عملا بقراءة التخفيف وان انقطع لأقل من عشرة لعادتها لم يجز وطئها إلا حين تأخذ حكما من أحكام الطاهرات كأن تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة (٣) وأجمع العلماء على أن الحيض والنفاس يوجبان الغسل نقله ابن المنذر وابن جرير (٤) وآخرون. ١٠٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة فاغتسل الرجل وَغسل رأسه ثمَّ تطيب من أطيب طيبه وَلبس من صَالح ثِيَابِه ثُمَّ خرج إِلَى الصَّلَاةِ وَلم يفرق بَيْن اثْنَيْنِ ثمَّ اسْتمع الإِمَام غفر لَهُ من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة وَزِيَادَةٍ ثَّلَاثَةُ أَيَّامِ رَوَاهُ ابْن ◌ُزَيْمَة فِي صَحِيحه(٥). (١) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ١٣٢). (٢) الإقناع لابن المنذر (١/ ٧٣). (٣) مختصر القدورى (١٩/١) والاختيار لتعليل المختار (٢٨/١). (٤) ينظر: الإجماع لابن المنذر (ص: ٣٣) والإقناع لابن المنذر (٧٣/١)، وتفسير الطبرى (٧٢٨/٣). (٥) ابن خزيمة (١٨٠٣)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٧٠٧). ٦١٣ كتاب الجمعة قَالَ الْحَافِظِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيل على مَا ذهب إِلَيْهِ مَكْحُول وَمن تَابعه فِي تَفْسِير قَوْله غسل واغتسل وَالله أعلم. قوله وعن أبي هريرة تقدم الكلام على أبي هريرة. قوله وَيّ: ((إذا كان يوم الجمعة فاغتسل الرجل وغسل رأسه ثم تطيب من أطيب طيبه)). تقدم الكلام على الباقي من الحديث. فرع: قال العلماء يختص بالرجال أما العجوز إذا حضرت الجمعة فلا يستحب لها ذلك بل يكره ويكره لها أيضا لبس الشهرة من الثياب(١). ١٠٥٧ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ◌َوَلَّهُ عَن رَسُول الله ◌ََّ قَالَ غسل يَوْم الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم وَسَاك ويمس من الطّب مَا قدر عَلَيْهِ رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيرِه (٢). قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام على ابي سعيد. قوله وَله: ((غسل الجمعة واجب علي كل محتلم)) أي بالغ مدرك، ولم يرد الذي احتلم فأجنب، لأن ذلك يجب عليه الغسل جمعة كان أو غيره، وإنما أراد الذي بلغ الحلم(٣). قال العلماء: أما من ذهب إلى وجوبه فاحتج بهذا الحديث وبقوله وقال﴾ في الحديث الأخر ((حَقُّ الله عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ أَيَّامٍ يَوْمًا (١) المجموع (٩/٥)، والنجم الوهاج (٣٢٨/٢). (٢) مسلم (٨٤٦). (٣) المجموع المغيث (١/ ٤٩٣). ٦١٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)(١). والحديث الآخر: ((مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ))(٢). اختلف العلماء في غسل الجمعة(٣) فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكي عن بعض الصحابة وبه قال أهل الظاهر وحكاه ابن المنذر عن مالك وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك والإمام أحمد في رواية عنه وحكاه شارح غنية شريح عن الشافعي في القديم واما من ذهب الى انه سنة وليس بواجب يُعْصَى بِتَرْكِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا أبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار (٤). وقال القاضي عياض(٥): وهو المعروف من مذهب مالك واصحابه واحتج من أوجبه بظواهر الأحاديث التي تقدمت، احتج أبو حنيفة والشافعي والجمهور باحاديث صحيحة منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب فقال عمر: أية ساعةٍ هذِه ؟ فقال: مازدتُ على أن سمعت النداء فتوضأت ثم جئت وقد ترك (١) أخرجه البخاري (٨٩٧ و٨٩٨) و(٣٤٨٧)، ومسلم (٩-٨٤٩) عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي في المجتبى ١٦٣/٣ (١٣٩٤) وابن حبان (١٢١٩) عن جابر. وصححه الألباني في الإرواء (١٧٣/١). وأخرجه ابن حبان (١٢٣٢) عن ابن عمر. وصححه الألباني في التعليق على الإحسان (١٢٢٩). (٢) أخرجه البخاري (٨٧٧) و(٨٩٤) و(٩١٩)، ومسلم (١ و٢ - ٨٤٤) عن ابن عمر. (٣) الاختيار لتعليل المختار (١٣/١) التاج والإكليل لمختصر خليل (٤٥٦/١) الأم للشافعي (١/ ٥٣) المجموع شرح المهذب (١٥٨/١) المغني لابن قدامة (٢٥٦/٢). (٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣). (٥) إكمال المعلم (٣٢٣/٣)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣). ٦١٥ كتاب الجمعة الغسل، وقد ذكره مسلم(١). وهذا الرجل هو عثمان بن عفان كما جاء مبينا في الرواية الأخرى، ووجه الدلالة ان عثمان فعله واقره عمر وحاضروا الجمعة وهم أهل الحل والعقد ولو كان واجبا لما تركه ولألزمه به، ومنها قوله وقلت : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)) (٢) حديث صحيح في السنن مشهور وفيه دليل على انه ليس بواجب (٣). قال الأصمعي(٤): معناه فبالسنة أخذ، وقوله: ونعمت يريد ونعمت الخصلة ونعمت الفعلة ونحو ذلك وإنما ظهرت التاء التي هي من علامة التأنيث لإضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة. (١) صحيح مسلم (٣-٨٤٥). ولفظه في مسلم: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِوَلَّه فَتَادَاهُ عُمَرُ: ((أَيَُّ سَاعَةٍ هَذِهِ؟)) فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: ((وَالْوُضُوءَ أَيْضًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ﴿ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ)). (٢) أخرجه أبو داود (٣٥٤) والترمذي (٥٠٣)، والنسائي (١٣٨٠)، وأحمد (٢٠٠٨٩) عن سمرة بلفظه، وجاء عن أنس أخرجه الطيالسي (٢١١٠)، وعبد الرزاق (٥٣١٢)، والبزار (٦٢٨-كشف الأستار)، وأبو يعلى (٤٠٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار( ١١٩/١)، وأبو القاسم البغوي في الجعديات (١٧٥٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣٠٧/٦)، والبيهقي (٢٩٦/١)، عن جابر بن عبد الله عند عبد الرزاق (٥٣١٣)، وعبد بن حميد (١٠٧٧)، والبزار (٦٢٩ - كشف الأستار). وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٦١٨٠). (٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٣). (٤) ينظر: الصحاح للجوهري (٢٠٤١/٥)، لسان العرب (٥٨٧/١٢). ٦١٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ومنها قوله وَل: ((لو اغتسلتم يوم الجمعة))(١). وهذا اللفظ يقتضى على انه ليس بواجب لأن تقريره أفضل لكان أفضل أو أكمل ونحو هذا من العبارات ولأنه غسل لأمر مستقبل فلم يجب كغسل العيد ، وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعا بين الأحاديث(٢). قال الخطابي رحمه الله تعالى(٣): قوله: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض واللزوم وإنما شبهه بالواجب تأكيدا كما يقال : فلان يجب علينا رعايته وكما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب علي وإنما [١٧/ ب] ذكر بهذا اللفظ مبالغة في الاستحباب لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب على تركه (٤) اهـ. ولأن القوم كانوا يلبسون الصوف ويعملون في المهنة وكان المسجد ضيقا متقارب السقف فإذا عرقوا تأذي بعضهم برائحة بعض فنبهم وَيَّة إلى الاغتسال بلفظ الوجوب ليكون ادعى للإجابة (٥)، وكان الحسن يراه لازما (١) أخرجه مسلم (٦- ٨٤٧)، والبُخَارِيّ أيضا (٩٠٢) و(٩٠٣) و(٢٠٧١)، عن عائشة . انظر جامع الأصول (٥٣٦٧). (٢) شرح النووي على مسلم (١٣٣/٦ - ١٣٤). (٣) ينظر: معالم السنن (١ / ١٠٦). (٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٣٤). (٥) شرح المصابيح (٣٣٦/١) ونحو هذا ذكره ابن عباس كما أخرجه أبو داود (٣٥٣) وابن خزيمة (١٧٥٥) عن عكرمة، أن أناسا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغسل يوم الجمعة واجبا؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس = ٦١٧ كتاب الجمعة وحكي ذلك عن مالك (١) يقال وجب الشئ أوجب وجوبا إذا ثبت ولزم والواجب والفرض عند الشافعي سواء وهو كل مايعاقب على تركه، فرق بينهما أبو حنيفة فالفرض عنده آكد من الواجب(٢) والله أعلم. قوله في الحديث: ويعملون في المهنة. قال الأصمعي (٣): المهنة بفتح الميم الخدمة ويقال مهنة بكسر الميم وكان القياس لو قيل مثل جلسة وخدمة إلا أنها جاءت على فعلة واحدة كذا في الفائق (4) ذكره شارح مشارق (٥) الأنوار (٥). عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف - إنما هو عريش-فخرج رسول الله وَ ﴾ في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا، فلما وجد رسول الله ولو تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق. حسنه الألباني في صحيح أبي داود (٣٨٠). (١) الأوسط (٤ / ٤١) ومعالم السنن (١٠٦/١). (٢) النهاية (١٥٢/٥-١٥٣). (٣) لسان العرب (١٣ /٤٢٤). (٤) الفائق (٣٩٤/٣). (٥) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٣٨٩/١). ٦١٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فصل يذكر فيه الأغسال المسنونة غسل الجمعة تقدم الكلام عليه، وفيمن يسن له أربعة أوجه، الصحيح المنصوص الذي عليه الجمهور أنه مسنون لكل من أراد الجمعة سواء الرجل والمرأة والصبي والمسافر والعبد وغيرهم لحديث ابن عمر أن النبي وَخلقه قال: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)). ولان المراد النظافة وهم في هذا سواء ولا يسن لمن لا يريد الحضور وان كان من أهل الجمعة لمفهوم الحديث ولانتفاء المقصود والله أعلم(١). اتفق الجمهور على أن غسل الجمعة والغسل من غسل الميت آكد الأغسال المسنونة وفي الآكد منهما قولان، احدهما: غسل الجمعة لاختلاف العلماء في وجوبه تمسكا بقوله وَّة: ((غسل الجمعة واجب على كل مسلم)) رواه مسلم(٢). وصححه النووي(٣) وهو الذي عليه اكثر الأصحاب أن غسل الجمعة افضل من غسل غاسل الميت، وإن كان حديث غسل الميت حسَّنه (٤) الترمذي (٤). (١) المجموع (٢/ ٢٠١)، والإلمام (ص ١٢٨). (٢) والبخاري أيضا كما في (٨٧٩) و (٨٩٥)، ومسلم (٨٤٦) (٥). (٣) أي صحح المسأله ولا يقصد قطعا تصحيح الحديث. (٤) سنن الترمذي (٩٩٣) وقال: سنن الترمذي ت بشار (٢/ ٣١٠) وقد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي وق لي وغيرهم: إذا غسل ميتا = ٦١٩ كتاب الجمعة وصححه ابن حبان(١)، قال الماوردي(٢): وقد خرج له بعض أصحاب الحديث مائة وعشرين طريقا لصحته، وتظهر فائدة القول فيما لو أوصى بماء لأحوج الناس فحضر مريد الجمعة ومن غسل ميتاً(٣). ا. هـ فإن عجز عن الماء تيمم كغيره وفيه احتمال لفوات الغرض، وعن الشافعي أنه قال(٤): ما تركته حضرا ولا سفرا ولو أن الشربة بدينار ويدخل وقت الغسل للجمعة بطلوع الفجر بخلاف غسل العيد فإنه يدخل بانتصاف الليل، والفرق أن العيد يفعل أول اليوم بخلاف الجمعة وكلما بعد العهد عادت الرائحة والأفضل أن يغسل للجمعة عند الرواح أي وقت كان، واشترط مالك الاتصال بين الغدو والرواح(٥). والثاني: الغسل من غسل الميت وصححه الرافعي لاختلاف قول الشافعي في وجوبه بخلاف غسل الجمعة فإنه لم يختلف في وجوبه (٦). فعليه الغسل. وقال بعضهم: عليه الوضوء. وقال مالك بن أنس: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبا، وهكذا قال الشافعي. وقال أحمد: من غسل ميتا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، وأما الوضوء فأقل ما قيل فيه وقال إسحاق: لا بد من الوضوء. وقد روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت. (١) صحيح ابن حبان (١١٦١). (٢) الحاوي (١/ ٣٧٧)، والنجم الوهاج (٤٨٩/٢). (٣) المجموع (٢٠٣/٢ - ٢٠٤) وكفاية النبيه (٨/٢-٩). (٤) ينظر: الأم للشافعي (٢١٧/١). (٥) المجموع (٢/ ٢٠٢). (٦) كفاية النبيه (٩/٢). ٦٢٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ومنها: غسل العيدين، ويسن الغسل للعيدين اتفاقًا سواء الرجال والنساء والصبيان. ومنها: غسل الكسوفين ومن المسنون الغسل لصلاة الخسوف وكسوف الشمس. ومنها: غسل الاستسقاء لانها أماكن يشرع فيها الإجتماع فسن فيها الغسل كغسل الجمعة(١). والغسل من غسل الميت لقوله وَّل﴾: ((من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (٢) لأنه ربما يلحقه رشاش الماء المغسول به الميت من موضع فيه النجاسة، أو ربما يعرق لخوفه ودهشة فيستحب له الغسل لإزالة العرق والنجاسة. فإن قلت: الغسل لإزالة النجاسة واجب؟ قلت: نعم، حيث تحقق النجاسة أما للاحتياط فلا يجب بل يستحب (٣) والله أعلم. ومنها: غسل الكافر إذا أسلم، أي: بعد أن أسلم تعظيما للإسلام، روي أنه وَخّ أمر قيس بن عاصم بن أثال أن يغتسل لما أسلم ولم [١٨ / أ] يوجبه لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم به، ولأن الإسلام توبة من معصية فلم يجب لها غسل كسائر المعاصي. ويستحب أن يغتسل بعد حلق رأسه لقوله وَاليه: ((ألق عنك شعر الكفر))(٤)، هذا إذا لم يكن أجنب في حال كفره، فإن أجنب (١) المجموع (٢٠٢/٢)، والإلمام (ص ١٢٥). (٢) أخرجه أبوداود (٣١٦٢)، والترمذي (٩٩٣)، وابن ماجه (١٤٦٣)، وابن حبان (١١٦١). (٣) المفاتيح (٤٥٤/١ -٤٥٥). (٤) أخرجه أبوداود (٣٥٦) وأحمد (١٥٤٣٢) وابن أبي عاصم في الأحاد والمثاني (٢٧٩٥) وحسّنه الألباني في إرواء الغليل (١٢٠/١).