Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
كتاب الجمعة
أبي حنيفة في مسجده العشاء ثم قام فافتتح الصلاة فقرأ حتى بلغ هذه الآية ﴿
فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم ﴾ فلم يزل يكررها ويبكي حتى أذن
المؤذن لصلاة الصبح؛ وقال علي بن عاصم: لو وزن عقل أبي حنيفة بنصف
عقل أهل الأرض لرجح بهم، وقال رجل لأبي حنيفة: اتق الله ! فانتفض أبو
حنيفة [٤ / أ] انتفاضة رجت كيانه صُرِع واصفر لونه وطأطأ رأسه، وقال: يا
أخي، نعم جزاك الله خيراً بها كذا قل لي، ما أحوج الناس من يقول لهم مثل
هذا كل وقت؛ وكان أبو حنيفة إذا سئل عن مسألة يقول: رب سلم رب سلم،
وكان يقول لولا الخوف من الله ما أفتيت، وأخوف ما أخاف من الفتوى
وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت:
كَفَى حَزَنًا أَنْ لا حَيَاةَ هَنِيَّةٍ وَلا عَمَلٌ يَرْضَى بِهِ اللهُ صَالِحٌ(١)
وقال عباد بن التمار(٢): رأيت أبا حنيفة في المنام فقلت: يا أبا حنيفة، إلى
ماذا صرت؟ قال: إلى سعة رحمة الله تعالى، قال: قلت: بالعلم، قال:
هيهات، للعلم شروط وآفات، وقل من ينجوا منها، قلت: فبم؟ قال: بقول
الناس فِيَّ مَا لَمْ أَكُنْ عَلَيْهِ ، وقيل: إن أبا حنيفة رأى رب العزة جل جلاله في
المنام تسعة وتسعين مرة، قال: فقلت في نفسي: إن رأيته تمام المائة لأسئلنَّه:
(١) ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (٢١٥/١٢). وكذلك ذكره
الصيمري في أخبار أبي حنيفة ص ٣٦ .
(٢) جامع بيان العلم وفضله (١ / ٧٠٥ رقم ١٢٦٧) لابن عبد البر، ومناقب الإمام أبي حنيفة
وصاحبيه (ص٥٢) وفيهما عباد التمار .

٥٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بم ينجو الخلائق من عذاب يوم القيامة؟ قال: فرأيته سبحانه وتعالى، فقلت:
يارب عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك، بم ينجو
عبادك يوم القيامة من عذابك، فقال سبحانه وتعالى: مَنْ قَالَ بِالْغَدَاةِ
وَالْعَشِيِّ: ((سُبْحَانَ الْأَبَدِيِّ الْأَبَدْ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدْ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ
الصَّمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ
جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ
يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوَّا أَحَدْ نَجَا مِنْ عَذَابِي))(١).
ذكر ابن رجب في كتابه اللطائف: أن رسول الله وَ ل كان يلبس للخروج
للعیدین أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها العيدين والجمعة، ومرة کان یلبس
بردين أخضرين، ومرة برداً أحمر، وليس هذا الأحمر مصمثا (٢) كما يظن
بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن برداً(٣)، وإنما هو بخطوط حمر
كالبرود اليمنية، فسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، وقيل: وقد صح عنه من
غير معارض النهي عن لبس المعصفر والأحمر، وأمر عبد الله بن عمرو لما
رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة
(١) ذكرها الدميرى في حياة الحيوان حكاية عن الإمام أحمد (٥٨/١)، وحكاها ابن عابدين
عن النجم الغيطى رواية عن الإمام أبي حنيفة (١ / ٥١).
(٢) مصمتًا: الثوب المصمت: هو الذي لا يخالط لونه لون. القاموس المحيط، ص١٩٩.
(٣) البُردُ: ثوب مخطط، القاموس المحيط، ص ٣٤١.

٥٢٣
كتاب الجمعة
الشديدة ثم يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهيته
كراهية شديدة(١)، أ. هـ، والله أعلم.
يستحب للإنسان أن يتزين في يوم الجمعة بأحسن ثيابه، ويستحب للإمام
أن يزيد على سائر الناس في الزينة لأنه المنظور إليه والمقتدى به، وينبغي أن
يتعمم ويرتدي كما كان النبي ◌ُّل يفعل؛ وأفضل الثياب البياض لقوله وَل :
((البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم)) رواه
الترمذي(٢)، فإن لبس مصبوغا فلا بأس؛ وفي الإحياء(٣): يكره له لبس
السواد، وفي باب الأمر بالمعروف: يكره ولا يستحب؛ وقال في الأحكام
السلطانية: ينبغي له لبس السواد (٤) والظاهر أنه أراد في زمنه وهي الدولة
العباسية فإنه كان شعارهم. قال النووي: والصحيح: أنه لا يلبسه إلا أن يظن
ترتب مفسدة على تركه. قال الشيخ عز الدين(٥): المواظبة على لبس السواد
(١) هذا كلام ابن القيم في زاد المعاد (٤٢٥/١-٤٢٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٧٨)، و(٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وابن ماجة (٣٥٦٦) من
حديث ابن عباس، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (١٨٩٦)، و(٥٣٢٢)، و(٥٣٢٣) من
حديث سمرة. وصحح الألباني حديثيهما في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠٢٦)،
و(٢٠٢٧).
(٣) الإحياء (١ / ١٨١) معناه.
(٤) الأحكام السلطانية (ص: ١٧١).
(٥) ينظر: المبسوط (١٩٩/١٠) تبيين الحقائق (٢٢٨/٦) حاشية الدسوقي (١ /٣٨٢) منح
الجليل (١/ ٤٣٦) مغني المحتاج (١/ ٥٦٣) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٤٧٥/٢)
الإقناع (٩٤/١) الإنصاف (١ / ٤٨٢) شرح منتهى الإرادات (١ /١٦٠) نيل الأوطار
=

٥٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بدعة، فإن منع أن يخطب إلا به فليفعل، قاله الكمال(١) والله أعلم. قال شارح
الإلمام: وأما لباس الخطباء السواد في الخطبة فجائز ولكن الأفضل البياض
وإنما لبس العمامة السوداء بيانا للجواز.
قوله وَيّ: ((ثم خرج حتى يأتي المسجد ثم يركع ما بدا له))، وفيه: أن التنفل
قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب؛ قال النووي(٢): وهو مذهبنا وهو
مذهب الجمهور؛ وفيه: أن النوافل المطلقة لا حد لها لقوله وَ ◌ّله في الحديث
الآخر: ((فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ))(٣)؛ وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد والطبراني:
((ثم ركع ما قضي له))(٤)، وفي رواية: ((ما كتب له))(٥) أي: ما رزقه الله من
=
(١١٧/٢).
(١) النجم الوهاج للدميري (٤٩٥/٢).
(٢) شرح صحيح مسلم (٦/ ١٤٦).
(٣) أخرجه مسلم (٨٥٧).
(٤) أخرجه أحمد (١٩٨/٥، رقم ٢١٧٧٧)، والطبراني كما في مجمع الزوائد (١٧١/٢) قال
الهيثمي: رواه أحمد والطبراني في الكبير عن حرب بن قيس عن أبي الدرداء وحرب لم
يسمع من أبي الدرداء.
(٥) إسناده صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان (٢٧٦٧). وابن خزيمة في
صحيحه (١٧٦٢). وعنده: يقول أبو هريرة: وثلاثة أيام زيادة، إن الله جعل الحسنة بعشر
أمثالها وأخرجه أبو داود في الطهارة (٣٤٣) والبغوي في شرح السنة (١٠٦٠) وفيها: وزاد
أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام. وصححه الحاكم (٨٣/١) ووافقه الذهبي. وانظر الحديث
(٦٤٨٦، ٦٥٤٩) في مسند أبي يعلى الموصلي وصححه الألباني في صحيح الجامع
الصغير وزيادته (١٠٤٨/٢).

٥٢٥
كتاب الجمعة
صلاة السنة. [٤/ ب].
لطيفة جليلة فيها بشرى: وقت استجابة الدعاء: روى الطبراني في كتاب
الدعاء(١) عن ابن عباس زَوِّهَا قال: قال رسول الله وَّهُ: ((مَنْ صَلَّى يَوْمَ
الْجُمُعَةِ عَشْرَ رَكَعاتٍ قَبْلَ خُروِجِ الإمام يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِاتِحَةَ الْكِتَابِ،
فَيَقُولُ فِي آخِرِهَا آمين، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، يَقْرَأُ فِي أَوَّلِ كُلِّ
رَكْعَةٍ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أثرٍ: ذَلِكَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ
لهِ، وَلاَ إِلهَ إِلَّ الله وَاللهُ أَكْبَرِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَمْ يَسْأَلِ الله عَزَّ وَجَلَّ
عَلَى أثر ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)).
قوله: (وَيّ: ((ولم يؤذ أحداً)) أي: بالتخطي، أي: وإذا حضر وقد سبقه القوم
لم يتخط إلا أن يأذن له القوم، أو يجد أمامه فرجة، فله التخطي إليها
بشرطين، الأول: أن يعلم أن من أمامه عند إقامة الصلاة، فإن علم أنهم
يتقدمون إليها لم يجز التخطي، قاله في الشامل؛ الثاني: أن لا يتخطى إلا صفا
أو صفين، فإن كان لا يصل إليها إلا بتخطي أكثر من صفين لم يجز، وطريقه
أن يصبر إلى إقامة الصلاة فيأمر من أمامه بالتقدم، فإن لم يتقدموا تقدم
لتقصيرهم بسد خلل الصفوف، فإن ضاق المسجد ولم يجد مكانًا يجلس
فيه أمر من أمامه بالتقدم، وكذلك يأمر كل صف من أمامه بالتقدم إلى الفُرَج،
فإن لم يتقدموا تخطوا وإن كانوا أكثر من صفين لتقصيرهم (١)، انتهى.
(١) الدعاء للطبراني (١٧٤٥) وأخبار الصلاة لعبد الغني المقدسي (١١٥).
(٢) القول التمام (ص ١٩٢).

٥٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تتمة: ينهى الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيرها، عن تخطى رقاب
الناس من غير ضرورة وظاهر كلام الأكثرين أنه كراهة تنزيه لا تحريم وإن
كان إماماولم يجد طريقا إلى المنبر والمحراب إلا بالتخطي لم يكره لأنه
ضرورة نص عليه الشافعى واتفق عليه الأصحاب، وإن كان غير الإمام ورأى
فرجة قدامهم لا يصلها إلا بالتخطي قال الأصحاب: لم يكره التخطي لان
الجالسين وراءها مفرطين بتركها وسواء وجد غيرها أم لا وسواء كانت قريبة
أم بعيدة لكن يستحب إن كان له موضع غيرها أن لا يتخطى وإن لم يكن
موضع وكانت قريبة بحيث لا يتخطى أكثر من رجلين ونحوهما دخلها وإن
كانت بعيدة ورجا أنهم يتقدمون إليها إذا أقيمت الصلاة يستحب أن يقعد
موضعه ولا يتخطى وإلا فليتخطّ (١).
فرع: مذهبنا أن التخطى مكروه إلا أن يكون قدامهم فرجة لا يصلها إلا
بالتخطي فلا يكره حينئذ وبهذا قال الأوزاعي وآخرون وحكى ابن المنذر
كراهته مطلقا عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعيد بن المسيب وعطاء
وأحمد بن حنبل، وعن مالك: كراهته، إذا جلس الإمام على المنبر ولا بأس به
قبله؛ وقال قتادة: يتخطاهم إلى مجلسه، وعن أبي نصر: جوازه بإذنهم؛ وقال
ابن المنذر (٢): لا يجوز شيء من ذلك عندي لأن الأذى يحرم قليله وكثيره كما
جاء في الحديث الصحيح قال النبي وَّ لمن يراه يتخطى: ((اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ،
(١) المجموع (٤/ ٥٤٦).
(٢) الإشراف على مذاهب العلماء (٢/ ١١٠).

٥٢٧
كتاب الجمعة
وَآَنَيْتَ)) (١): (وَآنَيْتَ) أي: أخرت المجيء؛ قاله في الديباجة.
فرع: قال الشافعي (٢): إذا قعد إنسان في الجامع في موضع الإمام ، أوفي
طريق الناس، أمر بالقيام، أ. هـ.
فرع آخر: لا يجوز أن يقيم الداخل رجلا من صفه لما روى الشيخان(٣)
عن ابن عمر عن النبي وَّ قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم
يجلس فيه)، ولكن يقول: ((تفسّحوا، أو توسّعوا))، أ.هـ.
قوله وَّ: ((ثم أنصت حتى يصلي))، وفيه: الإنصات للخطبة، قال القاضي
عياض(٤): قال الإمام مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات
للخطبة، أ.هـ. وليس مذهب الشافعي كذلك، وتقدم ذلك قريبا، قال: واختلفوا إذا
لم يسمع الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور(٥): يلزمه،
(١) أخرجه أحمد (١٩٠/٤) وابن خزيمة في صحيحه (١٨١١)، والحاكم ٢٨٨/١ من طريق
عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد. وقال الأخير: صحيح على شرط مسلم. وأخرجه
أبو داود في السنن (١١١٨)، والنسائي ١٠٣/٣، وابن الجارود في المنتقى (٢٩٤)،
والطحاوي ٣٦٦/١، وابن حبان (٢٧٩٠)، والطبراني في الشاميين (١٩٥٣)، والبيهقي
٢٣١/٣ من طرق عن معاوية بن صالح، به. وانظر: المجموع (٥٤٦/٤ -٥٤٧).
(٢) ينظر: روضة الطالبين (٤٧/٢-٤٨).
(٣) البخاري (٦٢٦٩)، مسلم (٢١٧٧). يراجع المجموع للنووي (٥٤٥/٤).
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٤٢/٣).
(٥) ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢٥٦/١) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني
(٣٦٨/١) حاشية الجمل على شرح المنهج = فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج
الطلاب (٢/ ٢) شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (٣٠٨/١).

٥٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال النخعي والإمام أحمد وأحد قولي الشافعي(١): لا يلزمه، والله أعلم.
١٠٣١ - وَعَن أبى الدَّرْدَاءِ رََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَّةِ ((من اغْتسل يَوْم
الْجُمُعَة ثمَّ لبس من أحسن ثِيَابِه وَمَسّ طيبا إِن كَانَ عِنْده ثمَّ مَشى إِلَى الْجُمُعَة
وَعَلِيهِ السكينَة وَلم يتخط أحدا وَلم يؤذه ثمَّ ركع مَا قضى لَهُ ثُمَّ انْتظر حَتَّى
يَنْصَرِف الإِمَام غفر لَهُ مَا بَيْن الجمعتين)) رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة
حَرْب عَن أبي الدَّرْدَاء وَلم يسمع مِنْهُ (٢).
قوله: وعن أبي الدرداء، تقدم الكلام عليه.
قوله وَيّ: ((من اغتسل يوم الجمعة، ثم لبس من أحسن ثيابه ومس طيبا إن
كان عنده)) تقدم الكلام على هذه الألفاظ في الحديث قبله.
قوله وَّة: ((ثم مشى إلى الجمعة وعليه السكينة)) الحديث، وفي حديث
آخر: وعليه السكينة والوقار. والوقار بفتح الواو؛ وقيل: إنه والسكينة بمعنى
واحد، وجمع بينهما تأكيدا، والظاهر: أن بينهما فرقا، هو أن السكينة التأني في
الحركات واجتناب العبث ونحوه؛ والوقار في غض البصر وخفض الصوت
والإقبال على طريقه وأمثاله، وهذا مستحب في الجمعة وغيرها لقوله وَيه:
(١) ينظر: المجموع شرح المهذب (٤٨٢/٤)
(٢) أحمد (٢١٧٢٩)، كما في مجمع الزوائد (١٧١/٢)، قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني
في الكبير عن حرب بن قيس عن أبي الدرداء، وحرب لم يسمع من أبي الدرداء. ضعفه
الألباني في ضعيف الترغيب (٤٢١).

٥٢٩
كتاب الجمعة
((إذا أتيتم الصلاة فلاتأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار)(١)
هذا إذا لم يضق الوقت، [٥/ أ] فإن ضاق .. ففي (الشرح)) و((الروضة))، لا
يبعد القول بالسعي، وقال في باب الصيد والذبائح: لا يكلف في هذه الحالة
زيادة على طبعه، وقال الماوردي في الإقناع: يمشي بالسكينة وإن ضاق
الوقت، قاله الكمال الدميري(٢)، والله أعلم.
١٠٣٢ - وَعَنِ عَطَاء الْخُرَاسَانِي ◌ََّهُ قَالَ كَانَ نُبَيْشَة الْهُدْلِيّ رََّّهُ يحدث
عَن رَسُول اللهِ وَّهِ إِن الْمُسلم إِذا اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ أقبل إِلَى الْمَسْجِد لَا
يُؤْذِي أحدا فَإِن لم يجد الإِمَام خرج صلى مَا بدا لَهُ وَإِن وجد الإِمام قد خرج
جلس فاستمع وأنصت حَتَّى يقْضِي الإِمَام جمعته وَكَلَامه إِن لم يغْفر لَهُ فِي
جمعته ◌ِتِلْكَ ذُنُوبِه كلهَا أَن يكون كَفَّارَة الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا، رَوَاهُ أَحْمد وَعَطَاء
لم يسمع من نُبَيْشَة فِيمَا أعلم (٢).
قوله: وعن عطاء الخراساني؛ هو: أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، ويقال:
أبو محمد، ويقال: أبو صالح، عطاء بن أبي مسلم، واسم أبي مسلم عبد الله،
ويقال: ميسرة الأزدي الخراساني البلخي، سكن عطاء الشام وهو مولى
المهلب بن أبي صفرة؛ وعطاء من التابعين الكبار؛ روى عن معاذ بن جبل
وكعب بن عجرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن السعدي مرسلاً،
(١) البخاري (٩٠٨)، مسلم (٦٠٢).
(٢) انظر: النجم الوهاج (٤٩٢/٢ -٤٩٣).
(٣) أحمد (٢٠٧٢١)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧١)، رواه أحمد ورجاله رجال
الصحيح، خلا شيخ أحمد وهو ثقة. ضعّفه الألباني في ضعيف الترغيب (٤٢٢).

٥٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وسمع ابن المسيب وابن جبير وعكرمة وأبا مسلم وأبا إدريس الخولاني
وعطاء بن أبي رباح وغيرهم؛ وهو من التابعين العباد، متفق على توثيقه؛
روينا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: ((كنا نغازي عطاء الخراساني
يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً، فَإِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُُّهُ نادى ونحن في
فساطيطنا: يا عبد الرحمن بن يزيد، ويا يزيد بن يزيد، ويا هشام بن الغاز،
قوموا فتوضؤا وصلوا، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب
الصديد ومقطعات الحديد، الوحا الوحاثم النجاء النجاء)) (١). النجاء بالقصر
التخلص، وكذا النجاة، وقد تمد فيقال نجاء.
قال الجوهري (٢): نجوت من كذا نجاء ممدودا ونجاة مقصوراً، ونجوت
أيضًا نجاء ممدوداً: أي أسرعت وسبقت وهو منصوب بفعل مضمر أي:
أنجو النجاء، أ.هـ.
قوله: كان نبيشة الهذلي يحدث عن رسول الله وَلخلو: ((إن المسلم إذا اغتسل
يوم الجمعة)) الحديث؛ قال الأصحاب: يستحب مع الاغتسال للجمعة أن
يتنظف بإزالة أظفار وشعر يحتاج إلى إزالتهما ووسخ ونحوه، وأن يتطيب
ويدهن ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كما تقدم، وأفضل ثيابه البيض كغيره، هذا
هو المشهور، وذكر الغزالي في الإحياء: كراهة لباس السواد، وقال مثله أبو
طالب المكي، وخالفهم الماوردي في الحاوي، ويجوز للإمام لبس البياض
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٣٤/١ - ٣٣٥ ترجمة ٤١٠). وتهذيب الكمال (١٠٦/٢٠).
(٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٦/ ٢٥٠١).

٥٣١
كتاب الجمعة
والسواد، قال: وكان النبي ◌َّيه والخطباء يلبسون البياض، واعتم النبي :
صَلىالله
عليية
وسلم
بعمامة سوداء(١)، قال: وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعارا
لهم؛ لأن الراية التي عقدت للعباس يوم فتح مكة ويوم خيبر كانت سوداء،
وكانت رايات الأنصار صفراً، قال النووي(٢): والصحيح أنه يلبس البياض دون
السواد إلا أن يغلب على ظنه ترتب مفسدة على ذلك من جهة السلطان أو غيره،
قال: وهذه السنن ليست مخصوصة بالجمعة بل يستحب لكل من أراد الجمع
من مجامع الناس أن يتزين ويتطيب، كذا نص عليه الشافعي، واتفق عليه
الأصحاب، وسواء في ذلك الرجال والصبيان والعبيد إلا النساء فيكره لمن
أرادت الحضور الزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة وإزالة
الظفر والشعور المكروهة، والله أعلم(٣)، قاله في الديباجة.
نبيشة: هو نبيشة بن عمرو بن عوف بن عبد الله الهذلي أبو طريف و قيل:
نبيشة الخير بن عبد الله، يكنى أبا طريف، سكن البصرة ومن مناقبه: أنه دخل
على النبي وَلّ وعنده أسارى، فقال: يا رسول الله، إِمَّا أَنْ تُفَادِيَهُمْ، وإِمَّا أَنْ
تَمُنَّ عَلَيْهِمْ، فقال: ((أَمَرْتَ بِخَيْرٍ، أَنْتَ نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ))(٤).
(١) صحيح مسلم (١٣٥٨).
(٢) المجموع شرح المهذب (٤ /٥٣٨).
(٣) المجموع شرح المهذب (٤ /٥٣٨).
(٤) أخرجه الحاكم (٥٢٤/٣) وانظر: أسد الغابة (٢٩٤/٥ ترجمة ٥١٩٨)، والإصابة
(٣٣١/٦).

٥٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
١٠٣٣ - وَعَن سلمَانِ رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّةِ لَا يَغْتَسل رجل يَوْم
الْجُمُعَة ويتطهر مَا اسْتَطَاعَ من الطّهُور ويدهن من دهنه ويمس من طيب بَيته
ثمَّ يخرج فَلَا يفرق بَيْن اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّ مَا كتب لَهُ ثُمَّ ينصت إِذا تكلم الإِمَام
إِلَّا غفر لَهُ مَا بَينه وَبَيْن الْجُمُعَة الْأُخْرَى، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ (١).
وَفِي رِوَايَة للنسائي ما من رجل يتَطَهَّرِ يَوْم الْجُمُعَة كَمَا أَمر ثمَّ يخرج من
بَيته حَتَّى يَأْتِي الْجُمُعَة وينصت حَتَّى بِقْضِي صلاته إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لما قبله من
الْجُمُعَةِ (٢) .
وَرَوَاهُ الطََّانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِ حسن نَحْو رِوَايَة النَّسَائِيّ وَقَالَ فِي آخِره
إِلَّا كَانَ كَفَّارَة لما بَيْنِهِ وَبَيْنِ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى مَا اجْتنبت المقتلة وَذَلِكَ الدَّهْرِ
◌ُله (٣).
وعن سلمان، تقدم الكلام على سلمان.
قوله وَالله: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من الطهور))
المراد بهذا الطهور: قص الشارب وقلم الأظفار وحلق العانة ونتف الإبط
وتنظيف الثياب (٤).
(١) البخاري (٨٨٣).
(٢) النسائي في الكبرى (١٦٦٤)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٩).
(٣) الطبراني في الكبير (٦٠٨٩)، والنسائي في الكبرى (١٦٦٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢/ ١٧٤)، إسناده حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٩).
(٤) المفاتيح شرح المصابيح لـ الحسين بن محمود بن الحسن، مظهر الدين المظهري
(٣٢١/٢).

٥٣٣
كتاب الجمعة
(قوله:) ((ويدهن من دهنه)) أي: يستعمل الدهن في شعره، وأراد الدهن
الذي فيه طيب(١) (قوله) ويمس من طيب بيته، قيد بطيب بيته ليؤذن بأن
السنة أن يتخذ الطيب لنفسه ويجعل استعماله عادة له، فيدخر في البيت(٢).
قوله: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، هذا كناية عن التبكير أي: عليه أن
[٥/ ب] يبكر فلا يتخطى رقاب الناس(٣)، والله أعلم.
ويجوز في ((یمس)) فتح المیم وضمها.
قوله وَّة: ((ثم ينصت إذا تكلم الإمام)) فيه: دليل على وجوب الإنصات
والنهي عن الكلام، إنما هو في حال الخطبة؛ قال النووي(٤): وهذا مذهبنا
ومذهب مالك والجمهور؛ وقال الإمام أبو حنيفة: يجب الإنصات بخروج
الإمام، والله أعلم.
١٠٣٤ - وَرُوِيَ عَن عَتيق أبي بكر الصّديقِ وَعَن عمران بن حُصَيْن
◌َ اللّهَيَا
أضِوعِ
قَالَا قَالَ رَسُول الله ◌َّ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة كفرت عَنْهُ ذُنُوبِه وخطاياه فَإِذا
أَخذ فِي الْمَشْي كتب لَهُ بِكُل خطْوَة عشرُون حَسَنَةٍ فَإِذا انْصَرف من الصَّلَاة
أُجِيزِ بِعَمَل مِاتَتَي سنة رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير والأوسط (٥).
(١) شرح المصابيح لابن الملك (٢٢٨/٢).
(٢) شرح المشكاة (١٣٧٣/٤).
(٣) شرح المشكاة (٤/ ١٣٧٣).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٣٩/٦).
(٥) الطبراني في الأوسط (٤٤١٣)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٤/٢)، فيه الضَّحَّاكُ بْنُ
حُمْرَةَ، ضعفه ابن معين والنسائي. والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٧/٣، رقم ٣٠٢٠).
=

٥٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَفِي الْأَوْسَط أَيْضا عَن أبي بكر رََّهُ وَحده وَقَالَ فِيهِ : كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة
عمل عشرين سنة (١).
قوله: وروى عن عتيقٍ أبي بكر الصديق، اسمه: عبد الله، وسمى عتيقا
لعتاقة وجهه، والعتيق الحسن، كأنه أعتق من الذم والعيب؛ وقيل: سمى
عتيقا لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد، فنذرت إن ولد لها أن تسميه عبد
الكعبة، وتتصدق به عليها، فلما عاش وشب سمى عتيقا كأنه أعتق من
الموت (٢)، وكان زَقْرَهُ يسمى أيضاً عبد الكعبة إلى أن جاء الإسلام فسماه
رسول الله وَالله عبد الله؛ وقيل: سمى عتيقا لأن رسول الله وَل قال له حين
الإسلام: ((أنت عتيق من النار))(٣)؛ وقيل: كان لأبيه ثلاثة من الولد: مُعتِقٍ
ومُعَيْتِقٍ وعَتيق وهو أبو بكر؛ وسئل ابن معين عن اسم أم أبي بكر، فقال: أم
الخير عند اسمها (٤).
وأورده الدارقطني في العلل (١/ ٢٦٠، رقم ٥٣). وقال الألباني في ضعيف الترغيب
(٤٢٣): موضوع .
(١) الطبراني في الأوسط (٣٣٩٧).
(٢) انظر: مشارق الأنوار (٦٦/٢)، ومطالع الأنوار (٣٧٥/٤)
(٣) أخرجه الترمذي (٣٦٧٩) وقال: هذا حديث غريب وابن وهب في جامعه (١٤٤/١)
والطبراني في الكبير (٥٣/١-٩) انظر: أسد الغابة (٢٠٥/٣)، والحاكم (٥٦١١/٤٢٤/٣)،
وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦٠/٢٢/١).
(٤) انظر: الاستيعاب (٩٦٣/٣) وألقاب الصحابة (ص ٧٥) للغسانى وتاريخ دمشق
(٢٤/٣٠). وانظر: الروض الأنف ت.السلامي (٢٩٣/٢).

٥٣٥
كتاب الجمعة
وهي أم الخير بنت صخر بن عمرو، بنت عم أبي قحافة، واسمها سلمى،
وتكنى أم الخير، وهي من المبايعات؛ وَأَمّا أَبُوهُ عُثْمَانُ أَبُو قُحَافَةَ فَأُمَّهُ قَيْلَةُ
- بِيَاءِ بِاثْنَيْنِ مَنْقُوطَةٍ مِنْ أَسْفَلَ - (١).
قوله: وعمران بن حصين، وهو: أبو نجيد بضم النون وفتح الجيم عمران
بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي البصري، أسلم هو وأبو هريرة زَّ
اللّهِ وَمَا
عام خيبر سنة سبع من الهجرة؛ روى له عن رسول الله وَ لاه مائة وثمانون
حديثا اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بتسعة، فنزل البصرة
وكان قاضيها؛ استقضاه عبد الله بن عامر إياها ثم استعفى فأعفاه بها سنة
اثنتين وخمسين؛ وكان الحسن البصري يحلف بالله: ما قدم البصرة راكب
خير لهم من عمران؛ وغزى مع رسول الله وَّةِ غزوات، وبعثه عمر بن
الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة؛ واختلف
العلماء في والد عمران(٢)، هل أسلم وله صحبة أم لا؟ قال ابن الجوزي في
التنقيح (٣): الصحيح أنه أسلم، ويؤيد ما قاله أن الترمذي روى في كتابه في
جامع الدعوات بإسناده عن عمران بن حصين قال: قال النبي وَّ لأبي: ((يا
حصين! كم تعبد اليوم إلاها؟)) قال: سبعة، ستة في الأرض وواحد في
السماء، قال: ((فأيهم تعُدَّ لرغبتك ورهبتك؟)) قال: الذي في السماء، قال: ((يا
(١) انظر: نسب قريش (ص ٢٧٥)، والطبقات (ص ٣٩٦/ متمم الصحابة)، وانظر: أسد الغابة
ت (٧٤٣٦)، الاستيعاب ت (٣٦٠٦)، الروض الأنف (٢/ ٣٩٤).
(٢) البداية والنهاية (٨/ ٢٦٦) عند قوله وفيها توفي عمران بن حصين
(٣) انظر: تلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي (ص ١٣٠). ونقل عنه النووي في تهذيب
الأسماء واللغات (٣٦/٢).

٥٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حصین، أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتین ینفعانك)) فلما أسلم، قال: يا
رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: ((قل: اللهم ألهمني رشدي
وأعذني من شر نفسي)) قال الترمذي: حديث حسن غريب(١). (٢).
قوله : (من اغتسل يوم الجمعة کفرت عنه ذنوبه و خطاياه)) تقدم الكلام
على الغسل، وتقدم الكلام أيضا على تكفير الذنوب والخطايا، وأن المراد بذلك
الصغائر دون الكبائر؛ فإن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة أو عفو الله سبحانه وتعالى.
قوله وَلّ: ((فإذا أخذ في المشي كتب له بكل خطوة عشرون حسنة)) تقدم
الكلام على الخطوة في الصلاة.
١٠٣٥ - وَعَن أَوْس بن أَوْس الثَّقَفِيّ ◌َهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللّهِ وَّ
يَقُول من غسل يَوْمِ الْجُمُعَة واغتسل وَبكر وابتكر وَمَشى ولم يركب ودنا من
الإِمَامِ فاستمع وَلم يلغ كَانَ لَهُ بِكُل خطْوَة عمل سنة أجر صيامها وقيامها،
رَوَاهُ أَحْمدٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن
خُزَيْمَة وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمِ وَصَححهُ (٣).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٥/٢ -٣٦ ترجمة ٤٦٣).
(٢) انظر: سنن الترمذي (٣٤٨٣) والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (٢٣٥٥) ومسند البزار
(٣٥٨٠) ومسند الروياني (٨٥) والمعجم الأوسط (١٩٨٥) والأسماء والصفات للبيهقي
(٨٩٤) وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٣٤٨٣).
(٣) أحمد (١٦١٧٣)، وأبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي (٢٧٦٠)، وفي الكبرى
(١٧٢٩)، وابن ماجه (١٠٨٧)، وابن خزيمة (١٧٥٨)، وابن حبان (٢٧٨١)، وصححه
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٠).

٥٣٧
كتاب الجمعة
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس(١).
قَالَ الْخطابِيّ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَالسَّلام: ((غسل واغتسل وَبكر وابتكر))
اخْتلف النَّاس فِي مَعْنَاهُ فَمنهمْ من ذهب إِلَى أَنْه من الْكَلَام المتظاهر الَّذِي
يُرَاد بِهِ التوكيد وَلم تقع الْمُخَالفَة بَين المعْنيين لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ وَقَالَ: أَلا
ترَاهُ يَقُول فِي هَذَا الحَدِيث وَمَشى ولم يركب ومعناهما وَاحِد وَإِلَى هَذَا ذهب
الْأَثْرَمِ صَاحب أَحْمِد وَقَالَ بَعضهم قَوْله غسل مَعْنَاهُ غسل الرَّأْسِ خَاصَّة
وَذَلِكَ لِأَن الْعَرَبِ لَّهُم لمَم وشعور وَفِي غسلهَا مُؤْنَة فَأَرَادَ غسل الرَّأْس من
أجل ذَلِك وَإِلَى هَذَا ذهب مَكْحُول وَقَوله: واغتسل مَعْنَاهُ غسل سَائِرِ الْجَسَد
وَزعم بعضهم أَن قَوْله غسل مَعْنَاهُ أَصَاب أَهله قبل خُرُوجه إِلَى الْجُمُعَة
ليَكُون أملك لنَفسِهِ وأحفظ فِي طَرِيقه لبصره وَقَوله: وَبكر وابتكر زعم
بَعضهم أَن معنى بكر أدْرك باكورة الْخطْبَة وَهِي أَولهَا وَمعنى ابتكر قدم فِي
الْوَقْت وَقَالَ ابْنِ الْأَنْبَارِي معنى بكر تصدق قبل خُرُوجِه وَتَأَول فِي ذَلِك مَا
رُوِيَ فِي الحَدِيث من قَوْله ◌َّ باكروا بِالصَّدَقَةِ فَإِن الْبَلَاء لَا يتخطاها(٢).
وَقَالَ الْحَافِظِ أَبُو بكر بن خُزَيْمَة من قَالَ فِي الْخَبَر غسل واغتسل يَعْنِي
بِالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُ جَامع فَأوجب الْغسْلِ على زوجته أَو أمته واغتسل وَمن قَالَ
(١) الطبراني في المعجم الأوسط (٤٤١٤)، والبزار في المسند (٦٣١)، قال الهيثمي
(١٧٢/٢)، وفيه عطاء بن عجلان وهو كذاب، قلت: قال في التقريب: متروك، بل أطلق
عليه ابن معين والفلاس وغيرهما الكذب.
(٢) معالم السنن (٢١٣/١)، وانظر ضعيف الجامع (٢٣١٧).

٥٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
غسل واغتسل يَعْنِي بِالتَّخْفِيفِ أَرَادَ غسل رَأْسه واغتسل فضل سَائِرِ الْجَسَد
لخَبرِ طَاوس عَن ابْن عَبَّاس(١).
ثُمَّ روى بِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ إِلَى طَاوس قَالَ قلت لِبْنِ عَبَّاس زَعَمُوا أَن رَسُول
الله ◌ٌَّ قَالَ اغتسلوا يَوْم الْجُمُعَة واغسلوا رؤوسكم وَإِن لم تَكُونُوا جنبا وَمَسُّوا
من الطّيب قَالَ ابْن عَبَّاس أما الطّيب فَلَا أَدْرِي وَأما الْغسْلِ فَنعم(٢).
قوله: وعن أوس بن أوس الثقفي؛ قال يحيى بن معين: أوس بن أوس،
ويقال أويس بن أبي أوس وقال البخاري(٣): أوس بن أوس، وأوس بن أبي
أوس، وأوس بن حذيفة، الثلاثة اسم لرجل واحد، ووافقه جماعة، وخالفه
بعضهم فجعلوهم ثلاثة (٤)، نزل أوس هذا دمشق، وداره بها في درب
وقبره بها؛ روى حديثين في الجمعة: ((من غسل واغتسل))(٦) وحديث: ((أكثروا
(١) ابن خزيمة (٢٣٩/٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٩٢).
(٢) ابن خزيمة (١٢٩/٣ رقم ١٧٥٩) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٩٢) وأخرجه
البخاري (٨٨٥).
(٣) التاريخ الكبير للبخاري (١٥٣٩).
(٤) ممن خالفه الحافظ ابن حجر في التقريب فقال: أوس بن أوس الثقفي صحابي سكن
دمشق. وأوس بن أبي أوس، واسم أبي أوس حذيفة الثقفي صحابي أيضً، وهو غير
الذي قبله على الصحيح اهـ. التقريب (٥٧٧، ٥٧٨).
(٥) قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٩٨/٩): ودار أوس بن أوس في درب القبلي مما يلي
سوق الدقيق.
(٦) وأخرجه النسائي في الكبرى (١٧٢٩)، مسند أحمد (١٦١٧٢)، وابن خزيمة (١٧٥٨) الحاكم
٢٨١/١ - ومن طريقه البيهقي ٢٢٧/٣، والحديث حسنه النووي في الخلاصة (٧٧٥/٢).

٥٣٩
كتاب الجمعة
من الصلاة علي في يوم الجمعة))(١) وحديثا في الصيام (٢).
قوله وَّ: ((من غسل يوم الجمعة [٦/أ] واغتسل)) الحديث، قد فسره
الحافظ رحمه الله(٣)، ويروى: ((عسَّل)) بعين مهملة وبالتشديد، ومعناه:
كالذي قبله، ومعنى بكّر: أتى الصلاة في أول وقتها وكل من أسرع إلى شيء
فقد بكر إليه. وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته،
وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه، وقيل معنى اللفظتين واحد، فعل
وافتعل، وإنما كرر للمبالغة والتوكيد، كما قالوا جاد مجد ومنه الحديث: (لا
تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب))(٤) أي: أدوها أول وقتها،
والحديث الآخر: ((بكروا بالصلاة في يوم الغيم))(٥) الحديث، أي: حافظوا
(١) أخرجه ابن ماجه (١٠٨٥) و (١٦٣٦) وأبو داود (١٠٤٧) و (١٥٣١)، والنسائي في
المجتبى (١٣٧٤)، وفي الكبرى (١٦٦٦)، مسند أحمد (١٦١٦٢) وابن أبي عاصم في
الآحاد والمثاني (١٥٧٧)، وابن خزيمة (١٧٣٣) و (١٧٣٤)، وابن حبان (٩١٠).
والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود-الأم (٤/ ٢١٤).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٢٩/١ ترجمة ٧٩).
(٣) أى المنذرى.
(٤) أخرجه مطولاً ومختصراً أحمد (١٧٣٢٩) و (٢٣٥٣٤) و (٢٣٥٣٥) و (٢٣٥٨٢)،
والدولابى في الكنى ١٥/١، والطبراني (٤٠٨٣)، والحاكم ١٩٠/١، والبيهقي ٣٧٠/١
والشاشي في مسنده (١١٢٩)، والطبراني (٤٠٥٨)، والدارقطني (١٠٢١) وصححه
الألباني في صحيح أبي داود-الأم (٢/ ٢٩٠).
(٥) أخرجه ابن ماجه (٦٩٤)، وابن المنذر في الأوسط ٣٦٦/٢ و٣٨١، وابن حبان (١٤٧٠)،
(١٤٧٠)، وابن بطة في الإبانة (٨٨٤)، والبيهقي ١ /٤٤٤، والخطيب في موضح أوهام

٥٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليها وقدموها، قاله في النهاية(١)،وقوله فى آخره: وزعم بعضهم أن قوله:
((غسل)) معناه: أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة ليكون أملك لنفسه
وأحفظ في طريقه لبصره (٢)؛ وقال بعضهم: والحكمة في المجامعة أن يذهب
غاضا بصره إلى الجامع الانكسار شهوته بجماع أهله(٣)، فصلوات الله على
من أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم.
قوله ◌َّلة: ((بكر وابتكر)) قد فسره الحافظ (٤) رحمه الله: فمنهم من ذهب إلى أنه
من الكلام المظاهر الذي يراد به التوكيد ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف
اللفظين. وقال ألا تراه يقول في هذا الحديث ومشى ولم يركب ومعناهما واحد،
وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد وقيل: أول بدعة ظهرت: ترك التبكير إلى
الجامع يوم الجمعة غير أنه يستثنى من ذلك الإمام، فلا يستحب له التبكير بل:
یأتي حین یصعد المنبر کما کان یفعله النبي ټێ﴾ ویستثنى من له عذر من مرض
ونحوه، ولا يكره له الركوب إليها، هذا في الذهاب إليها؛ أما العود منها فصرح
الرافعي وغيره بأن المشي فيه لا يستحب بل يكون مخيرا فيه إذا لم يحصل من
الركوب ضرر مستدلين بأن العبادة قد انقضت، والصواب: أن الذهاب كالعود
الجمع والتفريق ٢/ ٢٥٧، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد ١٤٥/٣، والحديث ضعفه
الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته (٢٣٤٣).
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١ / ١٤٨).
(٢) غريب الحديث (١/ ٢٨٩) لابن قتيبة، ومعالم السنن (١٠٨/١).
(٣) انظر: النهاية (٣٦٧/٣)، وتهذيب الأسماء واللغات (٦٠/٤)، والمفاتيح (٣٢٤/٢).
(٤) أى المنذرى.