Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١ كتاب الصلاة الأمور والتبرى من الحول والقوة ومعرفة الحق لأهل (١). وقوله: كما يعلمنا السورة من القرآن يدل على التأني في تعليم السنن (٢). آخر الجزء الأول علقه مؤلفه سامحه الله وأعانه على تكملة الباقي [بياض بالأصل]، انتهى ما وجد منه سالما من البتر والتحريق بحمد الله تعالى وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما على يد كاتبه عبيد ربه سبحانه وتعالى محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدلائي، ختم الله له بالحسنى ولطف به في الدارين منتصف رجب الفرد عام عشرين ومائتين وألف، ونسأله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. (١) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف. (٢) بياض في الأصل بمقدار سطر ونصف. ٥٠٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب كتاب الجمعة الترغيب في صلاة الجمعة والسعي إليها وما جاء في فضل يومها وساعتها الجمعة: يقال بضم الجيم والمیم وإسکانها وفتحها ثلاث لغات، حكاهن الواحدي(١)(٢) عن الفراء (٣)، وهي أشهرهن، وبها قرأ القراء السبعة (٤)، والإسكان قراءة الأعمش(6)(٦) وهو تخفيف من الضم وفتح الميم، حكاه في المحكم(٧)، ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس، ويكثرون فيها، كما يقال: (١) هو أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الإمام المفسر الكبير، الشافعي، كان واحد عصره في زمانه في التفسير، ومن تصانيفه: التفسير الوسيط، والبسيط، والوجيز، وأسباب النزول، وغيرها، وتوفي سنة (٤٦٨هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٣٣٩/١٨)، طبقات الشافعية الكبرى (٢٤٠/٥)، طبقات المفسرين العشرين (ص: ٧٨). (٢) ينظر: التفسير البسيط (٤٥٣/٢١). (٣) وهو: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي مولاهم، الكوفي، النحوي، صاحب الكسائي. العلامة، صاحب التصانيف، ومنها: معاني القرآن، وكتاب اللغات، وغير ذلك الكثير، وتوفي سنة (٥٢٠٧) بطريق مكة. ينظر: تاريخ بغداد (٢٢٤/١٦)، إنباه الرواة على أنباه النحاة (٧/٤)، سير أعلام النبلاء (١١٨/١٠). (٤) ينظر: الإقناع في القراءات السبع (ص: ٣٨٤)، إتحاف فضلاء البشر (ص: ٥٤٢). (٥) هو: أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي، الكاهلي مولاهم، الكوفي، الحافظ، الإمام، شيخ المقرئين والمحدثين، ومع إمامته إلا أنه كان مدلسًا، وتوفي سنة (١٤٧ أو ٥١٤٨). ينظر: تاريخ بغداد (٥/١٠)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٢/ ٧٦). (٦) ينظر: شواذ ابن خالويه (ص: ١٥٧)، شواذ القراءات للكرماني (ص: ٤٧٣). (٧) المحكم والمحيط (مادة-جمع) (١ / ٣٥٠). كتاب الجمعة ٥٠٣ همزة ولمزة لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك؛ وجمعها: جمعات وجُمع؛ والفتح لغة بني عقيل(١)، وقال الزمخشري(٢): قرأ في الشواذ باللغات الثلاث(٣)، والمشهور أن سبب تسميتها جمعة: لاجتماع الناس إليها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأنه جمع فيه خلق آدم،فَلَامن (٤)؛ والجمعةُ خصيصة خص الله بها هذه الأمة، ووجه فضيلة يوم الجمعة: انبعاث الخيرات فيه من النبوة والعبادة والقيام بحق الأهلية وحصول الكمال فيه حيث نزل فيه ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾(٥) الآية، وفيه: وجدت التوبة، وفيه: قيام الساعة، واجتماع الخلائق، وفيه: ساعة الإجابة. (١) بنو عقيل: اسم قبيلة من العدنانية، تنتسب إلى عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ومن أشهر بطونهم: بنو خفاجة. ينظر: جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (٢٩٠/١)، قلائد الجمان (ص: ١١٩). (٢) هو: أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد بن أحمد، الخوارزمي، الزمخشري المفسر، اللغوي النحوي، كان من علماء المعتزلة، وله تصانيف عدة؛ منها: الكشاف في تفسير القرآن، والفائق في غريب الحديث، وربيع الأبرار ونصوص الأخبار، وغير ذلك، وتوفي سنة (٥٥٣٨). ينظر: معجم الأدباء (٢٦٨٧/٦)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (١٦٨/٥)، سير أعلام النبلاء (١٥١/٢٠)، طبقات المفسرين، للسيوطي (ص: ١٢٠). (٣) كذا هنا، ولفظ الزمخشري الذي جاء في تفسيره (٥٣٢/٤): ((ويوم الجمعة، بفتح الميم: يوم الوقت الجامع، كقولهم: ضحكة، ولعنة، ولعبة ويوم الجمعة تثقيل للجمعة، كما قيل: عسرة في عسر. وقرئ بهنّ جميعًا)). (٤) ينظر: معاني القرآن، للنحاس (٢٤٥/٦)، التفسير البسيط (٤٥٣/٢١). (٥) سورة المائدة، الآية: ٣. ٥٠٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والجمعة واجبة على الأعيان، من تركها تهاونا بها طبع على قلبه، وقد وهم بعض العلماء فقال: هي على الكفاية (١)؛ وعند الحنفية(٢) قول بالتخيير بينها وبين الظهر، ويرد ذلك قوله عَليَّلاة): ((الجمعة واجبة على كل مسلم [فى جماعة](٣) إلا أربعة)) (٤) الحديث، قاله شارح الإلمام(6)؛ وأول من سماها (١) هو وجه عند الشافعية بخلاف الأظهر في المذهب. وينظر تفصيل المسألة في: التهذيب في فقه الشافعي (٢٤٥/٢)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٥٤٢). (٢) ينظر: مختصر القدوري (ص: ٤٠)، المبسوط، السرخسي (٣٢/٢)، الهداية في شرح البداية (١ / ٨٣). (٣) بياض في المخطوط أكملناه من المطبوع. (٤) أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والطبراني في الكبير (٨٢٠٦/٣٢١/٨)، والحاكم (١٠٦٢)، والبيهقي في الكبرى (٢٤٦/٣)، بلفظ: ((الجمعةُ حق واجبٌ على كل مسلم في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)). وقال الألباني: إسناده صحيح. انظر: صحيح أبي داود (٢٣٢/٤). (٥) ألف ابن دقيق العيد عدة كتب منها: االإلمام بأحاديث الأحكام، والإمام في معرفة أحاديث الأحكام، الإمام في شرح الإلمام، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة (٨٠): والإمام في أحاديث الأحكام ومختصره الإلمام بأحاديث الأحكام كلاهما لتقي الدين أبي الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع المعروف: بابن دقيق العيد المالكي الشافعي المتوفى: في صفر سنة اثنتين وسبعمائة، جمع فيها الأحاديث المتعلقة بالأحكام ثم شرح بعضا من المختصر شرحا عظيما برع فيه سماه: الإمام في شرح الإلمام كما شرحه أيضا جماعة من الأئمة، قال الذهبي: ولو كمل تصنيف الإمام وتبييضه لجاء في خمسة عشر مجلدا. وقال الزركلي في الأعلام (٢٨٣/٦): له تصانيف، منها (إحكام الأحكام-ط) مجلدان، في الحديث، و (الإلمام بأحاديث الأحكام-ط) صغير، و(الإمام في شرح الإلمام-خ) الجزء الأول منه، في الأزهرية، من نحو ٢٠ جزءا، ويقال أنه لم يتمه. راجع للتفاصيل: الإمام في معرفة أحاديث الأحكام بتحقيق الدكتور / سعد الحميد (٢٣/١-٣١). كتاب الجمعة ٥٠٥ جمعة: كعب بن لؤي(١)، وهو أول من جمع الناس بمكة وخطبهم، وبشر بمبعث رسول الله وَّله، وحض على إتباعه(٢)؛ وأما أول جمعة جمعها النبي وَ ظله بأصحابه، فقال أهل السير والتواريخ (٣): قدم النبي ◌َّ يوم الاثنين فنزل على بني عمرو بن عوف (٤)، وأقام بقباء(٥) إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركته الجمعة في مسجد بني سالم بن عوف (٦) في بطن واد لهم، قد اتخذ القوم في ذلك الوادي مسجداً، (١) هو: كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، أبو هصيص، وهو الجدُّ الجاهلي للنبي وَلِّ، وكان عظيم القدر عند العرب، حتى أرخوا بموته إلى عام الفيل وهو أول من سن الاجتماع يوم الجمعة، وكان اسمه حينها يوم العروبة فكانت قريش تجتمع إليه فيه، فيخطبهم ويعظم، توفي سنة (١٧٣ ق. هـ). ينظر: الأوائل للعسكري (ص: ٤٣)، جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (١ / ٤٦٤)، صبح الأعشى (١/ ٢٥٥). (٢) ينظر: الأوائل للعسكري (ص: ٤٣)، صبح الأعشى (١ / ٢٥٥). (٣) ينظر: السيرة النبوية، لابن هشام (٤٩٢/١)، الروض الأنف (١٥١/٤)، خلاصة سير سيد البشر (١ / ٤٤). (٤) بنو عمرو بن عوف: اسم لبطن من الأوس من الأزد من القحطانية، أحد بطون الأنصار، ونسبتهم إلى عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكانوا ينزلون قباء، والصفينة، وينحدر منهم أفخاذ عدة؛ منهم: بنو ضبيعة، وغيرهم. ينظر: نسب معد واليمن الكبير (٣٦٥/١)، جمهرة أنساب العرب (١/ ٣٣٧). (٥) قباء -بالضم -: قرية قرب المدينة، وهى منزل بنى عمرو بن عوف من الأنصار، تقع على نحو ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وفيها مسجد التقوى. ينظر: معجم البلدان (٤ /٣٠١)، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (١٦/٣). (٦) بنو سالم بن عوف: اسم لبطن من بطون الخزرج من القحطانية أيضًا، ونسبتهم إلى: سالم = ٥٠٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فجمع بهم وخطب، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، أ.هـ. قاله في الديباجة(١). والأصل في وجوبها، قيل: الإجماع(٢) قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾(٣) أي في يوم الجمعة ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾(٤) أي: امضوا، وبذلك قرأ عمر رَقَّهُ(٥)، وعمل الإنسان يسمى سعياً، قال الله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى ﴾(٦)؛ واختلف العلماء في الجمعة، متى فرضت؟ فقال الشيخ أبو ٣٩ سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهم أحد بطون الأنصار. ينظر: جمهرة أنساب العرب (٣٥٣/١)، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب (ص: ٥٣، ٦٦، ٢٨١). (١) لعله يعني: كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، لكمال الدين الدميري، الشافعي، يقع في نحو خمس مجلدات، وتوفي قبل تحريره، وتبييضه، وهو لا يزال مخطوطًا، ولم يحقق منه إلا أجزاء يسيرة كرسائل علمية بجامعة أم القرى. (٢) ينظر: الإجماع، لابن المنذر (ص: ٤٠)، الإقناع في مسائل الإجماع (١٥٨/١). (٣) سورة الجمعة، الآية: ٩. (٤) سورة الجمعة، الآية: ٩. (٥) يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥٥٥٩) من طريق: هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن خرشة، قال: قرأها عمر بن الخطاب: ((فامضوا إلى ذكر الله)). قلت: وإسناد هذه الأثر ضعيف؛ من أجل عنعنة هشيم؛ وهو: ابن بشير بن القاسم بن دينار أبو معاوية السلمي الواسطي، وكان ثقة ثبتًا؛ لكنه كان كثير التدليس والإرسال الخفي. انظر: الكاشف (٣٣٨/٢)، تقريب التهذيب (ص: ٥٧٤). وقد عزى هذه القراءة لعمر رََّهُ أيضًا: ابن خالويه في الشواذ (ص: ١٥٧)، وعزاها الكرماني في شواذ القراءات (ص: ٤٧٣) له ولا بن مسعود، وأبي بن کعب، وابن عباس، وابن الزبير -، -. (٦) سورة النجم، الآية: ٣٩. ٥٠٧ كتاب الجمعة حامد(١): فرضت بمكة (٢)، وقال البغوي في تفسيره في سورة الأعراف: فرضت بالمدينة(٣) وهو أقرب، أ.هـ وسيأتي الكلام على ذلك أيضاً. [٢/ أ] (١) هو: أحمد محمد الإسفراييني، انظر لترجمته: تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٢٠٨/٢) (٢) قال السخاوي في الأجوبة المرضية بتحقيقنا (٦٩٩/٢): قال الشيخ أبو حامد الأسفرايني: أنها فرضت بمكة وهو وإن كان غريبًا لكنه قد يستشهد له بتجميع أسعد بن زرارة وغيره من الصحابة بالمدينة قبل هجرته وّ ل إليها .. وانظر كذلك: تفسير ابن رجب الحنبلي (٤٣٤/٢). ونقله عن أبي حامد الإمام النووي -رحمه الله تعالى-في شرحه على المهذب (٤ /٤٨٣). (٣) هو: الحسين بن مسعود بن الفراء، أبو محمد، البغوي، الفقيه الشافعي، الملقب بمحيي السنة، من مؤلفاته: شرح السنة والمصابيح وغيرها، وتوفي سنة (٥١٠هـ). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٧٥/٧)، طبقات الشافعيين (٥٤٨/١)، انظر قول البغوي في تفسيره (٣٢٠/٣). طبعة دار طيبة. ٥٠٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب في الترهيب من ترك الجمعة ١٠٢٥ - عَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ مِن تَوَضَّأ فَأحْسنِ الْوُضُوء ثمَّ أَتَى الْجُمُعَة فاستمع وأنصت غفر لَهُ مَا بَيْنِه وَبَيْن الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَزِيَادَةٍ ثَلَاثَة أَيَّامٍ وَمن مس الحَصَا فقد لَغَا رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه (١). (لَغَا)): قيل مَعْنَاهُ خَابَ من الأجر وَقيل أَخطَأْ وَقيل صَارَت جمعته ظهراًا وَقیل غير ذَلِك. قوله: عن أبي هريرة، تقدم. قوله وهي: ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة)) الحديث(٢)؛ وبه يستدل على أن الغسل ليس بواجب لاقتصاره على الوضوء فيه مع ترتب المغفرة عليه وعلى ما بعده؛ وفيه: استحباب تحسين الوضوء فيه، ومعنى إحسانه: الإتيان به ثلاثا ثلاثً، ودلك الأعضاء وإطالة الغرة والتحجيل وتقدم الميامن والإتيان بسننه المشهورة والذكر عقيبه وتقدم المياثر، وقد أشار إلى ذلك مسلم في صحيحه (٣) وتقدم الكلام على ذلك أبسط من هذا في الوضوء. (١) مسلم (٨٥٧)، وأبو داود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٩٠)، وأحمد (٩٤٨٤)، وابن خزيمة (١٧٥٦)، وابن حبان (١٢٣١). (٢) تقدم تخريجه. (٣) ينظر: صحيح مسلم (٢/ ٥٨٧). كتاب الجمعة ٥٠٩ قوله وَالر: ((ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت)): هما شيئان متمايزان ((فاستمع وأنصت)) وقد يجمعان، فالاستماع: الإصغاء(١)، والإنصات: السكوت في الظاهر (٢)، وقد يستمع ولا ينصت؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية؛ والمراد بالقرآن: الخطبة، سميت قرآنًا لأنه يتلى فيها، قال أكثر المفسرين(٣): إنها نزلت في الخطبة؛ ولأن المقصود الإتعاظ وهو لا يحصل إلا لمن يسمع، ففيه الحث على الإنصات للخطبة؛ قال القاضي عياض(٤): وهو واجب عند مالك(٥) وأبي حنيفة(٦) (١) ينظر: تهذيب اللغة (مادة- سمع) (٧٤/٢)، أساس البلاغة (مادة-سمع) (٤٧٤/١)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (مادة-سمع) (٢٢٠/٢). (٢) ينظر: الصحاح تاج اللغة (مادة-نصت) (٢٦٨/١)، مقاييس اللغة (مادة-نصت) (٤٣٤/٥)، المحكم والمحيط (مادة-نصت) (٢٩٦/٨). (٣) ينظر: تفسير الطبري (١٠ / ٦٦٦)، تفسير ابن أبي حاتم (١٦٤٦/٥)، التفسير البسيط (٤٦٥/٢١)، أسباب النزول (ص: ٢٣٠). وقال ابن عطية في المحرر الوجيز (١٩٦/٦) وأما قول من قال: إنها نزلت في الخطبة، فضعيف. (٤) هو: القاضي أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرو، الأندلسي، ثم السبتي، الفقيه المالكي، الإمام، العلامة، الحافظ، كان من أهل العلم والتفنن والذكاء والفهم، وله مصنفات غزيرة العلم نافعة، منها: كتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار، والإكمال في شرح صحيح مسلم، وغير ذلك، وتوفي سنة (٥٤٤هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٢١٢)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (٤٦/٢)، طبقات الحفاظ (ص: ٤٧٠). (٥) ينظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: ٣٠٨)، الاستذكار (٢١/٢)، المنتقى شرح الموطأ (١٨٨/١). (٦) ينظر: بدائع الصنائع (٢٦٤/١)، تبيين الحقائق (١/ ١٣٢)، البناية شرح الهداية (٣٢٢/٢). ٥١٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب والشافعي(١) وعامة العلماء(٢)؛ قلت: ليس مذهبنا كذلك(٣) وعن أحمد أيضاً فيها روايتان(٤)، وحكى عن النخعي(٥)(٦) والشعبي(٧) وبعض السلف: أنه لا (١) ينظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي (٢١٦/١)، الوسيط في المذهب (٢٨١/٢)، البيان في مذهب الإمام الشافعي (٢/ ٥٩٧). (٢) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٤٢/٣). (٣) يشير المصنف -رحمه الله تعالى- إلى اختلاف الشافعية في مسألة الإنصات للخطيب يوم الجمعة إذا كان المأموم يسمعه: هل هو واجب، أو مستحب؟ فعندهم فيها قولان: أحدهما: يجب، وهو القول القديم عند الشافعي، وبه قال عثمان، وابن عمر، وابن مسعود، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، واختيار ابن المنذر، ووجهه: ما روى أبو هريرة: أن النبي وَ﴾ قال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب ... فقد لغوت)). والثاني: وهو القول الجديد؛ أنه لا يجب، ولكن يستحب، وهو الصحيح في المذهب، ووجهه: ما روي: ((أن رجلا دخل والنبي ◌ّله يخطب، فقال: متى الساعة؟ فأشار الناس إليه أن اسكت، فقال له النبي ◌ّير في الثالثة: ((ما أعددت لها؟)) فقال: حب الله وحب رسوله، فقال: ((إنك مع من أحببت)). ينظر: التهذيب في فقه الشافعي (٢/ ٣٤٠)، البيان في مذهب الشافعي (٥٩٨/٢)، كفاية النبيه (٣٩١/٤). (٤) ينظر: المغني لابن قدامة (٢٣٧/٢)، الشرح الكبير على متن المقنع (٢١٥/٢)، المبدع شرح المقنع (٢ /١٧٨). (٥) هو: إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة النخعي، الفقيه الكوفي، أحد الأئمة المشاهير، يكنى أبو عمار وأبو عمران، وكان من ثقات التابعين، وتوفي سنة (٩٥هـ) وقيل: (٩٦ هـ). ينظر: الطبقات الكبرى (٢٧٩/٦)، طبقات الفقهاء (ص / ٨٢)، تهذيب الكمال (٢٣٣/٢)، سير أعلام النبلاء (٤ /٥٢٠). (٦) ينظر: الاستذكار (٢/ ٢١)، المنتقى شرح الموطأ (١٨٨/١)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٤٢/٣). (٧) هو: عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل، وقيل: ابن شراحيل بن عبد، الشعبي، أبو أبو عمرو الكوفي، ابن أخي قيس بن عبد، كان ثقة كثير الحديث غير أنه كان معروفًا بالتدليس، = ٥١١ كتاب الجمعة لا يجب إلا إذا تلى فيها القرآن، أ. هـ، قاله شارح الإلمام. تنبيه: قوله: ((فاستمع وأنصت)) كذا هو في أكثر نسخ مسلم، ووقع في بعض الأصول المعتدة ((انتصت)) بزيادة مثناة من فوق؛ قال القاضي عياض (١): وهو وهم؛ وقال النووي (٢)(٣): ليس وهما بل هي لغة صحيحة؛ قال الأزهري(٤) في شرح ألفاظ المختصر: يقال أنصت وينصت وانتصت ثلاث لغات، والأصح الأول(٥). = وتوفي بعد سنة (١٠٠ هـ). ينظر: مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٦٣)، تاريخ دمشق (٣٣٥/٢٥)، تهذيب الكمال (٢٨/١٤)، سير أعلام النبلاء (٢٩٤/٤). ينظر: الاستذكار (٢١/٢)، المنتقى شرح الموطأ (١٨٨/١)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٤٢/٣). (١) ينظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢٥٢/٣). (٢) هو: الإمام يحيى بن شرف بن مري، العلامة، أبو زكريا، محيي الدين، النووي، الحافظ، الفقيه الشافعي، النبيل، محرر مذهب الشافعية ومهذبه، وله تصانيف عظيمة النفع؛ منها: تهذيب الأسماء واللغات، ومنهاج الطالبين، وشرح صحيح مسلم، وغير ذلك الكثير، وتوفي سنة (٦٧٦هـ). ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (٣٩٥/٨)، طبقات الشافعيين (٩٠٩/١)، طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (١٥٣/٢). (٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٧). (٤) هو: أبو منصور، محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوح الأزهري، اللغوي، الأديب، الهروي، الشافعي، كان رأسًا في اللغة، عالمًا بالحديث، عالي الإسناد، وله من التصانيف: التهذيب في اللغة، وتفسير ألفاظ مختصر المزني، والتقريب في التفسير، وشرح شعر أبي تمام، وغير ذلك، وتوفى سنة: (٣٧٠ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء (٣١٥/١٦)، طبقات الشافعية الكبرى (٦٣/٣)، بغية الوعاة (١٩/١). (٥) وانظر كلام الأزهري في كتابه الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: ٧٩). ٥١٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله وَّة: ((غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام))؛ وروى: ((وفضل ثلاثة أيام)) وهو بنصب ((زيادة))، و((فضل)) على الظرف، قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام: إن الحسنة بعشرة أمثالها، فصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي هي بعشر أمثالها، يريد والله أعلم أن يغفر له ذنوب عشرة أيام وهو محمول على ما عدا الكبائر. وحضور الآدميين كما تقدم في الصلاة والوضوء؛ قال النووي(١): وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية، قال الإمام: فيدخل فيه النصف الأخير من الجمعة الأولى والنصف الأول من الجمعة الثانية حتى يكون العدد سبعا بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة أيام فتصير عشرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْخَسَنَةِ فَلَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾(٢)، والله أعلم. تنبيه: قوله ◌َّ: ((ومن مس الحصى فقد لغى)) أي: قد أتى لغوا من الفعل أو القول؛ وقال الهروي (٣): يعني في الصلاة يوم الجمعة أي تكلم وقيل: لغى عن الصواب باشتغاله بالحصى فصار كالمتكلم، وفيه: النهي عن جميع ما يلهي عن الاستماع والإقبال على الله تعالى، وفيه : أن المراد بمس الحصى، هو تسوية الأرض للسجود (٤). (١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠. (٢) شرح المشكاة للطيبى (٤ /١٢٧٤). (٣) الغريبين للهروي (١٦٩٤/٥) وعبارته: يعني في الصلاة يوم الجمعة أي تكلم. (٤) شرح المشكاة للطيبى (٤ /١٢٧٤). ٥١٣ كتاب الجمعة قال في النهاية (١): كانوا يصلون على حصباء المسجد، ولا حائل بين وجوههم وبينها، فكانوا إذا سجدوا سووها بأيديهم فنهوا عن ذلك، لأنه فعل من غير أفعال الصلاة، والعبث فيها لا يجوز، وتبطل به إذا تكرر؛ صرح بالرخصة في المرة الأولى أصحاب السنن، ولفظهم: فإن كان لابد من مس الحصى فواحدة، أي إن كان لابد من تسوية الحصى في الصلاة فمرة واحدة لا يزاد عليها، رخص له فيها لأنها غير مكررة. قد تكرر حدیث مس الحصى في الصلاة بمعنی حديث ابن مسعود، وسئل عن مس الحصى في الصلاة؟ [٣/ أ] فقال: ((مرة))، وتركها خير من مائة ناقة المقلة، المقلة: العين، يقول: تركها خير من مائة ناقة يختارها الرجل على عينه ونظره كما يريد؛ ومنه حديث ابن عمر: ((خَيْرٌ مِنْ مِائَةٍ ناقةٍ كلَّها أسْودُ المُقْلَةِ))(٢)، أَي كُلُّ واحِدٍ مِنْهَا أَسْوَدُ العَيْنِ ، قاله في النهاية(٣). ففيه: النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حال الخطبة؛ وفيه: إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة (٤). (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٩٣). (٢) انظر: غريب الحديث القاسم بن سلام (٤ /٢٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو، وفي الفائق (٣٦٧/٣) من حديث ابن عمر، وفي مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم (ص ٧٧) من حديث ابن مسعود. (٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٤٨/٤). (٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ١٤٧). ٥١٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ١٠٢٦ - وَعنْهُ رَّهُ عَنِ رَسُول الله وَِّ قَالَ ((الصَّلَوَات الْخمس وَالْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة ورمضان إِلَى رَمَضَان مكفرات مَا بَينُهُنَّ إِذا اجْتنبتِ الْكَبَائِرِ)) رَوَاهُ مُسلمٍ وَغَيرِهِ(١). ١٠٢٧ - وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ الْجُمُعَة كَفَّارَة لما بَيْنِهَا وَبَيْن الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّامِ وَذَلِكَ بِأَن الله عز وَجل قَالَ ﴿مِن جَاءَ بِالْحَسَنَةُ فَلَهُ عشر أَمْثَالِهَا﴾ (٢). ١٠٢٨ - وَعَن أبي سعيد رَقُوالَهُ أَنه سمع رَسُول الله وَّهِ يَقُول خمس من عملهن فِي يَوْم كتبه الله من أهل الجنَّة من عَاد مَرِيضًا وَشهد جَنَازَة وَصَامَ يَوْمًا وَرَاحِ إِلَى الْجُمُعَة وَأَعْنقِ رَقَبَة، رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (٣). قوله: (وعنه). قوله وَّة: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة)) الحديث، وفي آخره: ((ما اجتنبت الكبائر))، في معنى الحديث تأويلان، أحدهما: تکفیر الصغائر بشرط أن لا يكون هناك كبائر وإن كان كبائر لم يكفر شيئًا لا الصغائر ولا الكبائر؛ والثاني: وهو الأصح المختار، أنها تكفر كل (١) مسلم (٢٣٣)، والترمذي (٤٩٨)، وابن ماجه (١٠٨٦)، وابن خزيمة (٣١٤)، وابن حبان (١٧٣٣)، وأحمد (١٠٢٨٥). (٢) الطبراني في الكبير (٣٤٥٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٧٣)، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا، وصححه الألباني في صحیح الترغيب والترهيب (٦٨٥). (٣) ابن حبان (٢٧٧١)، وأبو يعلى (١٠٤٤)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٦٩/٢)، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٦). ٥١٥ كتاب الجمعة الذنوب الصغائر، وتقديره: يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر(١)، قال القاضي عياض(٢): هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى. فإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها مما في معناها، فإذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة، فماذا تكفر الجمعات، ورمضان وصوم عرفة كفارة سنتين، وصوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟ فالجواب: ما أجاب به العلماء: أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفر من الصغائر كفرها، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت له به حسنات، ورفعت له به درجات، وإن صادفت كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغائر رجونا أن يخفف من الكبائر (٣)، انتهى؛ وتقدم الكلام على شيء من ذلك في الصلاة، والله أعلم. قوله: عن أبي سعيد الخدري، تقدم. قوله وَل: ((خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضا، وشهد جنازة، وراح إلى الجمعة)) الحديث؛ وأصل الروح: هو المشي إلى المساجد، وسيأتي الكلام على كل واحدة من هذه الخصال في بابها إن شاء الله تعالی. (١) طرح التثريب (١٦٣/٤). (٢) إكمال المعلم (١٥/٢). (٣) شرح النووي على مسلم (١١٣/٣). ٥١٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ١٠٢٩ - وَعَن يَزِيد بن أبي مَرْيَم ◌َقَّ ◌َلَهُ قَالَ لَحِقَنِي عَبَايَة بن رِفَاعَة بن رَافع رَوَلَهُ وَأَنَا أَمْشِي إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ أبشر فَإِن خطاك هَذِه فِي سَبِيل الله سَمِعت أَبَا عبس يَقُول قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ من اغبرت قدماه فِي سَبِيل الله فهما حرَام على النَّارِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيحِ (١). وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَعِنْدِه قَالَ عَبَايَة أدركني أَبُو عبس وَأَنَا ذَاهِبٍ إِلَى الْجُمُعَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله أَّ يَقُول من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النَّار (٢). وَفِي رِوَايَة: ((مَا اغبرت قدما عبد فِي سَبِيل الله فَتَمَسهُ النَّارِ)) وَلَيْسَ عِنْده قَول عَبَايَة لیزِيد (٣). قوله: عن يزيد بن أبي مريم قال: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع وأنا أمشي إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، الحديث؛ السبيل: اسم جنس مضاف مفيد للعموم، فيتناول الجمعة(٤)، وسيأتي الكلام عليه في الجهاد أبسط من هذا. قوله: سمعت أبا عبس؛ أبو عبس: اسمه عبد الرحمن، وكان من كبار الصحابة، مشى إلى الجمعة راجلاً، وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة (١) الترمذي (١٦٣٢)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٦). (٢) البخاري (٩٠٧)، وأحمد (١٥٩٣٥)، وابن حبان (٤٦٠٥). (٣) البخاري (٢٨١١). (٤) الكواكب الدراري (٢٤/٦). ٥١٧ كتاب الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أحببت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين(١)؛ وعباية بفتح العين: بن رفاعة بن رافع بن خديج المدني، روى عن جده وعن أبيه عن جده على خلاف فى ذلك ، وعن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وعن أبي عبس بن جبر وابن عمر وغيرهم؛ وعنه: يزيد بالمثناة تحت والزاي ابن أبى مريم ويحيى بن سعيد وأبو حيان التيمي وليث وجماعة، وثقه ابن معین(٢)، أ. هـ. ١٠٣٠ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ رَّ الَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَهِ يَقُول من اغْتسل يَوْمِ الْجُمُعَة وَمَسّ من طيب إِن كَانَ عِنْده وَلبس من أحسن ثِيَابِه ثمَّ خرج حَتَّى يَأْتِي الْمَسْجِد فيركع مَا بدا لَهُ وَلم يؤذ أحداًا ثُمَّ أنصت حَتَّى يُصَلِّي كَانَ كَفَّارَة لما بَيْنِهَا وَبَيْنِ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى رَوَاهُ أَحْمد وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ورواة أَحْمد ثِقَات (٣). قوله وقر: ((من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب، إن كان من عنده، ولبس من أحسن ثيابه)) الحديث، في هذا الحديث فضيلة الغسل وأنه ليس (١) تفسير الماوردى (١٠/٦)، والتفسير البسيط (٤٥٩/٢١) والوسيط (٣٠٠/٤)، وتفسير القرطبى (١٨/ ١٠٨). (٢) تهذيب الكمال (٢٦٨/١٤-٢٦٩ ترجمة ٣١٤٩)، وتهذيب التهذيب (١٣٦/٥ ترجمة ٢٣٥) ووثقه أيضا النسائي. (٣) أحمد (٢٣٥٧١)، وابن خزيمة (١٧٧٥)، قال الهيثمي (١٧١/٢)، رجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦٨٨). ٥١٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بواجب لحديث أبي هريرة المتقدم في أول الباب: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت)) (١)، وفيه: أنه يستحب التطيب، وفيه: وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع (٢)، والعلة: أنه يوم اجتماع ملائكة وآدميين فيغتسل لإزالة الرائحة الكريهة والتفث، ويتطيب ليذهب أذى عرقه إن كان، أو ليشم منه الملائكة والمؤمنون منه رائحة طيبة [٣/ ب]، ويستوي في استحباب الطيب كل من أراد حضور الجمعة من الرجال والنساء والصبيان والعبيد إلا النساء، فيكره لمن أرادت منهن الحضور الطيب والزينة وفاخر الثياب، ويستحب لها قطع الرائحة الكريهة، (٣) قاله الكمال الدميري . لطيفة: من تطيب يوم الجمعة، ونوى بذلك إتباع السنة وتعظيم بيت الله تعالى واحترام يوم الجمعة ودفع الأذى عن غيره بدفع الرائحة، فقد أشار إلى ذلك مَّة: ((من تطيب الله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك؛ ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة)) (٤)، ومثال التطيب لغير الله: أن يقصد التنعم بلذته أو التفاخر بإظهار ثروته أو التزويق للنساء (١) شرح النووي على مسلم (١٤٦/٦). (٢) زاد المعاد (١/ ٣٦٥). (٣) انظر: النجم الوهاج (٤٩٥/٢) لكمال الدين الدميري، وهو في المجموع للنووي (٤/ ٥٣٨)،. (٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧٩٣٣) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة مرسلا. ٥١٩ كتاب الجمعة وإحداث الفساد، والله أعلم. قوله وَله: ((ولبس من أحسن ثيابه)) الحديث؛ قلت: التجمل في الصلوات كلها مندوب إليه، روي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١) أنه كان يلبس ثوبا جميلا في الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: أتجمل لربي عز وجل؛ قال النووي (٢): هو الإمام البارع أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي، ولد سنة ثمانين من الهجرة، وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة وهو ابن سبعين سنة، أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، قال: وكان في زمنه أربع من الصحابة: أنس بن مالك وعبد الله بن أوفى وسهل بن سعد وأبو الطفيل، ولم يأخذ عن أحد منهم، وهو إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق، وسمع خلائق من التابعين، قال الخطيب(٣): وهو من أهل الكوفة، نقله أبو جعفر المنصورة إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات، ودفن بالجانب الشرقي منها في مقبرة الخيزران، وقبره هناك ظاهر معروف؛ وعن عبد الله بن عمرو الرقي قال: كلم ابن هبيرة أبا حنيفة أن يلي قضاء الكوفة فأبى عليه، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط في كل يوم عشرة أسواط وهو على الامتناع، فلما رآه كذلك خلى سبيله، وقال أبو بكر بن عياش: ضُرب أبو حنيفة على القضاء، كان كل يوم يضرب ليدخل في القضاء، ويأبى، فسجنه أمير المؤمنين، وقيل: (١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢١٦/٢). (٢) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢١٦/٢) وتاريخ بغداد (٤٤٤/١٥) (٣) تاريخ بغداد (٤٤٤/١٥)، وانظر المصدر السابق. ٥٢٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب إنه قعد في القضاء يومين وبعض الثالث، فلما كان بعد يومين اشتكی فمرض ستة أيام، ثم توفي رَّه؛ وقال أبو جعفر لأبي حنيفة: عمن أخذت العلم؟ قال: عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم النخعي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الله بن عباس، فقال أبو جعفر: بخ بخ استوفيت يا أبا حنيفة، قاله في مجمع الأحباب (١) وغيره، أ. هـ. تتمة: في مناقبه: وقال أبو نعيم (٢): كان أبو حنيفة حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح حسن المجلس كثير الكرم حسن المواساة لإخوانه؛ وعن الفضيل بن عياض (٣) قال: كان أبو حنيفة فقيهاً معروفًا بالفقه مشهوراً بالورع واسع المال معروفا بالإفضال على من يطيق، صبوراً على تعليم العلم بالليل والنهار كثير الصمت قليل الكلام؛ وقال زافر بن سليمان (٤): كان أبو حنيفة يحيى الليل بركعة يقرأ فيها القرآن، وصلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان يبكي حتى يرحمه جيرانه، وختم في الموضع الذي مات فيه القرآن سبعة آلاف ختمه؛ وقال ابن المبارك(٥): صلى أبو حنيفة خمساً وأربعين سنة الصلوات الخمس بوضوء واحد؛ وعن زائدة قال: صليت مع (١) كتاب مجمع الأحباب وَهُوَ مُخْتَصر الْحِلْية لأبي نعيم في مجلدات ألفه الشريف مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله الْحُسَيْنِ الوَاسِطِيّ (ت: ٧٧٦هـ). (٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢١٨/٢)، والطبقات السنية في تراجم الحنفية (١ /٢٥). (٣) المصدر السابق (٢١٩/٢). (٤) المصدر السابق (٢١٩/٢). (٥) المصدر السابق (٢١٩/٢).