Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الصلاة
النوم وإن كان في الشتاء كان في وقت شدة البرد وإن كان في الصيف كانت في
وقت الراحة من ألم الحر ولأن وقتهما داخل في وقت الظلمة، فلما قوي
الصارف عن الفعل ثقلت على المنافقين، وأما المؤمن الكامل الإيمان فهو
عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة فتكون هذه الأمور داعية إلى الفعل كما
كانت صارفة للمنافقين(١) انتهى.
تنبيه: قال الحافظ: واسم المنافق لم يكن معروفا عند العرب ولكن الله
تعالى اشتق له ذلك من نافق اليربوع فلما كان المنافق يظهر الإسلام ويبطن
الكفر اشتق له هذا الاسم من نافقا اليربوع والله أعلم.
٦٠٩ - وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُبِ رََّهُ عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ من صلى الصُّبْحِ فِي
جمَاعَة فَهُوَ فِي ذمَّة الله تَعَالَى رَوَاهُ ابْن مَاجَهُ بِإِسْنَادِ صَحِيح (٢).
٦١٠ - وَرَوَاهُ أَيْضا من حَدِيث أبي بكر الصّدِيقِ زَّوَّهُ وَزَاد فِيهِ فَلا تخفروا
الله فِي عَهده فَمن قَتله طلبه الله حَتَّى يكبه فِي النَّار على وَجهه(٣) رَوَاهُ مُسلم
(١) إحكام الأحكام (١/ ١٩٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠١١٣)، وابن ماجه (٣٩٤٦)، والبزار (٤٥٩٧)، والرويانى (٧٩٢)
و(٨٣٢)، والطبراني في الكبير (٢٢٤/٧ رقم ٦٩٣٤)، قال البزار: وهذا الحديث قد رواه
قتادة وداود عن الحسن عن جندب، وهو الصواب عندنا. قال البوصيرى في الزجاجة
١٦٨/٤: هذا إسناد صحيح إن كان الحسن سمع من سمرة وأشعث هو ابن عبد الملك.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٠)
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٩٤٥)، والفسوى في المعرفة والتاريخ (٣٠٨/٢)، والضياء المقدسي
في المختارة (٦٤). وقال البوصيرى في الزجاجة ١٦٧/٤: هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه
منقطع. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢١) و(٤٦١).

٣٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من حَدِيث جُنْدُبٍ وَتقدم فِي الصَّلَوَاتِ الْخمس(١).
يُقَال: أخفرت الرجل بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة إِذا نقضت عَهده.
قوله: عن سمرة بن جندب تقدم.
قوله مَّيّة: ((من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله تعالى)) الحديث معناه في
أمانه وضمانه، فالمراد بالذمة هنا الضمان (٢)، وقيل: الذمة الأمان والعهد(٣).
وقوله: وزاد في حديث أبي بكر ((فلا تخفروا الله في عهده فمن نقله طلبه الله
حتى يكبه الله النار على وجهه)) يقال: أخفرت الرجل بالخاء المعجمة إذا
نقضت عهده قاله المنذري، ومنه الحديث: ((من صلي الصبح فهو في خفرة
الله فهو في ذمته وجواره)) والخفرة والخفارة سواء، وقال الخطابي رحمه الله
في قوله {وَّ: ((فلا تخفروا الله)) معناه: لا تخونوا الله في تضييع حق من هذا
سبيله يقال: أخفرت الرجل إذا حميته وأخفرته إذا غدرت به ولم تف بما
ضمنته من حفظه وحمايته(٤) انتهى.
٦١١ - وَرُوِيَ عَن سلمَان ◌َّهُ قَالَ سَمِعت رَسُولِ اللهِوَّهِ يَقُول من غَدا
إِلَى صَلَاة الصُّبْحِ غَدا براية الإِيمَان وَمن غَدا إِلَى السُّوقِ غَدا براية الشَّيْطَان
رَوَاهُ ابْن مَاجَه(٥) .
(١) أخرجه مسلم (٢٦١ - ٦٥٧) و(٢٦٢ - ٦٥٧).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٨/٥).
(٣) كشف المشكل (١٩٥/١)، والمفاتيح (١ / ٨٠).
(٤) أعلام الحديث (١/ ٣٧٥).
(٥) أخرجه ابن ماجه (٢٢٣٤)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في العلل ٢/ ٣٤٢، والعقيلي في
الضعفاء ٤١٨/٣، والطبراني في الكبير (٢٥٥/٦ رقم ٦١٤٦)، والمخلص في
=

٣٨٣
كتاب الصلاة
قوله: عن سلمان هو الفارسي تقدم.
قوله وَّالية: ((من غدا إلى صلاة الصبح غدا براية الإيمان ومن غدا إلى
السوق غدا براية الشيطان)) رواه ابن ماجه، وروى الطبراني من حديث أبي
هريرة أن النبي ﴾﴾ قال: «ما من خارج یخرج من بيته إلا ببابه رایتان راية بيد
ملك وراية بيد شيطان فإن خرج لما يحب الله تعالى اتبعه الملك برايته فلم
يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بتيه وإن خرج لما يسخط الله تعالى
اتبعه الشيطان برايته فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته))(١) ا.هـ.
٦١٢ - وَرُوِيَ عَن مَيْثَم رجل من أَصْحَاب رَسُول اللهِوَِّ قَالَ بَلغنِي أَنْ
الْملك يَغْدُو برايته مَعَ أول من يَغْدُو إِلَى الْمَسْجِد فَلَا یزَال بھَا مَعَه حَتَّی یرجع
فَيَدْخِلِ بهَا منزله وَإِنِ الشَّيْطَانِ يَغْدُو برايته إِلَى السُّوقِ مَعَ أول من يَغْدُو فَلَا
يزَال بِهَا مَعَه حَتَّى يرجع فيدخلها منزله رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَأَبُو نعيم فِي
معرفَة الصَّحَابَة وَغَيرِهَا(٢).
=
المخلصیات (١٠٥٥). وقال أحمد في العلل ٢/ ٣٤٢: حديث منكر.
وقال الهيثمي في المجمع ٧٧/٤: رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبیس بن ميمون، وهو
ضعيف متروك. وضعفه الألباني في المشكاة (٦٤٠) وضعيف الترغيب (٢٢٩).
(١) أخرجه أحمد ٣٢٣/٢ (٨٢٨٦)، والطبراني في الأوسط (٩٩/٥ رقم ٤٧٨٦). وقال
الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عثمان بن محمد
الأخنسي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٢: رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه
عبد الرحمن بن أبي الزناد، وثقه مالك، وضعفه أحمد ویحیی في رواية.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧١٥) ومن طريقه أبو نعيم في معرفة
الصحابة (٦٣٥٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٢).

٣٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وروي عن ميثم رجل من أصحاب النبي ◌َّة، هو: ميثم [رجل من
الصحابة، حديثه عند عبد الله بن الحارث، ذكره ابن أبي عاصم في الوحدان(١)].
قوله: بلغني أن الملك يغدو برايته مع أول من يغدو إلى المسجد فلا يزال
بها معه حتى يرجع. [٢٦٨/ أ] الحديث، وروى مسلم في باب فضل أم سلمة
عن سلمان قال: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من
يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته)) رواه مسلم موقوفا على
سلمان من قوله، وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعا إلى النبي ◌َّ من طريق
صحيح (٢) وهو الذي يليق بسياق الحديث لأن معناه ليس مما يدرك بالرأي
والقياس، إنما يدرك بالوحي (٣)، ففي هذه الأحاديث ذم السوق فإنها معركة
الشيطان، والمعركة والمعترك موضع القتال أي: موطن الشيطان ومحله
الذي يأوي إليه ويكثر منه(٤)، سميا بذلك لتعارك الأبطال فيه ومصارعة
بعضهم بعضا في السوق، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم لما يجري فيه من
(١) الاستيعاب ت (٢٦١٧)، أسد الغابة ت (٥١٥٢).
(٢) أخرجه أحمد في الزهد (٨٢١)، ومسلم (١٠٠ - ٢٤٥١) موقوفًا. وأخرجه البزار
(٢٥٤١)، والطبراني في الكبير (٢٤٨/٦ رقم ٦١١٨) و(٢٥٢/٦ رقم ٦١٣١) مرفوعا.
قال الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٧: رواه الطبراني في الكبير، وفي الرواية الأولى: القاسم بن
يزيد، فإن كان هو الجرمي فهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي الثانية: يزيد بن
سفيان، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في الضعيفة تحت حديث (٧٠٧٣).
(٣) المفهم (٢٠/ ٩٦).
(٤) النهاية (٢٢٢/٣).

٣٨٥
كتاب الصلاة
الحرام والمكر والخداع والتساهل في البيوع الفاسدة والربا والغصب
والكذب والإيمان الكاذبة واختلاط النساء وغير ذلك بمعركة الحرب(١)،
ولذلك قال: ((وبها تنصب رايته)) كناية عن قوة طمعه في إغوائهم لأن الرايات
في الحرب لا تنصب إلى مع قوة الطمع في الغلبة وإلا فهي مع اليأس تحط
ولا ترفع انتهى قاله ابن الأثير(٢).
وقيل: ((وبها تنصب رايته)) إعلام بأذانه في الأسواق وجمع أعوانه إليه
فيها (٣)، ويفيد هذا الحديث أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين ومواضع
إهلاك الناس فينبغي للإنسان أن لا يدخلها إلا بحكم الضرورة كالمراحيض
التي هي مأوي الشياطين، ولذلك قال: ((لا تكن إن استطعت أول من يدخل
السوق ولا آخر من يخرج منها)) لأن من كان أول داخل بها وآخر خارج منها
يكون من استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله وصرفه عن أمر دينه وجعل
همه السوق وما يفعل فيها، فحق من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه
قد دخل محل الشيطان ومحل جنوده وأنه إن أقام هنالك هلك، ومن
كاتن هذه حاله اقتصر منه على قدر الضرورة ويحذر من سوء عاقبته وبليته(٤)
والله أعلم.
(١) المفهم (٩٦/٢٠)، وشرح النووي على مسلم (١٦ / ٧).
(٢) النهاية (٢٢٢/٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (٧/١٦)، والمفهم (٢٠/ ٩٦).
(٤) المفهم (٢٠/ ٩٧).

٣٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: ليس في هذه الأحاديث التي ذكر فيها الأسواق معارضة لحديث:
((بورك لأمتي في بكورها)) وسيأتي هذا الحديث في الترغيب في التبكير في طلب
الرزق، فإن ذاك في التبكير وهذا في السبق إلى السوق فالسابق إليها مذموم
والمبكر إلى حوائجه محمود وذاك عام وهذا خاص، لأن ذلك في كل
مقصود دنيوي وديني وهذا في قضية خاصة، فإن المبكر إلى السوق مبادر إلى
طلب الدنيا والمبكر إلى المسجد مبادر إلى طلب الأخرى، وفي حديث
الجمعة: ((من بكر وابتكر)) المراد بالتبكير أداء الصلاة في أول وقتها، وكل من
أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، وأما بكر فمعناه أدرك أول الخطبة وأول كل
شيء باكورته، وقيل: معنى اللفظين واحد انتهى قاله الكمال الدميري(١).
٦١٣ - وَعَن أبي بكر بن سُلَيْمَان بن أبي حثْمَة أَن عمر بن الخطابِ رَاءُ
فقد سُلَيْمَان بن أبي حِثْمَة فِي صَلَاة الصُّبْحِ وَإِن عمر غَدا إِلَى السُّوق ومسكن
سُلَيْمَانِ بَيْن الْمَسْجِد والسوق فَمر على الشِّفَاء أم سُلَيْمَان فَقَالَ لَهَا لم أر
سُلَيْمَانِ فِي الصُّبْحِ فَقَالَت لَهُ إِنَّه بَات يُصَلِّي فغلبته عَيناهُ قَالَ عمر لَهُ لَان أشهد
صَلَاة الصُّبْحِ فِي جِمَاعَة أحب إِلَيّ من أَن أقوم لَيْلَةٍ)) رَوَاهُ مَالك(٢).
قوله: عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عمر بن الخطاب فقد
سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح وأن عمر غدا إلى السوق ومسكن
سليمان بين المسجد والسوق فمر على الشفاء أم سليمان فقال لها
(١) انظر: النهاية (١ /١٤٨)، والنجم الوهاج (٢/ ٤٩١).
(٢) أخرجه مالك (٣٤٧). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٣).

٣٨٧
كتاب الصلاة
[٢٦٨/ ب]: لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه،
الحديث، والشفاء أم سليمان هذه قرشية عدوية أسلمت قبل الهجرة، وكان
النبي وَ يأتيها ويقيل في بيتها، واسمها ليلى بنت عبد الله بن هاشم، ويقال:
ابن عبد شمس، والشفاء لقب غلبها وهي بكسر الشين وبالفاء والمد، وحكى
الدار قطني في كتاب العلل أن ابن عفير يقول: الشفاء بفتح الشين وتشديد
الفاء، وقال هي جدتي(١).
وقولها: فغلبته عيناه، المراد بذلك أنه نام عن صلاة الصبح والنوم من
الأعذار.
قوله: قال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أقوم
ليلة، معناه: لأن أحضر صلاة الصبح في جماعة أحب من أن أقوم ليلة.
٦١٤ - وَعَن أبي الدَّرْدَاءِ رَقْتَهُ عَنِ النَّبِيِ نَّهِ قَالَ من ◌َشى فِي ظلمَة اللَّيْل
إِلَى الْمَسَاجِد لَقِي الله عز وجل بِنور يَوْمِ الْقِيَامَة)» رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير
بِإِسْنَاد حسن وَلابْن حبَان فِي صَحِيحه نَحوه(٢).
(١) العلل (٣٠٩/١٥)، وتهذيب الكمال (٢٠٧/٣٥-٢٠٨ ترجمة ٧٨٦٩).
(٢) أخرجه الدارمي (١٤٢٩)، وابن حبان (٢٠٤٦)، والطبراني في الأوسط (٦٩/٥ رقم
٤٦٩٧) و(٣٧٠/٦-٣٧١ رقم ٦٦٤٤) والشاميين (٣٥١٣)، والمخلص في المخلصيات
(٢٣٥١). وقال الطبراني في الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن مكحول إلا جنادة،
تفرد به زيد بن أبي أنيسة. وقال الهيثمي في المجمع ٢/ ٣٠: رواه الطبراني في الكبير
ورجاله ثقات. وقال: وفيه جنادة بن أبي خالد ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣١٨) و(٤٢٤).

٣٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٦١٥- وَعَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَلِ بشر
الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلِم إِلَى الْمَسَاجِد بِالنورِ التَّامِ يَوْمِ الْقِيَامَة» رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن
خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِمِ وَاللَّفْظِ لَهُ وَقَالَ صَحِيحٍ على شَرط الشَّيْخَيْنِ
وَتقدم مَعَ غَيرِهِ(١)
وتقدم الكلام على حديث أبي الدرداء وحديث سهل بن سعد قريبا والله
أعلم.
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٨٠) وابن خزيمة (١٤٩٨) و(١٤٩٩)، والطبراني في الكبير (١٤٧/٦
رقم ٥٨٠٠)، والحاكم ١/ ٢١٢ و٢١١/٢. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وصححه الألباني في المشكاة (٧٢٢) وصحيح الترغيب (٤٢٥).

٣٨٩
كتاب الصلاة
[الترهيب من ترك حضور الجماعة لغير عذر]
٦١٦ - عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ من سمع
النداء فَلم يمنعهُ من اتِّبَاعه عذر قَالُوا وَمَا الْعذر قَالَ خوف أو مرض لم تقبل
مِنْهُ الصَّلَاةِ الَّتِي صلى)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَابْن مَاجَه
بِنَحْوِهِ(١).
قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على فضائله.
قوله وَلة: ((من سمع النداء فلم يمنعه من اتباعه عذر)) الحديث، المراد
بالنداء الأذان، وتقدم الكلام على ذلك.
قوله: ((فلم يمنعه من اتباعه عذر)) ففيه: أنه إذا تخلف لعذر فلا لوم عليه،
ومن الأعذار البرد والريح والمطر، وشرط كون المطر عذرا أن يحصل به
مشقة كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض فعلى هذا لا يعذر
بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشى فى كن(٢) والله أعلم؛ ومن الأعذار أيضًا
الوحل لأنه أشق المطر (٣)، وأما الثلج فإن بل الثوب فكذلك (٤)، ومن
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وأبو داود (٥٥١)، وابن حبان (٢٠٦٤). وصححه إلا الجملة
الأخير الألباني في صحيح أبي داود (٥٦٠) وضعفه في ضعيف الترغيب (٢٣٠).
(٢) النجم الوهاج (٣٣٨/٢).
(٣) النجم الوهاج (٣٣٩/٢).
(٤) المجموع (٤ / ٢٠٤).

٣٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأعذار أيضا الزلزلة فهذه الأعذار العامة(١)، وأما الأعذار الخاصة: فالمرض
لأن النبي وّ لما مرض ترك الخروج إلى الجماعة أياما كثيرة وضبطه
الأصحاب بأن يشق معه القصد إلى الجماعة مشقة كمشقة المشي في المطر،
فإن كانت مشقة يسير كوجع الضرس والصداع اليسير والحمى الخفيفة
فليس بعذر (٢)، وأما الخوف فالمراد به الخوف من ظالم على نفس أو مال
فالمراد النفس والمال المعصومان، والنووي هنا وفي باب التيمم نكر النفس
والمال ليشمل ماله ومال غيره ممن يلزمه الذب عنه، ولهذا كان أحسن من
قول الشرحين والروضة إلا أن يخاف على نفسه أو ماله، قال الرافعي: ولا
عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم بمنعه بل عليه الحضور وتوفية
الحق، ويدخل في باب الخوف ما إذا كان خبزه فى التنور أو قدره على النار
ولا متعهد لهما (٣)، والمراد بالعذر أن يسقط إثمه على قول الفرض والكراهة
على قول السنة، واختلفوا إذا تركها لعذر هل يحصل له فضلها فقطع في شرح
المهذب بعدم الحصول، قال النووي: وهو ظاهر إذا لم يكن عادة بها فإن
كان لازما لها يحصل لقوله : ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان
يعمل صحيحا مقيما)) رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، وقال الروياني
وابن الرفعة: كما ينفي العذر الحرج تحصل فضيلة الجماعة إذا كان قصده
(١) كفاية النبيه (٥٤٩/٣)، والنجم الوهاج (٣٤٤/٢).
(٢) النجم الوهاج (٣٣٩/٢).
(٣) النجم الوهاج (٣٤٠/٢).

٣٩١
كتاب الصلاة
الجماعة لولا العذر وبه قال القفال والغزالي في الخلاصة وهو الصواب ففي
سنن أبي داود والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال ((من توضأ فأحسن
[٢٦٩ / أ] الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله أجر من صلاها
وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا)) وذكر الرافعي في باب صفة
الصلاة: ((أن من صلى قاعدًا حصلت له فضيلة القيام)) وقال في شرح
المهذب: لا خلاف فيه(١) انتهى.
ومن الأعذار الخاصة: الجوع والعطش ومدافعة الحدث وخوف الظالم
كما تقدم والغريم المعسر وعقوبة يرجى العفو عنها بالتغيب واستشكله
الإمام وأكل ذي ريح كريهة ولو كان فجلا كما رواه الطبراني (٣)، ومن الأعذار
أيضًا التمريض للقريب والصهر والصديق وسفر الرفيق والخوف على الخبز
من الحريق، ومنها: غلبة النعاس والنوم وكذا السمن المفرط المانع من
الحضور قاله ابن حبان(٣)، ومنها: كونه في نوبة من يقسم لها لأن حقها
واجب فهو كذلك، قاله في شرح الإلمام.
قوله: ((لم تقبل منه الصلاة التي صلى)) حمل الجمهور قول الصحابة وما
جاء في الحديث من أنه لا صلاة له على نقصان الأجر والفضيلة، والمراد به
(١) النجم الوهاج (٣٣٧/٢-٣٣٨).
(٢) النجم الوهاج (٣٤٠/٢-٣٤٢).
(٣) المجموع (٤ /٢٠٥-٢٠٦)، وكفاية النبيه (٥٤٧/٣ - ٥٤٨)، والنجم الوهاج (٣٤٣/٢-
٣٤٤).

٣٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لم يقبل صلاته قبولا تاما كاملا وإن كان نفي الحقيقة أقرب لكن الجمع بين
الأحاديث بذلك أولى، وهذا إذا صلى منفردا ولم يأت المسجد، أما إذا أتى
إليه من غير تقصير ولم يدرك الجماعة فإنه یکتب له أجرها.
٦١٧ - وَعِنْهُ رَ أَنْ النَِّ نَّهِ قَالَ من سمع النداء فَلم يجب فَلَا صَلَاة لَهُ
إِلَّا من عذر)) رَوَاهُ الْقَاسِم بن أصبغ فِي كِتَابِهِ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي
صَحِيحِه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا(١).
قوله: وعنه، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله : ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) الحديث
يجيب عنه بان النداء نداء جمعة، والمراد بالإجابة هنا الإجابة بالقدم لا
باللسان قاله في تهذيب النفوس.
قوله: ((إلا من عذر)) تقدم الكلام على بعض الأعذار التي ذكرها العلماء
في كتب الفقه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ (٢)
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٩٣)، وابن حبان (٢٠٦٤)، والحسن بن سفيان في الأربعون (٢٢)،
وقاسم بن أصبغ في كتابه، كما في المحلى ٤/ ١٩٠، والبغوى في الجعديات (٤٨٣)، وابن
المنذر في الأوسط (١٨٩٨)، والطبراني في الأوسط (٣١٤/٤- ٣١٥ رقم ٤٣٠٣) والكبير
(١١/ ٤٤٦ رقم ١٢٢٦٦)، والحاكم (٢٤٥/١). وقال الحاكم: «هذا حديث قد أوقفه
غندر، وأكثر أصحاب شعبة وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد
أبو نوح ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولهما وله في سنده عن عدي بن ثابت شواهد،
فمنها)). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٦).
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٨.

٣٩٣
كتاب الصلاة
وسئل ابن عباس عن العذر قال: خوف أو مرض كما تقدم في أول الباب،
وتقدم نفس الخوف والمرض في الحديث الأول فكل هذه أعذار لفوت
حضور الجماعة فمن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الفقه والله أعلم.
قوله: رواه قاسم بن أصبغ في كتابه هو قاسم بن أصبغ بالغين المعجمة بن
محمد بن يوسف بن واضح بن عطاء مولى أمير المؤمنين الوليد بن عبد
الملك يعرف بالبياني كنيته أبو محمد، سمع من أئمة المشرق والأندلس،
ويحقق بعلم الحديث وكان أحد الحفاظ المتقنين ولد سنة سبع وأربعين
ومائتين، وتوفي سنة أربعين وثلثمائة (١) قاله في شرح الإلمام.
٦١٨ - وَعَن أبي الدَّرْدَاء رَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَلَهِ يَقُول مَا مِن ثَلَاثَة
فِي قَرْيَة وَلَا بَدو لَا تُقَام فيهم الصَّلَاة إِلَّ قد استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فَعَلَيْكُم
بِالْجَمَاعَة فَإِنَّمَا يَأْكُلِ الذِّتْب من الغنم القاصية رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ
وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ حِبَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمِ (٢) وَزَاد رزين فِي جَامعه
وَإِن ذِئْب الْإِنْسَانِ الشَّيْطَانِ إِذا خلا بِهِ أكله(٣). وَتقدم حَدِيث ابْن مَسْعُود ◌َّ ◌َةُ
(١) تاريخ علماء الأندلس (٤٠٦/١-٤٠٨)، وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٧٢-٤٧٤).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١٣٠٦) والمسند (٧٣)، وابن أبي شيبة في المسند (٣١)،
وأحمد ١٩٦/٥ (٢١٧١٠) و٤٤٦/٦ (٢٧٥١٤)، وأبو داود (٥٤٧)، والنسائي في
المجتبى ٢٨٨/٢ (٨٥٩) والكبرى (١٠٠٨)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، وابن حبان
(٢١٠١)، والحاكم ٢١١/١ و٢٤٦ و٤٨٢/٢، والبيهقى في الصغير (١٨٨/١ رقم
٤٨١) والكبرى (٧٧/٣ رقم ٤٩٢٩)، والبغوى (٧٩٣). وحسنه الألباني في المشكاة
(١٠٦٧) وصحيح أبي داود (٥٥٦) وصحيح الترغيب (٤٢٧).
(٣) ضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣١).

٣٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَفِيهِ وَلَو أَنْكُمْ صليتم فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا المتخلف فِي بَيْته لتركتم
سنة نَبِيكُم وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لَضَلَلْتُمْ الحَدِيثِ رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد
وَغَيرِهِمَا(١).
٦١٩ - وَفِي رِوَايَة لابِي دَاوُدْ وَلَو تركْتُم سنة نَبِيكُم لكَفَرْتُمْ(٢)، وَتقدم
حَدِيث أبي أُمَامَة فِي الْمَعْنِى مَرْفُوعًا.
قوله: عن أبي الدرداء واسمه عويمر تقدم الكلام على مناقبه.
قوله ◌َّية: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ
عليهم الشيطان)) الحديث، استحوذ أي: استولى عليهم وغلب وتمكن
وحواهم إليه، وهذه اللفظة أحد ما جاء على الأصل من غير إعلال خارجة
عن أخواتها، نحو استقال واستقام قاله ابن الأثير في النهاية(٣)، واستحواذ
الشيطان لا يكون إلا بترك الواجب (٤).
قوله وَطّ: ((فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))
القاصية البعيدة المتنحية عن القطيع، وفي بعض النسخ ((عن الأغنام))
والقاصي البعيد والقصاء الناحية، وفي بعض الأحاديث القاصية والشاذة
المنفردة(٥)، يعني: أن الشيطان بعيد [٢٦٩/ ب] من الجماعة كما أن الذئب
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦ و٢٥٧ - ٦٥٤)، وابن ماجه (٧٧٧)
(٢) أخرجه أبو داود (٥٥٠). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٢).
(٣) النهاية (١ / ٤٥٧).
(٤) تحفة الأبرار (١/ ٣٢٢).
(٥) الغريبين (٧٢٠/٢).

٣٩٥
كتاب الصلاة
لا يأكل الغنم المجتمعة لإطلاع الراعي عليها ويستولي الشيطان على من
فارق الجماعة كما أن الذئب يأكل الشاة المنفردة عن الأغنام والراعي
للجماعة نظر الله تعالى (١)، شبه النبي وَل تمكن الشيطان من المنفرد عن
الجماعة بتمكن الذئب من الشاة المنفردة البعيدة عن الأهل والغنم (٢).
ويؤيد: ذلك أيضًا قوله وَّة: ((وإن ذئب الإنسان الشيطان إن خلا به أكله))
كما رواه رزين العبدري في جامعه والله أعلم.
٦٢٠ - وَعَن معَاذ بن أنس رَوَّهُ عَن رَسُول اللهِ وَ طَهِ أَنْه قَالَ الْجَفَاء كل
الْجِفَاء وَالْكَفْر والنفاق من سمع مُنَادِي الله يُنَادِي إِلَى الصَّلَاة فَلَا يجِيبه رَوَاهُ
أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة زبان بن فائد(٣).
٦٢١ - وَفِي رِوَايَة للطبراني قَالَ: رَسُول الله وَّل بِحَسب الْمُؤمن من الشَّقَاء
والخيبة أَن يسمع الْمُؤَذِّن يثوب بِالصَّلَاةِ فَلَا يجِيبه(٤)
التثويب هَاهُنَا اسْم لإِقَامَة الصَّلَاة.
(١) المفاتيح (٢/ ٢٢١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٩٥/٤).
(٣) أخرجه أحمد ٤٣٩/٣ (١٥٦٢٧)، والطبراني في الكبير ١٨٣/٢٠ (٣٩٤ و٣٩٥)،
والطيورى في الطيوريات (٣٩٧). وقال الهيثمي في المجمع ٤١/٢-٤٢: رواه أحمد
والطبراني في الكبير وفيه زبان بن فائد ضعفه ابن معين ووثقه أبو حاتم. وضعفه الألباني في
ضعيف الترغيب (٢٣٣).
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير ١٨٣/٢٠ (٣٩٦). وقال الهيثمي في المجمع ٤٢/٢: رواه
الطبراني في الكبير وفيه زبان أيضًا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢٣٣).

٣٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن معاذ بن أنس هو: معاذ بن أنس [هو معاذ بن أنس الجهني، والد
سهل سكن مصر، روی عنه ابنه سهل، وله نسخة کبیرة عند ابنه سهل، أورد
منها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وأبو عيسى، وابن
ماجه، والأئمة بعدهم في كتبهم (١)].
قوله وَالّ: ((الجفا كل الجفا والكفر والنفاق من سمع منادي الله ينادي إلى
الصلوات فلا يجيبه)) الجفا معروف مشهور، والكفر ينقسم إلى أربعة أقسام،
الأول: النفاق، والثاني: كفر عناد وهو أن يعلم الحق ويترك الإيمان عنادًا كما
قال أبو طالب:
لقد علمت دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مقيما
الثالث: کفر الجحود وهو أن يعترف أولا ثم يجحد الاعتراف ومنه کفر
المرتد. والرابع: كفر الاعتقاد أعاذنا الله منه بمنه وكرمه(٢)، وتقدم المراد أن
النداء الأذان، وتقدم أيضًا أن المراد بالإجابة بالقدم لا باللسان.
قوله: رواه الطبراني من رواية زبان بن فائد هو زبان بن فائد [أبو جوين
الحمراوي، وهي محلة بطرف فسطاط مصر، كان على المظالم بمصر في
إمرة عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير أمير مصر لمروان بن محمد
ضعفه ابن معين، وقال أحمد: أحاديثه مناكير ووثقه أبو حاتم وقال ابن
(١) أسد الغابة (٤ /٤١٧ ترجمة ٤٩٥٠).
(٢) تهذيب اللغة (١١٠/١٠-١١١).

٣٩٧
كتاب الصلاة
يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم].
قوله: في رواية الطبراني قال: ((بحسب المؤمن من الخيبة والشقاء أن يسمع
المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه)) أي: يكفيه، والمراد بالتثويب هنا اسم
لإقامة الصلاة وتقدم الكلام أيضا على الإجابة.
٦٢٢ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَِّلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ لقد هَمَمْت أَنْ آمُر
فتيتي فيجمعوا لي حزما من حطب ثمَّ آتِي قوما يصلونَ فِي بُيُوتهم لَيست بهم
عِلّة فأحرقها عَلَيْهِم فَقيل ليزِيد هُوَ ابْن الْأَصَمِ الْجُمُعَة عَنِى أَو غَيرِهَا قَالَ
صمت أذناي إِن لم أكن سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يأثره عَن رَسُول الله وَّةٍ وَلم يذكر
جُمُعَةٍ وَلَا غَيرِهَا رَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُدْ وَابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ مُخْتَصرًا (١).
قوله: عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه.
قوله: ((لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا إلى حزما من حطب فأتى قوما
يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم)) الحديث، قال الإمام أبو عبد
الله القرطبى: وإنما يخرج هذا الحديث مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين
كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة(٢)، قال القاضي عياض والبيضاوي:
الجواب أن التحريق كان لاستهانتهم وعدم مبالاتهم بها لا لمجرد الترك أو المراد
بها الجمعة، أو المراد إلى رجال تركوا نفس الصلاة لا الجماعة(٣).
(١) أخرجه مسلم (٢٥٣ - ٦٥١)، وابن ماجه (٧٩١)، وأبو داود (٥٤٩)، والترمذى (٢١٧).
(٢) المفهم (٦/ ٦٣).
(٣) الكواكب الدراري (٣٧/٥).

٣٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واعلم أن هذا الأحاديث تدل على أن الصلاة في الجماعة سنة انفلتت
صلاة الفذ وسماها صلاة لكن جعل فضيلته أنقص منها.
٦٢٣ - وَعَن عَمْرو بن أم مَكْتُوم ◌َّ لَهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَنَا ضَرِير
شاسع الدَّار ولي قَائِد لَا يلايمني فَهَل تَجِد لي رخصَة أَن أُصَلِّي فِي بَيْتِي قَالَ
أتسمع النداء قَالَ نعم قَالَ مَا أجد لَك رخصَةٍ)) رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن
مَاجَه وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِم (١).
٦٢٤ - وَفِي رِوَايَة لأحمد عَنْهُ أَيْضاً أَن رَسُول الله ◌َّةِ أَتَى الْمَسْجِد فَرَأَى
فِي الْقَوْم رقة فَقَالَ إِنِّي لأهم أَن أجعَل للنَّاسِ إِمَامًا ثمَّ أخرج فَلا أقدر على
إِنْسَان يَتَخَلَّ عَن الصَّلَاةِ فِي بَيْتِه إِلَّا أحرقته عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنِ أمْ مَكْتُومٍ يَا رَسُول
الله إِن بيني وَبَيْنِ الْمَسْجِد نخلا وشجرا وَلا أقدر على قَائِد كل سَاعَة أيسعني
أَن ◌ُصَلِّي فِي بَيْتِي قَالَ أتسمع الإِقَامَة قَالَ نعم قَالَ فائتها وَإِسْنَادِ هَذِه جيد(٢)
قَوْله: شاسع الدَّارِ هُوَ بالشين الْمُعْجَمَةِ أَولا وَالسِّينِ وَالْعين الْمُهْمَلَتَيْنِ بعد
الألف أَي بعيد الدَّار وَلَا يلايمني أَي لَا يوافقني وَفِي نسخ أبي دَاوُد لا
يلاومني بِالْوَاو وَلَيْسَ بصواب قَالَه الْخطابِيّ وَغَيره.
(١) أخرجه أحمد ٤٢٣/٣ (١٥٤٩٠)، وابن ماجه (٧٩٢)، وأبو داود (٥٥٢)، وابن خزيمة
(١٤٨٠)، الطحاوي في مشكل الآثار (٥٠٨٦)، والحاكم (٢٤٧/١) و(٦٣٥/٣).
وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٥٦١) وصحيح الترغيب (٤٢٩).
(٢) أخرجه أحمد ٤٢٣/٣ (١٥٤٩١)، وابن خزيمة (١٤٧٩)، والطحاوي في مشكل الآثار
(٥٠٨٧ و٥٠٨٨)، والحاكم (٢٤٧/١). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٢٩).

٣٩٩
كتاب الصلاة
قَالَ الْحَافِظِ أَبُو بكر بن الْمُنْذر: روينَا عَن غير وَاحِد من أَصْحَاب رَسُول الله
أَنْهم قَالُوا من سمع النداء ثمَّ لم يجب من غير عذر فَلَا صَلَاة لَهُ مِنْهُم ابْن
وَسُـ
مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِك عَنِ النَِّي وَّهِ وَمن كَانَ يرِى أَن
حُضُورِ الْجَمَاعَات فرض عَطاء وَأحمد بن حَنْبَل وَأَبُو ثَوْر وَقَالَ الشَّافِعِىِ رَهُ لَا
أرخص لمن قدر على صَلَاة الْجَمَاعَة فِي ترك إتيانها إِلَّا من عذر(١) انْتهى
وَقَالَ الْخطابِيّ بعد ذكر حَدِيث ابْن أم مَكْتُومٍ: وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن
حُضُورِ الْجَمَاعَة وَاجِبٍ وَلَو كَانَ ذَلِك ندبا لَكَانَ أولى من يَسعهُ التَّخَلُّفِ عَنْهَا
أهل الضَّرُورَة والضعف وَمن كَانَ فِي مثل حَال ابْن أم مَكْتُوم وَكَانَ عَطاء بن
أبي رَبَاحِ يَقُول لَيْسَ لأحد من خلق الله فِي الْحَضَر وبالقرية رخصَة إِذا سمع
النداء فِي أن يدع الصَّلَاة.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا طَاعَة للوالد فِي ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات(٢) انتهى.
قوله: عن عمرو بن أم مكتوم، سمي به لکتمان نور عينيه، هو: عمرو بن
قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة القرشي العامري (٣)، هذا قول الأكثرين،
وقيل: اسمه عبد الله بن زائدة، واسم أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله عاتكة
بعين مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم كاف مفتوحة ثم ثاء مثلثة، هاجر إلى
المدينة قبل قدوم رسول الله وسلّم وبعد مصعب بن عمير، واستخلفه بالمدينة
(١) الإشراف (١٢٥/٢-١٢٦).
(٢) معالم السنن (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٣) الكواكب الدراري (١٨/٥).

٤٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ثلاث عشرة مرة في خروجه إلى الغزوات، قال ابن عبد البر: وأما قول قتادة
عن أنس استخلفه مرتين فلم يبلغه ما بلغ غيره وهو ابن خال خديجة أم
المؤمنين، أسلم قديما. [٢٧٠ / أ]
وكان صاحب اللواء يوم فتح القادسية فاستشهد بها، وقال ابن قتيبة رجع
إلى المدينة فمات بها وهو مشهور بالكنية زَّ لَ﴾(١).
وفي هذا الحديث دليل على جواز نسبة الإنسان إلى أمه، وفي الصحابة
جماعة عرفوا بذلك منهم ابن بجينة ويعلى بن منية والحارث بن البرصاء
وغيرهم رضي الله عنهم (٢).
قوله: أنا ضرير شاسع الدار، هو بالشين المعجمة أولا والسين والعين
المهملتين بعد الألف أي بعيد الدار، قاله الحافظ المنذري وزاد غيره، من
شسع شسوعًا، والشسوع جمع، شسع النعل وهو سيره، وجمع الشاسع
(٣)
شواسع (٣).
قوله: ولي قائد لا يلائمني قياده، أي: لا يوافقني، وفي بعض النسخ: لا
يلاومني بالواو وليس بصواب، قاله المنذري نقلا عن الخطابي وغيره (٤)،
انتھی.
(١) تهذيب الأسماء (٢٩٥/٢ - ٢٩٦ ترجمة ٩٨٧).
(٢) طرح التثريب (٢١٣/٢).
(٣) المجموع المغيث (٢/ ١٩٤).
(٤) معالم السنن (١ / ١٥٩).