Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١
كتاب الصلاة
.٠٠٫
[الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر]
٤٠٥ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َّالَّهُ قَالَ خرج رجل بَعْدَمَا أذن الْمُؤَذِّن فَقَالَ أما هَذَا
فقد عصى أَبَا الْقَاسِمِوَّثُمَّ قَالَ أمرنَا رَسُول الله وَّلِ قَالَ إِذا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِد
فَنُوديَ بِالصَّلَاةِ فَلا يخرج أحدكُمْ حَتَّى يُصَلِّي)) رَوَاهُ أَحْمد وَاللَّفْظِ لَهُ وَإِسْنَاده
صَحِيحٍ(١) وَرَوَاهُ مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه(٢) دون قَوْله
أمرنَا رَسُول الله ◌َيّ الخ.
٤٠٦ - وَعِنْهُ رَّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَِّ لَا يسمع النداء فِي مَسْجِدي هَذَا
ثُمَّ يخرج مِنْهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ ثُمَّ لَا يرجع إِلَيْهِ إِلَّ مُنَافِقٍ)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط
وَرُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح (٣).
(١) أخرجه الطيالسى (٢٧١١)، وإسحاق (٢٣٢)، وأحمد ٥٣٧/٢ (١٠٩٣٣). قال الهيثمي
في المجمع ٥/٢: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وضعفه الألباني في ضعيف
الترغيب (١٧٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨ و٢٥٩ - ٦٥٥)، وابن ماجه (٧٣٣)، وأبو داود (٥٣٦)، والترمذى
(٢٠٤)، والنسائى في المجتبى ١٦١/٢ (٦٩٥) و١٦٢/٢ (٦٩٦) والكبرى (١٨١٠)
و(١٨١١).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (١٤٩/٤ - ١٥٠ رقم ٣٨٤٢). قال الطبراني: لم يرو هذا
الحديث موصولا، عن أبي هريرة، عن صفوان وأبي حازم إلا ابن أبي حازم، تفرد به: أبو
مصعب. وقال الهيثمي في المجمع ٥/٢: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال
الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٢).
٦٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: خرج رجل، يعني من المسجد، بعد ما أذن المؤذن فقال: ((أما هذا
فقد عصى أبا القاسم ◌َّ)) الحديث، ففي هذا الحديث كراهة الخروج من
المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر من انتقاض طهارة أو
فوات رفقة أو صلاة في غيره(١)، والحديث يقتضي تحريم الخروج بعد
الأذان وقبل الصلاة لكنه متروك الظاهر لوجهين، أحدهما: أن ذلك محمول
على من خرج على نية ترك الصلاة مع الجماعة لأن الجماعة فرض عين أو
كفاية أو سنة لا يعذر تاركها، ومن عزم على ترك فرض الكفاية أو العين أثم
للوجه الثاني إذ المعصية قد تطلق ويراد بها الكراهة مجازًا لما بينهما من
مطلق المخالفة للنهي كما ذكر بعض الأصوليين، وهذا كقوله ◌َّ: ((من تعلم
الرمي ثم تركه فقد عصاني)) (٢) مع أن ترك الرمي ونسيانه مكروه أو أنه
محمول إما على نية ترك الجهاد كما قد فسره قوله وَالر: ((من مات ولم يغز
ولم يحدث نفسه بالغزو مات وفي قلبه شعبة من النفاق))(٣) وإما محمول على
نية ترك فرض العين، ويحتمل وجه ثالث وهو أن الرجل الذي خرج كان
منافقا معلوم النفاق لأبي هريرة، وإلا فالخروج من المسجد تقدم أنه غير
(١) شرح أبى داود (٢/ ٥٠٤) للعينى.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٩-١٩١٩) عن عقبة بن عامر.
(٣) أخرجه مسلم (١٥٨- ١٩١٠)، وأبو داود (٢٥٠٢)، والنسائي في المجتبى ٣٤٦/٥
(٣١٢٠) والكبرى (٤٤٩٩) عن أبى هريرة.
٦٤٣
كتاب الصلاة
محرم، ويحتمل وجه رابع وهو أن يكون المعنى فقد قارب أن يعصي أبا
القاسم وَّة، ونظير هذا قوله وسيٍ في تارك الرمي: ((فقد عصاني)) أي: قارب أن
يعصيني وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (١) أي إذا قاربن بلوغ
أجلهن يذهبن لأن بعد بلوغ الأجل وهو العدة لا رجعة، وكذلك قوله وَله :
((من ترك صلاة العصر فقد [٢٠٦/ ب] حبط عمله)) (٢) يحتمل فقد قارب أن
يحبط عمله، وقد أجاب الشافعي رحمه الله بنحو ذلك في قوله {َله في حديث
جبريل ،فَلَّه: ((فصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله)) (٣)
أي حين قارب أن يصير مثله، قاله ابن العماد في شرح العمدة (٤).
قوله: فقال: ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم وَّةٍ)) ففيه تعظيم الرجل بذكره
بالكنية، ففي كتاب أسماء النبي وَّ لابن دحية أن كنية النبي وَّ أبو الأرامل،
والذي في الذخائر أن كنيته وَّ في الآخرة أبو الأرامل(٥)، روى الحاكم في
المستدرك بسنده إلى محمد بن عجلان أن رسول الله وَال قال: ((أنا أبو
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.
(٢) أخرجه البخارى (٥٥٣) و(٥٩٤)، والنسائى في المجتبى ٥٧٣/١ (٤٨١) والكبرى
(٤٤٤) عن بريدة.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذى (١٤٩ و١٥٠) عن ابن عباس.
وقال الترمذى: حديث ابن عباس حديث حسن.
وصححه الألباني في المشكاة (٥٨٣)، الإرواء (٢٤٩)، صحيح أبي داود (٤١٦).
(٤) ذكره أيضا في تسهيل المقاصد (لوحة ٤٨ و٤٩).
(٥) الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق (ص ٤١٥).
٦٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القاسم، الله يعطي وأنا أقسم))(١)، وقال أبو عبد الله الأشبيلي في كتاب الذخائر
والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق وهو كتاب حسن نحو مجلدين:
وكني رسول الله وَّ بأبي القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة (٢)،
وروى الحاكم بإسناد به ابن لهيعة عن أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم بن
النبي بَّ أتاه جبريل عَلام، فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم(٣)، وفي
الصحيحين عن جماعة من الصحابة منهم جابر(٤) وأبو هريرة(٥) أن رسول
الله وَّ قال: ((تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي))، واختلف العلماء في ذلك
على ثلاثة مذاهب فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن ذلك لا يحل لأحد
(١) أخرجه ابن سعد (١٠٦/١)، وأحمد ٤٣٣/٢ (٩٥٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد
(٨٤٤) والتاريخ الأوسط (١٤/١) والبزار (٨٣٦٥)، وابن حبان (٥٨١٧)، والحاكم
(٦٠٤/٢). وصححه الحاكم. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٩٤٦).
(٢) الذخائر والأعلاق في آداب التقوى ومكارم الأخلاق (ص ٤١٥).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٣٥/١)، وابن أبى عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٢٧)
و(٣١٢٨) و(٣١٢٩)، والدولابى في الكنى (١٧) و(١٨)، والطبراني في الأوسط
(٨٩/٤ - ٩٠ رقم ٣٦٨٧)، وابن السنى (٤١٠)، والحاكم (٢/ ٦٠٤). قال الطبراني: لم
يَرو هذا الحديث عن الزهري إلا يزيد بن أبي حبيب وعقيل بن خالد، تفرد به ابن لهيعة
عنهما. وقال الهيثمي في المجمع ١٦١/٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة،
وهو ضعيف.
(٤) أخرجه البخارى (٣١١٤) و(٣١١٥) و(٣٥٣٨) و(٦١٨٧) و(٦١٩٦)، ومسلم (٣ و٤
و٥ و٦ - ٢١٣٣).
(٥) أخرجه البخارى (١١٠) و(٣٥٣٩) و(٦١٨٨) و(٦١٩٧)، ومسلم (٨ - ٢١٣٤).
٦٤٥
كتاب الصلاة
سواء كان اسمه محمدًا أو غيره، وممن رواه عن الشافعي، البيهقي، والبغوي
في تهذيبه في أول كتاب النكاح، وأبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق (١).
والمذهب الثاني: مذهب مالك أن ذلك جائز مطلقا لمن اسمه محمد
وغيره، ويجعل النهي خاصا بحياة النبي وَل﴾ (٢).
والمذهب الثالث: أنه لا يجوز لمن اسمه محمد ويجوز لغيره، قال
الرافعي: يشبه أن يكون هذا الثالث أصح لأن الناس لم يزالون يكتبون به في
جميع الأمصار من غير إنكار، قال النووي: وهذا الذي قاله صاحب هذا
المذهب فيه مخالفة لظاهر الحديث يعني الذي في الصحيحين: ((تسموا
باسمي ولا تكتنوا بكنيتي)) وأما إطباق الناس على فعله مع أن المتكنين به
أئمة أعلام وأهل الحل والعقد الذين يقتدى بهم في فعل الدين ففيه تقوية
لمذهب الإمام مالك في جوازه مطلقا ويكون قد فهموا من النهي
الاختصاص بحياته وَجليل لما هو مشهور من سبب النهي في تكني اليهود بذلك
ومناداتهم به للإيذاء وهذا المعنى قد زال(٣) والله أعلم.
تنبيه: له وَّ ثلاثة بنين القاسم وبه يكنى ولد قبل النبوة وتوفي وهو ابن
سنتين وعبد الله ويسمى الطيب والطاهر وقد ولد بعد النبوة، وقيل الطيب
والطاهر غير عبد الله والصحيح الأول والثالث إبراهيم ولد بالمدينة ومات
(١) السنن الكبرى (٥١٩/٩-٥٢٠)، والتهذيب (٢٢٤/٥)، وتاريخ دمشق (٤٣/٣ - ٤٤).
(٢) إكمال المعلم (٧/ ٧)، والمجموع (٤٣٩/٨)
(٣) المجموع (٤٤٠/٨).
٦٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر شهرا أو ثمانية عشرا وكلهم من خديجة
رضي الله عنها إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية وكلهم توفوا قبله الذكور
والإناث إلا فاطمة رضي الله عنها فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الأصح
والله أعلم.
قوله زَوَّهُ: ثم قال: أمرنا رسول الله وَّ إذا كنتم في المسجد فنودي
بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) اعلم أن هذا الحديث من المرفوع
وكذلك حديث ((من لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله))(١) احتملا على
أن يكون الصحابي سمع تحريم [٢٠٧/ أ] ذلك من النبي ◌َّ، وادعى ابن
عبد البر في حديث الدعوة أنه مرفوع عندهم لا يختلفون في ذلك(٢) قال
عقيل: وللنظر فيه مجال وقال المنذري عن أبي القاسم الجوهري إنه
موقوف(٣) انتهى قاله في شرح الإلمام.
تنبيه: والمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب
الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث
إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو بعضهم مرفوعا وبعضهم
موقوفا حكم بالاتصال وبالمرفوع ووجب العمل به لأنها زيادة ثقة وهي
(١) أخرجه مالك (١٥٧٣)، والبخارى (٥١٧٧)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ و١٠٩ - ١٤٣٢) عن
أبى هريرة.
(٢) انظر الاستذكار (٥٣٠/٥) والتمهيد (١٧٥/١٠).
(٣) مسند الجوهرى (ص ١٩٣).
٦٤٧
كتاب الصلاة
مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف والله أعلم قاله النووي(١).
قوله: عنه، تقدم الكلام علیه.
قوله ولية: ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا
يرجع إليه إلا منافق)) النفاق أصغر وأكبر على ما فصله العلماء في كتبهم،
فيكره الخروج من مسجد النبي وسيلة بعد الأذان، وهذا وإن كان عاما في كل
مسجد إلا أنه يتأكد هنا، قاله الزركشي (٢).
٤٠٧ - وَرُوِيَ عَنِ عُثْمَان بن عَفَّان رَّ ◌ِلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّالِ مِن أَدْركهُ
الْأَذَان فِي الْمَسْجِد ثمَّ خرج لم يخرج لحَاجَة وَهُوَ لَا يُرِيد الرّجْعَة فَهُوَ مُنَافِقٍ
رَوَاهُ ابْن مَاجَه(٣) .
٤٠٨- وَعَن سعيد بن المسيب رَّ لَهُ أَن النَّبِيِ وَلِ قَالَ لَا يخرج من
الْمَسْجِد أحد بعد النداء إِلَّا مُنَافِقٍ إِلَّ لعذر أخرجته حَاجَة وَهُوَ يُرِيد الرُّجُوع
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله (٤).
قوله: عن سعيد بن المسيب هو الإمام الجليل أبو محمد سعيد بن
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ٣٢).
(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ٢٧٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٧٣٤)، وأبو نعيم في صفة النفاق (٦١). وضعفه الألباني جدا في
المشكاة (١٠٧٦) ثم صححه في صحيح الترغيب (٢٦٣)، الروض النضير (١٠٧٤)،
الصحيحة (٢٥١٨).
(٤) أخرجه ابن وهب في الجامع (٤٧٦)، وعبد الرزاق (١٩٤٦)، والدارمى (٤٦٠)، وأبو
داود في المراسيل (٢٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٤).
٦٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المسيب القرشي المخزومي التابعي إمام التابعين، وأبو المسيب وجده
(حزن) صحابيان، أسلما يوم فتح مكة، ويقال: المسيب بفتح الياء وكسرها
والفتح أشهر، وحكى عنه أنه كان يكرهه، ومذهب أهل المدينة الكسر، ولد
سعيد بن المسيب لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل: أربع
سنين ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص
وجماعات كثيرة من الصحابة غير من ذكر، واتفق العلماء على إمامته
وجلالته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفضيلة ووجوه الخير، واتفقوا
على توثيقه، ورى له البخاري ومسلم، توفي سنة ست وقيل سنه سبع
وخمسين ومائة، وقيل: غير ذلك(١).
قوله وملعقة: ((لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق)) المراد بالنداء
الأذان، وتقدم معنى الحديث في الأحاديث قبله.
٦٤٩
كتاب الصلاة
[الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة]
٤٠٩- عَن أنس بن مالك رَّ لَهُ أَن رَسُول الله وََّ قَالَ الدُّعَاء بَيْن الأَذَان
وَالْإِقَامَة لَا يرد)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظِ لَهُ وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَابْن
حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَزَادٍ فَادعوا(١) وَزَاد التِّرْ مِذِيّ فِي رِوَايَة قَالُوا فَمَاذَا نقُول
يَا رَسُول الله قَالَ سلوا الله الْعَافِيَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ(٢).
قوله: عن أنس، تقدم.
قوله وَّالية: ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد)) الحديث، فيستحب الدعاء
بين الأذان والإقامة لهذا الحديث لأن الدعاء حينئذ مستحب، والمستحب أن
يقعد فيها قعدة ينتظر فيها الجماعة لأن الذي رواه عبد الله بن زيد أنه أذن
وقعد قعدة ثم قام إلا في صلاة المغرب لضيق وقتها، انتهى قاله الدميري(٣).
وقال في تهذيب النفوس: [ومن مظان الإجابة عند الإقامة]، قال الشافعي:
أخبرني من لا يتهم عن عبد العزيز بن عمر عن مكحول عن النبي وَلو أنه قال:
(١) أخرجه أبو داود (٥٢١)، والترمذى (٢١٢) و(٣٥٩٥)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٠٥)
و (١٠٠٠٦ و١٠٠٠٧)، وابن خزيمة (٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٧)، وابن حبان (١٦٩٦). وقال
الترمذى: حديث أنس حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦٥).
(٢) أخرجه الترمذى (٣٥٩٤). وقال الترمذى: هذا حديث حسن وقد زاد يحيى بن اليمان في
هذا الحديث هذا الحرف، قالوا: فماذا نقول؟ قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة.
وقال الألباني: وهي زيادة منكرة كما بينته في الإرواء (١ / ٢٦٢).
(٣) النجم الوهاج (٦٦/٢).
٦٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
((اطلبوا الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث))(١) قال
وروينا عن غير واحد: طلب الإجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة (٢)، قال
البيهقي: وقد روينا في حديث موصول عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي
وَالخلية: ((أن الدعاء لا يرد عند النداء وعند [البأس] وتحت المطر)) وروي عن
أبي أمامة عن النبي وَّ قال: ((تفتح أبواب السماء ويستجاب النداء في أربعة
مواطن عند التقاء الصفوف وعند نزول الغيث وعند إقامة الصلاة وعند رؤية
الكعبة))(٣).
فنلخص من هذا كله أن الدعاء مندوب إليه عند الأذان وبعد الفراغ منه
وعند إقامة الصلاة [٢٠٧ / ب] يستجاب الدعاء بمكة وكانوا يرون أن الدعوة
في تلك البلد مستجابة، قال الحسن البصري: الدعاء مستجاب هناك في
خمسة عشر موضعا: في الطواف، وعند النوم، وتحت الميزاب، والبيت،
وعلى الصفا والمروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، والمزدلفة،
وعند الجمرات، وفيها أحاديث، قاله الزركشي(٤)، فليكثر المرء من ذكر
حاجاته فالكريم يعطي وبابه مفتوح.
(١) أخرجه الشافعى في الأم (٢٨٩/١) وصححه الألباني في الصحيحة (١٤٦٩).
(٢) الأم (٢٨٩/١).
(٣) معرفة السنن والآثار (١٨٦/٥ -١٨٧ رقم ٧٢٣٦ -٧٢٤٠).
(٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد (ص ١١٠).
٦٥١
كتاب الصلاة
٤١٠- وَعَن سهل بن سعد زَو ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّه ◌َيِ ساعتان تفتح
فيهمَا أَبْوَابِ السَّمَاء وقلما ترد على دَاع دَعوته عِنْد خُضُور النداء والصف فِي
سَبِيل الله وَفِي لفظ قَالَ ثِنْتَانِ لا تردان أَو قَالَ مَا يردان الدُّعَاء عِنْد النداء وَعند
الْبَأس حِين يلحم بعض بَعْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي
صَحِيحَيْهِمَا إِلَّا أَنه قَالَ فِي هَذِه عِنْدِ حُضُورِ الصَّلَاةَ(١).
٤١١ - وَفِي رِوَايَة لَهُ ساعتان لا ترد على دَاعِ دَعوته حِين تُقَام الصَّلَاة وَفِي
الصَّفّ فِي سَبِيل الله))(٢) وَرَوَاهُ الْحَاكِمِ وَصَحِحَهُ وَرَوَاهُ مَالك مَوْقُوفًا(٣)
قَوْله يلحم هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي حِين ينشب بَعضهم بِبَعْض فِي الْحَرْب.
قوله: عن سهل بن سعد، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَي: ((ساعتان يفتح فيهما أبواب السماء، وقل ما ترد على داع دعوته
عند حضور النداء والصف في سبيل الله)) الحديث، قال العينى: فيه الحض
على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة، وقد جاء في
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٤٠) وابن خزيمة (٤١٩)، وابن حبان (١٧٢٠). وصححه الألباني
في صحيح الترغيب (٢٦٦).
(٢) أخرجه ابن حبان (١٧٦٤)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٤٠ رقم ٥٧٧٤) و(١٥٩/٦ رقم
٥٨٤٧). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٧٤) و(١٧٦) و(٨٣٤) وقال: منكر.
(٣) أخرجه مالك (١٧٨) ومن طريقه البخارى في الأدب المفرد (٦٦١) والحاكم (١/
١٩٨)، (٢/ ١١٣). قال الحاكم: هذا حديث ينفرد به موسی بن يعقوب، وقد یروی عن
مالك، عن أبي حازم. وموسى بن يعقوب، ممن يوجد عنه التفرد. اهـ. وقال في الموضع
الثاني: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب (٢٦٦).
٦٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث: ((ساعتان لا يرد فيهما الدعاء حضرة النداء في الصلاة وحضرة
الصف في سبيل الله))(١) فدلهم رسول الله وَله على أوقات الإجابة(٢).
قوله: وفي لفظ قال: ((ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين
يلحم بعضٌ بعضًا)) الحديث، المراد بالنداء الأذان.
وقوله: ((حين يلحم)) بالحاء المهملة، أي: حين ينشب بعضهم ببعض في
الحرب، انتهى، قاله المنذري، وضبطه غيره بالحاء والجيم وكلاهما ظاهر،
قاله النووي(٣)، وقال في النهاية: أي حين تشتبك الحرب بينهم ويلزم بعضهم
بعضًا، فقال: ألحم الرجل واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا،
وألحمه غيره فيها ولحم إذا قتل فهو ملحوم ولحيم والملحمة الحرب
وموضع القتال، والجمع الملاحم مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها
كاشتباك لحمة الثوب بالسداء، وقيل: هو من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها،
ومن أسمائه وَّ نبي الرحمة ونبي الملحمة يعني: نبي القتال وهو كقوله
الآخر بعثت بالسيف (٤).
٤١٢ - وَعَن أبي أُمَامَةِ رََّهُ عَنِ النَِّنَِّقَالَ إِذا نَادَى الْمُنَادِي فتحت أَبْوَاب
السَّمَاء واستجيب الدُّعَاء فَمن نزل بِهِ كرب أَو شدَّة فليتحين الْمُنَادِي فَإِذا كبر
(١) أخرجه مالك (١٧٨).
(٢) عمدة القارى (١٢٣/٥).
(٣) معالم السنن (٢٤٧/٢)، والأذكار (ص ٣٥٧).
(٤) النهاية (٢٣٩/٤-٢٤٠).
٦٥٣
كتاب الصلاة
كبر وَإِذا تشهد تشهد وَإِذا قَالَ حَيّ على الصَّلَاة قَالَ حَيّ على الصَّلَاة وَإِذا قَالَ
حَيّ على الْفَلاحِ قَالَ خَيّ على الْفَلاحِ ثُمَّ يَقُول اللَّهُمَّ رب هَذِهِ الدِعْوَة النَّامَّة
الصادقة المستجابة المستجاب لَهَا دَعْوَة الْحق وَكلمَة التَّقْوَى أحينا عَلَيْهَا وأمتنا
عَلَيْهَا وابعثنا عَلَيْهَا واجعلنا من خِيَارِ أَهْلِهَا أَحْيَاء وأمواتا ثمَّ يسْأَل الله حَاجته رَوَاهُ
الْحَاكِمِ من رِوَايَة عفير بن معدان وَهُوَ واه وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(١)
قَوْله: فليتحين الْمُنَادِي أَي ينْتَظر بدعوته حِين يُؤذن الْمُؤَذِّن فَيُجِيبُ ثمَّ
یسْأَل الله تَعَالَى حَاجته.
قوله: عن أبي أمامة، تقدم الكلام علیه.
قوله وَ له: ((إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء))
تقدم الكلام على النداء.
قوله ◌َّة: ((فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي، فإذا كبر كبر وإذا
تشهد تشهد)) الحدیث.
قوله: ((فليتحين المنادي)) أي: ينتظر بدعوته حين يؤذن المؤذن فيجيبه ثم
يسأل الله تعالى حاجته قاله المنذري.
(١) أخرجه أبو يعلى كما في اتحاف الخيرة (٩٠٨/ ٢) والمطالب العالية (٢٤٢)، وعنه ابن
السنى في اليوم والليلة (٩٨)، والطبراني في الدعاء (٤٥٨)، والحاكم (١ / ٥٤٦)، وأبو
نعيم في الحلية (١٠ / ٢١٢-٢١٣)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٨٠). وصححه
الحاكم. وقال أبو نعيم: غريب من حديث سليم وعفير، لا أعلم رواه عنه إلا الوليد. وقال
الذهبى: قلت: فيه عفير بن معدان وهو واه جدًّا. وضعفه الألباني جدا في ضعيف الترغيب
(١٧٧).
٦٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال في شرح الإلمام: وفيه الإجابة بكلمات الأذان [والتأمين] بلفظ
الحيعلتين، وهي فائدة جليلة ودليل على أن كلا من الحوقلة والحيعلة
تحصل به السنة.
قال التيمي: قال بعضهم: الحيعلة دعاء إلى الصلاة فلا معنى لقول السامع
ذلك لأن دعاء الناس إلى الصلاة سرًا لا فائدة له بل يجعل مكانه الحوقلة
لأنها كنز من كنوز الجنة(١).
وقال بعض العلماء: ولأن الحيعلة دعاء للصلاة فحسن لسامعها الإتيان بلا
حول ولا قوة إلا بالله عوضًا عنها، والحاء والعين لا يجتمعان في كلمة واحدة
أصلية الحروف لقرب مخرجهما إلا أن تؤلف كلمة بكلمتين كقولهم [حيعل]
وبسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا قاله
الجوهري، وقال الأزهري وغيره: حولق بتقيدم اللام على القاف، وسبحل إذا
قال سبحان الله، وحمدل إذا قال الحمد لله، وهيلل إذا قال لا إله إلا الله، والجعفلة
جعلت فداك، والطلبقة [٢٠٨/ أ] أطال الله بقاءك، والدمعزة أدام الله عزك(٢).
قوله: في الكلام على الرواة رواه الحاكم من رواية عفیر بن معدان وهو
واه، هو: عفير بن معدان (أبو عائذ الحضرمي، ويقال: اليحصبي، ويقال: أبو
معدان الحمصي المؤذن عن عطاء بن يزيد وعطاء بن أبي رباح وعدة وعنه
الوليد بن مسلم وأبو اليمان وخلق ضعفوه).
(١) الكواكب الدرارى (١٣/٥).
(٢) النجم الوهاج (٢/ ٦٣).
٦٥٥
كتاب الصلاة
٤١٣- وَعَن عبد الله بن عمرو رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله
إِن المؤذنين يفضلوننا فَقَالَ رَسُول الله وَِّ قل كَمَا يَقُولُونَ فَإِذا انْتَهَيْت فسل
تعطه)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَانِ فِي صَحِيحه وَقَالا تعط بِغَيْرِ هَاءِ(١).
قوله: عن عبد الله بن عمر، تقدم الكلام على مناقبه في أول هذا التعليق
مبسوطًا.
قوله: أن رجلًا قال: يا رسول الله: إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله
وَّ الية: ((قل كما يقولون)) الحديث، يفضلوننا يعني في الأجر والثواب، وتقدم
الكلام أيضًا على فضل الأذان مبسوطًا وعلى الإجابة.
قوله: ((فإذا انتهيت فسل تعطه)) رواه أبو داود بالهاء، ورواه النسائي وابن
حبان وقال: ((فسل تعط)) يعني: تعطى.
(١) أخرجه أبو داود (٥٢٤)، والنسائي في الكبرى (٩٧٨٩)، وابن حبان (١٦٩٥)، والطبراني
في الكبير (٣٦/١٤ رقم ١٤٦٣٣) و(٧٩/١٤ رقم ١٤٦٨٥). وحسنه الألباني في المشكاة
(٦٧٣) وصحيح أبى داود (٥٣٧) وصحيح الترغيب (٢٥٦) و(٢٦٧).
٦٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترغيب في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها]
قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾(١) أي:
تبنى (٢) كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِكُمُ الْقَوَاعِدَ﴾(٣) فالرفع هنا إما حقيقي
أو مجازي كالتطهر في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾(٤) قال العلماء: والمراد بالبيوت
هنا المساجد، وقيل: المساجد بيوت الله تضيء لأهل المساجد كما تضيء
النجوم لأهل الأرض(٥).
٤١٤- وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان زقڅ﴾ أَنه قَالَ: عِنْد قَول النَّاس ◌ِهِ حِین بنى
مَسْجِدْ رَسُول الله وَّهِ إِنَّكُمْ أَكثرْتُمْ عَليّ وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله وَِّ يَقُول من
بنى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجه الله بنى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّة وَفِي رِوَايَة بنى الله لَهُ مثله
فِي الْجِنَّة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَغَيرِهِمَا (٦).
قوله: عن عثمان بن عفان، يجوز في عفان الصرف وعدمه، وتقدم الكلام
على مناقب عثمان مبسوطا والله أعلم.
(١) سورة النور، الآية: ٣٦.
(٢) قاله مجاهد كما في تفسيره (١/ ٤٩٣) وتفسير الطبرى (٣١٦/١٧).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٧ .
(٤) سورة الحج، الآية: ٢٦.
(٥) إعلام الساجد (ص ٣٦).
(٦) أخرجه البخارى (٤٥٠)، ومسلم (٢٤ و٢٥ و٤٣ و٤٤ -٥٣٣)، وابن ماجه (٧٣٦)،
والترمذى (٣١٨).
٦٥٧
كتاب الصلاة
قوله زَّو ◌َّهُ أنه قال عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله وَ الخالد:
إنکم أکثرتم وإني سمعت رسول الله څ یقول: «من بنى مسجدًا یبتغي به وجه
الله بنى الله له بيتا في الجنة».
وفي صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء
المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه على هيئته فقال: سمعت رسول
الله ◌َّ يقول: ((من بنى مسجدًا بنى الله له بيتاً في الجنة)) قال الواقدي: وفي
السنة التاسعة والعشرين وسع عثمان مسجد رسول الله وَل وابتدأ في بنيانه في
شهر ربيع الأول، وبناه بالحجارة المنقوشة وزخرفه بالقصة وسقفه بالساج
وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل له ستة
أبواب، قال: وإنما وسعه لأنه ضاق بالناس، قاله ابن الجوزي(١)، وفي سنة
ثمان وثمانین کان تجدید مسجد رسول الله ێ(٢)، روى أبو داود عن ابن
عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله وَّه مبنيًّا باللبن وسقفه بالجريد
وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا وتخرب في عهد عمر فبناه على
حاله وبناه عثمان وزاد فيه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل أعدمته من
حجارة منقوشة وسقفه بالساج(٣).
(١) المنتظم (٥/٥).
(٢) المنتظم (٢٨٣/٦).
(٣) إعلام الساجد (ص ٢٢٤ - ٢٢٥).
٦٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وروي أنه قيل لرسول الله وَتاليه: هده أي أصلحه، فقال: عريش كعريش
موسى(١) ثم إن الوليد هدمه في هذه السنة وزاد فيه وأدخل حجرات أمهات
المؤمنين فيه وكان يتولى المدينة يومئذ عمر بن عبد العزيز واستعمل على
هدمه وبنائه صالح بن كيسان، فبدأ في عمله في شهر صفر من هذه السنة حتى
كمل على [أفخم هيّة وأحسن بنية وأتمّ إتقان] ثم وسعه المهدي سنة ستين
ومائة وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسعه وعلى موضع [٢٠٨/ ب] زيادته
مكتوب: أمر عبد الله المأمون بعمارة مسجد رسول الله مَّله سنة اثنتين
ومائتين، طلب ثواب الله وطلب كرماة الله تعالى فإن الله عنده ثواب الدنيا
والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا، أمر عبدُ الله عبدَ الله بتقوى الله ومراقبته
وصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنة رسوله وتعظيم ما صغرته الجبابرة من
حقوق الله وإحياء ما أماتوه من العدل وتصغير ما عظموه من الهوان والجور
وأن تطعيوا الله وتعصوا من عصى الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله
تعالی، انتھی، قاله في تاریخ کنز الدرر(٢).
وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أنهم كانوا يحملون اللبن إلى
بناء المسجد ورسول الله وَلّ معهم، قال: فاستقبلت رسول الله وَال وهو
(١) روي مرسلًا عن الحسن البصري وسالم بن عطية والزهري وراشد بن سعد وموصولًا عن
أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. وصححه الألباني في الصحيحة (٦١٦) وحسنه من طريق
الحسن في صحيح الترغيب (١٨٧٦).
(٢) كنز الدرر (٢٦٠/٤-٢٦١).
٦٥٩
كتاب الصلاة
عارض لبنة على بطنه فظننت أنها شقت عليه فقلت ناولنيها يا رسول الله قال:
(خذ غيرها يا أيا هريرة فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة))(١) ومعنى أن العيش
عيش الآخرة أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هي الدار الآخرة(٢) وهذا
كقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْخَيَوَانُ﴾(٣) أي دار الحياة التي لا تزول ولا
موت فيها (٤).
تتمة: عن أنس بن مالك رَ اللهُ قال: كان موضع مسجد النبي بَّ لبني
النجار وكان فيه نخل ومقابر المشركين، فقال لهم النبي وَلّ: ((ثامنوني به))
أي: بايعوني، قالوا: لا نأخذ له ثمنًا أبدًا، قال: وكان النبي بَل يبنيه وهم
يناولونه والنبي ◌ٍّّ يقول: ((أن إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار
والمهاجرة)) قال: وكان النبي ◌َّل يصلي قبل أن يبني المسجد حيث أدركته
الصلاة، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي (٥)، وبنو النجار: قبيلة من
(١) أخرجه أحمد ٣٨١/٢ (٨٩٥١). قال البخاري في التاريخ الأوسط ١٧/١: لا يعرف
للمطلب سماع من أبي هريرة، وقال أبو حاتم الرازي كما في المراسيل ص ٢٠٩: عن أبي
هريرة مرسل. قال الهيثمي في المجمع ٩/٢: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. قال
الصالحى في سبل الهدى (٣٣٧/٣): وهذا كان في بنائه المرّة الثانية، لأن أبا هريرة لم
يسلم في الأولى. وضعفه الألباني في الثمر المستطاب (١ /٤٥٨).
(٢) المجموع (٢٤٤/٧) وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ١٤١) وكفاية النبيه (٧ / ١٧٤).
(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.
(٤) تفسير الثعلبى (٢٨٩/٧)، وتفسير القرطبى (٣٦٢/١٣).
(٥) أخرجه البخارى (٤٢٨) و(٣٩٣٢)، ومسلم (٩ - ٥٢٤)، وأبو داود (٤٥٣ و٤٥٤)،
والنسائى في المجتبى ١٨١/٢ (٧١٤) والكبرى (٨٦٩).
٦٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الأنصار وهم أخوال النبي وَله وذلك أن هاشما تزوج امرأة من بني النجار
تسمی سلمى بنت عمرو بن زيد بن عدي بن النجار فولدت له عبد المطلب
بن هاشم فمن هنا كانوا اخوال النبي وَّ، وذكر ابن سعد في الطبقات عن
الواقدي أن النبي ◌َّ اشتراه له من [بني عفراء] بدنانير دفعها عنه أبو بكر
الصديق نَّهُ (١)، فإن صح هذا فلم يأخذه النبي وَّ إلا بالثمن لأنه كان
ليتيمين، ولما كان ثمنه عشرة ضاعف الله فيه الصلاة إلى ألف حسنة لأن
الحسنة بعشر أمثالها وضاعف الله المائة المضاعفة إلى ألف، ولما كان داود
عليه الصلاة والسلام اشترى موضع المسجد الأقصى بخمسة قناطير من
الذهب جعل الله له الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، ومال نبينا وَّ الذي صرفه
في المسجد قناطير داود الخمسة مرتين، وهذا المعنى ملحوظ من قوله وكل اله
في الحديث: ((سبق درهم مائة ألف درهم)) وهذا الحديث ذكره الحافظ
المنذري في ترغيبه في الصلاة وفسر معناه والله أعلم.
قوله وَّه: ((من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة)) وفي
رواية: ((بنى الله له بيتا في الجنة مثله)) قال الإمام القرطبي: هذه المثلية ليست
على ظاهرها ولا من كل الوجوه وإنما معناه: أن الله بنى له بثوابه بناء أشرف
وأعظم وأرفع (٣)، انتهى.
وقال السهيلي: جزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل [٢٠٩ / أ] وإن كان أشرف
(١) الطبقات (٢٣٩/١)، وتاريخ مكة المشرفة (١/ ٢٦٦).
(٢) المفهم (٥/ ٦١).