Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الطهارة
قوله: خرج علينا رسول الله صلقد وفي يده الدرقة فوضعها ثم جلس قبال
إليها، الحديث؛ الدرقة: الجحفة، والجمع: درق.
قوله: فقال بعضهم: انظروا يبول كما تبول المرأة فسمعه النبي وَله، فقال:
((ويحك، أما علمت ما أصاب بني إسرائيل)) الحديث، ويحك وويلك
والفرق بينهما؟ اعلم أن ويحك كلمة رحمة كقوله ◌َّ لعمار بن ياسر: ((ويح
ابن سمية تقتله الفئة الباغية))(١)، لأنها كلمة ترحم وتوجع، فقال لمن وقع في
هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وحكى عن عمر بن
الخطاب أنه قال: ويح كلمة رحمة، وقال الهروي: ويح كلمة تقال لمن وقع
في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرئی له، وهي منصوبة على المصدر، وقد
ترفع وتضاف يقال: ويح زيد وويحًا له وويحٌ له؛ وويل: كلمة عذاب تجري
على ألسنتنا وتستعمل من غير قصد إلي ما وضعت له أولا كقولهم: عقرى
حلقى، وقاتله الله، ما أشجعه، وما أشبه ذلك، كقوله وَالّ: ((ويل أمه مسعر
حرب))(٢) انتهى. وبنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ◌ِالسّلامها.
قوله: ((كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض))، وقرضوه بالضاد
المعجمة أي: قطعوه بها، والمقراض: المقص، قاله عياض(٣).
(١) أخرجه أحمد ٢٨٩/٦ (٢٦٤٨٢) و٣١٥/٦ (٢٦٦٨٠) واللفظ له، ومسلم (٧٢ و٧٣-
٢٩١٦) عن أم سلمة.
(٢) انظر شرح الصحيح لابن بطال (٣٣٢/٩)، وإكمال المعلم (٣٢٥/١)، وغريب الحديث
(٤٨٦/٢) لابن الجوزى، وشرح المشكاة (٧٨٣/٣) للطيبى. والحديث أخرجه
البخارى (٢٧٣١) عن المسور بن مخرمة ومروان.
(٣) مشارق الأنوار (١٨٠/٢).

٢٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وفي الحديث يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب عليهم القرض
كما أوجب على بني إسرائيل (١).
٢٦٣ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَلَّهُ قَالَ: كُنَّا نمشي مَعَ رَسُول اللّه ◌َّ فمررنا على
قبرين فَقَامَ فقمنا مَعَه فَجعل لَونه يتَغَيَّرِ حَتَّى رعد كم قَمِيصه فَقُلْنَا مَا لَك يَا
رَسُول الله فَقَالَ أما تَسْمَعُونَ مَا أسمع فَقُلْنَا وَمَا ذَاك يَا نَبِي الله قَالَ هَذَانِ رجلَانِ
يعذبان فِي قبورهما عذَابًا شَدِيدا فِي ذَنْبِ هَين قُلْنَا فيمَ ذَلِك قَالَ كَانَ أَحدهمَا لَا
يستنزه من الْبَوْل وَكَانَ الآخرِ يُؤْذِي النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَيَمْشي بينهم بالنميمة فَدَعَا
بجريدتين من جرائد النّخل فَجعل فِي كل قبر وَاحِدَة قُلْنَا وَهل يَنْفَعُهُمْ ذَلِك قَالَ
نعم يُخَفِفِ عَنْهُمَا مَا دامتا رطبتين رَوَاهُ ابْن حبان فِي صَحِيحه. (٢)
قَوْله فِي ذَنْبِ هَين يَعْنِي هَين عِنْدهمَا وَفِي ظنهما أَو هَين عَلَيْهِمَا اجتنابه لَا
إِنَّه هَين فِي نفس الْأَمر لِأَن النميمة مُحرمَة اتِّفَاقًا.
٢٦٤ - وَعَن شفي بن ماتع الأصبحي ◌ََّّهُ عَن رَسُول اللهِ وَّةِ أَنْه قَالَ
أَرْبَعَة يُؤْذونَ أهل النَّار على مَا بهم من الأَذَى يسعون بَيْن الْحَمِيم والجحيم
يدعونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ يَقُول أهل النَّار بعضهم لبعض مَا بَال هَؤُلاءِ قد آذونا
على مَا بِنَا من الأَذَى قَالَ فَرجل مغلق عَلَيْهِ تَابُوت من جمر وَرجل يجر أمعاءه
وَرجل يسيل فوه قَيْحا ودما وَرجل يَأْكُل لَحْمِه قَالَ فَيُقَال لصَاحب التابوت مَا
(١) عمدة القارى (١٣٩/٣).
(٢) أخرجه إسحاق (٢٠٧)، وأحمد ٤٤١/٢ (٩٦٨٦)، وابن حبان (٨٢٤)، والبيهقي في
إثبات عذاب القبر (١٢٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٣) و(٢٨٢٣). ولم
یذکر المصنف تحته شرحًا.

٢٤٣
كتاب الطهارة
بَالِ الْأَبْعَد قد آذَانا على مَا بِنَا مِن الْأَذَى فَيَقُول إِن الْأَبْعَد مَاتَ وَفِي عُنُقُه أَمْوَال
النَّاسِ مَا يجد لَهَا قَضَاء أَوْ وَفَاء ثمَّ يُقَال للَّذي يجر أمعاءه مَا بَال الْأَبْعَد قد
آذَانا على مَا بِنَا مِن الْأَذَى فَقُول إِنِ الْأَبْعَدَ كَانَ لَا يُبَالِي أَيْنِ أَصَاب الْبَوْلِ مِنْهُ لَا
يغسلهُ، وَذكر بَقِيَّة الحَدِيث. رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَكتاب ذمّ
الْغَيْبَة وَالطَّبْرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد لين وَأَبُو نعيم وَقَالَ شفي بن ماتع مُخْتَلِف
فِيهِ(١) فَقيل لَهُ صُحْبَةٍ وَيَأْتِي الحَدِيث بِتَمَامِهِ فِي الْغَيْبَةِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قوله: عن شفي بن ماتع الأصبحي، هو: [ويقال: ابن عبد الله الأصبحي،
أبو عثمان، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو عبيد المصري، والد حسين بن شفي
ذكره الصغاني فيمن اختلف في صحبته(٢)، والذي قاله ابن يونس والجماعة
أنه تابعي، وحديثه عن النبي وَل مرسل وقد مات سنة خمس ومائة بعد أبي
الطفيل وذلك مما يحقق كونه تابعيا وقال ابن سعد: له أحاديث، وتوفي في
خلافة يزيد بن عبد الملك يعني المتوفى عشيا في شعبان سنة خمس ومائة
وكانت خلافته أربع سنين وشهرًا(٣)] [١٤٥ / أ].
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٩٤/٢)، وأسد بن موسى في الزهد (٤٠)، وهناد (٢/ ٥٧٧-
٥٧٨)، وابن أبى الدنيا في الصمت (١٨٦) و(٣٢٣) وذم الغيبة (٤٩) وصفة النار (٢٢٩)،
والطبرى في صريح السنة (٣٦)، والخرائطى في المساوىء (١٨٦)، والطبراني في الكبير
(٧/ ٣١٠ رقم ٧٢٢٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٦٧/٥-١٦٨). وقال الهيثمي في المجمع
٢٠٨/١-٢٠٩: رواه الطبراني في الكبير، وهو هكذا في الأصل المسموع، ورجاله موثقون.
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٢٢) و(١١٣٣) و(١٦٨٤).
(٢) انظر: نقعة الصديان (الذين في صحبتهم نظر) للصغاني (ص: ٢٨ رقم ٨٠).
(٣) انظر: تهذيب الكمال (٥٤٣/١٢-٥٤٤ الترجمة ٢٧٦٤)، وجامع التحصيل (ص ١٩٦)،
وإكمال تهذيب الكمال (٢٨٥/٦).

٢٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال الحافظ: قال أبو نعيم: شفي بن ماتع مختلف في صحبته(١).
قوله: ((أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى يسعون بَين الْحَمِيم
والجحيم يدعونَ بِالْوَيْلِ وَالُّبُور)) الحديث؛ أصل الحميم: الماء الحار الويل
كلمة عذاب وقيل أنها كلمة عذاب وقبوح، والثبور الهلاك وثبره أى أهلكه
إهلاكًا. قوله: فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، التابوت والتابوت [هو
الصندوق وهو الذي يحرز فيه المتاع].
قوله: ورجل يجر أمعاءه، الأمعاء جمع معىّ وهي المصارين.
قوله: ورجل يسيل فوه قيحا ودمًا، الحديث ؛ وإثبات الميم في فيه لغة
فاشية نظما ونثرًا، ففي الحديث: (لخلوف فم الصائم)) (٢) وزعم أبو علي
وابن عصفور أنها لا تثبت إلا في الشعر نحو قول الشاعر:
كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه يصبح ظمآن وفي البحر فمه(٣)
والقيح والدم معروفان.
٢٦٥ - وَعَن أبي أُمَامَةِ رَّ لَ عَنِ النَّبِي ◌َّةِ قَالَ: أَنَّقُوا الْبَوْل فَإِنَّهُ أول مَا
يُحَاسِب ◌ِهِ العَبْدِ فِي الْقَبْرِ)) رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ أَيْضا بِسْنَاه ◌َا بَأْس ◌ِهِ(٤).
(١) ومعرفة الصحابة (١٤٩١/٣)، والإصابة (٣٩٩/٣).
(٢) أخرجه البخارى (١٨٩٤) عن أبى هريرة.
(٣) النجم الوهاج (٢/ ٢٣٣).
(٤) أخرجه ابن أبى عاصم في الأوائل (٩٣)، والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٧٢٣)،
والطبراني في الكبير (١٣٣/٨ رقم ٧٦٠٥ و٧٦٠٧) والشاميين (٣٤٣٩ و٣٤٤١). وقال
الهيثمي في المجمع ٢٠٩/١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وقال الألباني:
موضوع الضعيفة (١٧٨٢) وضعيف الترغيب (١٢٣). ولم يذكر المصنف تحته شرحًا.

٢٤٥
كتاب الطهارة
التَّرْهِيب من دُخُولِ الرِّجَالِ الْحمام بِغَيْرِ أزر
وَمِن دُخُولِ النِّسَاءِ بأزْرِ وَغَيرِهَا إِلَّا نفسَاءَ أَو مَرِيضَة
وَمَا جَاءَ فِي النَّهِي عَن ذَلِك
اعلم أن الحمام عربي مذكر اللفظ لا يؤنث بالاتفاق كما نقله الأزهري في
تهذيب اللغة عن العرب، وجمعه حمامات(١)، مشتق من لفظة الحميم وهو
الماء الحار، قال الله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (٢) ويقال:
حمام مبارك(٣)، وسمع تأنيثه في قول الشاعر: وإذا دخلت سمعت فيها رنة
[لغط المعاول في بيوت هداد (٤)].
٢٦٦ - عَن جَابر رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: من كَانَ
يُؤمن بِالله وَالْيَوْمِ الآخرِ فَلا يدْخل الْحمام إِلَّا بمئزر وَمن كَانَ يُؤمن بِالله وَالْيَوْم
الآخر فَلَا يدْخل حليلته الْحمام رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالْحَاكِمِ وَقَالَ
صَحِيح على شَرط مُسلم(٥).
(١) تهذيب اللغة (٢٢٦/٧)، والمحكم (٥٥٢/٢)، والمجموع (١٥٩/٣)، والقول التمام في
آداب دخول الحمام (ص ٢٦) لابن العماد.
(٢) سورة محمد، الآية: ١٥.
(٣) المجموع (١٥٩/٣)، والنجم الوهاج (٢٤٣/٢).
(٤) الصحاح (١٧٧٨/٥).
(٥) أخرجه أحمد ٣٣٩/٣ (١٤٦٥١)، والترمذى (٢٨٠١)، والنسائى في المجتبى ٥١٥/١
(٤٠٦) والكبرى (٦٧٤١)، والحاكم (١٦٢/١) و(٢٨٨/٤). وقال الترمذى: هذا
=

٢٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن جابر، هو: جابر بن عبد الله، وتقدم الكلام على مناقبه.
قوله {َّه: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر))
الحديث؛ الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب واليوم الآخر هو يوم القيامة،
وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطًا في حديث جبريل المطول.
وقوله: ((ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام))
الحليلة: هي الزوجة، كان الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء
يتورعون عن دخول الحمام، وذكر القاضي عياض في القسم الثاني من
الشفاعة أنه حكي عن أحمد بن حنبل قال: كنت يومًا مع جماعة تجردوا
ودخلوا الحمام فاستعملت الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
يدخل الحمام إلا بمئزر)) ولم أتجرد، فرأيت تلك الليلة قائلا يقول لي: يا
أحمد، أبشر فإن الله تعالى قد غفر لك باستعمال السنة وجعلك إماما يقتدى
بك، قلت: من أنت؟ قال: جبريل(١)، قاله في الديباجة.
٢٦٧ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُمَا أَن رَسُول اللهِ وَهِ قَالَ
ستفتح عَلَيْكُمْ أَرض الْعَجم وستجدون فِيهَا بُيُوتًا يُقَال لَهَا الحمامات فَلَا
يدخلنها الرِّجَال إِلَّا بالأزر وامنعوها النِّسَاء إِلَّا مَرِيضَة أَو نفسَاء رَوَاهُ ابْن مَاجَه
=
حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاووس، عن جابر إلا من هذا الوجه.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦٤)، غاية
المرام (١٩٠).
(١) انظر: الشفا (١٦/٢)، والمفاتيح (٥٨/٥-٥٩).

٢٤٧
كتاب الطهارة
وَأَبُو دَاوُد وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أنعم(١).
قوله: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، تقدم.
قوله ولية: ((ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها
الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بالأزر وامنعوها النساء إلا مريضة أو
نفساء)) الحديث؛ الحمامات: جمع حمام كما تقدم، وأول من اتخذ الحمام
نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، روى الحافظ أبو نعيم في تاريخ
أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي ◌َّ- قال: ((أول من صنعت له
النورة ودخل الحمام سليمان بن داود عليهما السلام، فلما دخله وجد حرة
وغمة، فقال: أوه أوه من عذاب الله قبل أن لا يكون أوه))(٢)، وحكي عن غير
(١) أخرجه عبد بن حميد (٣٥٠)، وابن ماجه (٣٧٤٨)، وأبو داود (٤٠١١)، والطبراني في
الكبير (٥٠/١٤ رقم ١٤٦٤٣) و(٩٦/١٤-٩٧ رقم ١٤٧١٢)، والبيهقى في الآداب
(٥٧١) والكبرى (٥٠٤/٧ رقم ١٤٨٠٤) والشعب (٢٠٧/١٠-٢٠٨ رقم ٧٣٨٥).
وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٨١٩)، وضعيف الترغيب (١٢٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوائل (١٢) والأوسط (٣٧/١ رقم ٤٦١)، وابن عدى في الكامل
(٤٦٣/١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٨٦/١)، وابن الجوزى في العلل (٥٦٦) عن أبى
موسى. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي موسى إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إبراهيم بن
مهدي. قال ابن عدى: وإسماعيل بن عبد الرحمن يعرف بحديث الحمامات وقد ذكرنا له
بإسناده حديثا آخر، ولا أعرف له غيرهما. قال أبو نعيم: تفرد به الأبار عن إسماعيل.
قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ول وإسماعيل أحاديثه منكرة قال
أبو بكر الخطيب وإبراهيم بن مهدي ضعيف. قال الهيثمي في المجمع ٢٠٧/٨: رواه
الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه إسماعيل بن عبد الرحمن الأودي وهو ضعيف.

٢٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واحد من العلماء الإجماع على دخوله(١)، وسيأتي تفصيل ذلك، وذكر
بعضهم في دخوله خلافًا بين الصحابة على أقوال، أحدها: الجواز مطلقًا وهو
قول أبي الدرداء وابن عباس وغيرهما [١٤٥/ب].
الثاني: المنع منه مطلقًا، وهو محكي عن ابن عمر روي عنه أنه قال: الحمام
من النعيم الذي أحدثوه، فهذا يقتضي أن تركه أولى، الثالث: المنع منه إلا
لمريضة أو نفساء وهو مروي أيضًا عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما،
والرابع: منع النساء مطلقًا دون الرجال بالأزر(٢)، فقد روي في ذلك أحاديث
ستأتي إن شاء الله تعالى، فعن ابن مسعود أن النبي وَّ قال: ((المرأة عورة فإذا
خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من بيتها إذا هي في قعر بيتها))(٣).
وقد جاء في دخول الحمام عن السلف آثار متعارضة في الإباحة والكراهة
على أقوال، وأما أصحاب الشافعي فكلامهم فيه قليل، وممن تكلم فيه الإمام
الفقيه الحافظ أبو بكر بن السمعاني الروزي(٤)، قال النووي: وجملة القول
(١) نقله ابن المنذر في الإجماع (ص ٥٥)، والمازرى في المعلم (٢ /٢٤٤)، والقاضى عياض
في إكمال المعلم (١٣٤/٥)
(٢) الإلمام بآداب دخول الحمام (ص ٧٥) للحافظ أبى المحاسن الحسينى الدمشقى.
(٣) أخرجه الترمذى (١١٧٣)، والبزار (٢٠٦١) و(٢٠٦٢) و(٢٠٦٥)، وابن خزيمة (١٦٨٥
و١٦٨٦ و١٦٨٧)، وابن حبان (٥٥٩٨ و٥٥٩٩). وقال الترمذى: هذا حديث حسن
صحيح غريب. وصححه الألباني في الإرواء (٢٧٣)، وصحيح الترغيب (٣٤٤)،
والصحيحة (٢٦٨٨).
(٤) المجموع (٢٠٤/٢ -٢٠٥).

٢٤٩
كتاب الطهارة
في دخول الحمام أنه مباح للرجال بشرط الستر وغض البصر ومكروه للنساء
إلا بعذر من نفاس أو مرض، وإنما كره للنساء لأن أمرهن مبني على المبالغة
في الستر، ولما في وضع ثيابهن في غير بيوتهن من الهتك، ولما في خروجهن
واجتماعهن من الفتنة.
فائدة: وللداخل آداب منها أن يتذكر بحره حر النار، ويستعيذ بالله من
حرها ويسأله الجنة وأن يكون قصده التنظيف والتطهير دون التنعم والترفه،
وأن لا يدخله إذا رأى فيه عاريًا، ولا يقرأ القرآن ولا يسلم، ويستغفر الله
تعالى إذا خرج، ويصلي ركعتين، فقد كانوا يقولون: يوم الحمام يوم إثم؛
وذكر الغزالي في الإحياء كلامًا حسنًا طويلًا مختصره أنه لا بأس بدخول
الحمام، دخل أصحاب رسول الله وَله الحمامات بالشام، وعلى داخله
واجبات وسنن، فمن الواجبات وت عورته عن نظر غيره ومسه، ف يتعاطى
أمرها وإزالة وسخها إلا بيده، وواجبات في عورة غيره أن يغض بصره عنها،
وأن ينهي عن كشفها لأن النهي عن المنكرات واجب فعليه ذلك، قال: ولا
يسقط الإنكار في هذه الأزمان بترك دخول الحمام إذ لا يخلو من عورات
مكشوفة لاسيما فوق العانة وتحت السرة، ولهذا يستحب إخلاء الحمام،
قال: والسنن عشرة، النية بأن لا يدخل عبئًا لا لغرض الدنيا بل يقصد
التنظيف المحبوب وأن يعطي الحمامي الأجرة قبل دخوله، ويقدم رجله
اليسرى في دخوله قائلًا: بسم الله الرحمن الرحيم من الرجس والنجس
الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، وأن يدخل وقت الخلوة أو يتكلف إخلاء

٢٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحمام وأن لا يعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في الأول، وأن لا يكثر
صب الماء بل يقتصر على قدر الحاجة فهو المأذون فيه، وأن يتذكر بحرارته
حرارة جهنم، وأن لا يكثر من الكلام ويكره دخلوه بين المغرب والعشاء
وقريبا من المغرب، وأن يشكر الله إذا فرغ على هذه النعمة وهي النظافة،
وقيل: إن الحار في الشتاء من النعيم الذي يسأل عنه، وقال ابن عمر: الحمام
من النعيم الذي أحدثوه، هذا من جهة الشرع، وأما من جهة الطب فقد قيل:
بولة في الشتاء في الحمام قائما خير من شربة دواء، قال في الإحياء أيضًا:
أجمع أربعون طبيبًا على أن البول قائما في الشتاء دواء من تسعين داء وغسل
القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أمان من النقرس، ويكره
[١٤٦ / أ] من جهة الطب صب الماء البارد على الرأس عند الخروج من
الحمام وشربه، ولا بأس بقوله لغيره عافاك الله ولا بالمصافحة ولا بأن يدلكه
غيره يعني في غير عورته(١).
٢٦٨- وَعَنِ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن رَسُول الله وَّةِ نهى عَن دُخُول
الحمامات ثمَّ رخص للرِّجَال أَن يدخلوها فِي المآزر)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلم
◌ُضعفهُ وَاللَّفْظِ لَهُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَلم يرخص للنِّسَاءِ(٢).
(١) المجموع (٢٠٥/٢ -٢٠٦).
(٢) أخرجه أحمد ١٣٢/٦ (٢٥٠٠٦) و١٣٩/٦ (٢٥٠٨٥) و١٧٩/٦ (٢٥٤٥٧)،
والبخارى في التاريخ الكبير (٩/ ٦١)، وابن ماجه (٣٧٤٩)، وأبو داود (٤٠٠٩)،
والترمذى (٢٨٠٢). قال الترمذى: هذا حديث، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة
=

٢٥١
كتاب الطهارة
قَالَ الْحَافِظِ رَحمَه الله رَوَوْهُ كلهم من حَدِيث أبي عذرة عَن عَائِشَة وَقد
سُئِلَ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ عَن أبي عذرة هَل يُسمى فَقَالَ لَا أعلم أحدا سَمَّاهُ وَقَالَ
أبو بكر بن حَازِم لا يعرف هَذَا الحَدِيث إِلَّا مِن هَذَا الْوَجْه وَأَبُو عذرة غير
مَشْهُور وَقَالَ التِّرْمِذِيّ إِسْنَادِه لَيْسَ بِذَاكَ الْقَائِمِ.
قوله: عن عائشة، تقدم الكلام على مناقبها.
قوله: نهى رسول الله وَل ثم رخص للرجال أن يدخلوها في المأزر؛ وزاد
ابن ماجه: نهى الرجال والنساء، وزاد أيضًا: ولم يرخص للنساء، الحديث،
فدخول الحمام مباح للرجال، قال الغزالي في الإحياء(١): دخل أصحاب
رسول الله ◌َ ي حمامات الشام، وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح أن ابن
عباس رضي الله عنهما دخل حمام الجحفة(٢)، وروى أيضًا عن أبي الدرداء
أنه كان يدخل الحمام ويقول: نعم البيت الحمام، يذهب الطينة يعني الوسخ
ويذكر بالنار؛ وروى عن ابن عمر نحوه (٣)، وقال أبو هريرة: نعم البيت
الحمام يدخله المؤمن فيزيل به الدرن ويستعيذ بالله فيه من النار؛ وجاء أن
عليا وابنه الحسين وابن عمر وأبا هريرة وجرير بن عبد الله البجلي وعطاء
=
وإسناده ليس بذاك القائم. وضعفه الألباني في غاية المرام (١٩١)، وضعيف الترغيب
(١٢٥).
(١) إحياء علوم الدين (١/ ٢٠٧).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١٠٣/١ (١١٦٩) و٣٤٦/٣ (١٤٧٩١).
(٣) انظر: مصنف ابن أبى شيبة ١/ ١٠٣ (١١٦٧) عن أبى الدرداء، و١٠٤/١ (١١٧٣) عن
ابن عمر.

٢٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وغير واحد دخلوه(١)، فدخول الحمام مباح للرجال، هذا إذا دخله الإنسان
إزالة الأوساخ والتنظيف ونحوه فإن دخله لغير حاجته بل يقصد الترفه
والتزيين للأغراض الدنيوية فظهر كلام الغزالي في الإحياء وأبو بكر السمعاني
انه مکروه(٢).
واعلم أن دخول الحمام للرجال ينقسم على خمسة أقسام: واجب،
ومستحب، ومباح، ومكروه، وحرام، فقد يعرض وجوبه في بعض الأحوال،
وذلك كالدخول للغسل من الجنابة أو حصول نجاسة على البدن، ويتعذر
إزالة ذلك في البيت أو بالماء البارد، فهذا يجب به دخول الحمام لأن ما لا
يتم بالواجب إلا به فهو واجب، وقد يعرض استحبابه كما إذا دخله لغسل
مندوب کالعیدین والجمعة ونحوهما أو لإزالة وسخ یتأذى به وانتھی به إلى
حد يمنع الخشوع في الصلاة، ولم يمكنه الاغتسال خارجه، وقد تعرض
إباحته كما إذا دخله لا تساخ رأسه أو بدنه أو للتداوي، وقد تعرض كراهته
كما إذا دخله لغرض فاسد أو دخله بني المغرب والعشاء أو قبل الغروب فإن
ذلك وقت انتشار الشياطين، وقد أمر النبي ◌َّر بكف الصبيان حتى تذهب
فحمة العشاء، أو دخله وهو صائم فإنه يضعف عن الصوم أو دخله وفيه
مبتلى، وقد تعرض الكراهة من جهة الطب كما إذا دخله من به حمى أو ورم
(١) انظر: مصنف ابن أبى شيبة ١/ ١٠٣ (١١٦٨) و١٠٤/١ (١١٧٠) عن أبى هريرة،
و(١١٧١) عن جرير و(١١٧٢) عن الحسين بن على و(١١٧٤) عن على، و١٠٥/١
(١١٨٥) عن عطاء، وطاوس، ومجاهد.
(٢) القول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٣١) لابن العماد.

٢٥٣
كتاب الطهارة
أو أخلاط مستعدة لأن تعفن فتجلب حمى أو تسيل فتجلب ورمًا أو دخله
وهو شبعان قبل هضم الطعام، وقد تعرض له الحرمة بأن یکون دخوله حراما
كما إذا دخله مكشوف العورة أو دخله وفيه من لم يستر عورته أو أداه
الدخول إلى خلوة محرمة کالخلوة بالأمرد الحسن ونحوه أو کان فيه تصاوير
أو للفخر والترفه، ويكثر من استعمال الماء ويسرف فيه، فليعلم المرء
المسلم أن ماء الحمام مال وقد نهى رسول الله وَ له عن إضاعة المال(١)، فهذا
تحريم دخوله الحمام، فإذا نوى الداخل بدخوله الغسل الواجب أو
المستحب أو تنظیف رأسه أو بدنه فإن ذلك مندوب إليه الرجال مأمورون به،
قال النبي وَجّ [١٤٦/ ب]: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام
يوما يغسل فيه رأسه وجسده)) أخرجاه في الصحيحين(٢)، وقال الإمام أحمد
حدثنا يعقوب فذكره إلى أن قال عن طاوس: قلت لعبد الله بن عباس
يزعمون أن رسول الله وَل قال: ((اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤوسكم وإن
لم تكونوا جنبا ومسوا من الطيب)) فقال ابن عباس: أما الطيب فلا أدري وأما
الغسل فنعم(٣)، هذا حكم الرجال(٤).
(١) أخرجه مسلم (١٠ و١١ - ١٧١٥) عن أبى هريرة.
(٢) أخرجه البخارى (٨٩٧) و(٨٩٨) و(٣٤٨٧)، ومسلم (٩ - ٨٤٩) عن أبى هريرة.
(٣) أخرجه أحمد ٢٦٥/١ (٢٣٨٣) و٣٣٠/١ (٣٠٥٨) و٣٦٧/١ (٣٤٧١)، والبخارى
(٨٨٤) و(٨٨٥)، ومسلم (٨ - ٨٤٨) عن ابن عباس.
(٤) انظر: القول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٣٢-٣٣) لابن العماد.

٢٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٦٩ - وعنها رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول: «الْحمام
حَرَام على نسَاء أمتِي)) رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(١).
قوله: وعنها، تقدم الكلام عنها رضي الله عنها.
قوله وَي: (الحمام حرام على نساء أمتي)) الحديث، أما النساء فاختلف في
إياحة الدخول لهن، فنقل عن الروياني وغيره عن أبي هريرة أنه يحرم عليهن
الدخول مطلقا إلا لضرورة، وهذا ظاهر كلامه في الإحياء، ويدل عليه حديث
أبي مليح كما سيأتي، واستدل في الإحياء بقوله وَخاله: ((لا يحل للرجل أن
يدخل حليلته الحمام إلا والبيت مستحم)) وروى الحافظ أبو نعيم في تاريخ
أصبهان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي وَّة قال ((بيت بالشام لا يحل
لمؤمنين أن يدخلوه ولا بمئزر)) ولا يحل للمؤمنات أن تدخله البتة وهذا إذا
لم تدع ضرورة، فإن دعت ضرورة كغسل من حيض أو نفاس أو جنابة أو
وسخ ولم يمكنها الغسل خارجه جاز الدخول، قال الغزالي: وحينئذ فتدخل
بمئزر سابغ، وصحح النووي في باب الجزية من الروضة جواز الدخول للمرأة
مطلقا لكن مع الكراهة، وكذلك في شرح المهذب في أواخر باب الغسل،
والجواب عن أحاديث الباب فيه عسر وإنما يباح لهن الدخول بشروط:
الأول: أن يأذن لها الزوج في ذلك فإن لم يأذن حرم، ويكره للزوج أن يأذن
لها فيه، قال الغزالي في الإحياء: ويكره له أن يدفع لها الأجرة لأنه يعينها على
(١) أخرجه الحاكم (٢٨٩/٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في
الصحيحة (٣٤٣٩) وصحيح الترغيب (١٦٥).

٢٥٥
كتاب الطهارة
المكروه، وهذا إذا لم تدع ضرورة كما تقدم (١).
الثاني: أن لا يختلطن بالرجال فإن دخل في الحمام رجال ونساء نظر إن
خلا فيه رجل بامرأة أجنبية حرم لأن ذلك محرم في غير الحمام ففيه أولى (٢).
الثالث: أن لا يدخلن إلا بمئزر وليس ذلك خاصا بالمرأة بل يشترك فيه
الرجل والمرأة والخنثى ولابد في الثوب أن يكون مانعا من ظهور البشرة
كالصلاة، ثم الواجب على المرأة الداخلة مع نسوة أن تستر ما بين السرة
والركبة ولا يجب عليها بستر الزائد على ذلك وهذا معنى قول الغزالي: ألا
تدخل إلا بمئزر سابغ أي للعورة(٣).
واعلم أن للمرأة أربع عورات:
إحداها: عورة الصلاة في جميع بدنها إلا الوجه والكفين.
ثانيها: عورتها بالنسبة إلى محارمها الذكور وهي ما بين السرة إلى الركبة
على الصحيح.
ثالثها: عورتها بالنسبة إلى نظر الذمية وهو ما زاد على البادي حال المهنة،
وأما البادي حال المهنة فلا يحرم كشفه بحضرة الذمية ولا تمنع منه الذمية
على الأشبه في الرافعي وهذا تفريع على أنه يحرم نظر الذمية إلى المسلمة.
رابعها: عورتها بالنسبة إلى الزوج وهو حلقة الدبر خاصة لأن للزوج النظر
(١) انظر: القول التمام في آداب دخول الحمام (ص ٣٣-٣٥) لابن العماد.
(٢) القول التمام (ص ٤٠).
(٣) القول التمام (ص ٤٠ -٤١).

٢٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إلى جميع بدنها وليس له النظر إلى حلقة الدبر كما قاله الدارمي في
الاستذكار، وفي تحريم نظره إلى فرجها وجهان أصحهما الجواز مطلقا مع
الكراهة، ونظره إلى باطن فرجها أشد كراهة، يقال إن [١٤٧ / أ] الولد بسبب
ذلك يخلق أعمى، وتقدم شيء من ذلك قريبًا(١).
الشرط الرابع: أن لا يدخلن الحمام إلا مع نسوة المسلمين فإذا دخلت
امرأة مع نسوة كتابيات أو حربيات فوجهان أصحهما في الشرح والروضة في
كتابي النكاح والجزية التحريم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِيُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى
قوله: ﴿أَوْ نِسَآبِهِنَّ﴾(٢)، واعلم أن ما صححه الرافعي من تحريم الدخول مع
الكتابيات محمول على ما إذا كشفت المسلمة الزائد على ما بين السرة
والركبة كما هو الغالب، أما إذا سترت الجميع إلا ما يبدوا حال المهنة فلا
وجه للتحريم في الحمام مع الجواز في غيره، ولو كان في الحمام كتابيات
فدخلت مسلمة وانفردت بخلوة لم يمتنع لانتفاء المعنى، والله أعلم (٣).
فائدة: الرافعي هو الحبر العلامة إمام الدين عبد الكريم القزويني كان
رحمه من بيت عالم أبوه وجده وجدته، قال في الأمالي: إنها كانت تفتي
النساء في الرقائق، إنه منسوب إلى رافعان بلدة معروفة بقزوين، وقيل: إلى
(١) القول التمام (ص ٤١ - ٤٣).
(٢) سورة النور، الآية: ٣١.
(٣) القول التمام (ص ٤٣).

٢٥٧
كتاب الطهارة
رافع بن خديج الصحابي، رآه ابن الصلاح والحافظ المنذري، توفي سنة
ثلاث أو أربع وعشرين وستمائة وهو ابن ست وستين سنة، وكان إذا خرج إلى
المسجد أضاءت له الكروم وكذلك والده، قاله الدميري في شرح المنهاج (١).
فائدة: إذا أتى الداخل الحمام قال الغزالي(٢): يستحب له أن يقول عند
إرادة الدخول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث
الشيطان الرجيم، ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج
كالخلاء(٣)، وتقدم الكلام على ضبط هذا الذكر قريبًا، فإذا أراد أن ينزع ثوبه
قال: بسم الله لما رواه ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان من حديث أنس بن
مالك عن النبي وَالله قال: ((ستر ما بين أعين الجن عورات بني آدم إذا نزع
الرجل ثوبه أن يقول باسم الله ولا ینزع ثوبه حتی یسد المئزر))(٤).
(١) النجم الوهاج (١/ ٢٠٠).
(٢) إحياء علوم الدين (١ / ١٣١).
(٣) المصدر السابق (١٣٩/١).
(٤) أخرجه الحكيم الترمذى (٤٦٦)، والطبراني في الدعاء (٣٦٨) والأوسط (٦٧/٣-٦٨
رقم ٢٥٠٤) و(١٢٨/٧ رقم ٧٠٦٦)، وابن السنى في اليوم والليلة (٢١) و(٢٧٤)، وابن
عدى في الكامل (٤ /١٤٨ و٤٢٧) و(٥٦٨/٧)، والإسماعيلى في المعجم (١٦٥)، وتمام
في الفوائد (١٧٠٨ و١٧٠٩ و١٧١٠) قال ابن عدي وهذا الحديث لم يكن يعرف إلا
بسعيد بن مسلمة، عن الأعمش ثم وجدناه من حديث سعد بن الصلت، عن الأعمش،
ولا يرويه، عن الأعمش غيرهما.
وقال الهيثمي في المجمع ١/ ٢٠٥: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين أحدهما فيه سعيد
بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله
موثقون. وصححه الألباني في الإرواء (٥٠)، والمشكاة (٣٥٨).

٢٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مسألة: هل يسلم على ما في الحمام أم لا؟ قال بعض الحنفية: لا نص عليه
في الخلاصة، الثاني: يصح، الثالث: على المستتر ولا يسلم على المكشوف،
حكاه البخاري عن حماد عن إبراهيم النخعي، وكذا قال أبو الليث: يسلم
على من كان مستورا، وتوقف الإمام أحمد بن حنبل في هذه المسألة، وقال:
وقال لا احفظ فيها شيئا، وقال في الإحياء: فإن سلم عليه لم يرد، قيل يسكت
ولا بأس بأن يصافح غيره.
تنبيه: ينبغي لداخل الحمام إذا دخله أن يتذكر به عذاب جهنم ويستعيذ
بالله من النار ويسأله الجنة فقد كان السلف رضي الله عنهم يذكرون النار
بدخول الحمام وكان ذلك لهم عبادة، دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليا
يتلو ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِ النَّارِ﴾(١) فغشي عليه، وتزوج صلة بن أشیم فدخل
الحمام ثم دخل على زوجته تلك الليلة فظل يصلي حتى أصبح وقال دخلت
بالأمس بيتا ذكرني بالنار ودخلت الليلة بيتا ذكرني [١٤٧/ ب] بالجنة ولم
يزل فكري فيهما حتى أصبحت، كان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام
يقول: يا بر يا رحيم من علينا وقنا عذاب السموم، صب بعض الصالحين
على نفسه ماء من الحمام فوجده شديد الحر فبكى وقال: ذكرت قوله تعالى
﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ (٢) فهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم
والألم فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة وما فيها من الألم يذكر بألم النار،
(١) سورة الغافر، الآية: ٤٧.
(٢) سورة الحج، الآية: ١٩.

٢٥٩
كتاب الطهارة
فبعض البقاع يذكر بالنار كالحمام(١) والله أعلم.
فائدة أخرى: يجوز الطلاء بالنورة للرجال والنساء، روى الحافظ أبو نعيم
في تاريخ أصبهان عن أبي موسى الأشعري عن النبي وَّر قال: ((أول من
صنعت له النورة ودخل الحمام سليمان بن داود عليهما السلام)) الحديث
تقدم في أول الباب بزيادة (وأما النساء فإنهن مأمورات بإظهار الزينة للزوج
وهذا منه (٢)، وقد ذكر الحسن أن بلقيس كان شعراء الساقين وإنهم بسبب
ذلاك اتخذوا لسيدنا سليمان النورة والحمام، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن عبد
الله بن شداد قال: ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ ◌ُّةً وَكَشَفَتْ عَنِ سَاقَيْهَا﴾(٣) فإذا
ج
امرأة شعراء فقال سليمان عليه الصلاة والسلام: ما يذهب هذا؟ قالوا: النورة،
قال: فجعلت النورة يومئذ(٤)، وأما الرجال فيجوز لهم ذلك لما روي في سنن
ابن ماجه أن أم سلمة قالت: ((كان رسول الله وَلين إذا أطلى بدأ بعورته فطلاها
وسائر جسده)) الحديث إسناده صحيح ورجاله ثقات(٥) ورواه أبو داود
الطيالسي عن أم سلمة أن النبي وقّ كان يتنور ويلي عانته بيده(٦)، وفي
مراسيل أبي داود عن ابي معشر زياد بن كليب أن رجلا نور رسول الله وَالجيل
(١) لطائف المعارف (ص ٣١٨-٣١٩)
(٢) الإلمام بآداب الحمام (ص١٧٣).
(٣) سورة النمل، الآية: ٤٤.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١٠٥/١ (١١٨٧) و٣٣٦/٦ (٣١٨٥٣).
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥١). وضعفه الألباني.
(٦) أخرجه الطيالسي في مسنده (١٦١٠)، وابن ماجه (٣٧٥٢). وضعفه الألباني في ضعيف
ابن ماجه (٤١٧٤).

٢٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فلما بلغ العانة كف ونور رسول الله وَ له نفسه(١)، وعن مكحول قال: لما قدم
أبو الدرداء وأصحاب رسول الله وسلّ الشام دخلوا الحمام وأطلوا بالنورة(٢)،
وروى ابن أبي شيبة عن مالك بن إسماعيل عن كامل عن حبيب قال: دخل
الحمام عطاء وطاوس ومجاهد فأطلوا فيه (٣)، وقد كره طائفة من السلف
الإطلاء بالنورة(٤)، أسند الخرائطي عن ابن عباس قال: أيها الناس اتقوا الله
ولا تكذبوا فوالله ما أطلى نبي قط(8)، وروى ابن أبي شيبة عن علي بن أبي
طالب(٦) قال: كان عمر رجلًا أهدب وكان يحلق عنه الشعر، وذكرت له
النورة فقال: النورة من النعيم(٧)، وروى عن الحسن قال: كان النبي وَل وأبو
بكر وعمر لا يطلون وهذا من مراسيل الحسن (٨)، وقد تكلم فيها بعضهم
والصحيح الأول وأن الإطلاء بها حسن مالم يفض ذلك إلى ما يتوصل به
إلى محرم(٩)، انتهى.
تنبيه: النورة من الأجسام الحجرية الحريفية وأجودها البيضاء وغير
(١) أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٦٩).
(٢) أخرجه الخرائطى في مساوىء الأخلاق (٨١٢).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١٠٥/١ (١١٨٥).
(٤) الإلمام بآداب الحمام (ص ١٧٦).
(٥) أخرجه الخرائطى في مساوىء الأخلاق (٨١١).
(٦) كذا بالأصل وإنما هو على ابن أبى عائشة.
(٧) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١٠٥/١ (١١٩٢).
(٨) أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف ١٠٥/١ (١١٨٦).
(٩) الإلمام بآداب الحمام (ص ١٧٧).