Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب الطهارة
٠:٠٠ ٠٠.
التّرْهِيب من التخلي على طرق النّاس أو ظلهم أَو مواردهم
٢٣٩ - عَن أبي هُرَيْرَة ◌َّهُ أَن رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ اتَّقوا اللاعنين قَالُوا وَمَا
اللاعنان يَا رَسُول الله قَالَ الَّذِي يتخلى فِي طرق النَّاس أَو فِي ظلهم رَوَاهُ
مُسلمٍ وَأَبُو دَاوُد وَغَيرِهِمَا(١)
قَوْله: ((اللاعنين)) يُرِيد الْأَمَرِيْنِ الجالبين اللَّعْنِ وَذَلِكَ أَن من فعلهمَا لعن
وَشتم فَلَمَّا كَانَا سَببا لِذَلِك أضيف الْفِعْلِ إِلَيْهِمَا فَكَانَا كَأَنَّهُمَا اللاعنان.
قوله: ((عن أبي هريرة))، تقدم.
قوله {َّه: ((اتقوا اللاعنين)) قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله، الحديث؛ قال
النووي": وقع في صحيح مسلم: ((اللعانين))، وفي رواية: ((اللاعنين))
والروايتان صحيحتان ظاهرتان، وفي الترمذي وأبي داود: ((الملاعن))، وفي
المفهم(٣): ((اللاعنين)) يروى هكذا وصحيح روايتنا: ((اللعانين)) بالتشديد
على المبالغة؛ واللعن: الطرد والبعد، وقد فسرهما بالتخلي في الطرق
والظلال، وقد فسر الحافظ رحمه الله اللاعنين فقال: يريد الأمرين الجالبين
للعن، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم فلما كانا وسببا لذلك أضيف الفعل
(١) أخرجه مسلم (٦٨ - ٢٦٩)، وأبو داود (٢٥)، وابن خزيمة (٦٧)، وأبو عوانة (٥٥٨
و٥٥٩)، وابن حبان (١٤١٥)، والحاكم ١٨٥/١ -١٨٦.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٦١/٣).
(٣) المفهم (١٤٩/٣).

١٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إليهما فكانا كأنهما اللاعنان، انتهى؛ قال النووي، قدس الله سره(١): يعني
عادة الناس لعنه وشتمه، قال: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، فعلى هذا
يكون التقدير: اتقوا الأمرين الملعون فاعلهما، وهذا على رواية أبي داود،
وأما رواية مسلم فمعناها والله أعلم: اتقوا فعل اللاعنين.
قوله: قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله، قال: ((الذي يتخلى في طرق
الناس))، وفي رواية ابن منده: ((في طريق المسلمين ومجالسهم))(٢)، وذلك
محمول على المواضع المشتركة التي لا تختص بأحد، أما ما اختص
بالمستنجي [١٣٣/أ] فلا شك في جوازه، وما اختص به غيره فلا شك في
تحریمه حتى لو تجمر بجدار الغير أو بجدار موقوف ونحوه فإنه حرام، وهو
مما يتساهل الناس فيه، وحينئذ فيجب تطهيره والتحلل من صاحبه إن أضر
ذلك به، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.
والتخلي: الجلوس للحاجة فمعناه يتغوط في موضع یمر الناس فيه، وعبر
عنه بالتخلي لأنه لا يكون إلا خاليًا ولم يذكر البول (٣)، وقد صرح النووي في
الروضة بكراهته من زياداته(٤)، والله أعلم.
(١) شرح النووي على مسلم (١٦١/٣ - ١٦٢).
(٢) أخرجه ابن الجارود في المنتقى (٣٣)، وأبو عوانة (٥٥٨ و٥٥٩)، وابن المنذر في الأوسط
(٢٦٦) بلفظ: ((الذي يتغوط على طريق الناس، أو في مجلس قوم)) وعزاه ابن الملقن في
البدر المنير لابن منده وقال: قال ابن منده: إسناده صحيح (٣١٢/٢).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٦٢/٣).
(٤) روضة الطالبين (١ /٦٥).

١٦٣
كتاب الطهارة
قوله: ((أو في ظلهم)) سيأتي الكلام على الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا،
ونهى عن التخلي في الظل والطريق لما في ذلك من إيذاء المسلمين بتنجيس
من يمر به ونتنه واستقذاره، وقد صرح الخطابي وغيره بتحريم ذلك، وقد
عدوه من الصغائر(١)، والله أعلم.
٢٤٠ - وَعَن معَاذ بن جبلِ رَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَِّ: «اتَّقوا الْمَلَاعن
الثَّلَاث البَرَاز فِي الْمَوَارِد وقارعة الطَّرِيق والظل)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه
كِلَاهُمَا عَن أبي سعيد الْحِمْيَرِي عَن معَاذْ وَقَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُرْسل يَعْنِي أَنْ
أَبًا سعيد لم يدْرك معَاذًا(٢).
الْملَاعن: مَوَاضِعِ اللَّعْن.
قَالَ الْخطائِيّ: وَالْمَرَادِ هُنَا بالظل هُوَ الظل الَّذِي اتَّخذهُ النَّاس مقيلا
ومنزلا ينزلونه وَلَيْسَ كل ظلّ يحرم قَضَاء الْحَاجة تَحْتَهُ فقد قضى النَّبِي ◌ِّ
حَاجته تَحت حايش من النّخلِ وَهُوَ لَا محَالة لَهُ ظلّ انتهى.
قوله: عن معاذ، تقدم الكلام عليه، وتوفي رقم شهيدًا بالطاعون سنة ثماني
عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وآخى رسول الله وَّله بين معاذ بن جبل
وبين ابن مسعود، روي له عن رسول الله وَ له مائة حديث وسبعة وخمسون
(١) معالم السنن (٢٢/١)، وتنبيه الغافلين (ص ٣٢٣).
(٢)) أخرجه ابن ماجه (٣٢٨)، وأبو داود (٢٦)، والحاكم ١٦٧/١. وصححه الحاكم ووافقه
الذهبى. قال البوصيرى في الزجاجة ٤٨/١: هذا إسناد ضعيف. وحسنه الألباني في صحيح
الترغيب (١٤٦)، المشكاة (٣٥٥)، الإرواء (٦٢).

١٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حديثا، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا.
قوله {مَّيقة: ((اتقوا الملاعن الثلاث)) الحديث، الملاعن مواضع اللعن أي:
اتقوا الأمور التي هي سبب اللعن الحاملين للناس عليه والداعين إليه (١).
والملاعن: جمع ملعنة كمقبرة ومجزرة موضع القبر والجزر، وهي الفعلة
التي يُلعن بها فاعلها كأنها مكان للعن ومحل له (٢)، وسميت ملاعن: لأن
الناس يلعنون فاعل ذلك فهو مواضع اللعن (٣)، وما ذاك إلا أنه مرافق
المسلمين، فمن جاء يرتفق بها يجد هناك نجاسة فيقول: لعن الله من فعل
هذا، والنبي ◌َّ بأمته رؤوف رحيم فنهاهم أن يفعلوا ما يلعنون بسببه(٤)، وقد
قال ابن هبيرة في كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم(٥): اتفقوا على أن
الطريق لا يجوز تضييقها، انتهى.
قوله: ((البراز في الموارد)) البراز: بفتح الباء، وأكثر الرواة يقولونه بكسر
الباء وهو غلط اسم للفضاء الواسع من الأرض، ثم سمي به الحدث، ومنه
الحديث: ((أن النبي وَلّ كان إذا أراد البراز أبعد)) (٦) فكنوا به عن قضاء الغائط
كما كنوا بالخلاء عنه لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس،
(١) معالم السنن (٢١/١)، والمجموع (٢/ ٨٧).
(٢) الفائق في غريب الحديث (٣١٨/٣)، والنهاية (٢٥٥/٤).
(٣) تهذيب الأسماء واللغات (١٢٧/٤).
(٤) المدخل (١/ ٢٤٧).
(٥) إجماع الأئمة الأربعة واختلافهم (١٩/٢)، والمدخل (٢٤٧/١).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥)، وأبو داود (٢). وصححه الألباني في المشكاة (٣٤٤).

١٦٥
كتاب الطهارة
ويبرز الرجل أي خرج إلى البراز للحاجة (١)، وهو عبارة عن الخارج
المعروف من دبر الآدمي (٢)؛ وفي الحديث: ((كان رسول الله وَال يتبرز لحاجته
فأتيته بالماء فيتغسل به))(٣) قوله ((يتبرز)) فمعناه يأتي البراز بفتح الباء(٤)،
وتقدم الكلام عليه، قوله ((فيتغسل به)) فمعناه يستنجي به ويغسل محل
الاستنجاء(٥)، والله أعلم.
وأما البراز بكسر الباء فهو مصدر المبارزة يقال: بارزته في الحرب مبارزة
وبرازا، قاله المغيث في غريب القرآن والحديث(٦)، وروى الطبراني في
معجمه الأوسط والبيهقي (المبارزة)) في الدعوات الكبير من حديث عكرمة
عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَالله إذا أراد [١١٣/ ب] قضاء الحاجة
أبعد، فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه، قَالَ: وَلَبِسَ أَحَدَهُمَا، فَجَاءَ
طَائِرٍ فَأَخَذَ خُقَّهُ الْآخَرَ فَحَلَّقَ بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَاسْتُلِبَ مِنْهُ أَسْوَدُ سَالِخٌ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َ: ((هَذِهِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي
(١) النهاية (١١٨/١)، والصحاح (٨٦٤/٣).
(٢) قال الجوهرى هو الغائط الصحاح (٨٦٤/٣)، وقال النووى في تعريف الغائط: وأصل
الغائط المطمئن من الأرض ثم صار عبارة عن الخارج المعروف من دبر الآدمي. انظر
شرح النووي على مسلم (١٥٤/٣).
(٣) أخرجه مسلم (٧١ - ٢٧١) عن أنس.
(٤) إكمال المعلم (٧٨/٢)، وشرح النووي على مسلم (١٦٨/٣).
(٥) شرح النووى على مسلم (١٦٨/٣).
(٦) المجموع المغيث (١٤٨/١).

١٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عَلَى رِجْلَيْهِ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، وَمِنْ شَرِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ)) (١).
قوله: ((في الموارد)) أي: المجاري والطرق إلى الماء، واحدها مورد وهو
مفعل من الورود، يقال: وردت الماء أرده وروده إذا أحضرته لشرب،
والمورد الماء الذي يرد عليه، قاله في النهاية (٢)، وقال بعضهم: الموارد: طرق
الماء (٣)، وقيل: المواضع التي يرد الناس إليها (٤)، قال العلماء: يكره التغوط
والبول في الموارد وبقرب المياه وإن لم يصل إليها لعموم النهي ولما فيه من
إيذاء المارة بالماء ولما يخاف من وصوله إلى المياه(٥).
قوله: ((وقارعة الطريق)) قال ابن الأثير في النهاية: وإنما أطلقت
القارعة على الطريق لما فيها من القرع وهو الذي بالجرار والنعال
(١) أخرجه الخرائطى في مكارم الأخلاق (١٠٤١) و(١٠٥٤)، والطبراني في الأوسط
(١٢١/٩-١٢٢ رقم ٩٣٠٤)، وابن عدى في الكامل (٣٥٢/٣-٣٥٣)، والبيهقى في
الدعوات الكبير (٣٦٣). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة إلا سعد بن
طريف تفرد به حبان بن على ولا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. قال ابن عدى:
وهذا لا يرويه، عن أبي سعد غير حبان وعن حبان رواه أحمد بن الصلت ولحبان بن علي
أحاديث صالحة وعامة حديثه إفرادات وغرائب، وهو ممن يحتمل حديثه ويكتب.
وقال الهيثمي في المجمع ٢٠٣/١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعد بن طريف،
واتهم بالوضع.
(٢) النهاية (١٧٣/٥).
(٣) كفاية النبيه (١ / ٤٤١)، والنجم الوهاج (١/ ٢٩٣).
(٤) تحفة الأبرار (١/ ١٨٢)، وكفاية النبيه (١ / ٤٤١)، والمفاتيح (٣٨٣/١).
(٥) شرح النووي على مسلم (١٨٨/٣).

١٦٧
كتاب الطهارة
وغيرهما(١)، انتهى، وقارعة الطريق أعلاه، قاله الأزهري والجوهري
وغيرهما (٢)، وقيل: وسطه(٣)، وقيل: صدره، وقيل: ما برز منه، وكله
متقارب (٤)، والمراد شارع المارين وهو نفس الطريق، والمعنى فيه: تأذي
المارة، والمراد بالطريق هنا المسلوك، وأما الطريق المهجور فلا منع
فيه، وفي البيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ
سَلَّ سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيقِ عَامِرٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ لَعْنَهُ اللهِ)(٥)
(١) لم أجده في النهاية وإنما ذكره بنحوه أبو عبد الله بطال في النظم المستعذب (ص ٣٧) قال:
قارعة الطريق سميت قارعة؛ لأنها تقرع، أي: تصيبها الأرجل والحوافر والأظلاف
والأخفاف، فاعلة بمعنى مفعولة.
(٢) انظر: غريب الحديث (١٠٢٤/٣) للحربى، وتهذيب اللغة (١٥٥/١)، والصحاح
(١٢٦٣/٣).
(٣) النهاية (٤ /٤٥).
(٤) المجموع (٨٧/٢) و(١٦٢/٣)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٣٨)، وتهذيب الأسماء
واللغات (٤/ ٨٨) للنووى.
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٢٠/٥ رقم ٥٤٢٦) والصغير (٧٧/٢ رقم ٨١١)، وابن
عدى في الكامل (٢٨٩/٩)، والحاكم (١٨٦/١)، والبيهقى في الکبری (١٥٨/١ - ١٥٩
رقم ٤٧٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا محمد بن عمرو
أبو سهل الأنصاري، تفرد به: كامل بن طلحة الجحدري.قال ابن عدى: ومحمد بن عمرو
أبو سهل هذا هو عزيز الحديث، وله غير ما ذكرت أحاديث أيضًا، وأحاديثه أفرادات،
ويكتب حديثه في جملة الضعفاء. وصححه الحاكم. وقال الهيثمي في المجمع ٢٠٤/١:
رواه الطبراني في الأوسط -وله في الصحيح: اتقوا اللعانين- وفيه محمد بن عمرو
الأنصاري، ضعفه یحیی بن معین، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وضعفه ابن حجر
=

١٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث، السخيمة: الغائط(١).
قوله: ((والظل)) المراد هنا بالظل هو: الظل الذي اتخذه الناس مقيلًا
ومنزلًا، فإن قيل: ليس كل ظل يحرم قضاء الحاجة تحته فقد قضى النبي وَل
حاجته حائش من نخل وهو لا محالة له ظل، انتهى، قاله الحافظ نقلًا عن
الخطابي (٢)، والحائش النخل الملتزق المجتمع كأنه لالتفافه يحوش شيء
بعضه بعضًا(٣)، وهذا محمول على ما ليس له ثمر وكان ممن لا ينتفع به يكره
ذلك، ولا فرق بين شجر يملكه أو لا يملكه، ولا بين وقت الثمرة أو غيره،
نعم القائل بتحريمه تحت الثمرة لا يقول بذلك عند عدم الثمرة، لأن
التنجيس لم يتحقق(٤)، قال شيخنا جمال الدين الإسنوي: والذي ينبغي أن
يقال: إنه لا يكره البول تحت شجرة لا ثمر لها وإذا كانت مثمرة قبل طلوع
الثمرة، وفي الشرح الصغير للرافعي بحث في أن النهي عن الغائط تحت
المثمرة أضر منه على البول لأن الغائط يظهر في التراب أو يغسل، ولعل هذا
الحديث محمول على حالة الثمرة أو على الحالة الأولى قبل أن يتخذ
الكنف ونحو ذلك.
=
في التمييز (ص ٢٧٦). وضعفه الألباني في الإرواء (١٠١/١) والضعيفة (٥١٥١)
وضعيف الترغيب (١١٧).
(١) النجم الوهاج (١/ ٢٩٣).
(٢) معالم السنن (٢١/١-٢٢).
(٣) النهاية (١ / ٤٦٨).
(٤) انظر المجموع (٢/ ٨٧)، وكفاية النبيه (٤٣٩/١-٤٤٠)، والنجم الوهاج (٢٩٤/١).

١٦٩
كتاب الطهارة
وفيه من الفقه: اسْتِحْبَابُ الإِسْتَِارِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِحَائِطٍ أَوْ هَدَفٍ أَوْ
وَهْدَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَغِيبُ جَمِيعُ شَخْصِ الْإِنْسَانِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ
وَهَذِهِ سُنَّةٌ متأكده(١)، والواجب ستر العورة عنهم فقط وسبب مجيئه عليه
الصلاة والسلام للحايش أكثر من غيره ما فيه من زيادة السترمن غالب
الجوانب ومن القبلة من الجهتين وعن الشمس أو القمر وقد يكون في الهدف
نحو من ذلك، لسبب استدارته أو ارتفاعه، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.
قوله: رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الحميري، اسمه: أبو سعيد
(لحميري شامي، قال ابن القطان: مجهول. وروايته عن معاذ مرسلة)
[١/١٣٤].
٢٤١ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعت رَسُول الله وَلَّه
يَقُول اتَّقوا الْمَلَاعن الثَّلاث قيل مَا الْمَلَاعن الثَّلاث يَا رَسُول الله قَالَ أَن يقْعد
أحدكُمْ فِي ظلّ يستظل بِهِ أَو فِي طَرِيق أَو نقع مَاء)) رَوَاهُ أَحْمد(٢).
قوله: عن ابن عباس، تقدم.
قوله ◌َّ: ((اتقوا الملاعن الثلاث)) الحديث، تقدم الكلام على الملاعن
الثلاث، وتقدم الكلام أيضًا على الظل في الحديث قبله ومواضع الظل في
الشتاء ومواضع الظل في الصيف، وكذلك المتحدث بفتح الدال موضع
الحديث الذي جرت عادة الناس التحدث فيه، ويسمى النادي، وفي معناه:
(١) شرح النووي على مسلم (٣٥/٤)، وروضة الطالبين (٦٥/١).
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٩/١ (٢٧١٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٧).

١٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كل موضع يقصد لمعيشة أو لمقيل مسافر ومبيته ونحو ذلك إلا أمكنة
المكس فإنها أسوأ حالاً من الأخلية(١)، والله أعلم.
قوله: ((أو في نقع ماء)) قيل: النقع الماء الناقع وهو المجتمع (٢).
٢٤٢ - وَعَن حُذَيْفَة بن أسيد ◌َّهُ أَن النَّبِيِوَلَ قَالَ من آذَى الْمُسلمين فِي
طرقهم وَجَبَت عَلَيْهِ لعنتهم رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَاد حسن(٣).
قوله: عن حذيفة بن أسيد، هو حذيفة بن أسيد (بن خالد بن الأغوس بن
الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليل، قاله خليفة، وقال ابن الكلبي: حذيفة بن
أسيد بن الأغوز بن واقعة بن حرام بن غفار، فقال خليفة: الأغوس بالغين
المعجمة والسين، وقال الكلبي مثله إلا أنه جعل عوض السين زايا، وقال
عوض وقيعة: واقعة، وكان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، ونزل
الكوفة، وتوفي بها، وصلی علیه زيد بن أرقم، و کبر علیه أربعا، روى عنه: أبو
الطفيل، والشعبي، والربيع بن عميلة، وحبيب بن حماز، وهو بكنيته أشهر (٤).
(١) النجم الوهاج (١/ ٢٩٣).
(٢) النهاية (١٠٨/٥).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٧٩/٣ رقم ٣٠٥٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢٣/٢٠)
قال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٣٦/٣): تفرد به أبو العوام عمران القطان
عن قتادة عن أبي الطفيل عنه. وقال الهيثمي في المجمع ٢٠٤/١: رواه الطبراني في الكبير،
وإسناده حسن. وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٢٩٤) وصحيح الترغيب (١٤٨).
(٤) أسد الغابة (١ / الترجمة ١١٠٨، و٦ / الترجمة ٥٩٤٧)، وتهذيب الكمال (٥/ الترجمة
١١٤٥).

١٧١
كتاب الطهارة
قوله ◌َله: ((من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم)) الحديث.
تنبيه: هل يجوز لعن فاعل ذلك؟ ظاهر الحديث جوازه، وهذا معنى قول
القرطبي العادي والشرعي(١)، واقتصر النووي على قوله عادة لأنه محل نظر (٢)،
فإن اللعن الوارد في السنة غالبًا في أهل الكبائر، وهذا قد يقال إنه لا ينتهي إلى
التحريم فضلًا أن يكون كبيرة لكن يحرم الرافعي في الشهادات نقلا عن صاحب
العدة بأن التغوط حرام في الطريق وارتضاه(٣) وتبعه عليه في الروضة (٤)، وأما في
شرحيه لمسلم والمهذب فقال: ظاهر كلام الأصحاب أن الكراهة للتنزيه،
وينبغي أن يكون محرما لهذه الأحاديث الواردة، وفي كلام الخطابي والقرطبي
إشارة إليه لما فيه من إيذاء المسلمين(٥)، وقد روى البيهقي عن ابن سيرين كما
سيأتي قال: قال رجل لأبي هريرة: أفتيتنا في كل شيء، يوشك أن تفتينا في الخراء،
فقال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((من سل سخيمته على طريق عامر من طرق
المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) لكن قال شيخنا الذهبي:
هو حديث منكر، وضعفه، نعم لا يجوز لعن المعين على ما صححه الجمهور
ولو كان كافرًا لاحتمال وفاته على الإسلام والتوبة، وأما أبو بكر بن العربي
(١) المفهم (٣/ ١٥٠).
(٢) انظر شرح النووي على مسلم (١٦١/٣ - ١٦٢) والإيجاز في شرح سنن أبى داود (ص
١٦٢).
(٣) العزيز شرح الوجيز (٧/١٣-٨).
(٤) روضة الطالبين (١ / ٦٥).
(٥) معالم السنن (٢١/١-٢٢)، والمفهم (١٥٠/٣)، والمجموع (٨٧/٢).

١٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فصحح الجواز(١)، وقال النووي في الأذكار: وظواهر الأحاديث يقتضي
جوازه(٢)، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.
٢٤٣ - وَعَن مُحَمَّد بن سِيرِين ◌َم ◌ِنَّهُ قَالَ: قَالَ رجل لأبي هُرَيْرَة أفتيتنا فِي
کل شَيْء ◌ُوشك أن تفتینا في الخراء فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ێل يَقُول: ((من
سل سخيمته على طَرِيق من طرق الْمُسلمين فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس
أَجْمَعِينَ)) رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرِهمَا وَرُوَاته ثِقَات إِلَّا
مُحَمَّد بن عَمْرو الأنْصَارِيّ (٣).
قَوْله: (يُوشك)) بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَفتحها لغية، مَعْنَاهُ: یکاد ويسرع
والخراء والسخيمة الْغَائِطِ.
(١) أحكام القرآن (١ / ٧٤).
(٢) الأذكار (ص ٥٦٠).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣٢٠/٥ رقم ٥٤٢٦) والصغير (٧٧/٢ رقم ٨١١)، وابن
عدی في الكامل (٢٨٩/٩)، والحاكم (١٨٦/١)، والبيهقى في الکبری (١٥٨/١ -١٥٩
رقم ٤٧٠). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا محمد بن عمرو
أبو سهل الأنصاري، تفرد به: كامل بن طلحة الجحدري. قال ابن عدى: ومحمد بن
عمرو أبو سهل هذا هو عزيز الحديث، وله غير ما ذكرت أحاديث أيضا، وأحاديثه
أفرادات، ويكتب حديثه في جملة الضعفاء. وصححه الحاكم.
وقال الهيثمي في المجمع ٢٠٤/١: رواه الطبراني في الأوسط- وله في الصحيح: اتقوا
اللعانين - وفيه محمد بن عمرو الأنصاري، ضعفه يحيى بن معين، ووثقه ابن حبان،
وبقية رجاله ثقات. وضعفه ابن حجر في التمييز (ص ٢٧٦). وضعفه الألباني في الإرواء
(١٠١/١) والضعيفة (٥١٥١) وضعيف الترغيب (١١٧).

١٧٣
كتاب الطهارة
قوله: عن محمد بن سيرين، هو: محمد بن سيرين الأنصاري التابعي
الإمام في التفسير والحديث وتعبير الرؤيا والمقدم في الزهد والورع، واسم أم
محمد بن سيرين: صفية مولاة أبي بكر الصديق، طيبها ثلاث من أزواج النبي
وَلّه ودعين لها وحضر أملاكها ثمانية عشر بدريًّا منهم أبي بن كعب يدعو
لهم بالبنون، وأولادها ستة: محمد هذا ومعبد وأنس ويحيى وحفصة
وكريمة، وكلهم روات ثقات، وحبس رَّالَّهُ بدين كان عليه، قال له السجان:
إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وإذا أصبحت فتعال، فقال: لا والله، لا
أعينك على خيانة الملك، وكان حبسه في دين له في ثمرة زيت ابتاعه فوقع فيه
ما نجسه وكانت قيمته أربعين ألفًا وكان يقول: عيرت رجلا بشيء من ثلاثين
سنة أحسبني عوقبت به، وكانوا يرون أنه كثير الفقر، [١٣٤ / ب] كثير البكاء
بالليل، مر يوما برواس قد أخرج رأسًا مشويًا فأغمي عليه وادعى رجل عليه
بدرهمين، فقيل له: أتحلف؟، قال: نعم، قيل: على درهمين، قال: نعم ولا
أطعمه حراما، وأنا أعلم، وهو مولى أنس بن مالك، كلفه أنس بن مالك على
عشرين ألفًا فأداها إليه وعتق، وكان له ثلاثون ولدًا، وقيل: أربعون من امرأة
واحدة، فماتوا في حياته إلا عبد الله، وقضى ما على أبيه من الدين المذكور
فلم يمت حتى ملك ثلثمائة ألف درهم، توفي محمد بن سيرين بالبصرة سنة
عشر ومائة، وكانت وفاته بعد الحسن البصري بمائة يوم وهو ابن نيف و
ثمانين سنة، ومناقبه كثيرة مشهورة (١).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١ /٨٢ - ٨٥ الترجمة ١١).

١٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: قال رجل لأبي هريرة: أفتيتنا في كل شيء، يوشك أن تفتنيا في
الخراء، الحديث؛ يوشك: معناه يكاد ويسرع، وفي حديث سلمان قال له
الكفار: إن نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة (١)، قال: قال أجل،
الحديث؛ الخراءة بالكسر وتخفيف الراء وهي اسم لهيئة الحدث، وأما نفس
الحدث فبحذف التاء وبالمد مع فتح الخاء وكسرها (٢)، وفي النهاية: الخراءة
التخلي والقعود للحاجة(٣)، قال الخطابي: وأكثر الرواة يفتحون الخاء(٤)،
وقال الجوهري: إنها الخراءة بالفتح والمد، يقال خرى خراءة مثل كره
كراهة(٥)، ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم (٦).
قوله: أجل، معناه: نعم، وهو بتخفيف اللام، ومراد سلمان نظَّهُ أنه علمنا
كلما نحتاج إليه في ديننا حتى الخراءة التي ذكرت آنفًا أيها القائل فإنه علمنا
أدائها فنهانا فيها عن كذا وكذا(٧).
(١) أخرجه مسلم (٥٧ - ٢٦٢)، وابن ماجه (٣١٦)، وأبو داود (٧)، والترمذى (١٦)،
والنسائى في المجتبى ٢٤٥/١ (٤١) و٢٥٠/١(٤٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٥٣/٣-١٥٤).
(٣) النهاية (٢/ ١٧).
(٤) إصلاح غلط المحدثين (ص ٢١)، وغريب الحديث (٢٢٠/٣)، ومعالم السنن
(١١/١).
(٥) الصحاح (١ / ٤٧).
(٦) النهاية (٢/ ١٧).
(٧) شرح النووى على مسلم (٢/ ١٥٤).

١٧٥
كتاب الطهارة
قوله: ((من سل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة الله
والملائكة والناس أجمعين)) الحديث، والسخيمة: بفتح السين المهملة وكسر
الخاء المعجمة، وجمعها سخائم، والمراد بها هنا الغائط (١)، وتقدم تفسير
اللعنة في الباب، وفي حديث آخر في أبي داود والترمذي وابن ماجه عن ابن
عباس في حديث معلول أن النبي ◌َّلو كان يدعوا فيقول: ((واسلل سخيمة
قلبي))(٢)، فالمراد بالسخيمة في هذا الحديث: الحقد في النفس(٣)، وفي حديث
آخر: ((نعوذ بك من السخيمة)) والسخائم أي الحقود(٤)، ومقتضى حديث ابن
سيرين المتقدم أن يكون هذا الفعل كبيرة، لكن منده ضعيف، قاله ابن
النحاس في تنبيهه(6).
٢٤٤- وَعَنِ جَابر بن عبد الله رَظْو ◌َهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وََّ: «إِيَّاكُمْ
والتعريس على جواد الطَّرِيق وَالصَّلَاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاع
وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْمَلَاعن)) رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه وَرُوَاته ثِقَات (٦).
(١) المجموع المغيث (١١٦/٢)، والنهاية (٣٥١/٢)، والمجموع (٨٦/٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٣٠)، وأبو داود (١٥١٠ و١٥١١)، والترمذى (٣٥٥١). وقال
الترمذى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في الظلال (٣٨٤)، وصحيح
الجامع (٣٤٨٥).
(٣) النهاية (٢ / ١٧).
(٤) النهاية (٢/ ١٧).
(٥) تنبيه الغافلين (ص ٣٢٤).
(٦) أخرجه ابن ماجه (٣٢٩). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٩) و(٣١٢٦)، الإرواء
(١٠١/١)، الصحيحة (٢٤٣٣) دون قوله والصلاة عليها.

١٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن جابر بن عبد الله، كنيته: أبو عبد الله، استشهد يوم أحد، قال
جابر: غزوت مع رسول الله صل تسع عشرة غزوة، توفي جابر بالمدينة سنة
ثلاث وسبعين وهو ابن أربع وتسعين سنة، وكان قد ذهب بصره في آخر
عمره، تقدم الكلام على مناقبه مبسوطًا.
قوله وَّه: ((إِيَّاكُمْ والتعريس على جواد الطَّرِيق وَالصَّلَاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى
الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْملَاعن)) الحديث، التعريس هو
نزول المسافر آخر الليل ليستريح (١)، وقد نص الشافعي رحمه الله على
تحريم التعريس على قارعة الطريق، وليس فيه إلا إرشاد المسافر إلى
مصلحته وصونه عما يرد بالطريق من الهوام ونحوها، فقضاء الحاجة في
الطريق أولى بالتحريم مع ما فيه من القبح بالأذى وجلب اللعن والنهي
الشديد، والملاعن: جمع ملعنة وهي مواضع اللعن(٢) [١٣٥ / أ] وسيأتى
الكلام على هذا الحديث مبسوطا في بابه إن شاء الله تعالى.
٢٤٥- وَعَن مَكْحُول رََّّهُ قَالَ نهى رَسُول الله وَّهِ أَن يبال بِأَبْوَاب
الْمَسَاجِد رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ فِي مراسيله(٣).
قوله: عن مكحول، هو مكحول الدمشقي، أسند عن عدة من الصحابة
منهم: أنس بن مالك وروى عن حذيفة وعبد الله بن عمرو بن العاصي
(١) انظر: الصحاح (٩٤٨/٣)، ومجمل اللغة (ص ٦٥٨)، والنهاية (٢٠٦/٣).
(٢) النجم الوهاج (١/ ٢٩٤).
(٣) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٣٦/١)، وأبو داود في المراسيل (٣). وحسنه الألباني
في صحيح الترغيب (١٥٠).

١٧٧
كتاب الطهارة
وآخرين(١)، وقال القشيري(٢): كان الغالب على مكحول الحزن، فلما كان
في مرض موته وجدوه ضاحكًا، فقيل له في ذلك، فقال: ولم لا أضحك وقد
دنا فراق ما كنت أحذره وقدومي على ما كنت أرجوه وآمله وهو الله تعالى.
قوله: نهى رسول الله -18- أن يبال بأبواب المساجد، الحديث ؛ قال
العلماء: ينبغي أن تعظم المساجد وتحترم لأنها بيوت الله تعالى في الأرض
وأن لا يبال بأبوابها للنهي الوارد في الحديث، قال النووي: حائط المسجد
محترم من خارجه وداخله له حكم المسجد في وجوب صيانته وتعظيمه
وتعظيم حرماته وتحريم البصاق فيه والاستنجاء والبول في أصل جداره
ونحو ذلك، وكذلك سطحه والبئر الذي فيه وكذا رحبته، وقد نص الشافعي
والأصحاب على صحة الاعتكاف في رحبة المسجد وسطحه وصحة صلاة
المأموم فيها مقتديا بمن في المسجد (٣)، ورحبة المسجد: هو المكان الرحب
أي المتسع الذي يجعل غالبًا أمام باب المسجد وهو المكان المحوط لأجل
المسجد وهو أخص من الحريم، وقال صاحب الشامل والبيان: المراد
بالرحبة ما كان مضافًا إلى المسجد محجورًا عليه (٤).
(١) انظر ترجمته: تهذيب الأسماء واللغات (٢/ الترجمة ٦٠٥)، وتهذيب الكمال (٢٨/
الترجمة ٦١٦٨).
(٢) الرسالة (٢/ ٤٦٩).
(٣) المجموع (١٧٨/٢ -١٧٩) وتسهيل المقاصد (لوحة ٤٦/ خ).
(٤) المجموع (٦/ ٥٠٧)، وتسهيل المقاصد (لوحة ٤٦/ خ).

١٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فائدة: لا ينبغي لأحد تصغير المسجد، وقد روى الإمام [أبو](١) أحمد
بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله وَّةٍ قال: ((لا تقولوا مسيجد ولا
مصيحف)) (٢) ونهى عن تصغير الأسماء، قال عبد الحق: إنه موضوع(٣).
وقال النووي: قال الصيمرى وغيره من أصحابنا: لا بأس بإغلاق المسجد
في غير أوقات الصلوات لصيانتها وحفظها، قال: وهذا إذا خيف إستهانتها
وضياع ما فيها ولم تدع حاجة إلى فتحها، أما إذا لم يخف من فتحها مفسدة
ولا انتهاك حرمة وكان فتحها رفقا بالناس فالسنة فتحها، ولم يغلق مسجد
رسول الله ◌َ﴾ه في زمنه ولا بعده، ولو كان في المسجد بئر مسبلة أو سقاية ماء
للشرب لم يجز غلقه ومنه الناس من الاستقاء والشرب، انتهى، قاله في
تسهيل المقاصد لزوار المساجد(٤).
تنبيه: قال العلماء تكره الصلاة في قارعة الطريق لهذا الحديث، وفي
حديث آخر أن النبي وَّ نهى عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة
والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله
(١) سقط من الأصل وأثبتناه من تسهيل المقاصد (لوحة ٢٨/ خ).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٦٢/٢)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة (٣٠٣٧).
وقال ابن عدى: وهذا الحديث عن عباد بن راشد عن الحسن موضوع. وقال عبدالحق في
الأحكام الوسطى (٢٠٩/٤): هذا حديث موضوع، وكان إسحاق هذا كذابًا.
(٣) تسهيل المقاصد (لوحة ٢٨/ خ).
(٤) تسهيل المقاصد (لوحة ٤٤ و٤٥/ خ).

١٧٩
كتاب الطهارة
العتيق، رواه الترمذي(١)، واختلفوا في معني النهي فقيل: لغلبة النجاسة،
وقيل: لأن مرور الناس يشغله، وفي قول إن الصلاة في الشارع باطلة تغليبا
لحكم الظاهر على الأصل (٢)، انتهى، قاله في الديباجة.
قوله: في حديث مكحول: رواه أبو داود في مراسيله، اسمه: سليمان بن
الأشعث، قال النووي: هو الإمام أبو داود السجستاني بكسر السين وفتحها،
والكسر أشهر، روى عنه الترمذي والنسائي [١٣٥/ ب] وغيرهما، واتفق
العلماء على الثناء عليه ووصفه بالعلم والحلم والحفظ التام والإتقان
والورع والفهم الثاقب في الحديث، وقال الحافظ أبو نعيم: كان أبو داود إمام
أهل الحديث في عصره بلا مدافعة وسمع بمصر والحجاز والشام والعراق
وخراسان، وقال موسى بن هارون: خلق أبو داود في الدنيا للحديث وفي
الآخرة للجنة، وقال محمد بن مخلد: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف
حديث فلما صنف كتاب السنن وقرأه على الناس صار كتابه لأصحاب
الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ
والتقدم فيه، وقال أبو داود: كتبت عن رسول الله وَيّ خمس مائة ألف
حديث، انتخبت منها هذا الكتاب يعني: كتاب السنن، جمعت فيه أربعة
آلاف وثمان ماة حديث، وقال النووي: روينا عن الحسن بن محمد بن
(١) أخرجه ابن ماجه (٧٤٦)، والترمذى (٣٤٦ و٣٤٧). قال الترمذى: حديث ابن عمر
إسناده ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه. وضعفه الألباني في
المشكاة (٧٣٨)، الإرواء (٢٨٧).
(٢) انظر: شرح السنة (٤١١/٢-٤١٢)، والنجم الوهاج (٢٤٣/٢-٢٤٤).

١٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
إبراهيم الرازي قال: رأيت النبي وَّ﴾ في المنام فقال: ((من أراد أن يتمسك
بالسنن فليقرأ كتاب أبي داود))، ولد أبود داود سنة ثلاثين ومائتين، وتوفي
بالبصرة لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين (١)، قاله في
مختصر مجمع الأحباب.
فرع: قال العلماء: يحرم البول في المسجد وإن كان في إناء على الراجح،
وكذلك يحرم البول على القبور المتحرمة كما يحرم الجلوس عليها، ويكره
بقربها، والله أعلم (٢).
فرع آخر أيضًا: يحرم عليه أن يستجمر بجدار المسجد من خارج لأنه
يحترم، وكذلك جدار الغير، ويكره في جدار نفسه، قال ابن الحاج المالكي
في كتابه (المدخل)(٣): ويحرم عليه أن يستجمر بحائط الوقف أو باصبعه
ويمسح ما أصابه في الحائط، وهذا النوع قد كثر وهو محرم، والله أعلم.
٢٤٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ من لم يسْتَقْبل الْقَبْلَة وَلم
يستدبرها فِي الْغَائِطِ كتب لَهُ حَسَنَة ومحي عَنْهُ سَيِّئَة. رَوَاهُ الطَبَرَانِيّ وَرُوَاته
رُوَاة الصَّحِيحِ(٤)، قَالَ الْحَافِظِ وَقد جَاءَ النَّهْي عَنِ اسْتِقْبَال الْقَبْلَة واستدبارها
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٢٤/٢-٢٢٧ الترجمة ٧٧٧).
(٢) انظر المجموع شرح المهذب (٩٢/٢-٩٣)، وكفاية الأخيار (ص ٣٥).
(٣) المدخل (١٩٩/٢).
(٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٢/٢ - ٨٣ رقم ١٣٢١). وقال الطبراني: لم يرو هذا
الحديث عن يحيى إلا حسين، ولا عن حسين إلا إبراهيم، ولا عن إبراهيم إلا القاسم،
تفرد به: أحمد بن حرب. قال الهيثمي في المجمع ٢٠٦/١: رواه الطبراني في الأوسط،
=