Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب العلم
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (١): أما البنيان فما كان منه ضروريًا يكن
الإنسان ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه، وذلك حلفظ نفسه
وستر عورته، وقال النبي ◌َّيّ: ((ليس لابن آدم حق سوى هذه الخصال: بيت
یسکنه، وثوب یواري عورته، وجلف الخبز والماء)) (٢)، وهذا القدر هو الذي
لا يسأل عنه العبد في الآخرة إن شاء الله، وقد جاء الحض على بناء المساجد
والقناطر إلى غير ذلك من مصالح المسلمين.
قوله: ((وكل علم وبال على صاحبه)) الحديث، تقدم معنى الوبال.
قوله: وفيه هانئ بن المتوكل، هو: هانئ بن المتوكل بن (إسحاق
الإسكندراني بن إبراهيم بن حرملة الإسكندراني مولى لبني شبابة من فهم،
كان فقيها نزل الإسكندرية، توفي بعد الثلاثين ومائتين، وكان مسنا قال ابن
حبّان: کان يدخل عليه لما كبر فيجيب، فكثرت المناکیر في روايته، فلا يجوز
الاحتجاج به بحال(٣) [١٢٣/ب].
٢١٩ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ◌ََّ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَِّ أَشد النَّاس
عَذَابًا يَوْمِ الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِيرِ وَالْبَيْهَقِيّ (٤).
(١) تفسير القرطبى (٣٠٨/١٤).
(٢) أخرجه الترمذى (٢٣٤١) والحاكم (٣١٢/٤). وقال الترمذى: هذا حديث صحيح.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٠٦٣) والمشكاة (٥١٨٦).
(٣) المجروحين (٩٧/٣)، والمؤتلف والمختلف (١٣٧٤/٣).
(٤) أخرجه الدينورى في المجالسة (٩٠)، والطبراني في الصغير (٣٠٥/١ رقم ٥٠٧)،
والبيهقى في الشعب (٢٧٣/٣-٢٧٤ رقم ١٦٤٢). قال العراقى في تخريج الإحياء (٨):
=

١٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٢٠ - وَرُوِيَ عَن عمار بن ياسرِ زَّوَّلَهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله وَّةٍ إِلَى حَيّ
من قيس أعلمهم شرائع الإِسْلَام فَإِذا قوم كَأَنَهُمْ الإِبل الوحشية طامحة
أَبْصَارهم لَيْسَ لَهُم هم إِلَّ شَاةٍ أَو بعير فَانْصَرَفت إِلَى رَسُول الله وَِّ فَقَالَ يَا
عمار مَا عملت فقصصت عَلَيْهِ قصَّة الْقَوْم وأخبرته بِمَا فيهم من السهوة فَقَالَ
يَا عمار أَلا أخْبرك بِأَعْجَب مِنْهُم قوم علمُوا مَا جهل أُولَئِكَ ثَّ سَهوا
كسهوهم)) رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالطَّرَانِيّ فِي الْكَبِيرُ(١).
قوله: عن عمار بن ياسر، كنيته: أبو اليقظان عمار بن ياسر العبسي الشامي
الدمشقي، كان من السابقين إلى الإسلام وكان هو وأبوه وأمه سمية ممن
أسلم أولا، وكان إسلام عمار وصهيب في وقت واحد حين كان النبي (ص 8 في
دار الأرقم، وأسلم بعد بضعة وثلاثين رجلًا، روي له عن رسول الله ﴾ اثنان
وستون حديثًا اتفقا على حديثين منها وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بحديث،
قتل زَّ الَّهُ بصفين مع علي بن أبي طالب في شهر ربيع الأول، وقيل: الآخر
سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين سنة، وأوصى أن يدفن
بثيابه فدفنه علي بن أبي طالب بثيابه ولم يغسله، وكان زَقْوّه آدم اللون طويلًا
=
رواه الطبراني في الصغير والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة بإسناد
ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (١٦٣٤) وضعيف الترغيب (١٠٦).
(١) أخرجه البزار (١٤٣١). قال البزار: وهذا الكلام لا نعلم رواه عن النبي وَلّ إلا عمار، ولا
يروى عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في المجمع ١ /١٨٥: رواه البزار والطبراني
في الكبير، وفيه عباد بن أحمد العزرمي، قال الدار قطني: متروك. وضعفه الألباني جدًّا في
ضعيف الترغيب (١٠٧).

١٠٣
كتاب العلم
لا يغير شيبه، وثبت في الصحيحين أن رسول الله وَّ﴾ قال: ((ويح عمار، تقتله
الفئة الباغية)) وكانت الصحابة رضي الله عنهم يوم صفين يتبعونه حيث توجه
لعلمهم أنه مع الفئة العادلة بهذا الحديث، قالوا: وكان عمار أول من بنى
مسجدًا لله تعالى في الإسلام، بنى مسجد قباء وشهد قتال اليمامة في زمن أبي
بكر فأشرف على صخرة ونادى: يا معاشر المسلمين، أمن الجنة تفرون، إليّ
إليّ أنا عمار بن ياسر، وقطعت أذنه وهو يقاتل أشد القتال، ومناقبه كثيرة
مشهورة رضي الله تعالى عنه(١).
تنبيه: قوله: ((ويح عمار)) ويح فلان: كلمة ترحم وتوجع، يقال لمن وقع
في هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على
المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف، يقال: ويح زيد ويحًا له وويحٌ له،
وفي الحديث أيضًا أنه قال لعمار: ((ويس ابن سمية))، وفي رواية: ((يا ويس ابن
سمية)) ويس: كلمة ترحم وترفق مثل ويح، وحكمها حكمه، قاله في النهاية (٢)
والله أعلم.
قوله: بعثني رسول الله وَيّ إلى حي من قيس، أصل الحي منزل القبيلة ثم
سميت القبيلة به إتساعًا لأن بعضهم يحيى ببعض (٣)، قيس: حي من مضر،
أبوهم: إلياس ولقبه قيس بن مضر، ومضر بضم الميم وفتح الضاد المعجمة
(١) تهذيب الأسماء والصفات (٣٧/٢-٣٨ الترجمة ٤٦٥).
(٢) النهاية (٢٣٥/٥).
(٣) الكواكب الدرارى (٢٠٨/١).

١٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
غير منصرف وهو: مضر بن نزار بن معد بن عدنان(١).
قوله: فإذا قوم كأنهم الإبل الوحشية طامحة أبصارهم ليس لهم هم إلا شاة
أو بعير، الحديث، الطمح هو طمح بصره إلى الشيء ارتفع وكل مرتفع
(٢)
طامح (٢).
٢٢١ - وَعَن عَلَيّ بن أبي طَالب ◌َِّيُّ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِنِّي لَا
أَتَخَوَّف على أمتِي مُؤمنا وَلَا مُشْركًا فَأَمَا الْمُؤمن فيحجزه إيمَانه وَأما الْمُشرك
فيقمعه كفره وَلَكِنْ أَتَخَوَّف عَلَيْكُم منافقا عَالمِ اللِّسَان يَقُول مَا تعرِفُون
وَيَعْمَلِ مَا تنكرون رَوَاهُ الطَّرَانِيّ فِي الصَّغِير والأوسط من رِوَايَة الْحَارِثِ وَهُوَ
الْأَعْوَرِ وَقدْ وَثَّقَهُ ابْنِ حِبَان وَغَيرِهُ(٣).
قوله: عن علي بن أبي طالب، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَّة: ((إني لا أتخوف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، فأما المؤمن
فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره)) الحديث، الحجز المنع، وأما
القمع فهو من قمعته وأقمعته بمعنی قهرته وزجرته فانقمع.
(١) الكواكب الدرارى (٢٠٨/١).
(٢) الصحاح (٣٨٨/١)، والإفصاح (٢٩٠/٨).
(٣) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة (٣٨٥ و٣٨٦) والمطالب العالية (١/٢٩٨٧ و٢)،
والطبراني في الصغير (٢٠٠/٢ رقم ١٠٢٤) والأوسط (١٢٨/٧ رقم ٧٠٦٥). وقال
الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلا عباد بن بشر. قال الهيثمي في المجمع
١٨٧/١: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف جدًّا.
وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١٠٨) و(١٣٩٨).

١٠٥
كتاب العلم
قوله: ((ولكن أتخوف عليكم منافقًا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما
تنكرون)) المراد بعالم اللسان هو العالم، ووري عن عمر رَقُولَّهُ أنه قال على
المنبر: إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم، قالوا: كيف يكون المنافق
عليما، قال: يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال: المنكر (١)، وسئل حذيفة
زَّو ◌َّهُ: من المنافق؟ قال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به(٢)، وقال بلال بن
سعد: المنافق يقول ما تعرف ويعمل ما تنكر، ومن هنا كان الصحابة رضي
الله عنهم يخافون النفاق على أنفسهم، ولما تقرر عند الصحابة رضي الله
عنهم أن النفاق هو خلاف السر والعلانية، خشي بعضهم أن يغير عليه خشوع
قلبه ورقته وحضوره [١٢٤ / أ] عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال
بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك نفاقا، وحاصل الأمر أن النفاق
الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قال الحسن(٣)، وقال
الحسن أيضًا: من النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السريرة
والعلانية، واختلاف الدخول والخروج(٤)، وقالت طائفة من السلف: خشوع
(١) أخرجه عبد بن حميد (١١)، والمروزى في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٥)، والبيهقى في
الشعب (٣٧٢/٣ رقم ١٦٤١).
(٢) أخرجه أحمد في السنة (٧١٦)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٢)، وابن بطة في
الإبانة (٩١٤).
(٣) أخرجه: أبو نعيم في صفة النفاق ونعت المنافقين (١٢٨).
(٤) أخرجه: الفريابي في صفة المنافق (٤٩)، وابن بطة في الإبانة (٩١٠)، وأبو نعيم في صفة
النفاق ونعت المنافقين (١٢٨).

١٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
النفاق أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع، وقد روي معنى ذلك
عن عمر رَظْوَلَهُ، قاله ابن رجب (١). قوله: رواه الطبراني من رواية الحارث وهو
الأعور الحارث هو: الأعور الهمداني بإسكان الميم وبالدال المهملة ينسب
إلى همدان قبيلة من العرب (وهم ولد همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن
ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان).
٢٢٢ - وَعَن عمرَان بن حُصَيْن ◌ََّهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَِّ: إِن أخوف ما
أَخَاف عَلَيْكُم بعدِي كل مُنَافِقٍ عليم اللِّسَانِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَزَّار
وَرُوَاتِهِ مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث عمر بن الخطاب(٢).
قوله: عن عمران بن حصين رضي الله عنهما: اعلم أن العلماء اختلفوا في
إسلام حصين والد عمران وصحبته، والصحيح إسلامه وصحبته، فلهذا
قلت: رضي الله عنهما(٣).
قوله وَّيقول: ((إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان)) تقدم
تفسير ذلك في الحدیث قبله.
(١) جامع العلوم والحكم (١٢٥٨/٣).
(٢) أخرجه البزار (٣٥١٤)، والفريابى في صفة النفاق (٢٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٣٧
رقم ٥٩٣). وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٧: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجاله
رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٣٢). وأخرجه أحمد
٢٢/١ (١٤٣) و٤٤/١ (٣١٠)، وعبد بن حميد (١١) عن عمر بن الخطاب. وصححه
الألباني في الصحيحة (١٠١٣) وصحيح الترغيب (١٣٣).
(٣) الأذكار (ص ٥٥٨).

١٠٧
كتاب العلم
٢٢٣ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َّهُ عَن رَسُول الله وَِّ قَالَ إِن الرجل لا يكون
مُؤمنا حَتَّى يكون قلبه مَعَ لِسَانه سَوَاء وَيكون لِسَانه مَعَ قلبه سَوَاء وَلَا يُخَالف
قَوْله عمله ويأمن جاره بوائقه رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيّ بِإِسْنَادِ فِيهِ نظر (١).
قوله: عن أنس بن مالك، تقدم.
قوله ◌َّة: ((إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء
ويكون لسانه مع قلبه سواء ولا يخالف قوله عمله ويأمن جاره بوائقه))
الحديث، المراد بقوله: ((لا يكون مؤمنًا)) كامل الإيمان، والمراد بالبوائق:
الشر وغائلته.
٢٢٤- وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ◌َوَّهُ قَالَ: إِنِّي لأحسب الرجل ينسى
الْعلم كَمَا تعلمه للخطيئة يعملها. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ مَوْقُوفا من رِوَايَة الْقَاسِم بن
عبد الرَّحْمَن بن عبد الله عَن جده عبد الله وَلم يسمع مِنْهُ وَرُوَاته ثِقَاتٍ(٢).
قوله: عن ابن مسعود، تقدم الكلام عليه.
قوله: ((إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلّمه للخطيئة يعملها)) وهذا
(١) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٥٣)، والديلمى كما في الغرائب الملتقطة من
طريق ابن لال (٨٤٣). وضعفه الألباني في الضعيفة (٥٣٠٤) وضعيف الترغيب (١٠٩)
و (١٣٩٧).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٨٣)، وزهير بن حرب في العلم (١٣٢)، والدارمى (٣٨٨)،
وأبو داود في الزهد (١٦٩)، والطبراني في الكبير (١٨٩/٩ رقم ٨٩٣٠). قال الهيثمي في
المجمع ١٩٩/١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون، إلا أن القاسم لم يسمع من
جده. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (١١٠) و(١٤٧٤).

١٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحديث هو بمعنى قوله وَالر: ((من قارف الذنب ذهب عنه من عقله قدر لا
يعود إليه أبدا)) قاله في الديباجة.
قوله: رواه الطبراني موقوفا من رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله
عن جده عبد الله، هو: القاسم (بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي
المسعودي، أبو عبد الرحمن الكوفي قاضيها، أخو معن بن عبد الرحمن روى
عن أبيه، وأبي ذر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة. روى عنه الأعمش،
والمسعودي، ومسعر، وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال
يحيى بن معين: هو ثقة. وقال أحمد بن عبد الله: هو ثقة، رجل صالح، وكان
لا يأخذ على القضاء والفتيا أجرًا، واتفقوا على توثيقه. قال علي بن المديني:
لم يلق القاسم أحدًا من أصحاب رسول الله وَّل غير جابر بن سمرة، قيل له:
فلقي ابن عمر؟ فقال: كان يحدث عنه حديثين، ولم يسمع منه شيئًا (١).
وتقدم الكلام على الحديث الموقوف في مواضع.
٢٢٥ - وَعَن مَنْصُور بن زَاذَان قَالَ: نبئت أَن بعض من يلقى فِي النَّار تتأذى أهل
النَّار بريحه فَيَّقَال لَهُ وَيلك مَا كنت تعمل مَا يكفينا مَا نَحن فِيهِ من الشَّرّ حَتَّى ابتلينا
بك وبنتن رِيحك فَيَقُول كنت عَالما فَلم أنتفع بعلمي. رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيّ(٢).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٥٤ الترجمة ٤٩٧).
(٢) أخرجه أحمد في الزهد (٢٢٥٥)، وأبو نعيم من طريق الامام أحمد في الحلية (٥٩/٣)،
والبيهقى في الشعب (٣١٥/٣ رقم ١٧٥٥). وضعفه الألباني جدًّا في ضعيف الترغيب
(١١١).

١٠٩
كتاب العلم
قوله: عن منصور بن زاذان هو منصور بن زاذان (الواسطي، أبو المغيرة
الثقفي، مولى عبد الله بن أبي عقيل الثقفي أخي المغيرة بن أبي عقيل، ويقال:
كنية أبيه زاذان: أبو عقيل عن أنس وأبي العالية والحسن وعنه شعبة وهشيم ثقة
كبير الشأن سريع القراءة جدا مات سنة ثمان وعشرين ومائة وقيل سنة تسع
وعشرين ومائة وقيل مات في الطاعون سنة الوباء سنة إحدى وثلاثين ومائة(١).
قوله: نبئت، معناها: أخبرت. قوله: فيقال له: ويلك ما كنت تعمل؟ وَيْلَك
كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى الْمُخَاطَبِ. قوله: فيقول: كنت عالمًا فلم
أنتفع بعلمي، معناه: لم أعمل بعلمي الذي تعلمته.
(١) تهذيب الكمال (٢٨ / الترجمة ٦١٩١) والكاشف: ٣/ الترجمة ٥٧٣٣، وتذكرة الحفاظ:
٢/ ١٤١، وتذهيب التهذيب: ١٠/ ٣٠٦ -٣٠٧.

١١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترهيب من الدعوى في العلم والقرآن
٢٢٦ - عَن أبي بن كَعْب ◌َّهُ عَنِ النَّبِيِوَلَه قَالَ: قَامَ مُوسَى ◌َّ خَطِيبًا فِي
بني إِسْرَائِيل فَسئلَ أَي النَّاس أعلم فَقَالَ أَنا أعلم فعتب الله عَلَيْهِ إِذْ لم يرد
الْعلم إِلَيْهِ فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن عبدًا من عبادي بمجمع الْبَحْرِين هُوَ أعلم مِنْك
قَالَ: يَا رب كَيفَ بِهِ فَقيل لَهُ احْمِلْ حوتًا فِي مكتل فَإِذا فقدته فَهُوَ ثمَّ فَذكر
الحَدِيث في اجتماعه بالخضر إِلَى أَن قَالَ فَانْطَلقَا يمشيان على سَاحل الْبَحْرِ
لَيْسَ لَهما سفينة فمرت بهما سفينة فَكَلمُوهُمْ أَن يحملوهما فَعرف الْخضر
فحملوهما بِغَيْرِ نول فجَاء عُصْفُور فَوَقع على حرف السَّفِينَةِ فَنَقرَ نقرة أَو
نقرتين فِي الْبَحْرِ فَقَالَ الْخضر يَا مُوسَى مَا نقص علمي وعلمك من علم الله
إِلَّا كنقرة هَذَا العصفور فِي هَذَا الْبَحْرِ فَذكرِ الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِي رِوَايَة بَيْنَمَا
مُوسَى يمشي فِي مَلأ من بني إِسْرَائِيل إِذْ جَاءَهُ رجل فَقَالَ لَهُ هَل تعلم أحدا
أعلم مِنْك قَالَ مُوسَى لَا فَأوحى الله إِلَى مُوسَى بل عَبدنَا الْخضر فَسَأْلَ مُوسَى
السَّبِيل إِلَيْهِ الحَدِيثِ رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرِهمَا (١).
قوله: عن أبي بن كعب، أبي بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة بن المنذر
الأنصاري الخزرجي النجاري، روي له عن رسول الله وَ له مائة حديث
وأربعة وستون حديثا، ذكر البخاري منها سبعة أحاديث، وكان رَّ اللّه رجلًا
(١) أخرجه البخارى (٤٧٢٥) و(٤٧٢٦) و(٤٧٢٧) و(٧٤٧٨)، ومسلم (١٧٠ و١٧١
و١٧٢ و١٧٣ و١٧٤ - ٢٣٨٠)، والترمذى (٣١٤٩)، وابن حبان (٦٢٢٠).

١١١
كتاب العلم
قصيرًا نحيفًا أبيض الرأس واللحية، شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها من
المشاهد، وكان زَّو ◌َّهُ كاتب الوحي وهو أحد الستة الذي حفظوا القرآن على
عهد رسول الله وَله وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول الله وع داخله
أيضًا وأقرأ الصحابة لكتاب الله(١).
فائدة: في الذين حفظوا القرآن في [١٢٤/ ب] زمن النبي وَل، وقد نظم
ذلك بعض الفضلاء في بيتين فقال:
بغير خلاف ستة بالهدى بانوا
ومن حفظ القرآن وقت نبينا
أبو زيد الأنصاري معاذ وعثمان
أبي وأبو الدرداء زيد بن ثابت
فائدة أخرى: في الذين كانوا يفتون في حياة رسول الله وَلو أربعة عشر من
أصحابه، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود
وعمار بن ياسر وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحذيفة وزيد بن ثابت وأبو
الدرداء وسلمان وأبو موسى الأشعري(٢)، قاله في الكافي.
وعن أنس بن مالك رَّهُ أن رسول الله وَّه قال لأبي بن كعب: ((إن الله
أمرني أن أقرأ عليك القرآن))، قال: سماني الله لك؟ قال: ((نعم)) قال: وقد
ذكرت عند رب العزة، قال: ((نعم)) فذرفت عيناه(٣)، الحديث، ذرفت: بفتح
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٨/١- ١١٠ الترجمة ٤٤).
(٢) انظر كشف المشكل (٢/ ١٤٧) لابن الجوزى.
(٣) أخرجه البخارى (٣٨٠٩) و(٤٩٥٩) و(٤٩٦٠)، ومسلم (٢٤٥ و٢٤٦ و١٢١ و١٢٢ -
٧٩٩).

١١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الراء أي سال منها الدمع، والبكاء للسرور والفرح، وفي هذا الحديث فوائد
كثيرة منها: استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه وأهل العلم به والفضل
وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه، ومنها: المنقبة الشريفة لأبي بقراءة
النبي ◌َّل عليه، ولا يعلم أحدًا من الناس شاركه في هذه المنقبة، واختلفوا في
الحكمة في قراءة النبي ◌ّ على أن يقال بعضهم: إنما قرأ النبي ◌َّ- على أبي
ليعلم الناس التواضع لئلا يأنف أحد من التعليم والقراءة على من دونه في
المنزلة، وقيل: لأن أبيًا كان أسرع أخذًا لألفاظ رسول الله وَي فأراد بقراءته
عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه ويعلم غيره، وقيل: للتنبيه على
جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن عنه فكان يعده وَ جيو رأسًا وإمامًا في إقراء
القرآن، ومنها: ذكر الله تعالى له ونصه في هذه المنزلة الرفيعة، ومنها: البكاء
للسرور والفرح بما يسر الإنسان به ويعطاه من معالى الأمور، وأما قوله
رَو ◌َّةُ: أسماني الله لك؟ إنما سأل أبي زَقُولَهُ عن تسمية الله تعالى له لجواز أن
يكون الله تعالى أمره أن يقرأ على رجل من أمته ولم يعينه فأراد أبي أن يتحقق
هل نص عليه أو قال: على رجل، فيؤخذ منه: الاستثبات في المحتملات،
وفي رواية عن أنس بن مالك أيضًا أن رسول الله وَّم قال لأبي: ((إن الله أمرني
أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾(١)) قال: وسماني الله لك؟ قال:
(نعم)) فبكى أبي رُّ، وإنما خص هذه السورة بالقراءة على أبي لكونها
(١) سورة البينة، الآية: ١.

١١٣
كتاب العلم
وجيزة جامعة لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته، والإخلاص
وتطهير القلب وذكر معادهم من الجنة والنار وتقسيمهم إلى السعداء
والأشقياء وخير البرية وشرهم وأحوالهم قبل البعثة وبعدها مع وجازة
السورة فإنَّها من قصار المفصل، وكان الوقت يقتضي الاختصار (١)، والله
أعلم، سماه رسول الله وَ له سيد الأنصار وسماه عمر سيد المسلمين، توفي
نَّاللَّهُ سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثلاثين بالمدينة، ومناقبه كثيرة مشهورة،
تقدم بعضها.
قوله {وَلّ: ((قام موسى وَدية- خطيبًا في بني إسرائيل)) الحديث، هو: موسى
[١٢٥ / أ] ابن عمران لا موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب عليلما لما روي
أنه قيل لابن عباس رَو ◌َّهُ إن فلانًا يزعم أن الخضر ليس صاحبه موسى بن
عمران وإنما صاحبه موسى بن ميشا، فقال: كذب عدو الله، انتهى؛ واعلم أن
لابن عباس في قصة موسى والخضر تماريين، تمار بينه وبين الحر [بن قيس]
في صاحب موسى أهو الخضر أم غيره؟ وتمار بينه وبين نوف البكالي أي في
موسى أهو موسى بن عمران أم غيره (٢).
نوف البكالي: بفتح النون وسكون الواو وبالفاء، ونوف هذا هو ابن فضالة
ابن رشيد، وفضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبو يزيد القاص البكالي
(١) شرح النووي على مسلم (٨٦/٦).
(٢) انظر الكواكب الدرارى (٤٧/٢)، وفتح البارى (١٦٩/١) (٤١٣/٨) وهدى السارى
(٣١٤/١).

١١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحميري، ينسب إلى بني بكال بكسر الباء وتخفيف الكاف، وقيل: البكالي
بفتح الموحدة وبتشديد الكاف، كان يهوديًّا في جملة من تهود من حمير
فأسلم وحسن إسلامه، سكن الشام وسمع الحديث وأتى أصحاب رسول
الله وَّ وسمع الحديث منهم وأسنده عنهم، منهم: عبد الله بن عمرو بن
العاصي وثوبان مولى رسول الله ﴿ ﴿ وهو ابن امرأت كعب الأحبار، وقيل:
ابن أخيه وهو منصرف في اللغة الفصيحة وفي بعضها غير منصرف وكتب
بدون الألف، وكان يقص بالكوفة وغيرها، انتهى، قاله صاحب العلم
(١)
المشهور(١).
قال ابن بطال (٢): وفيه جواز التماري في العلم إذا كان كل واحد يطلب
الحقيقة ولم يكن متعنتًا، وفيه الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع.
تنبيه: في قول ابن عباس: كذب عدو الله، فإن قلت: كيف يكون عدو الله
وهو مؤمن وكان عالمًا قاصًا إمامًا لأهل دمشق، قلت: قال العلماء: قاله على
وجه التغليظ والزجر عن مثل قوله لا إنه يعتقد أنه عدو الله وكذبه حقيقة إنما
قاله مبالغة في إنكاره وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة الإنكار،
وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا يراد بها حقا يقيناً، انتهى، قاله الكرماني(١).
(١) هو أبو الخطاب عمر بن الحسن بن على المعروف بابن دحية الكلبى وكتابه هو العلم
المشهور في فضائل الأيام والشهور وكلامه في (٤٤) وانظر الكواكب الدرارى (١٤٠/٢).
(٢) شرح الصحيح (١٦٠/١).
(٣) الكواكب الدرارى (١٤١/٢).

١١٥
كتاب العلم
وقال صاحب العلم المشهور وهو ابن دحية الكلبي: وإنما كذبه ابن
عباس لأنه خالف رسول الله وَ ل﴾(١)، انتهى.
قوله: ((في بني إسرائيل))، بنو إسرائيل هم أولاد يعقوب ،الّلة)، وإسرائيل
لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه
وعليهم، ومعناه: في لسانهم صفوة الله، وقيل: عبد الله(٢).
فائدة: بنو إسرائيل ذرية يعقوب عليّلام، ويعقوب إسرائيل الله وهو اسم
أعجمي، فمعناه: عبد الله كما تقدم.
قال السهيلي: سمي إسرائيل لأنه أسري ذات ليلة حين هاجر إلى الله
فسمي إسرائيل أي: سرى إلى الله(٣)، قال وهب: دخل يعقوب وولده مصر
وهم اثنان وتسعون إنسانًا ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى وهم
ستمائة ألف مقاتل وخمس مائة وبضع وسبعون رجلاً سوى الذرية والزمنى
وكانت الذرية ألف ألف سوى المقاتلة وأقام يعقوب عليّلما بمصر بعد
موافاته بأهله وولده أربع وعشرين سنة ثم حضرته الوفاة، فلما احتضر جمع
بنيه فقال: ما تعبدون من بعدي، قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق، ثم قال: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا
وأنتم مسلمون، ومات هو وأخوه العيص في يوم واحد، وعمرهما جميعًا
(١) العلم المشهور (خ / ٤٤).
(٢) الكشاف (١٣٠/١).
(٣) تفسير القرطبى (١/ ٣٣١).

١١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[١٢٥/ ب] مائة وسبعون وأربعون سنة، وكانا في بطن واحدة(١)، وقال ابن
عباس: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة نوح وهود وشعيب وصالح
ولوط وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد ◌َّليه (٢)، انتهى، قاله في
الديباجة.
قوله: ((فسئل: أي الناس أعلم؟)) يعني: أي شخص من أشخاص الإنسان
أعلم من غيره.
قوله: ((فقال: أنا)) قال ذلك بسبب اعتقاده، وإلا فكان الخضر أعلم منه كما
صرح به في هذا الحديث بقوله: فأوحى الله تعالى إليه أن عبدا من عبادي
بمجمع البحرين هو أعلم منك.
قوله: ((فغضب الله عليه)) إذ لم يرد العلم إليه، أي: إلى الله تعالى، وفي
بعضها إلى الله أي كان حقه أن يقول: الله أعلم، فإن مخلوقات الله تعالى لا
يعلمها إلا هو قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَّ﴾(٣) ويجوز في
يرد العلم وفي أمثاله ضم الدال وفتحها وكسرها (٤).
تنبيه: في قوله: ((فعتب الله عليه)) معناه: في هذا الحديث لوم الله تعالى له
وهو أخذته إياه وتعنيفه بالكلام الموحى إليه حين قال ما قال، وأهل العتب
(١) انظر المصدر السابق (٢٦٨/٩).
(٢) المصدر السابق (١٤١/٢).
(٣) سورة المدثر، الآية: ٣١.
(٤) الكواكب الدرارى (١٤١/٢).

١١٧
كتاب العلم
في اللغة الموحدة يقال: عتبت عليه عتبًا وعتابًا ومعتبةً بفتح الميم والتاء، وقد
تكسر، وعاتبته معاتبة وعتبا أيضًا إذا واخذته بما في نفسك من الموجدة التي
كانت عن جنايته ومن أجله، وأعتبته عتابًا وعتبى بالضم مقصورًا إذا أرضيت
من موجدته عليك، ومنه: قوله لعله يستعتب أي يعترف ويلوم نفسه ويعتبها،
قاله عياض، وقد تكون بمعنى السخط والغضب لكن في غير حديث موسى
على نبينا وعليه السلام(١)، انتهى، قاله في العلم المشهور(٢).
قوله: ((فَأوحى الله إِلَيْهِ إن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك))
بكسر إن لأن الإيحاء فيه معنى القول، ومجمع البحرين قيل: هما بحرا
فارس والروم فبحر فارس مما يلي المشرق، قاله قتادة، وبحر الروم مما يلي
المغرب، وقيل: هما بحر الكر والرس بديار أرمينية، وقيل: هما بحرا الأردن
وبحر القلزم، وقيل: مجمع البحرين طنجة آخر ساحل المغرب الآتي من
أفريقية ومن جميع الجهات ليس بعدها سوى البحر، وقيل: الزقاق وركوبه
لا يستطاع ولا تطاق أمواجه كأنها الجبال وقعره لا يدرك ولا ينال، وقيل: إن
اجتماع موسى عليثَلاًا بالخضر عَلَلام تحت جبل يعرف بجبل الخلفا بموضع
يعرف الآن بماء الحياة على مقربة من مدينة سبتة (٣).
(١) انظر إكمال المعلم (٣٦٦/٧)، ومطالع الأنوار (٣٧١/٤).
(٢) العلم المشهور (لوحة ٤٦).
(٣) انظر تفسير القرطبى (٩/١١)، وحياة الحيوان (٣٨١/١)، وعمدة القارى (٥٩/٢)،
والعلم المشهور (لوحة ٤١ و٤٢).

١١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال ذو النسبين ابن دحية الكلبي مصنف العلم المشهور: وقد وقفت عليه
ومشيت على ذلك الساحل والناس يحفرون في الرمل فيستخرجون ماء حلوا
عذبًا فراتا، والعجيب أن موج البحر الملح يضرب عليه، ومن ذلك الموضع
يجازى الزقاق إلى جزيرة الأندلس(١)، انتهى، وقيل: البحران موسى
والخضر كانا بحرين في العلم (٢).
قوله: ((قال: يارب، كيف به؟)) أي: وكيف الاجتماع به؟
قوله: ((فقيل: احمل حوتا)) الحوت السمكة وكانت سمكة مالحة كما
صرح به في بعض الروايات.
تنبيه: وجمع الحوت أحوات وحوتة وحيتان، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ
حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ﴾(٣) وهذا يمكنه أن
يقع من الحوت بإرسال من الله كإرسال السحاب أو بوحي وإلهام كالوحي
إلى النحل أو بإشعار في ذلك اليوم نحو ما يشعر الله الدواب [١٢٦ / أ] يوم
الجمعة بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول الله وَالخلية: ((ما من دابة إلا وهي
مصيخة يوم الجمعة فرقًا من قيام الساعة)) الحديث ويحتمل أن يكون ذلك
من الحوت شعورًا بالسلامة في ذلك اليوم على نحو شعور حمام الحرم
بالسلامة، قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب ويكثر حتى يمكن
(١) العلم المشهور (لوحة ٤١ و٤٢).
(٢) انظر تفسير القرطبى (٩/١١).
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٦٣.

١١٩
كتاب العلم
أخذه باليد فإذا كان ليلة الأحد غاب بجملته، وقيل: يغيب أكثر فلم يبق منه
إلا القليل، والقصة في ذلك مشهورة(١).
فائدة: فيها أعجوبة قال أبو حامد الأندلسي: رأيت سمكة بمدينة سبتة من
نسل الحوت الذي أكل منه موسى وَله وفتاه أي: صاحبه وهو يوشع بن نون
(وإنما قيل فتاه: لأنه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ العلم منه) وأحيا
الله نصفه فاتخذ سبيله في البحر سربًا، ونسلها في البحر إلى الآن في ذلك
الموضع وهي سمكة طولها أكثر من ذراع وعرضها شبرا واحدًا أحد جانبيها
شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها وعينها ورأسها نصف رأس، من رآها
من هذا الجانب استقذرها ويحسب أنها مأكولة ميتة ونصفها الآخر صحيح
والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الأماكن البعيدة، قال ابن عطية: وأنا رأيتها
كذلك، قال: ومن غريب ما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في
قصص هذه الآية: ما مست شيئا قط إلا حيي، قال: ومن غريبه أيضًا أن بعض
المفسرين ذكر أن موضع سلوك الحوت عاد حجرًا طريقًا وأن موسى،فَالبَارنا
مشى عليه تبعا للحوت حتى أفضى به ذك الطريق إلى جزيرة في البحر، وفيها:
وجد موسى الخضر، وكان أبو الفضل الجوهري يقول في وعظه: مشى
موسى عليَّ للمناجاة لم يحتج للطعام، ولما مشى لبشر لحقه الجوع(٢)،
انتھی، قاله صاحب العلم المشهور.
(١) حياة الحيوان (٣٧٨/١).
(٢) حياة الحيوان (١/ ٣٨٠-٣٨١).

١٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سؤال: إن قيل: لمَ لمْ يجع موسى ◌َّ في أربعين ليلة وهو قوله تعالى:
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهٌِ أَرْبَعِينَ
لَيْلَةً﴾(١) وصبر، ولم يصبر نصف يوم حتى قال: ﴿ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينًا
مِن سَفَرِنَا هَاذَا نَصَبًا﴾(٢) والنصب: التعب.
قيل: لأن سفر الخضر سفر تأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع في أقل
من نصف يوم، وحضوره الجبل سفر اللقاء فأنساه هيبة الموقف الطعام
والشراب، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار(٣).
أعجوبة: روى الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عَنْ نَوْفِ الْبِكَالِيِّ قَالَ:
انْطَلَقَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وَرَجُلٌ كَافِرٌ يَصِيدَانِ السَّمَكَ فَجَعَلَ الْكَافِرُ يُلْقِي شَبَكَتَهُ
وَيَذْكُرُ آلِهَتَهُ فَيَجِيءُ مُدَفَّقًا، وَيُلْقِي الْمُؤْمِنُ وَيَذْكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَلاَ يَجِيءُ
شَيْءٌ قَالَ: فَتَعَاوَدَا ذَلِكَ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ ثُمَّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ صَادَ سَمَكَةً
فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ،
وَرَجَعَ الْكَافِرُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ سَفِينَتُهُ، فَأَسِفَ مَلَكُ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ: رَبِّ عَبْدُكَ هَذَا
الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَدْعُوكَ رَجَعَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَعَبْدُكَ الْكَافِرُ رَجَعَ وَقَدٍ
امْتَلَأَتْ سَفِينَتُهُ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَكِ الْمُؤْمِنِ: [١٢٦/ ب]: تَعَالَ فَأَرَاهُ
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٤٢.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٦٢.
(٣) كشف الأسرار (لوحة ٣١).