Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة فالجواب أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار فإنه لا يسلم منهم من النار إلا دارات الوجوه وهو جمع دارة وهو ما يحيط بالوجه من جوانبه، أراد لا تأكلها النار لأنها محل السجود وأما غيرهم فيسلم جميع أعضاء السجود منهم عملا بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عام وذاك خاص فيعمل بالعام إلا ما خص والله أعلم. وهذا الحديث أدل دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد لا تسود لهم وجوه ولا تزرق لهم عيون ولا يغلون بخلاف الكفار. قال الإمام القرطبي: وقد جاء هذا المعنى منصوصا في حديث أبي هريرة مرفوعًا إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتى ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم لا تسود وجوههم ولا تزرق أعينهم ولا يغلون بالأغلال ولا [يقرنون] مع الشياطين ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الأدراك منهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج وأطولهم مكثا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة، خرّجه الترمذي الحكيم في نوادره(١). (١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٩٢). أما حديث أبي هريرة فأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول كما في الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف للسيوطي، قال: ثنا صالح بن أحمد بن أبي محمد ثنا يعلي بن هلال عن ليث عن مجاهد عنه مرفوعا إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر ... الحديث وفیه مثل الدنيا منذ يوم خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة وإسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم، وصالح بن أحمد ويعلي بن هلال لم أعرفهما. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٦٧٦) وإسناده ضعيف. ٣٢٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تنبيه: قال العراقي في شرح الأحكام قلت: وبتقدير أن يحمل على الجبهة خاصة ففي هذا الحديث وهو قوله: إن قوما يحترقون في النار إلا دارات وجوههم زيادة على الحديث الأول لأن دارات الوجوه أوسع من (٨٠/ أ) الجبهة. والله أعلم. قوله: ((فيخرجونهم من النار وقد امتُحشوا)) امتُحشوا بضم التاء المثناة فوق وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي احترقوا. وقال الهيثم: هو أن تُذهب النار الجلد وتبري العظم، انتهى. قاله الحافظ وضبطه بعض العلماء بفتحهما أيضًا، هكذا هو في الروايات وكذا نقله القاضي عياض (١) عن متقنى شيوخهم قال: وهو وجه الكلام وبه ضبط الخطابي والهروي وقالوا في معناه احترقوا [والمحشن] احتراق الجلد وظهور العظم. قال في النهاية (٢): وقد محشته النار تمحشه محشًا ومنه حديث ابن عباس ◌َ اللَّهَيَا. أتوضأ من طعام أجده حلالا لأنه محشته النار. قاله مُنكِرا على من يوجب الوضوء مما مسته النار، اهـ. قوله وَحّ: ((فيصب عليهم ماء الحياة)) الحديث، معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه والله أعلم. قوله وَّله: ((فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل)) الحديث. وفي الأصول فينبتون منه بالميم والنون وهو صحيح ومعناه ينبتون بسببه. والحبة بكسر الحاء هي بذور البقول والياحين وقيل بزر (١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٤). (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٣٠٢). ٣٢٣ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة العشب وقيل نبت في الحشیش صغير وقيل بذور جميع النبات وقيل بذر ما نبت من غير بذر وما بُذر، تفتح حاؤه، اهـ. قاله المنذري. وقال بعضهم أما الحبة فبكسر الحاء وتشديد الباء وهي بذر البقول والعشب ينبت بالبراري وجوانب السيول وجمعها حِبَب بكسر الحاء وفتح الباء كقربة وقرب، وقال الجوهري: الحبة بالكسر بزور الصحراء مما ليس بقوت وأما الحبة بالفتح فهي الحنطة والشعير، قاله في النهاية(١). والحبة الحبوب إذا كانت تختلف أما الحب والحبة فتستعمل في كل شيء حتى يقال حبة عنب من عنب وقيل الحبة اسم جامع [لحبوب البقول] التي [تنتثر إذا هاجت] ثم إذا مطرت من قابل نبتت. وأما حميل السيل فهو بفتح الحاء المهملة وكسر الميم وفي حديث آخر كما تنبت الحبة في حمائل السيل جمع حميل وهو الزّبد وما يلقيه على شاطئه، قاله المصنف، وقال في النهاية (٢) هو ما جاء به السيل من طين أو غثاء، والغثاء بالضم والمد ومعناه ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره، وجاء في صحيح مسلم كما تنبت [الغثاة] يريد ما احتمله السيل من البزورات فإذا اتفق أن يكون فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا فشبه النبي وَجلاء بها سرعة عَوْد أبدانهم وأجسادهم بعد إحراق النار لها بسرعة نبات تلك الحبة والمراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطرواته. وفي التنزيل ألم تر أن الله (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٢٦/١) (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٤٣/٣). ٣٢٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة، [والله تعالى أعلم، وحميل السيل، قال الأصمعي: مما حمله السيل، وكل محمول حميل، كما تقول للمقتول قتيل. قال أبو سعيد العزيز:]. حميل السيل ما جاء به من طين أو غثاء فإذا أنفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتا وإنما أخبر بسرعة نباتهم، اهـ. قوله وَلية: ((ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد)) الحديث، إسناد الفراغ إلى الله تعالى ليس على سبيل الحقيقة إذ الفراغ هو الخلاص عن المهام والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فالمراد منه إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب، اهـ، قاله الكرماني(١). قوله: ((قد قشبني ريحها)) أي آذاني، قاله الحافظ. وقال بعض العلماء: قشبني بقاف مفتوحة ثم شين معجمة (٨٠/ ب) مخففة مفتوحة أي سمّني بالسين وأهلكني وآذاني أي صار ريحها كالسم في أنفي، كذا قاله الجماهير من أهل اللغة والغريب. وقال الداوودي معناه غيّر جلدي وصورتي(٢). وقال في النهاية(٣): أي سمَّني والقشب السم وكل مسموم قشيب ومقشب. يقال: قشبه الدخان إذا امتلأ خياشيمه من الدخان، ومنه حديث عمر زَو ◌َّه أنه وجد من معاوية ريح طيب وهو محرم فقال: من قشبنا، أراد أن (١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٦٣/٥). (٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١/ ٥٥٧) شرح النووي على مسلم (٢٣/٣). (٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤ / ٦٤). ٣٢٥ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة ريح الطيب في هذه الحال مع الإحرام ومخالفة السنة قشب كما أن ريح النتن قشب. يقال: ما أقشب بيتهم أي ما أقذره، والقشب بالفتح خلط السم بالطعام، اهـ قوله: ((وأحرقني ذكاها)) بذال معجمة مفتوحة مقصور هو اشتعالها ولهبها. وقال بعض العلماء: ذكاؤها بالمد، كذا وقع في جميع روايات الحديث وهو بفتح الذال المعجمة ومعناه لهبها واشتعالها وشدة وهجها فالذكاء شدة ريح النار والأشهر في اللغة ذكاها مقصور كما ذكر الحافظ وذکر جماعات من العلماء أن المد والقصر لغتان، يقال ذكيت النار إذ أتممت إشعالها ورفعتها وذكت النار تذكو [ذكاء] مقصور أي اشتعلت وأذكيتها أنا اهـ. يقال ذكيت أي أشعلتها إشعالا تاما وأصل الذكاء بلوغ كل شيء منتهاه. [قوله:] فيقول: هل عسيت أن أفعل أن تسأل غير ذلك الحديث، ومعناه أي رجوت وعسى بمعنى لعل للترجي ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ﴾(١) بمعنى لعلكم ورجاء لكم وعسيت هو بفتح التاء على الخطاب، ويقال بفتح السين وكسره لغتان قرئ بهما في السبع، قرأ نافع بالكسر والباقون بالفتح وهو الأصح الأشهر في اللغة. قال ابن السكيت: ولا ينطق في عسيت بمستقبل والله أعلم. قوله: ((فإذا أقبل على الجنة ورآى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت)) الحديث، بهجة الجنة حسنها وما فيها من النعيم. يقال: أبهجني [الشيء] إبهاجا وبهجني بهجا أعجبني والأول أفصح [و[يقال] بهُج (١) سورة محمد، الآية: ٢٢. ٣٢٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الشيء يبهج فهو بهيج وبهج به بالكسر إذا فرح وسُرَّ، قاله في النهاية(١)](٢). والأزهر هو الأبيض المشرب بحمرة أو صفرة ومنه زهرة النجوم والزهرة البياض النير. وقوله في الجنة: (فرآی زهرتها» يفسره قوله بعدها: و((وما فيها من النضرة والسرور)) اهـ، قاله عياض. قوله: ((فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك)) الحديث، أي كافرا، فإن قلت كيف طابق هذا الجواب لفظ أليس قد أعطيت العهود. قلت: كأنه قال يا رب أعطيت لكن كرمك يُطمعني إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، قاله الكرماني (٣). قوله: ((فيقول يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله تعالى: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك)) الحديث، ويحك منصوب بفعل مضمر نحو الزم الله وويح كلمة رحمة وويل كلمة عذاب، وقيل هما بمعنى واحد وما أغدرك فعل التعجب والغدر ترك الوفاء، انتهى. قاله الكرماني(٤). قوله: ((فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك)) يعني كافرا كما تقدم. قوله وَالله: ((فيضحك الله تعالى منه الحديث)). قال العلماء: ((الضحك لا يتصور على الله تعالى والمراد به رضى الله تعالى بفعل عبده ومحبته إياه (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١ / ١٦٥). (٢) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (يفسره قوله بعدها: و(وما فيها من النضرة والسرور) اهـ، قاله عياض). (٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٦٤/٥). (٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٣/ ٦٢). ٣٢٧ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة وإظهار نعمته عليه وإيجابها له)) قاله النووي في شرح مسلم (١). وقال الخطابي (٢): الضحك من الله تعالى مؤول على معنى الرضا لأن الضحك من ذوي التمييز يدل على الرضى والبشر والاستهلال منهم يدل على قبول الوسيلة ومقدمة إنجاح الطلب والكرام يُوصفون عند (٨١/أ)) المسألة بالبشر وحسن اللقاء فيكون المعنى في قوله: (([فيضحك] الله منه)) أي يجزل له العطاء لأنه موجب الضحك ومقتضاه، اهـ. قوله: ((فيقول تمنّ فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا، يُذكره ربه)) معناه يقول تمن من الشيء الفلاني ومن الشيء الفلاني يسمي له [سبحانه وتعالى] أجناس ما يتمنى وهذا من عظيم رحمته سبحانه وتعالى بعباده. قوله: ((قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه)) قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إن رسول الله وَ له قال: قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله وَّه إلا قوله: لك ذلك ومثله معه. الحديث، قال الكرماني(٣): فإن قلت ما وجه الجمع بين رواية أبي هريرة وأبي سعيد؟ قلت: أعلم أولا بما في حديث أبي هريرة ثم تكرم الله سبحانه وتعالى فزادها فأخبر به النبي وٍَّ ولم يسمعه أبو هريرة وفيه أكرم الأكرمين. قال الغزالي في (١) شرح النووي على مسلم (٢٤/٣). (٢) أعلام الحديث (٢/ ١٣٦٧ و١٩٢٢/٣). (٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٦٥/٥). ٣٢٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب الإحياء في أثناء كتاب التوبة (١): وفي الخبر: آخر من يخرج من النار يعطى [مثل] الدنيا كلها عشرة أضعاف لا يظن أن المراد تقدير المساحة لأطراف الأجسام [بأن] تقابل فرسخ بفرسخين أو بعشرة [فإن هذا جهل] بطريق ضرب المثال بل هو كقول القائل أخذ منه جملا وأعطاه عشرة أمثاله وكان الجمل يساوي عشرة دنانير فأعطاه مائة دينار فإن لم يفهم من المثل إلى المثل في الوزن والثقل فلا يكون مائة دينار لو وضعت في كفة الميزان والجمل في الكفة الأخرى عشرة عشرة بل موازنة معاني الأجسام وأرواحها دون [أشخاصها وهياكلها] فإن [الجمل] لا يقصد لثقله وطوله وعرضه ومساحته بل لماليته [فروحه المالية] وجسمه اللحم والدم ومائة دينار عشرة أمثاله بالموازنة الروحانية لا بالموازنة الجسمانية فهذا صادق عند من يعرف روح المالية من الذهب والإبل بل لو أعطاه جوهرة وزنها مثقال وقيمتها مائة دينار وقال أعطيته عشرة أمثاله كان صادقا ولكن لا يدرك صدقه إلا الجوهري فإن روح الجوهر لا يدرك بمجرد البصر بل بفطنة أخرى وراء البصر وكل ذلك يكذب به الصبي والقروي والبدوي ويقول ما هذه الجوهرة إلا حجر وزنه مثقال ووزن الجمل ألف ألف مثقال مضاعفة فقد كذب في قوله أعطيته عشرة أمثاله والكاذب بالتحقيق هو الصبي ولكن لا سبيل إلى تحقيق ذلك عنده إلا بأن ينتظر به البلوغ والكمال وأن يحصل في قلبه النور الذي به يدرك أرواح الأجسام من الجواهر وسائر الأموال فعند ذلك ينكشف (١) إحياء علوم الدين (٤ / ٢٨). ٣٢٩ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة له الصدق والعارف في صدق هذه الموازنة أن تقول الجنة في السماوات كما ورد به الأخبار والسموات في الدنيا فكيف [يكون] عشرة [أمثال] الدنيا في الدنيا وهذا كما يعجز البالغ عن تفهيم [الصبي] تلك المنزلة [والموازنة وكذلك] يعجز عن تفهيم البدوي [كما] أن الجوهري مرحوم إذا بلي [بالبدوي والقروي في تفهيم تلك الموازنة فكذلك العارف مرحوم إذا بلي](١) بالبليد الأبله في تفهيم هذه الموازنة ولذلك قال [عليه الصلاة والسلام]: ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر [وعالما] بين الحمقى والجهال، اهـ ٥٤٦٦- وعن أبي سعيد الخدري زقڅ قال قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله وقاية نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فما تضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من کان یعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيرا ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم (١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية. ٣٣٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بعضها بعضا فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه ألا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة يكون بنجد فيها تشويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوش في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين الله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار وفي ٣٣١ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة رواية فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم فيقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبته ثم يقولون ربنا ما بقي فيها ممن أمرتنا به فيقال ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دینار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد يقول إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾ فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما من النار لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم ٣٣٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين فيقول لكم عندي أفضل من هذا فيقولون يا ربنا أي شيء أفضل من هذا فيقول رضاي فلا أسخط عليكم أبدا رواه البخاري(١) ومسلم واللفظ له.(٢) الغبر بغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة جمع غابر وهو الباقي وقوله دحض مزلة الدحض بإسكان الحاء هو الزلق والمزلة هو المكان الذي لا يثبت عليه القدم إلا زلت المكدوش بشين معجمة هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفا الحمم بضم الحاء المهملة وفتح الميم جمع حممة وهي الفحمة وبقية غريبه تقدم. قوله: ((وعن أبي سعيد)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَيقال: ((فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهرية صحوا ليس معها سحاب)) الحديث. أصله تتضارون ووزنه تتفاعون حذفت إحدى التاءين منهما أي هل تتزاحمون عند رؤيته حتى يلحقكم الضرر، وتقدم الكلام على ذلك قريبا أبسط من هذا. قوله : ((إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد)) تقدم معنى الأمة (٨١/ ب) في أوائل هذا التعليق. قوله: ((حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب)) الحديث، أما البر فهو المطيع وأما الفاجر فالمراد به الكافر واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ (١) صحيح البخاري (٤٥٨١). (٢) صحيح مسلم (٣٠٢) (١٨٣). ٣٣٣ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة (١)، وقوله تعالى: ﴿كَلّ إِنَّ كِتَبَ اُلْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينِ ﴾ وَمَآ أَدْرَىكَ مَا سِجِّينٌ ﴾﴾(٢)، قاله في حادي القلوب. وأما غُبِّر أهل الكتاب فبغين معجمة مضمومة ثم باء موحدة مشددة مفتوحة جمع غابر وهو الباقي، قاله الحافظ. وقال بعضهم: معناها بقاياهم، جمع غابر ويُقال لبقيّة الشيء غبر وجمعه أغبار، وقد جمع على الغبرات. قوله: ((فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار)) الحديث، أما السراب فهو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. فأما الكفار فيأتون جهنم عافانا الله منها وسائر المسلمين من كل مكروه وهم عطاش فيحسبونها ماء فيتساقطون فيها وأما يحطم بعضها بعضا فبكسر الطاء فمعناه لشدة إيقادها وتلاطم أمواج لهبها والحطم الكسر والإهلاك والحطمة اسم من أسماء النار لكونها تحطم ما يُلقى فيها، قاله النووي في شرح مسلم(٣). قوله: ((تدعى النصارى)) الحديث، وسُمُّوا نصارى لنصر بعضهم بعضا أو لأنهم نزلوا موضعا يقال له نصرانة أو نصرة أو ناصرة أو لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾(٤) وهو جمع نصران. قوله ◌َّ: ((حتى إذا لم يبق إلا من (١) سورة الانفطار، الآية: ١٣ - ١٤. (٢) سورة المطففين، الآية: ٧-٨. (٣) شرح النووي على مسلم (٢٦/٣). (٤) سورة آل عمران، الآية: ٥٢. ٣٣٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى من صورته التي رأوه فيها)) الحديث، أي ظهر لهم والإتيان مجاز عن الظهور. وقوله: ((أدنى من صورته)) أي أقربها. قال الخطابي: المراد بالصورة الصفة، يقال صورة هذا الأمر كذا أي صفته أو أطلق الصورة على سبيل المشاكلة والمجانسة، اهـ. تنبيه: وإنما وجب أن يرى ذلك بالصفة لاستحالة المماثلة والمشابهة على الله تعالى فمن زعم أن المراد من الصورة في هذا الحديث ما يعهد من الصور فقد أعظم الفرقة على الله تعالى فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا﴾(١) وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٢) فنحن نؤمن بكل ما جاء عن ربنا على ما علمه ربنا من الوجه اللائق بقدوسيته سبحانه وتعالى، قاله في حادي القلوب، وهذا موضع امتحان ليميز المحق من المبطل، وقال بعضهم: ليقع التمييز بين من عبد الله تعالى وبين من عبد الشمس والقمر والطواغيت وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين والمخلصين زاعمين أنهم منهم وأنهم عملوا مثل أعمالهم وعرفوا الله مثل معرفتهم امتحنهم الله تعالى بأن أتاهم بصورة قالت للجميع أنا ربكم فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك والتعوذ منه لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله عز وجل وأنه منزه عن صفات هذه الصورة إذ سماتها سمات المحدثات، (١) سورة طه، الآية: ١١٠. (٢) سورة الشورى، الآية: ١١. ٣٣٥ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة ولهذا قال في الحديث: فنعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب، [فقال الخطابي (١): يحتمل أن تكون هذه الاستعاذة من المنافقين خاصة، وأنكر القاضي عياض هذا، وقال(٢): لا يصح أن يكون من قول المنافقين ولا يستقيم الكلام فيه، وهذا الذي قاله عياض هو الصواب، ولفظ الحديث مصرح به، وظاهر فيه، وإنما استيفاء منه لما قدمناه من كونهم رأوا سمات المخلوق، والله تعالى أعلم بالصواب.] قال بعض علمائنا: وهذا لمن لم يكن له رسوخ العلماء ولعلهم الذين اعتقدوا الحق وجرموا عليه من غير بصيرة [وكذلك] كان اعتقادهم قابلا للانقلاب والله أعلم. قلت: ويحتمل أن يكونوا المنافقين والمرائين وهو أشبه والله أعلم لأن في الامتحان الثاني يتحقق ذلك لأن في حديث أبي سعيد هذا بعد قوله حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. قاله (٨٢ / أ) القرطبي في التذكرة(٣). قوله: ((قالوا يا ربنا فارقنا الناس أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم)) معنى قولهم يا ربنا: التضرع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة عنهم وأنهم لزموا طاعته سبحانه وتعالى وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته سبحانه وتعالى من قراباتهم وغيرتهم ممن كانوا يحتاجون في معايشهم ومصالح (١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١ /٥٤٨)، وشرح النووي على مسلم (٢٠/٣). (٢) شرح النووي على مسلم (٢٠/٣). (٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٤٣). ٣٣٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب دنياهم إلى معاشرتهم للارتفاق بهم، اهـ، قاله النووي في شرح مسلم (١). وقال الكرماني(٢): قوله: أفقر ما كنا، أي أحوج، يعني لم نتبعهم في الدنيا مع الاحتياج إليهم ففي هذا اليوم بالطريق الأولى. قوله: ((فيقول أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا)) الحديث. قال الكرماني(٣): فإن قلت ما فائدة قولهم: لا نشرك بالله شيئا إذ يوم القيامة ليس [فيه] التكليف. قلت: قالوا استلذاذا وافتخارا بذلك أو تذكارا لسبب النعمة التي وجدوها، اهـ. قوله: ((حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب)) معناه ولله أعلم ينقلب عن الصواب ويرجع عند الامتحان الشديد الذي جرى والله أعلم، قاله النووي (٤). قوله: «فيقول أَهَلْ بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون نعم: فيكشف عن ساق)) الحديث، المراد بالآية العلامة وقوله: ((فيكشف عن ساق)) ضبط يكشف بضم الياء وفتحها وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمور مهولة، وقال بعضهم عن ساق يعني عن شدة عظيمة خارقة للعادة خارجة عن وسع البشر وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي وَجّ، وقال ابن فورك معنى ذلك ما (١) شرح النووي على مسلم (٢٧/٣). (٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧٩/١٧). (٣) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٧/ ٧٩). (٤) شرح النووي على مسلم (٢٧/٣). ٣٣٧ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله من الفوائد والألطاف، قالوا: وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر ولهذا يقولون: وقامت الحرب على ساق، [وأصله أن الإنسان إذا وقع في شدة يقال شمّر عن ساقه] وكشف عن ساقه للاهتمام بذلك الأمر العظيم، قاله النووي(١). وزاد الكرماني (٢) كما يقال: [للأقطع] الشحيح يده مغلولة ولا يد ثَمَّ ولا غُلّ وإنما هو مثل في شدة البخل، وكذلك هذا لا ساق هناك ولا کشف، اهـ. قوله ◌َّ: ((ولا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود)) الحديث، وهذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده، قاله (٣) النووي(٣). قوله وَليلة: ((ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة)) الحديث، والطبقة بفتح الطاء والياء، قال الهروي وغيره الطبق، فقار الظهر أي صار فقارة واحدة كالصفيحة فلا يقدر على الانحناء ولا على السجود، قاله عیاض. قوله وَالر: «ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)) الحديث، أي فيتجلى لهم في صفته التي يعرفونه بها التي هو عليها من الجلال والكمال والتعالي والجمال بعد (١) شرح النووي على مسلم (٢٨/٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٢٢/٢). (٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٢٢). (٣) شرح النووي على مسلم (٢٨/٣). ٣٣٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أن يرفع الموانع عن أبصارهم. قال الخطابي (١): وهذه [الرؤية] التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء الله تعالى وإنما هذه للامتحان، اهـ. إذ هي للتمييز بين من عبد الله تعالى ومن عبد غيره، والرؤية المذكورة في الحديث بمعنى يالعلم لأنهم لم يروه قبل ذلك والله أعلم. وفي حديث آخر: فيتبعونه، معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو يتعبون ملائكته ورسله الذين يذهبون بهم إلى الجنة. قوله: ((ثم يضرب الجسر على جهنم)) أي ینصب والجسر بفتح الجيم وکسرها لغتان مشهورتان وهو هاهنا الصراط وأصله القنطرة يعبر عليها، قاله عياض (٢). قوله: ((وتحل الشفاعة)) (٨٢/ ب) بكسر الحاء وقيل بضمها، ومعنى تحل أي تقع، [وأصله القنطرة يعبر عليها، قاله عياض]، ويؤذن فيها. قوله: (قیل یا رسول الله وما الجسر؟ قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد)) الحديث، الدحض بإسكان الحاء هو الزلق قاله المنذري. وقال بعض العلماء: دحض بالدال المفتوحة والحاء الساكنة والتنوين، والمزلة هو المكان الذي لا تثبت عليه القدم إلا زلت، قاله الحافظ، وقال بعضهم مزلة بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان الفتح والكسر، والدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل وتزلق فيه الأقدام ولا تستقر إلا من (١) شرح النووي على مسلم (٢٨/٣)، وإكمال المعلم بفوائد مسلم (٥٤٩/١)، وكشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (٣٧/٥). (٢) شرح النووي على مسلم (٢٩/٣). ٣٣٩ كتاب البعث وأهوال يوم القيامة عصمه الله تعالى، ومنه دحضت الشمس أي مالت وحجة داحضة أي لا ثبات لها. وأما الخطاطيف فجمع خطاف بضم الخاء في المفرد والكلاليب بمعناه، وتقدم الكلام على الكلوب، وأما الحسك فهو بفتح الحاء والسين المهملتين وهو شوك صلب من حديد وتقدم الكلام على السعدان. قوله وَالر: ((فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب)) الحديث، معناه أنهم يكونون في سرعة المرور على حسب مراتبهم وأعمالهم. قوله گال: «فناج مُسلّم)) أي من النار «ومخدوش مرسل ومکدوش في نار جهنم)) الحديث، معناه أنهم على ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم مكدوش فيلقى فيسقط في نار جهنم الحديث، المكدوش بشين معجمة هو المدفوع في نار جهنم دفعا عنيفا، وأما المكردس فهو بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر الرواة أي الموثق الملقى في النار أو الملقى على غيره بعضهم على بعض في النار. قال ورواه بعضهم بالشين المعجمة ومعناه السوق، ومعناه كون الأشياء بعضها على بعض ومنه تكردست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها على بعض. وقال في النهاية (١): المكردس الذي جُمعت يده ورجلاه وألقي إلى موضع. (١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ١٦٢). ٣٤٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فائدة: قال القرطبي (١): روي عن بعض أهل العلم أنه لن يجوز أحد الصراط حتى يُسأل في سبع قناطر: فأما القنطرة الأولى فيسأل فيها عن الإيمان بالله تعالى والإيمان هو التصديق بالقلب المطابق مع الإقرار باللسان حتى لو أقر بلسانه من غير علم ومعرفة بربه سبحانه وتعالى لا يستحق اسم المؤمن وهذا لا نزاع فيه عند العلماء الذين هم حجة الله في أرضه وعبارة بعضهم عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره. واعلم أنه مع ذلك لابد أن يكون الاعتقاد جازما خاليا عن الشّكوك مستمرا على ذلك، فلو طرأ عليه شك كفر، نسأل الله تعالى العافية وقد نص القرآن العظيم على إكفار المنافقين وإن كانوا أظهروا الإتيان بالشهادتين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾(٢) الآية، وإجماع المسلمين على ذلك. القنطرة الثانية: يسأل فيها عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز وتمامها بأن يأتي بمصححاتها ويجتنب مفسداتها، وذلك مذكور في كتب الفقه، ثم للصلاة أمور أخر اعتنى الشارع وَّة بها وحرّض على الإتيان بها منها الخشوع وناهيك به أن الله تعالى قد أثنى على فاعليه فقال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ أُفْلَحَ اُلْمُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾(٣) وقد ذهب بعض (١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٧٥١). (٢) سورة التوبة، الآية: ٨٤. (٣) سورة المؤمنون، الآية: ١- ٢.