Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
فينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل ثلاث مرات بكذا وكذا فلا يهبط جبريل
من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتي يقول جبريل الحق من عند
الحق، فينزل إلى النبي وقَّ فيوحي إليه(١)؛ من كتاب العظمة](٢).
٥٤١١ - وَعَن عقبة بن عامر رَّ ◌َهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ تطلع عَلَيْكُم قبل
السَّاعَة سَحَابَة سَوْدَاء من قبل المغرب مثل الترس فَلَا تزَال ترْتَفع فِي السَّمَاء
وتنتشر حَتَّى تملأ السَّمَاء ثمَّ يُنَادِي مُنَاد يَا أَيْهَا النَّاسِ أَتَّى أَمر الله فَلَا
تستعجلوه قَالَ رَسُول الله وََّ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الرجلَيْن ينشران الثَّوْب
فَلَا يطويانه وَإِن الرجل ليمدر حَوْضِه فَلَا يسْقِي مِنْهُ شَيْئًا أبدا وَالرجل يحلب
نَاقَته فَلا یشربه أبدا رواه الطبراني بإسناد جید (٣) رواته ثقات مشهورون.
مدر الحوض أي طينه لئلا يتسرب منه الماء.
قوله: ((وعن عقبة بن عامر)) تقدم الكلام عليه.
قوله وَطله: ((يطلع الله عليكم قبل الساعة سحابة سوداء من قبل المغرب
مثل الترس))، والساعة اسم للوقت الذي تقوم فيه القيامة، سمي بها لأنها
ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم. قاله الزجاج، أو لوقوعها بغتة لسرعة
(١) أصول السنة (٦١) لابن أبي زمنين.
(٢) (١)، وسقط هذا اللوح من الأصل.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٨٩٩/٣٢٥/١٧)، أخرجه الحاكم في المستدرك
(٥٣٩/٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٣١/١٠): رواه الطبراني، ورجاله رجال
الصحيح غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة، وضعفه الألباني في السلسلة
الضعيفة (٥٠٠٩)، وضعيف الترغيب والترهيب (٤١٠/٢).
٢٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حسابها أو على العكس لطولها أو لأنها عند الله تعالى على طولها كساعة من
الساعات عند الخلق والله تعالى أعلم. واعلم أن كل ميت مات فقد قامت
قيامته [لأنها] قيامة صغرى وقيامة كبرى فالصغرى هي ما تقوم على الإنسان
في خاصيته من خروج روحه وفراق أهله وانقطاع سعيه وحصوله على عمله
إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم
أخذة واحدة والقيامة التي تعم الأرض بمرة إنما تأتيتهم بغتهم وتأطرهم على
غفلة لكنها تقوم في يوم جمعة في غير شهر معروف ولا سنة معروفة. قوله
وَّر: ((فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوب فلا يطويانه وإن الرجل
ليمدر حوضه فلا يسقى منه شيئا)) الحديث، قال الحافظ رحمه الله تعالى:
مدر الحوض أي طيّنه لئلا يتسرب منه الماء، اهـ. والمقصود من الحديث
إعلام الأمة بقرب الساعة [ليكونوا] على حذر وإصلاح حال.
٥٤١٢- وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َوَ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّةِ لتقوم السَّاعَة
وثوبهما بَينهما لا يبايعانه وَلَا يطويانه ولتقوم السَّاعَة وَقد انْصَرف بِلَبن لقحته
لا يطعمهُ ولتقوم السَّاعَة يلوط حَوْضه لا يسْقِيه ولتقوم السَّاعَة وَقد رفع لقمته
إِلَى فِيهِ لَا يطعمهَا رواه أحمد (١) وابن حبان في صحيحه(٢).
(١) أحمد ٣٦٩/٢.
(٢) صحيح ابن حبان (٦٨٤٥). وأخرجه والبخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤) في حديث
نحوه دون الجملة الأخيرة. وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان
(٤٦٨/٩)، والتعليق الرغيب (١٩١/٤): خ، م؛ لكن ليس عنده الجملة الاخيرة.
٢٢٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
لاطه بالطاء المهملة بمعنى مدره.
قوله: ((عن أبي هريرة)) تقدم الكلام على مناقبه رَقْنَهُ، قوله ومَّة: (لتقومن
الساعة وثوبهما بينهما لا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقوم الساعة وقد انصرف
الرجل بلبن لقحته لا يطعمه)) الحديث. الساعة هنا الصعقة الثانية التي
للموت والأولى هي صعقة الفزع كما تقدم. قوله: ((وقد انصرف الرجل بلبن
لقحته لا يطعمه)) أي لا يأكله، واللقحة بالكسر والفتح لغتان مشهورتان
والكسر أشهر، والجمع لقح كبركة وبرَك وهي الناقة الغزيرة اللبن. وقيل
القريبة العهد من النتاج وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن وجمع لقح بكسر
اللام وفتحها.
وقوله وَّه: ((وهو يلوط حوضه لا يسقيه)) الحديث، وفي رواية: يليط
حوضه. قال الحافظ: لاطه بالطاء المهملة بمعنى مدره أي يطينه ويصلحه،
وتقدم فأخبر الله أنه يعاجله من أمر الساعة ما يمنع من تمام فعله وأقرب من
ذلك رفع الأكلة وهي اللقمة إلى فيه فتقوم الساعة دون بلوغها إليه وكذلك
القول في [المتبايعين] من نشر الثوب وطيه فاعلمه.
٥٤١٣ - وَعَن أبي مرية عَن النَّبِي ◌َّهِ أَوْ عَن عبد الله بن عَمْرو ◌َوِّنَا عَن
الَِّ وَّرِ قَالَ النافخان فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَة رَأس أَحدهما بالمشرق وَرجلَاهُ
بالمغرب أَو قَالَ رَأس أَحدهما بالمغرب وَرجلَاهُ بالمشرق ينتظران مَتى
يؤمران أَن ینفخا فِي الصُّور فينفخان. رواه أحمد(١) بإسناد جيد هكذا على
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٢) ومن طريقه أخرجه عبد الغني المقدسي في ذكر النار (١٨) وقال
=
٢٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الشك في إرساله أو اتصاله.(١)
قوله: ((وعن أبي مُرَية)) ويقال أبو مراية العجلى قال ابن سعد: ((اسمه: عبد
الله بن عمرو، وكان قليل الحديث))، وذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)) روى عن
أبي موسى الأشعري، وسلمان الفارسي. وعنه أسلم العجلي.
قال الآجري: ((سمعت أبا داود-يعني السجستاني - يقول: أبو مُراية لم يرَ
سلمان قط))، وقال البرقاني، عن الدارقطني: ((يُعتبر به))، وقال البيهقي في
كتاب ((القدر)): ((فيه نظر))، قال إسماعيل بن عُلية: ((كان التيمي يقول: عن أبي
مُرَيَّة، وقتادة يقول: عن أبي مُراية)).
قوله ◌ُله: ((النافخان في السماء الثانية ينتظران متى يؤمران أن ينفخ في الصور
فينفخان)) الحديث، تقدم الكلام على النفخ في الصور وهو القرن في أول الباب.
٥٤١٤ - وَعَن أبي هُرَيْرَة ◌َّ ◌َّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ مَا بَين النفختين
أَرْبَعُونَ قيل أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةٍ أَبِيت قَالَ أَرْبَعُونَ شهرا قَالَ أَبيت قَالَ
أَرْبَعُونَ سنة قَالَ أَبيت ثمَّ ينزل من السَّمَاء مَاء فينبتون كَمَا ينْبت البقل وَلَيْسَ
من الإِنْسَانِ شَيْء لَا يَبْلَى إِلَّ عظم وَاحِد وَهُوَ عجب الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق
=
الهيثمي: رواه أحمد على الشك فإن کان عن أبي مرية فهو مرسل ورجاله ثقات، وإن كان
عن ابن عمرو فهو متصل مسند ورجاله ثقات المجمع ٣٣٠/١٠) وقال ابن كثير: وأبو
مرية هذا اسمه عبد الله بن عمرو العجلي وليس بالمشهور الفتن ص ١٣٦ وضعفه الألباني
في ضعيف الجامع (١٨٧٢)، وضعيف الترغيب والترهيب (٤١٠/٢).
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٧٣).
٢٢٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
يَوْمِ الْقِيَامَة. رواه البخاري(١) ومسلم (٢).
٥٤١٥- وَلمُسلم قَالَ إِن فِي الإِنسان عظما لا تأكله الأَرْض أبدا فِیهِ یر کب
الْخلق يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا أَي عظم هُوَ يَا رَسُول الله قَالَ عجب الذَّنب.
ورواه مالك(٣) وأبو داود(٤) والنسائي(٥) باختصار، قال: كل ابن آدم تأكله
الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق وفیه یر کب.
[عجب الذنب] بفتح العين وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم، وهو العظم
الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وأصل الذنب من ذوات الأربع.
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم.
قوله وَّه: ((ما بين النفختين أربعون)) قيل أربعون يوما. ((قال أبو هريرة:
أبيت))، الحديث، في قوله: أبيت، تأويلان: الأول أي امتنعت من بيان ذلك
وتفسيره وعلى هذا كان عنده علم من ذلك سمعه من النبي ◌َّ. الثاني: أبيت
أن أسأل عن ذلك النبي ◌ُّ وعلى هذا لم يكن عنده علم من ذلك والأول
أظهر، وإنما لم يبينه لأنه لم ترهق حاجة إلى ذلك ولأنه ليس من (٦٨/ ب))
البينات والهدى الذي أُمِر بتبليغه، وقد جاء في حديث من رواية غيره في غیر
(١) صحيح البخاري (٤٨١٤.
(٢) صحيح مسلم (١٤١) (٢٩٥٥).
(٣) موطأ مالك (٤٨).
(٤) سنن أبي داود (٤٧٤٣).
(٥) سنن النسائي (٤ / ١١١).
٢٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مسلم أن بين النفختين أربعين عاما، اه، قاله القرطبي (١)، [وفي] التحفة:
وأبيتُ، يروى بفتح التاء أي أبيت أن تعرفه فإنه غيب لم يرد الخبر ببيانه
وبضمها أي أبيت أن أقول ما لم أسمعه. قوله ◌َّ: ((ثم ينزل الله من السماء
ماء فينبتون كما ينبت البقل))](٢)، قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس
كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرا كمني الرجال من ماء تحت
العرش يدعى ماء الحيوان فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت
أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم
يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم فعند
ذلك يقولون: ﴿يَوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾(٣)، قاله البغوي في تفسيره
[على ذلك] في سورة الأعراف.
قوله ◌َّ: ((وليس من الإنسان شيء إلا يبلى)) الحديث، وخص من بني آدم
الذين يأكلهم التراب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فإن الله حرم على
الأرض أن تأكل أجسادهم كما صرح به الحديث في كتاب الجمعة. وقوله:
([إلا عظم] واحد وهو عَجْبُ الذنب منه يُركب الخلق يوم القيامة)) الحديث،
قال الحافظ عجب الذنب بفتح العين المهملة وإسكان الجيم بعدها باء أو
ميم هو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وقال بعضهم عجم
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٤٥٣).
(٢) حصل تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قاله البغوي في تفسيره
[على ذلك] في سورة الأعراف).
(٣) سورة يس، الآية: ٥٢.
٢٢٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
الذنب هو العظم بين الإليتين الهابط من الصلب يقال لطرفه العصعص
وأصل الذنب من ذوات الأربع، اهـ، وقال القرطبي وغيره: يقال عجم بالميم
والباء لغتان وهو جزء لطيف في أصل الصلب عند العجز وهو العسيب من
الدواب، وقيل هو رأس العُصعُص كما رواه أبو داود(١) في كتاب البعث من
حديث سعيد الخدري الذي بعد هذا وفيه: قلت يا رسول الله وما هو؟ قال:
مثل حبة خردل منه تنشئون منه خلق وفيه يركب أي أول ما خلق من الإنسان
هو ثُمّ إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى. وقال
المزني(٢): إن عجب الذنب أيضا يبلى، والحديث يرد عليه. ثم يفتح الله
خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة فيمطر به الأرض فإذا [كمني]
الرجال فيلقى الأرض عطشى ميتة هامدة [فتحيا] وتهتز ولا يزال يمر عليها
حتى يعمها ويكون الماء فوقها أربعين ذراعا فإذا الأجسام تنبت من العصعص
الذي هو عجب وهو أول ما يخلق من الإنسان وفي الحديث، الإنسان بدأ من
عجب الذنب ومنه يعود، وهو عظم على قدر الحمصة ليس له مخ فمنه تنبت
الأجسام في مقابرها كما ينبت البقل حتى يشتبك بعضها في بعض فإذا رأس هذا
عند منكب هذا ويد هذا عند جنب هذا وفخذ هذا [عندا](٣) على عجز هذا
(١) الصواب ابن أبي داود وهو في كتابه البعث (١٧)، وأخرجه أحمد (١٧/ ٣٣٢)، وابن
حبان (٣١٤٠)، والحاكم (٤ /٦٥١)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
مسند أبي يعلى الموصلي (١٣٨٢).
وضعفه الألباني في ((التعليق الرغيب)) (١٩٢/٤)، وصح دون قوله: ((مثل حبة خردل)).
(٢) وقال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٥٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٢٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لكثرة البشرة [في قوله عز وجل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا
كِتَبُ حَفِيظٌ ﴾﴾(١) فإذا تمت البشرة](٢) على حسبها الصبي صبي والشيخ
شيخ والكهل كهل والفتى فتى والشاب شاب أمر الجليل جل جلاله أن تهب
ريح من تحت العرش فيها نار لطيفة [فينشف] ذلك عن الأرض وتبقى
الأرض بارزة ليس فيها حدب ولا عوج ولا أمت وقد عادت الجبال رمالا
وهو الكثيب المهيل ثم الله تعالى يحيى إسرافيل فينفخ في الصور [من
أعلا](٣) صخرة بيت المقدس والصور قرن من نور؛- من كتاب الدرة
الفاخرة-، [يعني صخرة](٤) وهي أقرب الأرض إلى السماء باثنتي عشر
ميلا، قاله الزركشي.
٥٤١٦- وَعَن أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه
وسلم: يَأْكُل التُّرَاب كل شَيْء من الإِنْسَانِ إِلَّا عجب ذَنبه قيل وَمَا هُوَ يَا
رَسُول الله قَالَ مثل حَبَّة خَرْدَل مِنْهُ تنشؤون. رواه أحمد(٥) وابن حبان في
(١) سورة ق، الآية: ٤.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) أخرجه أحمد (٢٨/٣) وأبو يعلى (١٣٨٢) وابن أبي داود في البعث (١٧) والحاكم
(٤ / ٦٠٩) قال الحاكم: صحيح الإسنادوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٣٢) رواه
أحمد، وإسناده حسن. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (٤١٠/٢) ضعيف
التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (١١٢/٥) التعليق الرغيب (١٩٢/٤)، وصح
دون قوله: مثل حبة خردل - وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٨ / ١٤٧) رواه أبو
=
٢٢٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
صحيحه(١) من طريق دراج عن أبي الهيثم.
قوله: ((وعن أبي سعيد) تقدم.
قوله: «إنه لما حضره الموت دعا ثياب جُدد فلبسها))، جُدد جمع جدید.
قوله: ((ثم قال: سمعت رسول الله وَل (٦٩/أ) يقول: الميت يبعث في ثيابه
التي يموت فيها)) الحديث، يُذكر ما ذُكِرٍ في الترغيب في الكلام على ذلك إلى
آخره ويقال بعده: قال ابن عبد البر(٢): ويحتمل أن كل ميت يبعث على حاله
التي مات فيها، قال: ومن قال أن الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم احتج
بحديث أبي سعيد الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها،
الحديث. قال ويحتمل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد فتأوله
على العموم ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أمر أن يُزمّل
بثيابه ویدفن فيها ولا يغسل عنه دمه ولا یغیر شيء من حاله بدلیل حديث ابن
عباس وغيره عن النبي وَالله أنه قال: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة،
قال ابن عبد البر (٣): وتأوله بعضهم على أنه يبعث على العمل الذي يختم له به
وظاهره على غير ذلك، ويحتمل أن أبا سعيد إنما نزع الثياب التي كانت عليه
النجاسة فيها إما مخففة أو مشكوكة فأراد أن يكون بثياب محققة الطهارة وهذا من
جملة الأعمال المأمور بالمحافظة عليها ولا سيما عند انختام الآجال فإن
یعلی الموصلي واللفظ له، وأحمد بن حنبل، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه.
وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة.
(١) ابن حبان (٣١٤٠).
(٢) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٧/ ٢٠٠).
(٣) انظر: طرح التثريب في شرح التقريب (٢٠١/٧).
٢٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الإنسان [مختوم] على أن يختم أعماله بالصالحات في جميع الأمور فإن الأعمال
بالخواتيم، اهـ. [وتأول بعض العلماء حديث أبي سعيد على غير ذلك، وقال:
معنى الثياب العمل الصالح يريد أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح أو
عمل سيء ولم يرد به الثوب نفسه، ولعرب تقول: فلان طاهر الثياب إذا وصفوه
بطهارة النفس والبراءة من العيب، وفلان دنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك،
والعقل لا يأبى حمله على ما فهمه الراوي فإنه يمكن إعادة ثيابه البالية كما يمكن
إعادة العظام النخرة. قال ابن عبد البر: وفيه الأمر بمراعاة الإخوان أحياء وأمواتا
والمواساة بمثل ذلك من أموالهم وبأن يكونوا أوصياءهم ويستحب أن يكون
الكفن من قطن وأن يكون نظيفا وأن يكون من آثار الصالحين، وقال ابن المبارك
أحبّ إلي أن يكون في ثيابه التي كان يصلي فيها] (١).
وقال الخطابي (٢) أما أبو سعيد فقد استعمل الحديث على ظاهره وقد
روي في تحسين الكفن أحاديث، وقال ابن العربي: ليس المراد بتحسين
الكفن [علو] القيمة ولا الرفيع وإنما يريد الكثافة والستر فمعنى فليحسن
كفنه يحصنه بالستر. قال: وتأوله بعض العلماء على المعنى وأراد به الحالة
التي يموت عليها من الخير والشر وعمله الذي يختم له به، يقال فلان طاهر
الثياب إذا وصفوه بطهارة النفس والبراءة من العيب، وجاء في تفسير قوله
أي عملك فأصلح، ويقال: فلان دنس
تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) معالم السنن (٣٠١/١).
(٣) سورة المدثر، الآية: ٤.
٢٣١
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
الثياب إذا كان خبيث الفعل والمذهب. وهذا كالحديث الآخر: يبعث العبد
على ما مات علیه(١)، اهـ.
٥٤١٧ - وَعنْهُ رَّهُ أَنْه لما حَضَرِه الْمَوْتِ دَعَا بِثِيَاب جدد فلبسها ثمَّ قَالَ
سَمِعت رَسُول الله وَّهيَقُول الْمَيِّتِ يَبْعَثِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوت فِيهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَابْنِ حِبَان فِي صَحِيحِه وَفِي إِسْنَاده يحيى بن أَيُّوب وَهُوَ الغافقي الْمصْرِيّ احْتج
بِهِ البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرِهمَا وَله مَنَاكِيرٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يحْتَجِ بِهِ وَقَالَ أَحْمد
سيىء الْحِفْظِ وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ (٢) وَقد قَالَ كل من وقفت على كَلَامه
من أهل اللُّغَة إِن المُرَاد بقوله يبْعَث فِي ثِيَابِهِ الَِّي قبض فِيهَا أَي فِي أَعماله قَالَ
الْهَرَوِيّ وَهَذَا كحديثه الآخر يُبْعَثِ العَبْد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ قَالَ وَلَيْسَ قَول من
ذهب إِلَى الأكفان بِشَيْءٍ لِأَن الْمَيِّت إِنَّمَا يُكفن بعد الْمَوْت انتهى.
قَالَ الْحَافِظِ وَفعل أبي سعيد رَاوِي الحَدِيث يدل على إجرائه على ظاهره
وَأَنْ الْمَيِّتِ يَبْعَثِ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قبض فِيهَا وَفِي الصِّحَاحِ وَغَيرِهَا أَن النَّاس
يبعثون عُرَاة كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ بعده إِن شَاءَ الله فَالله سُبْحَانَهُ أعلم.
(١) صحيح مسلم (٨٣) (٢٨٧٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١١٤)، وابن حبان (٧٣١٦). وصححه الألباني في الصحيحة
(١٦٧١) وصحيح الترغيب (٣٥٧٥). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
٢٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فصل في الحشر وغيره
زَ لَّهَا قال: سمعت رسول الله ◌َّه يخطب على
٥٤١٨- عن ابن عباس
المنبر يقول: إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا. زاد في رواية: مشاة. إنكم
محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا.
٥٤١٩- وفي رواية قال: قام فينا رسول الله وَّله بموعظة فقال: يا أيها الناس
إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا [كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا
علينا إنا كنا فاعلين]. ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليَّلام، ألا وإنه
سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي،
فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول كما قال العبد الصالح:
وكنتعليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله: العزيز الحكيم. قال: فيقال لي:
إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.
زاد في رواية: فأقول: سحقا سحقا. رواه البخاري(١) ومسلم(٢)، ورواه
الترمذي(٣) والنسائي(٤) بنحوه
[الغرل] بضم الغين المعجمة وإسكان الراء: جمع أغرل، وهو الأقلف.
(١) صحيح البخاري (٣٣٤٩).
(٢) صحيح مسلم (٥٨) (٢٨٦٠).
(٣) الترمذي (٢٤٢٣).
(٤) سنن النسائي (٤ / ١١٤).
٢٣٣
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
قوله: ((عن ابن [عباس])) تقدم الكلام على ترجمته.
قوله وَعة: ((إنكم ملاقوا الله حفاة عراة غرلا)) زاد في رواية: ((مشاة))
الحديث، قوله: ((حفاة)) الحفاة جمع الحافي وهو الذي لا خف في رجليه ولا
نعل، والعراة جمع العاري، والغرل بضم الغين المعجمة وإسكان الراء جمع
أغرل وهو الأقلف، اهـ. قاله الحافظ. ورواه بعضهم الأغلف، والقلفة هي
الجلدة التي يقطعها الختان من ذكر الصبي ومعناه غير مختونين وبقيت معه
غرلته وهي الجلدة في الختان ومثله الأرغل بتقديم الراء، قاله أبو السعادت.
وقال الأزهري(١) وغيره هو الأغرل والأرغل والأغلف بالغين المعجمة في
الثلاثة، والأقلف والأعرم بالعين المهملة [وجمعه](٢) عرل ورعل وغلف
وقلف وعرم.
قوله: ((مشاة)) المشاة جمع الماشي، حبس الحركة المخصوصة فإذا اشتد
فهو سعي فإذا ازداد فهو عدو، اهـ. والمقصود أنهم يحشرون كما خُلقوا لا
شيء معهم ولا يفقد منهم شيء حتى الغرلة تكون معهم. (٦٩/ ب) قاله
النووي في شرح المسلم(٣) وغيره، والمراد أنهم يُعادون كما خلقوا ويبقون
على تلك الحال لأن لذة جماع الأقلف تزيد على لذة جماع المختون. قال
ابن عقيل: وذلك أن بشرة حشفة الأقلف [موقاة] بالقلفة فتكون بشرتها أرق
(١) تهذيب اللغة (٨/ ١٠٧).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) شرح النووي على مسلم (١٩٣/١٧).
٢٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وموضع الحس كلما كان أرق كان الحس أصدق كراحة الكف إذا كانت
[مرفهة] من الأعمال [صلحت] للحس فإذا [كانت] يد قصار أو نجار
خشنت فخفي فيها الحس فلما أبانوا في الدنيا تلك البضعة لأجله أعادها
ليذيقها من حلاوة فضله ونعيم جنته والسر في الختان مع [كون] القلفة معفوا
عما تحتها من النجس أنه سنة إبراهيم عليّا؛ حيث بُلي بالترويع بذبح الولد
فأحبّ أن يحصل لكل والد من أهل ملته ترويعا بقطع عضو وإراقة دم ولده
ويبتلي أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم فتكون هذه الحالة مظهرة
للصبر والتسليم لأن الآباء والأولاد أسوة بإبراهيم عليَّان، اهـ.
قوله وَالله: ((ألا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم،فَلَّلام)) الحديث، فيه
فضيلة عظيمة لإبراهيم عَلَامًا وخصوص له كما خص موسى ،ليسَلها بأن النبي
وَّ يجده متعلقا بساق العرش مع أن النبي ◌َّ أول من تنشق عنه الأرض
ولا يلزم من هذا أن يكون أفضل منه مطلقا بل هو أفضل من وافى القيامة. قال
الكرماني(١): فإن قلت هذا يدل على أن إبراهيم أفضل، قلت لا يلزم من
اختصاص الشخص بفضيلة [كونه] أفضل مطلقا، اهـ. وروي عن عباد بن
كثير عن أبي الزبير عن جابر قال: إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم
يؤذن المؤذن ويلبي الملبي، وأول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم عليه
الصلاة والسلام خليل الله ثم محمد وَّ ثم النبيئون والرسل عليهم الصلاة
والسلام ثم يكسى المؤذنون وتتلقاهم الملائكة على نجائب من نور أحمر
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤ / ١١).
٢٣٥
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
أزمّتها زبرجد أخضر رحالها من الذهب ويشيعهم من قبورهم سبعون ألف
ملك إلى المحشر، ذكره الحليمي في منهاجه(١)، وهذا نص بأن إبراهيم أول
من يكسى ثم نبينا بإخباره وَّ فطوبى ثم طوبى لمن كسي في ذلك الموقف
من ثياب الجنة فإنه من [لبسه] فقد لبس جُنّة تقيه مکاره المحشر وعرقه وحر
الشمس وغير ذلك من أهواله.
فائدة: ما الحكمة في تقديم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالكسوة؟ قال
الحليمي: روي أنه لم يكن في الأولين والآخرين لله عز وجل عبد أخوف من
إبراهيم ◌َ فيعجل كسوته أمانا له ليطمئن قلبه ويحتمل أن يكون ذلك لما
جاء به الحديث من أنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في السترة
حفظا لفرجه من أن يُماسّ مصلاه ففعل ما أمر به فيُجزى بذلك أن يكون أول
من يُستر يوم القيامة، ويحتمل أن يكون الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا
عنه ثيابه على أعين الناس كما يفعل بمن يراد قتله وكان ما أصابه من ذلك في
ذات الله عز وجل فلما صبر واحتسب وتوكل على الله تعالی دفع الله عنه شر
النار في الدنيا والآخرة [فجزاه] بذلك العري أن جعله أول من يدفع عنه
العري يوم القيامة على رءوس الأشهاد.
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: وهذا أحسن الاحتمالات إن شاء الله
تعالى والله أعلم. قال الحليمي: وإذا بُدئ في الكسوة بإبراهيم عَلام وثني
بمحمد ◌ّ أتي محمد بحلة لا يقوم لها البشر لينجبر التأخير بنفاسة الكسوة
(١) المنهاج في شعب الإيمان (١ / ٤٤٦).
٢٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فيكون كأنه كسي مع إبراهيم ،َلَّهُ، اهـ، ذكره القرطبي في التذكرة(١).
قوله مَّة: ((وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال)) الحديث
(٧٠/ أ) الشمال بكسر الشين المعجمة ضد اليمين، ويراد بها جهة النار.
قوله: ((فأقول يا رب أصحابي. وفي رواية: أصيحابي بتصغير الأصحاب،
فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))، فذكر الحديث إلى أن قال: ((فيقال
لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)).
قال البغوي والخطابي وغيرهما: لم يرد بقوله مرتدين الردة عن الإسلام
ولذلك قيده بقوله على أعقابهم وإنما يفهم من الارتداد الكفر إذا أطلق من
غير تقييد ومعناه التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها والرجوع
عما كان عليه من صدق العزيمة كقولهم: ارتد فلان على عقبه إذا تراجع إلى
وراء ولم يرتد بحمد الله تعالى أحد من الصحابة وإنما ارتد قوم من جفاة
العرب الذين دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة كعيينة بن حصن ونحوه من
المؤلفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين وذلك لا يوجب قدحا في خواص
أصحابه الذين لزموه وعُرفوا بصحبته فقد صانهم الله عز وجل وعصمهم من
التبديل وإنما صغر أصيحابي ليدل على قلة عدد من هذا وصفهم.
قال البيضاوي: وهؤلاء صنفان أحدهما عصاة مرتدون عن الاستقامة لا
عن الإسلام مُبدّلون للأعمال الصالحة بالسيئة. والثاني مرتدون عن الدين
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٥٣٣).
٢٣٧
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
إلى الكفر ناكصون على أعقابهم. انتهى، قاله الكرماني(١).
قوله وَاجله: ((فأقول سحقا سحقا)» هكذا في الروايات: سحقا سحقا، ومعناه
بُعدا بُعدا، والمكان السحيق هو البعيد، وفي سحقا سحقا لغتان قُرئ بهما في
السبع، إسكان الحاء وضمها. قرأ الكسائي بالضم والباقون بالإسكان
ونُصب على تقدير [ألزمهم] الله تعالى سحقا وأسحقهم سحقا. وقال
بعضهم: هو منصوب على المصدر والله أعلم.
٥٤٢٠ - وَعَنِ عَائِشَة ◌َوَهَا قَالَت سَمِعت رَسُول اللهِ وَهِ يَقُول يخْشر
النَّاسِ حُفَاة عُرَاة غرلًا. قَالَت عَائِشَة فَقلت الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا ينظر
بَعضهم إِلَى بعض قَالَ الأَمر أَشد من أَن يهمهم ذَلِك. وَفِي رِوَايَة من أَن ينظر
بَعضهم إِلَى بعض. رواه البخاري (٢) ومسلم(٣) والنسائي(٤) وابن ماجه(٥).
ج اللّه.
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها
قوله {وَالله: ((يحشر الناس حفاة عراة غرلا)) الحديث، الحشر الجمع مع
سوق لبعث الساعة فإن قيل: فإذا كانت غير مكلفة فلماذا تبعث يوم القيامة؟
قيل: ليس التكليف علة للبعث لأن الأطفال والمجانين يبعثون وكانوا في
الدنيا غير مكلفين وإنما يبعثها ليعوض ما استحق العوض منها بإيلام أو ظلم
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤/ ١٢).
(٢) صحيح البخاري (٦٥٢٧).
(٣) صحيح مسلم (٥٦) (٢٨٥٩).
(٤) سنن النسائي (٤/ ١١٤).
(٥) سنن ابن ماجه (٤٢٧٦).
٢٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ثم يجعل ما شاء ترابا وما شاء من دواب الجنة يتمتع المؤمنون بركوبه وزينته
وقد حكم الله وهو أحكم الحاكمين بإعادة جميع ما أمات وفي جمع البهائم
ذلك اليوم وزيادة في تبكيت المكذبين للبعث ليبين الله لهم قدرته على إعادة
جميع المخلوقات فاعتبروا يا عباد الله بما في هذا من الإنذار بالعقاب الذي
يتمنى الكافر من أجله أنه انقلب إلى حال التراب، اهــ قوله: ((حفاة عراة
غرلا)) أي غير مختونين. قال العلماء زَّاللّهَم): يحشر غداً وله من الأعضاء ما
كان له يوم ولد فمن قطع له عضو يرد في القيامة عليه حتى الختان، وقد
عارض هذا الباب ما رواه أبو داود(١) وابن حبان في صحيحه(٢) عن أبي سعيد
الخدري أنه لما حضرته الوفاة دعا بثياب جدد فلبسها، الحديث، تقدم في
آخر النفخ في الصور وتقدم الکلام علیه.
قال أبو عمر: يعني ابن عبد البر (٣): وقد احتج بهذا الحديث من قال إن
الموتى جملة يبعثون على هيئاتهم وحمله الأكثر من العلماء على الشهيد
الذي أمر أن يُزمّل في ثيابه ویدفن بها ولا يغسل عنه دمه ولا يُغيّر عنه شيء من
(١) سنن أبي داود (٣١١٤)،.
(٢) وأخرجه ابن حبان (٧٣١٦)، وعبد الرزاق (٦٢٠٣)، والحاكم في المستدرك (٣٤٠/١)،
والبيهقي في السنن الكبرى (٥٣٩/٣) والبيهقي في الشعب (٣٥٩)، وقال الحاكم:
صحيح على شرط الشيخين . ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.، وقال النووي في خلاصة
الأحكام (٩١٩/٢) رواه أبو داود، بإسناد صحيح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب (٤١٠/٣) الصحيحة (١٦٧١).
(٣) ابن عبد البر في التمهيد (١٩ / ١٤).
٢٣٩
كتاب البعث وأهوال يوم القيامة
حاله بدليل حديث ابن عباس وعائشة رَظُوريّهذا قالوا: ويحتمل أن يكون سمع
أبو سعيد الحديث في الشهيد فتأوله على العموم والله أعلم. قلت: ومما يدل
على قول الجماعة مما يوافق حديث ابن عباس وعائشة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
جِئْتُمُونَا فُرَادَىُ كَمَا خَلَقْنَكُمْ (٧٠/ ب) أوَّلَ مَرَّةٍ﴾(١) الآية، وقوله تعالى:
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾(٢)، ولأن الملابس في الدنيا أموال ولا مال في
الآخرة زالت [الأموال] بالموت وبقيت الأموال في الدنيا، وذهب أبو حامد
الغزالي في كتاب الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة إلى معنى حديث أبي
سعيد الخدري وأن رسول الله وَ له قال: بالغوا في أكفان موتاكم فإن أمتي
تحشر بأكفانها وسائر الأمم عراة. رواه أبو سفيان مسندا، وكذا قال وَاجله:
يحشر الميت في ثيابه، وهو أليق ما رويناه، قاله في الدرة الفاخرة.
قال الإمام أبو عبد الله القرطبي (٣): هذ الحديث لم أقف عليه فالله أعلم
بصحته وإن صح فيكون معناه [إن من] أمتي الشهداء تحشر بأكفانها حتى لا
تتناقض الأخبار، اهـ، والله أعلم، وتقدم في الكلام على حديث أبي سعيد
شيء من هذا لكن هذا أبسط.
٥٤٢١ - وَعَن أم سَلِمَة ◌َوَلَّهَا قَالَت سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول يخْشر
النَّاسِ يَوْمِ الْقِيَامَة عُرَاة حُفَاة فَقَالَت أم سَلمَة فَقلت يَا رَسُول الله واسوأتاه ينظر
(١) سورة الأنعام، الآية: ٩٤.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٩.
(٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٥٣٧).
٢٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بَعْضنَا إِلَى بعض فَقَالَ شغلِ النَّاس قلت مَا شغلهمْ قَالَ نشر الصحائف فِیھَا
مَثَاقِيلِ الذَّر وَمَثَاقِيلِ الْخَرْدَل. رواه الطبراني في الأوسط (١) بإسناد صحيح.
عَلَ اللّهَ
زمِ
قوله: ((وعن أم سلمة)) تقدم الكلام على مناقبها
قوله: ((فقالت أم سلمة: فقلت يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى
بعض؟ فقال: شغل الناس. قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها
مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل)) الحديث، الذر النمل الصغير وسيأتي الكلام
عليه مبسوطا، والخردل معروف. وعن ابن أبي مليكة عن القاسم قال: قالت
عائشة: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: حفاة عراة.
قلت: والنساء؟ قال: والنساء. قلت: يا رسول الله فما نستحيي؟ قال: يا عائشة
الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض. رواه البخاري في الرقائق(٢)، فأعظم
بيوم تكشف فيه العورات ويؤمن فيه مع ذلك من النظر والالتفات كيف
وبعضهم يمشون على بطونهم ووجوهم ولا قدرة لهم على الالتفات إلى
غیرهم، اهـ.
(١) المعجم الأوسط (٨٣٣)، وأخرجه البخاري في الكبير (٢٣٧/١/١) وابن أبي الدنيا في
الأهوال (١١٩) وفي القبور (٧٠) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (١٦٠/٨)
رواه أبو بكر بن أبي شيبة والطبراني في الأوسط بإسناد صحيح. وله شاهد في الصحيحين
وغيرهما من حديث عائشة. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٤٢٣/٨)، وعزاه إلى
الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن أم سلمة وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة
(٥٣١٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (٤١١/٢).
(٢) صحيح البخاري (٦٥٢٧.