Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب الجنائز وما يتقدمها
نعالهم، وضبطه بعضهم خفيق، وهو صوت [ضربها] الأرض ولا يستعمل
ذلك إلا في الضرب بالشيء العريض، ومنه سميت الدرة مخفقة. وفي حديث
عمر: وضربه بالمخفقة، والخافقان منتهى الأرض [والسماء] وقيل المشرق
والمغرب، قاله عياض(١).
قوله: ((أتاه ملكان فيقعدانه فيقول ما كنت تقول في هذا النبي محمد؟))
الحديث، [وهذا يدل على أن الروح تتعلق بالبدن في القبر عند السؤال].
سؤال: وهو هل (٥٨/أ) يكشف للميت حتى يرى النبي وَالّ في قوله: ما كنت
تقول في هذا النبي محمد؟ الجواب: إن هذا لم يرد في حديث صحيح وإنما
ادعاه بعض من لا يحتج به بغير مستند إلا من جهة قوله في هذا الرجل كما
هو مذكور في حديث آخر وإن الإشارة بلفظ هذا تكون للحاضر وهذا لا
معنى له لأنه حاضر في الذهن والله أعلم، قاله الحافظ العسقلاني] (٢).
قوله وَيّ في حديث أنس: وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري كنت
أقول ما يقول الناس فيه، الحديث [فهذا يدل على أن الروح تتعلق بالبدن في
القبر عند السؤال](٣)[المنافق] هو غير المصدّق بقلبه لنبوّته وَّلّ وهو في
مقابلة المؤمن أو المرتاب أي الشاك وهو في مقابلة الموقن. قوله: ((فيقال لا
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢٤٥/١).
(٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (قال الأزهري: ويروى
أتليت يدعو عليه أن لا تتلو إبله أي لا يكون لها أولاد تتلوها، اهـ).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
دريت ولا تليت)) الحديث، قال الخطابي رحمه الله هكذا يقول المحدثون
وهو غلط (١). وقال القتبيي وفيه قولان: بلغني عن يونس البصري أنه قال: لا
أتليت ساكن التاء يدعون عليه [أن] لا تتلى إبله أي [لا يكون أولاد يتلوها]
يقال للناقة قد أتلت فهي متلية وتلاها ولدها إذا تبعها. قال: وقال غيره وهو
لا اتليت افتعلت من قولهم ما ألوت هذا ولا [استطعته] كأنه يقول لا دريت
ولا استطعت [أي] تدري. وقيل معناه تلوت أي لا قرأت حوّلوا الواو ياء
على موافقة دریت(٢)، اهـ.
وقال النحويون: الأصل في هذه الكلمة الواو أي ولا تلوت إلا أنها قلبت
بالتتبع بياء دريت وقد جاء من حديث البراء لا دريت ولا تلوت على ما رواه
الإمام أحمد أي لم تدر ولم تتل القرآن أي فلم تنفع بدرايتك ولا تلاوتك(٣).
[وقال ابن بطال(٤): الكلمة من بنات الواو لأنها من تلاوة القرآن لكنه لما كان
مع دریت تكلم به الياء لیزدوج الكلام ومعناه الدعاء عليه أي لا کنت داریا
ولا تاليا، اهـ. قال الأزهري: ويروى أتليت يدعو عليه أن لا تتلو إبله أي لا
يكون لها أولاد تتلوها، اهـ] (6). وقيل معناه: لا تبعت الحق، قاله الداوودي،
(١) أعلام الحديث (١ / ٦٩٤).
(٢) شرح السنة (٤١٦/٥).
(٣) التوضيح (٣٧/١٠-٣٨).
(٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١١٨/٧).
(٥) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ثم استعمل كما استعمل
غيره من أدعية العرب اهـ.).

١٤٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
وقال ابن الأنباري: تليت غلط والصواب أتليت بفتح [الألف يدعو] عليه بأن
لا تتلى إبله أي لا يكون أولاد تتلوها أي تتبعها وهذا مذهب يونس بن حبيب
قال ابن السراج: وهذا بعيد من دعاء الملكين للميت وأي مال له، [قاله]
القاضي لعل ابن الأنباري رآى أن هذا أصل الدعاء ثم استعمل كما استعمل
غيره من أدعية العرب(١) اهـ.
قوله ◌َّة: ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها
من يليه إذا الثقلين، الحديث. الثقلان هما الجن والإنس لأنهما قطان
الأرض، ويقال لكل خطير نفيس ثقل فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما
وتفخيما لشأنهما، قاله في النهاية(٢).
وقال في النهاية أيضا: وإنما يكون الإنس والجن عن سماع ذلك بمعزل
لأنهما قطان الأرض لقيام التكليف ومكان الابتلاء ولو سمعوا ذلك لارتفع
الابتلاء والامتحان وصار الإيمان به ضروريا فأخفى عنهم ذلك لئلا يفوتهم
حظهم من الإيمان بالغيب ولئلا يبطل معاشهم بالإعراض عن التدابير
والصناعات ونحوها مما يتوقف عليها(٣) [والله تعالى أعلم].
[٥٣٩٥] وَعَن عَائِشَة ◌َوِّهَا قَالَتْ جَاءَت يَهُودِيَّة استطعمت على بابي
فَقَالَت أَطْعِمُونِي أعاذكم الله من فتْنَة الدَّجَّال وَمِن فَتْنَة عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَت فَلم
(١) مطالع الأنوار (١٩/٢).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (١ /٢١٦).
(٣) الميسر (١/ ٧١).

١٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أزل أحبسها حَتَّى جَاءَ رَسُول الله ◌َّهِ فَقلت يَا رَسُول الله مَا تَقول هَذِه الْيَهُودِيَّة
قَالَ وَمَا تَقول قلت تَقول أعاذكم الله من فتْنَة الدَّجَّال وَمن فْنَة عَذَابِ الْقَبْرِ
قَالَت عَائِشَة فَقَامَ رَسُول الله وَّةٍ وَرفع يَدَيْهِ مدا يستعيذ بالله من فتْنَة الدَّجَّال
وَمِن فَتْنَة عَذَابِ الْقَبْرِ ثُمَّ قَالَ أما فِتْنَة الدَّجَّال فَإِنَّهُ لم يكن نَبِي إِلَّا حذر أمته
وَسَأُحَدِّئُكُمْ بِحَدِيث لم يحذرهُ نَِّي أمته ◌ِنَّ أَعور وَإِنِ الله لَيْسَ بأعور مَكْتُوب
بَيْن عَيْنَيْهِ كَافِر يقرأه كل مُؤمن فَأَمَا فَتْنَة الْقَبْرِ فَبِي يفتنون وعني يسْألُون فَإِذا
كَانَ الرجل الصَّالحِ أَجْلِس فِي قَبره غير فزع وَلَا مشعوف ثمَّ يُقَال لَهُ فَمَا كنت
تَقول فِي الْإِسْلَامِ فَيُقَال مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُمْ فَيَقُول مُحَمَّد رَسُول الله
جَاءَ بِالْبَيِّئَاتِ من عِنْدِ الله فَصَدَّقْنَاهُ فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَيَنْظر إِلَيْهَا يحطم
بَعْضِهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ انْظُرُ إِلَى مَا وقاك الله ثمَّ تفرج لَهُ فُرْجَةٍ إِلَى الْجِنَّة فَيَنْظر
إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَفْعَدك مِنْهَا وَيُقَال على الْيَقِين كنت وَعَلِيهِ
مت وَعَلِيهِ تَبْعَث إِن شَاءَ الله وَإِذا كَانَ الرجل السوء أَجْلِس فِي قَبره فَزْعًا
مشعوفا فَيُقَال لَهُ فَمَا كنت تَقول فَيَقُول سَمِعت النَّاسِ يَقُولُونَ قولا فَقلت كَمَا
قَالُوا فيفرج لَهُ فُرْجَةٍ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ انْظُرُ إِلَى مَا
صرف الله عَنْك ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّارِ فَيَنْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضِهَا بَعْضًا
وَيُقَالِ هَذَا مَفْعَدك مِنْهَا على الشَّك كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تَبْعَث إِن شَاءَ الله
ثمَّ یعذب، رواه أحمد(١) بإسناد صحيح.
(١) مسند أحمد (٢٥٠٨٩)، وفي السنة (١٤٤٨)، وأخرجه إسحاق (١١٧٠)، والطبري في
تهذيب الآثار (مسند عمر ٨٨٥)، والخلال في السنة (١١٧٩) وابن منده في الإيمان
=

١٤٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
قوله غير مشعوف هو بشين معجمة بعدها عين مهملة وآخره فاء قال أهل
اللغة الشعف هو الفزع حتى يذهب بالقلب
قوله: ((وعن عائشة زَقُّهَا)) تقدم الكلام على مناقبها.
قولها زَّهَا: ((جاءت يهودية استطعمت على بابي فقالت أطعموني أعاذكم
الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر)) الحديث، ومن آكد الأدعية
المأثورة ما روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي وَّ قال: إذا تشهد أحكم
فليستعذ بالله من أربع: يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وعذاب النار
ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال(١)، ولذلك أوجب
بعض العلماء هذا الدعاء وأمر طاوس (٥٨/ ب) من صلى ولم يقله أن يعيد
الصلاة (٢) وذهب الظاهرية إلى وجوبه والأمر بالاستعاذة من هذه الأشياء في
كل صلاة مما يدل على الاعتناء بالدعاء بها والاستعاذة منها لعظم الأمر فيها
وشدة البلاء في وقوعها (٣) وفتنة المحيا والممات، قيل أراد بفتنة المحيا
والممات ما يعتري الإنسان حال حياته من البلايا والمحن وفتنة الممات
(١٠٦٧) والبيهقي في عذاب القبر (٢٩) وعبد الغني في أخبار الدجال (٩٥). قال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٤٩/٣) رواه أحمد. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
(٥١٧/٢) سند صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٩٥/٣).
(١) مسلم (١٢٨ و١٣٠ و١٣٢ - ٥٨٨).
(٢) قاله مسلم عقب حديث (١٣٤ - ٥٩٠).
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٣١١-٣١٢).

١٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
شدة سكرات الموت وسؤال القبر وعذابه (١) وقيل أراد بفتنة المحيا الابتلاء
مع زوال الصبر وترك متابعة طريق الهدى وبفتنة الممات سؤال منكر ونكير
مع الحياة وما في القبر من الأهوال والشدائد (٢) ويجوز أن يراد به الفتنة عند
الموت لقربها منه(٣) يقال: إن الشياطين يأتون المحتضر على صورة أقاربه
وإخوانه الذين سبقوا فيقولون له مت يهوديا مت نصرانيا فإنه الدين
المقبول (٤) عند الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿يُثَّبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ
الثَّابِتِ﴾ (٥) [فنعوذ بالله من سوء الخاتمة وسوء العاقبة](٦).
وفتنة [المحيا] ما يستميل قلب الإنسان من حب الشهوات من النساء
والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام
والحرث وطلب الجاه وطلب المنزلة والتطاول على الناس(٧). قال الله
تعالى: ﴿أَنَّمَآ أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٍ﴾(٨)، وقال ◌َله: ما ذئبان جائعان أو
(١) تحفة الأبرار (١/ ٣١٠).
(٢) قاله السهروردى كما في شرح المشكاة (١٠٤٩/٣ -١٠٥٠).
(٣) إحكام الأحكام (١/ ٣١١).
(٤) التذكرة (ص ١٨٥ - ١٨٦).
(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٦) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (كالذي يستنيب في
الوظائف الدينية كالإمامة ونحوه بغير عذر، اهـ).
(٧) أخرجه البخاري (٥٢) و(٢٠٥١)، ومسلم (١٠٧ و١٠٨ -١٥٩٩).
(٨) سورة الأنفال، الآية: ٢٨.

١٤٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
أو ضاريان في غنم بأفسد لها من حب الرياسة والمال لدين الرجل(١)، وأصل
الفتنة الامتحان (٢) فالشخص [ممتحن] بزينة الدنيا، يمتحن بالسبيكة الفضة
في النار فمن أعرض عن زينة الدنيا دل على صفاء جوهره وصحة إيمانه
وسلامته من الغش ومن اشتغل بزينة الدنيا كان على الضد من ذلك وإلى
ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِتَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾﴾(٣)، قيل: أكثر زهدا في الدنيا، ولما كان حب الشهوات
يدعو إلى تناول الشبهات ويفتح على الشخص باب التأويلات قال رَ الله: فمن
اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام(٤).
قال مالك بن دينار: اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء، يعني الدنيا
تسحر قلوبهم حتى يقعوا في تأويل الحرام ويأكلونه بالتأويلات البعيدة
الفاسدة كالذي يستنيب في الوظائف الدينية كالإمامة ونحوه بغير عذر، اهـ.
ويجوز أن يراد بفتنة الممات فتنة القبر عند سؤال الملكين ويستدل
بالحديث على أن التكليف لا ينقطع بموت العبد وإلا لما كان امتحانه في
القبر بقول الملائكة له في القبر من ربك وما دينك ومن نبيك؟(٥) قال وَ اليه:
(١) أخرجه الترمذى (٢٣٧٦) وابن حبان (٣٢٢٨). وصححه الألبانى في الروض النضير
(رقم ٥ - ٧).
(٢) معالم السنن (١/ ٢٠٠)
(٣) سورة الكهف، الآية: ٧.
(٤) الزهد (١٨٦٣) لأحمد.
(٥) أخرجه مسلم (٧٣ - ٢٨٧١).

١٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
(تفتنون في قبوركم كمثل أو أعظم من فتنة المسيح الدجال)) (١) وأصل الفتنة
الامتحان والمسيح الدجال سمي به لأن عينه الواحدة ممسوحة وقيل أنه
يمسح الأرض أي يقطعها وقيل غير ذلك، والمسيح بالحاء المهملة ويقال
المسيخ بالخاء المعجمة أيضا وأما المسيح عيسى ابن مريم وقال فبالحاء
المهملة ليس إلا، سُمي مسيحا قيل لأنه ممسوح بالبركة كما أن الدجال
ممسوح من البركة، وقيل ما مسح صاحب عاهة إلا [برئ]، وقيل غير ذلك
وسمي دجالا لتمويهه على الناس، يقال: دجّل بالتشديد إذا لبّس، وتلبيسه
بما جعل الله علی یدیه من خرق العوائد ومن صفته أنه يأتي معه جنة ونار.
قال الشاعر:
فَتَارُهُ جَنَّة طُوْبَي لِدَاخِلِه وَزُوْرُ جَنّتِهِ نَارٌ مِنَ السُّعُرِ (٢)
يخرج في القحط الشديد يقول أنا ربكم [ويقتل] إنسانا ويحييه فمن آمن به
أدخله الجنة فيقع في جهنم، ومن كفر به ألقاه في النار فيدخل الجنة ويأتي إلى
الشخص من أعراب البادية فيقول له: أرأيت إن أحييت لك أباك وأمك
وإخوانك الذين سلفوا أتؤمن بي؟ فيقول: نعم، فيأمر الشياطين فتتمثل له
صورهم ويأمرونه بالإيمان به أعاذنا الله تعالى منه بمنه وكرمه. قال ◌َ له في
نعت الدجال: إنه أعور (٥٩/ أ) وإن ربكم ليس بأعور، وسمي مسيحا لأنه
(١) البخاري (٨٦) عن عائشة.
(٢) بيت من قلادة الدر المنثور في ذكر البعث والنشور لابن الوردى انظر خريدة العجائب
(ص ٤٧٤).

١٤٩
كتاب الجنائز وما يتقدمها
يمسح الأرض كلها إلا مكة والمدينة أي يطأها واختلفوا في معناه على ثلاثة
وعشرين قولا، حكاه ابن دحية، ويمكث في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة
ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا مكتوب بين عينه ك ف ر، وإنه
يتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة وإن عيسى عليه الصلاة
والسلام ينزل من السماء فيقتل الدجال بباب لد البلدة المحروسة بقرب بيت
المقدس وكل هذه ألفاظ ثابتة عن رسول الله وَالله في صحيح مسلم وبعضها
في البخاري والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة جدا وكان السلف يستحبون أن
يلقن الصبيان أحاديث الدجال ليتحفظونها وتترسخ في نفوسهم وتتوارثها
الناس، اهـ.
تنبيه: فإن قلت رسول الله وق الهآمنٌ [من] الفتنة الدجال ونحوها فما الفائدة
فيه. قلت: نفس الدعاء عبادة کقوله: اللهم اغفر لي مع کونه مغفورا له أو هو
لتعليم الأمة، قاله الكرماني(١).
قوله وَله: ومن فتنة عذاب القبر، وفي الحديث دليل على أن عذاب القبر
ثابت وتقدم أيضا الدليل عليه في قوله {وَّيّة في صاحبي القبر إنهما ليعذبان(٢)
ويدل على القطع بثبوته قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟
أي في البزرخ، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، يقال لهم: ﴿أَدْخِلُوْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٧/ ١٥٠).
(٢) البخاري (٢١٦) و(٢١٨) و(١٣٦١) و(١٣٧٨) و(٦٠٥٢) و(٦٠٥٥)، ومسلم (١١١ -
٢٩٢).

١٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
اُلْعَذَابِ﴾(١).
سؤال: ما الحكمة في عذاب القبر؟ قيل: تخويف للمؤمن حتى يتعوذ بالله
منه وأيضا جعله الله تطهيرا للمؤمن فإن الله تعالى جعل قدام المؤمن خمسة
أنهار يغسله بها تطهيرا له أولها الاستغفار والصلاة على الميت والثاني هو
الصدقة عن الميت والثالث نهر القبر والرابع نهر القيامة والخامس نهر النار
ليطهر بها المؤمن. قاله النيسابوري، هكذا ذكره ابن العماد في كتابه كشف
(٢)
الأسرار(٢).
قوله وَيعقد في الدجال: ((إنه لأعور وإن الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه
كافر يقرؤه كل مؤمن)) الحديث، وسمي مسيحا لأنه ممسوح العين، جاء في
الصحيح أنه أعور العين اليمنى، وفي رواية مسلم أنه أعور العين اليسرى،
والجمع بين الروايتين أن عينه الأخرى عليها ظفرة، وجاء كأنّ عينه عنبة
طافية(٣)، وورد أن عينه خضراء كالزجاجة، روى ذلك أبو نعيم في التاريخ (٤).
قوله وَّله: ((وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعنّي تسألون)) وأصل الفتنة
الامتحان كما تقدم، ومعنى تفتنون تمتحنون أي تمتحنون بي في قبوركم
(١) سورة غافر، الآية: ٤٦.
(٢) كشف الأسرار (لوحة ١٥).
(٣) انظر شرح النووي على مسلم (٢٣٥/٢).
(٤) أخرجه أحمد ١٢٤/٥ (٢١١٤٦) و(٢١١٤٧)، والبخاري في التاريخ الكبير ٧٨/٥-٧٩،
والشاشي (١٤٥٢)، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٥٥)، وأبو نعيم في أخبار
أصبهان (١/ ٣٧٤). وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٦٣).

١٥١
كتاب الجنائز وما یتقدمها
[ويتعرف] إيمانكم بنبوتي، يريد مساءلة منكر ونكير من الفتنة والامتحان
والاختبار فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول المؤمن: هو رسول الله،
ويقول المنافق: سمعت الناس تقول شيئا فقلته، هكذا جاء مفسرا في
الصحيح، وقد كثرت استعاذته ◌َ له من فتنة القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا
والممات وغير ذلك، وتقدم الكلام على ذلك، ومنه حديث الحسن ﴿إِنَّ
الَّذِينَ فَتَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾(١) قال: فتنوهم بالنار، أي امتحنوهم
وعذّبوهم، قاله في النهاية(٢).
قوله وَله: ((فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره من غير فزع ولا
مشعوف)) الحديث، الشعف بالشين والعين المهملة. قال الحافظ: قال أهل
اللغة الشعف هو الفزع حتى يذهب بالقلب، اهـ. وقال ابن الأثير في
النهاية(٣): الشعف: شدة [الفزع حتى يذهب بالقلب، والشعف شدة](٤)
الحب وما یغشی قلب صاحبه، اهـ.
قوله: فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ الحديث، وإنّما عبر بعبارة
الرجل الذي ليس فيها تعظيم امتحانا للمسئول لئلا يتلقن منهما إكرام
الرسول ﴾ ورفع مرتبته فيعظمه [هو] تقليدا لهما لا اعتقاداً(٥) والله أعلم.
(١) سورة البروج، الآية: ١٠.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤١٠/٣).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٨١).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٥) شرح النووي على مسلم (٢٠٣/١٧)، والكواكب الدرارى (١١٧/٧-١١٨).

١٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
(٥٩/ ب) قوله: ((فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات من عند الله
فصدقناه)) الحديث، بالبينات أي بالمعجزات الدالة على نبوته.
قوله وَله: ((فيفرج له فرجة قبل النار)) الحديث، الفرجة بضم الفاء وفتحها
معروفة.
قوله: ((يحطم بعضها بعضا)) الحديث، الحطم هو الكسر أي تندفع فيدفع
بعضها بعضا لشدة اشتعالها وتلهبها.
وفي التذكرة (١) دخل عليها فتانا القبر وهما ملكان أسودان يحرثان الأرض
بأنيابهما لهما شعور مسدولة يخدانها على الأرض كلامهما كالرعد القاصف
[وأعينهما كالبرق الخاطف] ونفسهما كالريح العاصف بيد كل واحد منهما
مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان الإنس والجن ما رفعاه ولو ضرب
بيده أعظم جبل لجعله دكا فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت وولت هاربة
فتدخل في منخر الميت فيحيى الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة
فلا يقدر على حراك غير أنه يسمع وينظر فيبتدرانه بعنف وينتهرانه بجفاء وقد
صار التراب له كالماء حيث ما تحوّل انفسخ فيه ووجد فرجة فيقولان له من
ربك ومن نبيك وما قبلتك فمن وفقه الله تعالى وثبّته بالقول الثابت قال: ومن
وكلكما ومن أرسلكما إلي؟
وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار، فيقول أحدهما للآخر صدق كفي شرّنا ثم
يفتحان له بابا إلى الجنة ويدخل عليه من نسيمها ويأتيه عمله في صورة أحب
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: ٣٥٤).

١٥٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
الأشخاص إليه فيؤنسه ويملأ قبره نورا فلا يزال في مرح وسرور حتى تقوم
الساعة، ومن الناس من أعجم في مسألته فإن كانت عقيدته مختلة امتنع أن يقول
الله ربي ويأخذ في غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة فيشتعل [بها القبر نارا ومن
الناس من یعسر علیه أن يقول الإسلام ديني لشك کان یتوهمه أو فتنة تقع به عند
الموت فيضربانه ضربة فيشتعل](١) عليه قبره نارا، ومن الناس من يعسر عليه أن
يقول [القرآن إمامه] لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به ولا يعمل بأوامره ولا ينتهي
بنواهيه يطوف عليه دهره ولا يعطي نفسه منه خيره فيفعل به مثل ما فعل
بالأولین ومن الناس من یستحیل عمله جروا يُعذب به في قبره على قدر جرمه.
وفي الأخبار أن من الناس (من يستحيل عمله خنوصا وهو ولد الخنزير،
ومن الناس](٢) من يمتنع عليه أن يقول نببي محمد لأنه كان ناسيا لسنته ومن
الناس من يعسر عليه أن يقول الكعبة قبلتي لقلة تحرّزه في صلاته [إما لخلل]
في وضوئه أو التفات في صلاته أو اختلال في ركوعه وسجوده ويكفي في ذلك
ما روي أن الله تعالى لا يقبل صلاة من عليه صلاة ومن عليه ثوب حرام، وأما
الفاجر فيقولان له من ربك فيقول لا أدري. فيقول: لا دريت ولا عرفت، ثم
يضربانه بتلك المقامع [حتى يتجلجل في الأرض السابعة تنفضه الأرض في
قبره ثم يضربانه سبع مرات](٣)، [والمقامع] واحدها مقمعة بالكسر وهي
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وهي سياط تعمل من
حديد رؤوسها معوجة، قاله في النهاية، والله أعلم).

١٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واحدة المقامع وهي سياط تعمل من حديد رؤوسها معوجة، قاله في
النهاية(١)، والله أعلم.
وقال في الدرة الفاخرة للغزالي(٢): وأما في وصف الفاجر فتؤخذ نفسه
عنها عنفا فإذا قبضها عزرائيل ناولها زبانية قباح الوجوه سود الثياب منتني
الرائحة بأيديهم مسوح من شعر فيلفّونها فتستحيل شخصا إنسانيا على قدر
الجرادة، فإن الكافر أعظم جرما من المؤمن يعني الجسم في الآخرة كما في
الصحیح أن ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد فیعرج به حتی ینتهي به إلى
باب سماء الدنيا فيقرع الأمين الباب فيقال من أنت؟ فيقول: أنا دنيائيل، [لأن
اسم الملك الموكل على زبانية العذاب: دنيائيل](٣)، فيقال: من معك؟
فيقول: فلان بن فلان بأقبح أسمائه وأبغضها إليه في دار الدنيا، فيقال: لا أهلا
ولا سهلا ولا يفتح له باب السماء، فإذا سمع الأمين هذه (٦٠ / أ) المقالة
طرحها من يده فتهوي به الريح في مكان سحيق أي بعيد، اهـ.
ويختلف أحوال الناس في التعذيب وبالجملة فلكلَّ تعذيب بما كان يخافه
في الدنيا. قال بعض علماء السلف: كان في بلدنا نبّاش أي سراق الأكفان،
وكان في ذلك البلد قاض صالح قد نصب نفسه لتنفيذ مراسيم النبوءة وقمع
مراسيم النفس الأمارة ومراسيم الشيطان فلما قربت وفاته دعا ذلك النباش
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١١٠/٤)،.
(٢) الدرة الفاخرة (ص ٢٠).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

١٥٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
وقال له: قد بلغني عنك أنك تسرق الأكفان وقد دنت وفاتي في وقت كذا
تسمع نعيي وقد أعددت قيمة كفني فخذه الآن ولا تهتكني في قبري، فأجابه
النباش إلى ذلك، فلما كان الوقت الذي ذكر القاضي أنه ينعى فيه سمع
النباش الناعي فقال: إنه رجل صالح فلأخبرنّ زوجتي بخبري معه فلما
أخبرها قالت احذره، فلما دفن ثار في نفسه أنه يسرق كفنه. فقالت له زوجته
لا تفعل. فلم يلتفت إليها: فلما حفر القبر ودخل فيه وإذا بالميت قد أجلس
وقال أحد الملكين للآخر شم رجله، فشمها فقال ليس فيها شيء إنه لم يسع
في معصية قط، فقال فيها خيرا، ثم قال شم [عينيه]، فقال: إنه لم ينظر إلى
محرم قط، فقال شم سمعه فشم أحد سمعيه فلم يجد شيئا ثم شم السمع
الآخر فوقف، فقال: ما وجدت؟ فقال بعض نتن، فقال أتدري مم هذا النتن؟
إنه أصغى بأحد سمعيه إلى أحد الخصمين [أكثر] من الآخر فانفخ فيه فنفخ
فيه فامتلأ القبر نارا فلحق بصر النباش فعمي فإذا كان حال هذا القاضي
فكيف حال من شأنه يتبرطل لأجل الحقوق وعدم إقامة الحدود وغير ذلك
من المفاسد لقد أوقع نفسه هذا المسكين في أشر موقع وليست شئمه يقتصر
عليه بل يتعدى شره إلى غيره. قال الله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين
ظلموا منكم خاصة﴾(١) الآية، اهـ. قاله الشيخ تقي الدين الحصني في بعض
(٢)
کتبه(٢).
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
(٢) قمع النفوس ورقية المأيوس (لوحة ٣٨ و٣٩/ مخ ٦٠٢ برلين).

١٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[٥٣٩٦] وَعَنِ الْبَراء بن عَازِب رَََّّهُ قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله رَّ فِي
جَنَازَة رجل من الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلما يُلْحد بعد فَجَلَسَ رَسُول الله
وَّ وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير وَبِيَدِهِ عود ينكت بِهِ فِي الأَرْض
فَرفع رَأْسِه فَقَالَ تعوذوا بالله من عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا زَادٍ فِي رِوَايَة وَقَالَ
إِنِ الْمَيِّت يسمع خفق نعَالھمْ إِذا ولوا مُدبرین حِین يُقَال لَهُ یَا هَذَا من رَبك وَمَا
دينك وَمن نبيك وَفِي رِوَايَة ويأتيه ملكان فيجلسانه فَيَقُولَانِ لَهُ من رَبك فَيَقُول
رَبِِّي الله فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا دينك فَيَقُول ديني الْإِسْلَام فَيَقُولَانٍ لَهُ مَا هَذَا الرجل
الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول هُوَ رَسُول الله فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا يَدْرِيك فَيَقُول قَرَأْت
كتاب الله وَآمَنت وصدقت زَادٍ فِي رِوَايَة فَذَلِك قَوْله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ﴾(١) فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن
صدق عَبدِي فافرشوه من الْجنَّة وألبسوه من الجنَّة وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى الْجَنَّة
فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَرِه وَإِن الْكَافِر فَذكر مَوته
قَالَ فتعاد روحه فِي جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فَيَقُولَانِ من رَبك فَيَقُول
هاه هاه لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ مَا دينك فَيَقُول هاه هاه لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا
الرجل الَّذِي بعث فِيكُمْ فَيَقُول هاه هاه لَا أَدْرِي فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن قد
كذب فافرشوه من النَّار وألبسوه من النَّار وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى النَّار فیأتیه من
حرها وسمومها ويضيق عَلَيْهِ قَبرِهِ حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعه زَاد فِي رِوَايَةٍ ثُمَّ
يقيض لَهُ أعمى أبكم مَعَه مرزبة من حَدِيد لَو ضرب بهَا جبلا لصار تُرَابا
(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.

١٥٧
كتاب الجنائز وما یتقدمها
فيضربه بِهَا ضَرْبَة يسْمعها من بَيْنِ الْمشرق وَالْمَغْرب إِلَّ الثقلَيْنِ فَيصير تُرَابا
ثُمَّ تُعَاد فِيهِ الرّوحِ رواه أبو داود ورواه أحمد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(١) وَرَوَاهُ أَحْمد (٢)
بِسْنَادِ رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيح أطول من هَذَا وَلَفظه قَالَ خرجنَا مَعَ
رَسُول الله ◌ٍَّ فَذكر مثله إِلَى أَن قَالَ فَرفع رأسه فَقَالَ استعيذوا بالله من عَذَاب
الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ إِن العَبْد الْمُؤْمن إِذا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا
وإقبال من الْآخِرَة نزل إِلَيْهِ مَلَائِكَة من السَّمَاء بيض الْوُجُوه كَأَن وُجُوههم
الشَّمْس مَعَهم كفن من أكفان الجنَّة وحنوط من حنوط الجنَّةُ حَتَّى يجلسوا
مِنْهُ مد الْبَصَرِ وَيَجِيء ملك الْمَوْت ◌َمُ حَتَّى يجلس عِنْدِ رَأْسِه فَيَقُول أيتها
النَّفْسِ الطّيبَة اخْرُچِي إِلَى مغْفرَة من الله ورضوان قَالَ فَتخرِج فتسيل كَمَا
تسيل القطرة من فِي السقاء فيأخذها فَإِذا أخذها لم يدعوها فِي يَده طرفَة عين
حَتَّى يأخذوها فيجعلوها فِي ذَلِك الْكَفَن وَفِي ذَلِك الحنوط وَيخرِجَ مِنْهُ
كأطيب نفحة مسك وجدت على وَجه الأَرْض قَالَ فيصعدون بهَا فَلَا يَمرونَ
(١) سنن أبي داود (٣٢١٢).
(٢) مسند أحمد (١٨٥٣٤). وأخرجه أبو عوانة- كما في إتحاف المهرة (٤٥٩/٢). وأخرجه
الحاكم في المستدرك ٣٧/١-٣٨، واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢١٤٠)، والبيهقي في
إثبات عذاب القبر (٢١) (٤٤)، وفي شعب الإيمان (٣٩٥)، وقال البيهقي في الشعب: هذا
حديث صحيح الإسناد، وقال ابن منده: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء،
وكذلك رواه عدة عن الأعمش، وعن المنهال ابن عمرو، والمنهال بن عمرو: هو
الأسدي، مولاهم، الكوفي، أخرج عنه البخاري ما تفرد به، وزاذان أخرج عنه مسلم، وهو
ثابت على رسم الجماعة.

١٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على ملاء من الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرّوحِ الطّيب فَيَقُولَانِ فَلَان ابْن فلان
بِأَحْسَن أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسمى بهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
فيستفتحون لَهُ فَيفتح لَهُ فيشيعه من كل سَمَاء مقربوها إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا
حَتَّى ينتهى بهَا إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَيَقُول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدِي فِي
عليين وأعيدوه إِلَى الأَرْض فِي جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فَيَقُولَانِ من
رَبك فَيَقُول رَبِّي الله فَيَقُولَانِ مَا دينك فَيَقُول ديني الإِسْلَام فَيَقُولَانِ مَا هَذَا
الرجل الَّذِي بعث فِيكُمْ فَيَقُول هُوَ رَسُول الله فَقُولَانِ مَا يَدْريك فَيَقُول قَرَأْت
كتاب الله وَآمَنت بِهِ وصدقته فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن قد صدق عَبدِي
فأفرشوه من الجنَّة وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى الْجِنَّة قَالَ فيأتيه من روحها وطيبها
ويفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَره قَالَ ويأتيه رجل حسن الْوَجْه حسن الثِّيَّاب طيب
الرّيحِ فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يَسُرك هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد فَيَقُول من أَنْت
فوجهك الْوَجْه الْحسن يَجِيءٍ بِالْخَيرِ فَيَقُول أَنَا عَمَلك الصَّالحِ فَيَقُول رب
أقِمِ السَّاعَة رب أقِمِ السَّاعَة حَتَّى أرجع إِلَى أَهلِي وَمَالِي وَإِنِ العَبْدِ الْكَافِرِ إِذا
كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الآخِرَة نزل إِلَيْهِ مَلَائِكَة سود الْوُجُوه
مَعَهم المسوح فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد الْبَصَر ثمَّ يَجِيء ملك الْمَوْت حَتَّی یجلس
عِنْد رَأْسِه فَيَقُول أيتها النَّفْس الخبيثة اخْرُجِي إِلَى سخط من الله وَغَضب
فَتفرق فِي جسده فينتزعها كَمَا ينتزع السفود من الصُّوف المبلول فيأخذها
فَإِذا أَخذها لم يدعوها فِي يَده طرفَة عين حَتَّى يجعلوها فِي تِلْكَ المسوح
وَتخرج مِنْهَا كأنتن جيفة وجدت على وَجه الأَرْض فيصعدون بهَا فَلَا يَمرونَ

١٥٩
كتاب الجنائز وما يتقدمها
بهَا على ملاء من الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا مَا هَذِه الرّيح الخبيثة فَيَقُولُونَ فَلَان ابْن
فلان بأقبح أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسمى بهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى ينتهى بِهَا إِلَى السَّمَاء
الدُّنْيَا فيستفتح لَهُ فَلَا يفتح لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُول الله ◌َّةِ ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ
السَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾(١) فَيَقُول الله
عز وَجل اكتبوا كِتَابه فِي سِجِّين فِي الأَرْض السُّفْلى ثمَّ تطرح روحه طرحا ثُمَّ
قَرَأَ ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهُوِى بِهِ
الرِّيحُ فِی مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾(٢) فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكانه فيجلسانه
فَيَقُولَانِ لَهُ مِن رَبك فَيَقُول هاه هاه لَا أَدْرِي قَالَ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دينك فَيَقُول هاه
هاه لَا أَدْرِي قَالَ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرجلِ الَّذِي بعث فِيكُمْ فَيَقُول هاه هاه لا
أَدْرِي فينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن كذب فأفرشوه من النَّار وافتحوا لَهُ بَابا إِلَى
النَّار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف فِيهِ أضلاعهد
ويأتيه رجل قَبِيح الْوَجْه قَبِيح الثِّيَابِ منتن الرّيحِ فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يسوؤك
هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد فَيَقُول من أَنْت فوجهك الْوَجْه الْقَبِيح يَجِيء
بِالشَّرِّ فَيَقُول أَنَا عَمَلك الْخَبيث فَيَقُول رب لَا تقم السَّاعَة وَفِي رِوَايَة لَهُ بِمَعْنَاهُ
وَزَاد فيأتيه آتٍ قَبِيحِ الْوَجْه قَبِيحِ الثّاب منتن الرّيح فَيَقُول أبشر بهوان من الله
وَعَذَابِ مُقيم فَيَقُول بشرك الله بِالشَّرِّ من أَنْتِ فَيَقُول أَنَا عَمَلك الْخَبيث كنت
بطيئا عَنِ طَاعَة الله سَرِيعا فِي مَعْصِيَتَه فجزاك الله بشر ثمَّ يقيض لَهُ أعمى أصمّ
(١) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.
(٢) سورة الحج، الآية: ٣١.

١٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أبكم فِي يَده مرزبة لَو ضرب بهَا جبل كَانَ تُرَابا فيضربه ضَرْبَة فَيصير تُرَابا ثمَّ
يُعِيدهُ اللهِ كَمَا كَانَ فيضربه ضَرْبَةٍ أُخْرَى فَيَصِيحِ صَيْحَة يسمعهُ كل شَيْء إِلَّا
الثقلَيْن قَالَ الْبَراء ثمَّ يفتح لَهُ بَاب من النَّار ويمهد لَهُ من فرش النَّارِ قَالَ
الْحَافِظِ هَذَا الحَدِيث حَدِيث حسن رُوَاته مُحْتَج بهم فِي الصَّحِيحِ كَمَا تقدم
وَهُوَ مَشْهُور بالمنهال بن عَمْرو عَن زَاذَان عَنِ الْبَراءِ كَذَا قَالَ أَبُو مُوسَى
الْأَصْبَهَانِيّ رَحمَه الله والمنهال روى لَهُ البُخَارِيّ حَدِيثا وَاحِدًا.
وَقَالَ ابْنِ مِعِينِ الْمِنْهَالِ ثِقَةٍ وَقَالَ أَحْمد الْعجلِيّ كُوفِ ثِقَة وَقَالَ أَحْمد بن
حَنْبَل تَركه شُعْبَةٍ على مُحَمَّد قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِمٍ لِأَنَّهُ سمع من
دَارَه صَوت قِرَاءَة بالتطريب وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل سَمِعت أبي
يَقُول أَبُو بشر أحب إِلَيّ من الْمِنْهَال وزاذان ثِقَة مَشْهُور ألانه بَعضهم وروى لَهُ
مُسلم حديثين فِي صَحِيحِه وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْمِنْهَال بِنَحْوِ رِوَايَة أَحْمد
ثُمَّ قَالَ وَهَذَا حَدِيثٍ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ وَقدْ رَوَاهُ عِيسَى بن المسيب عَن عدي
بن ثَابت عَنِ الْبَرَاء عَنِ النَِّ وَذكرِ فِيهِ اسْم الْمِلكَيْنِ فَقَالَ فِي ذكر الْمُؤمن
فَیرد إِلَی مضجعه فیأتیه مُنكر ونکِیر یثیران الأَرْض بأنیابهما ویلجفان الأَرْض
بشفاههما فيجلسانه ثمَّ يُقَال لَهُ يَا هَذَا من رَبك فَذكره وَقَالَ فِي ذکر الْكَافِرِ
فيأتيه مُنكر وَنَكِير يثيران الأَرْض بأنيابهما ويلجفان الأَرْض بشفاههما
أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيجلسانه ثمَّ يُقَال
يَا هَذَا من رَبك فَيَقُول لَا أَدْرِي فينادى من جانب الْقَبْرِ لَا دَریت ويضربانه
بمرزبة من حَدِيدٍ لَو اجْتمع عَلَيْهَا من بَيْن الْخَافِقِين لم يقلوها يشتعل مِنْهَا قَبره