Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
کتاب الجنائز وما یتقدمها
وقال ابن قيم الجوزية (١): قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بالصلاة في
تلك البقعة عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به
الله فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله
وَالّ أن الصلاة عند القبر منهي عنها فمن أعظم المحرمات وأسباب الشرك
الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها فقد تواترت النصوص
عن النبي وَّ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوئف بالنهي
عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وخرّج
أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة
أطلقت الكراهة والذي ينبغي أن تحمل الكراهة على التحريم إحسانا للظن
بالعلماء وأن لا يظن بهم أنهم يجيزون فعل ما تواتر عن رسول الله وَّله لعن
فاعله والنهي عنه وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه.
قال أبو محمد المقدسي ولو أبيح اتخاذ [إيقاد] السرج عليها لم يلعن من
فعله، ولأن فيه تضييعا للمال من غیر.
فائدة: قال ابن القيم(٢) أن المساجد المبنية على القبور حكم الإسلام فيها
أن تهدم كلها حتى تساوي الأرض وهو أولى بالهدم من مسجد الضرار،
وكذلك القباب التي على القبور ويجب هدمها كلها لأنها أسست على
معصية الرسول وَله لأنه وَ ل قد نهى عن البناء على القبور فالبناء قد أسس
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢١٠).
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٢١٠).

٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على معصيته ومخالفته بناء غير محترم وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب
قطعا. وقد أمر النبي ◌َّل بهدم القبور المشرفة فهدم القباب والمساجد التي
بنيت عليها أولى وأحرى لأنه لعن متخذي المساجد عليها ونهى عن البناء
عليها فتجب المبادرة والمسارعة إلى هدم ما لعن رسول الله گچے فاعله ونهى
عنه وكذلك تجب إزالة كل قنديل أو سرج أسرج على القبور فإن فاعل ذلك
ملعون وقد صرح الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية في [كتابه] إغاثة
اللهفان (١) بأن اتخاذ المساجد على القبور وإيقاد السرج عليها من الكبائر
وعلله بأن كل ما لعنه رسول الله وَل فهو من الكبائر لقوله وَخل لعن الله
زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، اهـ.
٥٣٧٩ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََِّّهُ أَن رَسُول الله وَِّ لعن زوارات الْقَبُور))
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه أَيْضا وَابْنِ حَبَان فِي صَحِيحه كلهم من رِوَايَة عمر
بن أبي سَلمَة وَفِيه كَلَام عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ التِّزْمِذِيّ حَدِیث حسن
(٢)
صَحِيح. (٢)
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ١٩٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٧، ٣٥٦)، والترمذي (١٠٥٦)، وقال أبو عيسى هذا حديث حسن
صحيح وقد رأي بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ◌ّي في الزيارة فلما
رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة
صبرهن وكثرة جزعهن، وأخرجه ابن ماجه (١٥٧٦)، والبيهقي في السنن (٧٨/٤)،
والطيالسي (٢٣٥٨). وله شاهد عن ابن عباس تقدم تخريجه في الحديث السابق،
وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥١٠٩).

٨٣
كتاب الجنائز وما یتقدمها
قوله: ((وعن أبي هريرة)) تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: ((أن رسول الله وَل﴿ لعن زوارات القبور)) الحديث. القبور جمع قبر
والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها ولم يأت في القرآن ذكر المقابر
وزيارتها إلا في قوله تعالى: ﴿أَلْهَدُكُمُ التَّكَافُرُ ﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾﴾(١)
وزيارة القبور من أعظم الدواء للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة
وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها (٢) ولا شيء
أنفع لمداواة القلوب القاسية من زيارة القبور؛ وعلى أصحاب القلوب
القاسية أن يعالجوها بأربعة أشياء:
الأول: الإقلاع عما هم عليه بحضور مجالس الذكر والعلم والوعظ
والتذكير والتخويف والترغيب والترهيب وأخبار الصالحين.
والثاني ذكر الموت [فإنه] هادم اللذات ومفرق الجماعات ومؤتم البنين
والبنات(٣). وروي أن امرأة شكت إلى عائشة قساوة قلبها، فقالت لها: أكثري
من ذكر الموت يرق قلبك (٤).
(١) سورة التكاثر، الآية: ١- ٢.
(٢) التذكرة (ص ١٣٣ -١٣٤)، وتفسير القرطبى (١٧٠/٢٠).
(٣) التذكرة (ص ١٣٣ - ١٣٤)، وتفسير القرطبى (١٧١/٢٠).
(٤) ذكر ابنُ أبي الدُّنْيَا بإسناده، عن منصور بن عبد الرحمن، عن صفية أنَّ امرأة أتت عائشة
لتشكو إليها القسوة. فقالت: أكثري ذكر الموت، يرق قلبك وتقدرين عَلَى حاجتك.
قالت: ففعلت، فآنست من قلبها رشدًا، فجاءت تشكر لعائشة-رضي الله عنها -.
انظر: مجموع رسائل ابن رجب (٢٦٥/١)، والظاهر أن ابن أبي الدنيا روى الأثر المذكور في

٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والثالث مشاهدة المحتضرين(١).
والرابع: زيارة القبور فإنها تبلغ في إزالة القسوة ما لا يبلغه الأول والثاني
والثالث، فإن النبي وَّ قال: ليس الخبر كالمعاينة، رواه عنه ابن عباس ولم
يروه غيره(٢). فإذا تأمل الزائر حال من مضى من إخوانه وكيف انقطع عنهم
=
کتاب ذكر الموت وهو من کتبه المفقودة، ولم أر هذا الأثر في ما جمعه مشهور بن حسن آل
سلمان من نصوص كتاب ذكر الموت لابن أبي الدنيا، والله تعالى أعلم.
(١) التذكرة (ص ١٣٣-١٣٤) وتفسير القرطبى (١٧١/٢٠).
(٢) أخرجه أحمد (٢١٥/١، ٢٧١)، والبزار (٥٠٦٢ و٥١٥٥)، والطبراني في معجمه
الكبير (١٢٤٥١/٥٤/١٢)، وفي معجمه الأوسط (٢٥)، والحاكم (٤١٢/٢) وعنه:
البيهقي في الزهد الكبير (٩٩٣)، وابن حبان (٦٢١٤)، والخطيب (٥٦/٦)، والقضاعي
في مسند الشهاب (١١٨٢ و١١٨٣)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١١١٤ و١١١٥)، وابن
نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (٧٦٦)، وعلي بن عمر الحربي في الفوائد المنتقاة
(٨٦)، وابن عدي في الكامل (١٣٦/٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١ /١٥٩)،
والخطيب في تاريخ بغداد (٥٦/٦)، وفي تلخيص المتشابه (٢٢٥/١)،وابن بشران في
الفوائد (٤٥٧)، وأبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال في الحديث (٥)، والضياء في المختارة
(١٠ / ٧٤/٨١ و٧٥ و٧٦) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، وأورده الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٣ ونسبه لأحمد والبزار والطبراني في الكبير
والأوسط وقال: رجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حبان. وصححه ابن عبد البر في
التمهيد (٤ /٣٣٤)، وكذا السخاوي في المقاصد الحسنة (ص ٥٥٩) وقال: وقد صحح
هذا الحديث ابن حبان والحاكم وغيرهما وقول ابن عدي إن هشيما لم يسمعه من أبي
بشر وإنما سمعه من أبي عوانة عنه فدلسه لا يمنع صحته، وصححه الألباني في صحيح
الجامع (٥٣٧٤).

٨٥
كتاب الجنائز وما یتقدمها
الأهل والأحباب وكيف انقطعت عنهم أموالهم (٥١/ أ) فلم تنفعهم أموالهم
ومحى التراب محاسن وجوههم وترمل من بعدهم نساؤهم وتيتّمت أبناؤهم
وأن حاله ستئول إلى حالهم ومآله كمآلهم أقبل على طاعة الله ورق قلبه
وخشع. قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى
طاعة ربه أن يكثر من ذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات ومؤتم البنين
والبنات ويواظب على مشهدة المحتضر وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه
ثلاثة أمور ينبغي لمن قسى قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين به على [دوائه](١).
وتقدم الكلام على زيارة [النساء القبور] فإن أتت امرأة قبرا لترَمَّهُ أو تدعو
أو تسلم أو تعتبر وقد ماتت [شِرَتها] وانقطعت فتنتها فهي خارجة عن النهي،
وعن فاطمة زَّلَهَا(٢) أنها كانت [تأتي](٣) قبر حمزة في كل عام فترمه
وتصلحه (٤)، وأما مرّمة القبر فلئلا يندرس أثره فينبش عليه لأنه إذا ذهب أثره
(١) التذكرة (ص ١٣٣ -١٣٤)، وتفسير القرطبى (١٧١/٢٠).
(٢) في تفسير القرطبي: (ج ١٠ ص٣٨١)، وفيه: (عن أبي بكر الأثرم قال حدثنا مسدد حدثنا
نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت رسول الله
(صلى الله عليه وآله) تزور قبر حمزة بن عبد المطلب كل جمعة وعلمته بصخرة، ذكره
أبو عمر). وفي مصنف عبد الرزاق الصنعاني: ح ٦٧١٣: (عبد الرزاق عن ابن عيينة عن
جعفر بن محمد عن أبيه قال: كانت فاطمة بنت رسول الله تزور قبر حمزة كل جمعة)،
والحكيم الترمذى في نوادر الأصول (٩٦).
(٣) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.
(٤) نوادر الأصول (١/ ١٤٨).

٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
حفر عليه لميت آخر، ولأن المسلّم على الأموات وزائرها [يخفى] عليه إذا
ذهب رسمه فتبطل الزيارة وهي حق من الحقوق(١)، اهـ.
وينبغي للزائر أن يدنو من القبر بقدر ما كان يدنو من صاحبه في الحياة لو زاره،
وأن يقول الزائر: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم
لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم(٢). زاد القاضي: اللهم رب
الأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل
عليها روحا منك وسلاما مني، الله برِّد عليهم مضاجعهم واغفر لهم(٣)، اهـ.
فقد كان رسول الله وسيلا يخرج إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم
مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون الحديث، اللهم اغفر لأهل
بقيع الغرقد(٤). فقوله إن شاء الله محمول على التبرك وامتثالا لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَأْىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾(٥)، وقيل
بمعنى إن كقوله تعالى: ﴿فَذَكّرُ إِن نَّفَعَتِ اٌلذِّكْرَى ﴾﴾(٦)، وقيل معناه
اللحوق في تلك البقعة(٧).
(١) نوادر الأصول (١ /١٤٩).
(٢) روضة الطالبين (١٣٩/٢).
(٣) كفاية النبيه (١٦٦/٥)، والنجم الوهاج (١١٤/٣).
(٤) مسلم (١٠٢ - ٩٧٤).
(٥) سورة الكهف، الآية: ٢٣-٢٤.
(٦) سورة الأعلى، الآية: ٩.
(٧) النجم الوهاج (١١٤/٣).

٨٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
ويستحب للزائر الإكثار من قراءة القرآن والذكر والدعاء لأهل تلك المقبرة
ولسائر الموتى والمسلمين أجمعين، ويستحب الإكثار من الزيارة وأن يكثر
الوقوف عند قبور أهل الخير والفضل(١) ويقرأ ويدعو لرجاء الإجابة ويكون
الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة (٢). فقد روى البيهقي في شعبه عن
ابن عباس رَوََّا أن النبي وَّ قال: ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث ينتظر
دعوة تلحقه من أب أو أم أو أخ أو صديق فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا
وما فيها وإن الله عز وجل ليدخل على أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال
الجبال وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم(٣).
قال ابن عبد البر(٤): ثبت عن النبي ◌َّلو أنه قال: ما من مسلم يمر بقبر أخيه
أخيه کان یعرفه في الدنیا فسلم عليه إلا رد الله علیه روحه حتی یرد
ويروى هذا من حديث أبي هريرة مرفوعاً (6)، وكان رسول الله وَخاله إذا أتى
(١) الأذكار (ص ٢٨٢).
(٢) روضة الطالبين (١٣٩/٢).
(٣) الشعب (٣٠٠/١٠-٣٠١ رقم ٧٥٢٧).
(٤) انظر: الاستذكار (١٨٥/١)، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (١٢٧/٣).
(٥) أخرجه ابن حبان في المجروحين: ٥٨/٢، وتمام الرازي في فوائده (١٣٩) من حديث أبي
هريرة، كما رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية: ٩١١/٢ وقال: هذا حديث لا يصح.،
وفي تفسير ابن كثير ج٣/ ص٤٣٩ قال: روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة
رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: ((ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا
استأنس به ورد عليه حتى يقوم) وروي عن أبي هريرة رَّالله قال: إذا مر الرجل بقبر يعرفه
فسلم عليه رد غاتآے) وروى ابن أبي الدنيا.

٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المقابر قال: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، الحديث،
وفي آخره: أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم. وكان عليه
الصلاة والسلام يعلمهم مثل هذا أن يقولوه إذا دخلوا المقابر، فهذا نص يدل
على أن الميت يعرف سلام من يسلم عليه ودعاء من دعا له. وقد شرّع النبي
وَلّ لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه
فيقول السلام عليكم الحديث. وهذا خطاب لمن يسمع أو يعقل ولولا ذلك
لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد والسلف مجمعون على
هذا، وقد تواترت الأخبار عنهم بأن الميت يعرف [زيارة] الحي [له]
ويستبشر به (١).
ويروى من حديث عائشة أنها قالت: قال رسول الله وَله: ما من رجل يزور
قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم. (٢)
وحدثنا محمد بن الحسين فذكره إلى أن قال: حدثني رجل من آل
(٥١/ ب) عاصم الجحدري قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد
موته بسنتين فقلت: أليس قد متّ. قال: بلى. قلت: فأين أنت؟ قال: إنا والله
في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة
(١) الروح (ص ٥).
(٢) انظر: أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٧٨)، وعزاه ابن كثير في التفسير
(ج ٣/ ص٤٣٩) لابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله
ژیڼ ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتى يقوم وروي عن أبي
هريرة ◌َّهُ قال إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام.

٨٩
كتاب الجنائز وما یتقدمها
وصبحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلقى أخباركم. قال قلت: أجسادكم أم
أرواحكم. قال: هيهات قد بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح(١). قال:
فقلت: هل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعم نعلم بها عشية الجمعة [ويوم]
الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس. قال: قلت: فکیف ذلك دون
الأيام كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته(٢).
وحدثني محمد بن الحسين إلى أن قال: حدثني الفضل بن الموفق [بن]
خال سفيان بن عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا فكنت آتي
قبره كل يوم ثم إني قصّرت عن ذلك ما شاء الله ثم أتيته يوما فبينا أنا جالس
عند القبر غلبتني عيني فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج وكأنه قاعد في
قبره متوشحا أكفانه علیه شجية الموتی. قال: فکأني بکیت لما رأيته. قال: [یا
بني](٣) ما بطاؤك عني؟ قلت: وإنك لتعلم مجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا
علمتها وقد كنت تأتيني فأسرّ بك ويسر من حولي بدعائك. قال: فكنت آتي
إليه بعد ذلك كثيرًا. (٤)
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسن بن علي العجلي [فذكره](٥) إلى أن
(١) المنامات لابن أبى الدنيا (٥٨)، وأهوال القبور (ص ٧٨).
(٢) الزيادة من أهوال القبور (ص ٧٨).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) انظر: الروح (ص ٦)، وأهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٨٨) تفسير ابن كثير
ج ٣/ ص٤٣٩).
(٥) سقطت هذه اللفظة من النسخة الهندية.

٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال: حدثنا أبو قلابة قال: أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت منزلا فتطهرت
وصليت ركعتين بليل ثم وضعت رأسي على قبر فنمت ثم انتبهت فإذا
صاحب القبر يشتكيني يقول: قد آذيتني منذ الليلة ثم قال: إنكم تعملون ولا
[تعلمون] ونحن نعلم ولا نقدر على العمل ثم قال: الركعتين اللتين ركعتهما
خير من الدنيا وما فيها ثم قال: جزى الله أهل الدنيا خيرا أقرئهم منا السلام
فإنه يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال(١).
وصح عن عمرو بن دينار أنه قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما
يكون في أهله بعده وأنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم. وصح عن
مجاهد أنه قال: إن الرجل ليُبشّر في قبره بصلاح ولده من بعده. (٢)
وروى ابن أبي الدنيا (٣) من طريق أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله
قافلة: أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم.
وروى ابن المبارك(٤) عن أبي أيوب موقوفا وخرجه الطبراني بنحوه عنه
(١) الروح (ص ٨)، وأهوال القبور (ص ٣٧).
(٢) انظر: الروح (ص ٨)، وأهوال القبور (ص ٩٠)، وتفسير ابن كثيرج٣/ ص٤٣٩).
(٣) انظر: أهوال القبور (ص: ٧٧).
(٤) الزهد والرقائق (١٤٩/١) ٤٤٣)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في المنامات (٣) وصححه
الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٥٨)، وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (١٢٩/٤
/ ٣٨٨٧) الطبراني في معجمه الأوسط (١٤٨)، وفي مسند الشاميين (١٥٤٤) قال الهيثمي
في مجمع الزوائد- (ج ٢ / ص ٣٢٧): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه مسلمة بن
علي وهو ضعيف. وله طريق آخر: الطبراني في معجمه الكبير (٣٨٨٩/١٣٠/٤) حدثنا
=

٩١
كتاب الجنائز وما يتقدمها
مرفوعا قال: تُعرض أعمال الأحياء على الموتى فإذا رأوا حسنًا فرحوا
واستبشروا وإذا رأوا شرًّا قالوا: اللهم راجع به.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق عثمان بن عبد الله بن أوس أنه قال لسعيد
بن جبير: هل يأتي الأموات أخبار الأحياء؟ قال: نعم، ما من أحد له حميم إلا
ويأتيه أخبار أقاربه فإن كان خيرًا سُرَّ به وإن كان شرا أحزنه(١).
وأخرج البخاري في تاريخه من حديث النعمان بن بشير رفعه في أثناء
حديث قال: الله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض
علیهم(٢)، قاله صاحب كتاب الروح (٢).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور (٤) له من طريق يحيى بن عبد الرحمن
بن أبي لبيبة عن أبيه عن جدّه قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت
عليه أمّه وجدا شديدا فقالت: يا رسول الله لا يزال يموت ميت في بني سلمة
=
عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي ثنا محمد بن إسماعيل بن
عياش ثنا أبي ثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال كان عبد الرحمن بن سلامة
يحدث أن أبا رهم حدثهم أن أبا أيوب حدثهم ... فذكره مختصرا. وذكره الألباني في
الضعيفة- (٨٦٤) وقال: ضعيف جدا ..
(١) الزهد (٤٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٨/٩)، وابن أبى الدنيا (١)، والدولابى في الكنى
(٥١٩)، والحاكم (٣٠٧/٤). وصححه الحاكم وتعقبه الذهبى فقال: فيه مجهولان.
وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٤٣).
(٣) الروح (ص٦).
(٤) أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور (ص: ٧٨).

٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فهل تتعارف الموتى فأحمل إلى بشر سلام؟ قال: نعم يا أم بشر إنهم
ليتعارفون كما تتعارف الطير فكانت إذا احتضر أحد من بني سلمة جاءت إليه
فقالت: أقرأ بشرا السلام.
وروى الطبراني (١) من وجه آخر أن أم مبشر وهي هذه جاءت إلى كعب بن
مالك عند موته فقالت: أقرأ مبشرا السلام وهو شاهد قوي لحديث [ابن]
لبيبة. وقال سفيان بن عيينة في جامعه: حدثنا عمرو بن دينار عن عبيد بن عمیر
قال: إن أهل القبور يتوكفون الأخبار، أي يتوقعونها، فإذا أتاهم الميت قالوا: ما
فعل فلان، فيقول صالح. فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يأتكم؟
فيقولون: لا. فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون سُلك به غير طريقنا، وهذا
موقوف على عبيد (٥٢/ أ) ابن عمير أحد كبار التابعين والإسناد صحيح إليه
ومثله لا يقال من قبل الرأي فهو من قبيل المرسل وقد أخرج النسائي من
حديث أبي هريرة نحوه مرفوعا وفي آخره فيقول ذهب به إلى أمه الهاوية.(٢)
وروى الطبراني في المعجم الكبير (٣) من حديث أبي أيوب مرفوعا أن نفس
المؤمن إذا قُبضت تلقاها أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في الدنيا
فیقولون انظروا صاحبكم حتی یستریح فإنه كان في کرب شديد ثم يسألون
(١) المعجم الكبير للطبراني (١١٩/٦٣/١٩).
(٢) رواه النسائي (٨/٤)، وابن حبان (٣٠١٤)، والحاكم (٥٠٤/١). وقال: سنده صحيح،
وقال العراقي في تخريج الإحياء (٢١٢/٥): إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح
سنن النسائي ..
(٣) المعجم الكبير للطبراني (١٣٠/٤) ٣٨٨٩.

٩٣
كتاب الجنائز وما يتقدمها
ماذا فعل فلان وماذا فعلت فلانة هل تزوجت؟ فإذا سألوه عن الرجل مات
قبله قال: هيهات قد مات قبلي، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به
إلى أمه الهاوية، ففي هذه الأخبار أن أرواح الموتى تتلاقى وتتحادث، وأما
كون حالهم في ذلك شبيها بحال الدنيا فلا يظن ذلك من له اطلاع على أن
حال البرزخ مغاير لحال الدنيا فلا يلزم من استواء الطائفتين في الإدراك أن
يستوي إدراكهما والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر (١).
تنبيه: قوله في الحديث الذي ذكره ابن عبد البر: [أنه (وَلَو] قال: ما من
مسلم يمر بقبر أخيه کان یعرفه في الدنیا فسلم عليه إلا ردّ الله علیه روحه حتى
يرد ◌َ لَّهُ﴾. أما معرفة الميت بمن يزوره وسماع كلامه فهو متفرع عن مسألة
مشهورة وهي أين مستقر الأرواح بعد الموت؟ فجمهور أهل الحديث على
أن الأرواح على أفنية قبورها، نقله ابن عبد البر وغيره، والأفنية جمع فناء
بكسر الفاء والمد وهو ما بين أيدي المنازل والدور [وفي تفسير](٢) وهو
حريم الدار ونحوها وما كان في جوانبها وقريبا منها فإن الأرواح مأذون لها في
التصرف ونوزع في إطلاق ذلك فإن أرواح الشهداء قد ورد فيها أخبار
ظاهرها بخلاف ذلك ولا شك أن الأنبياء أعظم قدرا من الشهداء فلا شك أن
لأرواحهم من الفضيلة فوق ما للشهداء، وأما سائر الناس فمؤمن وكفر فروح
الكافر في غم وضيق وحبس وكرب وتعذيب وروح المؤمن إما في غم [إن]
(١) الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع (ص: ٨٨).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كان عاصيا لكنه دون غمّ الكافر، وإما في بشر وسرور إذا كان مطيعًا، والذي
تقتضيه ظواهر الأحاديث الصحيحة أن أرواح المؤمنين في عليين وأرواح
الكفار في سجين ولكن لكل منهما اتصال بجسدها وذلك الاتصال إما
معنوي لا يشبه الاتصال الذي بالحياة الدنيا وأقرب ما يشبه به النوم فإن روح
النائم قد فارقت جسدها لكن ليس فراقا كليا لكن بقي لها به اتصال ما وبه
يقع إدراك بدن المؤمن [للتنعيم] وإدراك بدن الكفار للتعذيب لأن التنعيم
يقع لروح هذا والعذاب يقع لروح هذا ويدرك ذلك البدن على ما هو
المذهب المرجح عند أهل السنة وهو أن النعيم والعذاب يقع على الروح أو
على الجسد والجواب أنه عليهما معا لكن حقيقته على الروح [ويألم]
الجسد مع ذلك وينعم لكن لا يظهر أثر ذلك لمن يشاهد من أهل الدنيا،
ولهذا لو نبش عن الميت لوجد كهيئته يوم وضع، اهـ. قاله الحافظ العسقلاني
الشهير بابن حجر(١)، والله أعلم.
٥٣٨٠ - وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي ◌ََِّّا قَالَ قبرنا مَعَ رَسُول الله
وَّهِ يَعْنِي مَيْتًا فَلَمَّا فَرِغْنَا انْصَرِف رَسُول اللهِ وَهِ وانصرفنا مَعَه فَلَمَّا حَاذَى
رَسُول اللهِوَّ بَابِه وقف فَإِذا نَحن بِامْرَأَةٌ مقبلة قَالَ أَظُنْهُ عرفهَا فَلَمَّا ذهبت إِذا
هِيَ فَاطِمَة ◌َوَتَهَا فَقَالَ لَهَا رَسُول الله ◌َّهِ مَا أخرجك يَا فَاطِمَة من بَيْتك قَالَت
أتيت يَا رَسُول الله أهل هَذَا الْمَيِّت فرحمت إِلَيْهِم ميتهم أَو عزيتهم بِهِ فَقَالَ
رَسُولِ اللهِ وَيَّ لَعَلَّك بلغت مَعَهم الكدا فَقَالَت معاذ الله وَقد سَمِعتك تذكر
(١) فتاوى ابن حجر في العقيدة (ص ٢٠ - ٢٣).

٩٥
كتاب الجنائز وما يتقدمها
فِيهَا مَا تذكر قَالَ لَو بلغت مَعَهم الكدا فَذكر تشديدا فِي ذَلِك قَالَ فَسَأَلَت
ربيعَة بن سيف عَن الكدا فَقَالَ الْقُبُورِ فِيمَا أَحسب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد(١)
وَالنَّسَائِيّ(٢) بِنَحْوِهِ إِلَّا أَنْه قَالَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ لَو بلغتهَا مَعَهم مَا رَأَيْت الْجِنَّة
حَتَّى يَرَاهَا جد أَبِك وَرَبِيعَة هَذَا من تَابِعِيّ أهل مصر فِيهِ مقَال لَا يقْدَح فِي
حسن الإِسْنَاد.
الكدا بِضَم الْكَاف وبالدال الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ الْمَقَابِرِ.
قوله: ((وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي)) تقدم الكلام على مناقبه.
قوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة زَقْالتها: ((لعلك بلغت معهم الكدى؟
قالت: معاذ الله، وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر)) الحديث. قال الحافظ:
الكدى بضم الكاف وبالدال المهملة مقصور هو المقابر.
وقال في النهاية(٣): أراد المقابر وذلك لأنها كانت مقابرهم في مواضع
(١) سنن أبي داود (٣١٢٣).
(٢) سنن النسائي (٢٧/٤)، وقال: ((ربيعة ضعيف)). وقال الحاكم: صحيح على شرط
الشيخين، وأخرجه أحمد (١٦٨/٢ - ١٦٩) وابن عبد الحكم في فتوح مصر (ص ١٧٠)
وأبو داود (٣١٢٣) والبزار (٢٤٤٠) والنسائي (٢٣/٤) وفي الكبرى (٢٠٠٧) وأبو يعلى
(٦٧٤٦) والطحاوي في المشكل (٢٧٨) والحكيم الترمذي في المنهيات (ص ٨٥ - ٨٦)
وابن حبان (٣١٧٧) والطبراني في الكبير (١٣/ حديث رقم ٤٥ و٤٦) والحاكم (٣٧٣/١
و٣٧٤) والبيهقي (٦٠/٤ و٧٧ - ٧٨) وفي الدلائل (١٩٢/١) والضياء المقدسي في
حديث أبي عبد الرحمن المقرئ (٢٠) والمزي في التهذيب (١١٤/٩-١١٥)، وقال
الألباني: ضعيف. ضعيف أبي داود (٦٨٤).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (١٥٦/٤).

٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صلبة والكدى هي جمع كدية وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما
تحفر في المواضع الصلبة من الأرض لئلا تنهار. [قولها: ((قالت معاذ الله)) أي
عياذة بالله أن يكون ذلك قولها وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر وهو [يدل]
على عذر لجاهل [بهذا] وموآخذة [اللوم](١) و[هذا] في جاهل قريب العهد
أما من نشأ بين المسلمين ولم يسأل عن أمر دينه فغير معذور.
قوله: (٥٢/ ب) ((لعلك بلغتِ معهم الكُدى؟)) تعظيم لأمر اتباع المرأة
الجنازة [وفعل] هذا حين كان [محرما] ولهذا لعن زوارات القبور ثم نسخ،
ولا شك أن هذا يختلف باختلاف [أحوال] المرأة. وأما من حيث الفتنة
فيحرم عليها ولذلك المتزوجة يحرم عليها الخروج بإذن زوجها إلا للتعزية
القريبة التي لا تضر] (٢). [ويروى الكرى بالراء وهي المقابر أيضا جمع كرية
أو كروة من كريت الأرض وكروتها إذا حفرتها كالحفرة من حفرت [انتهى]،
وكذا ذكره السهيلي الكرى بالراء في الروض الأنف(٣)] (٤).
[قوله: ((لو بلغت)) يدل على جواز فرض المسائل وبيان ما عليها على
(١) هكذا في النسخة الهندية، وفي الأصل: (العالم)، وهو أقرب للصواب.
(٢) وقع تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (المعزى أو المعزى غائبا
وتقدم الكلام على التعزية مبسوطا في بابه).
(٣) الروض الأنف (٢٩/٤).
(٤) وقع تقديم لهذين السطرين في النسخة الهندية، وأدرجا بعد قوله قبل هذا الموضع: (هي
جمع كرية وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة من
الأرض لئلا تنهار).

٩٧
كتاب الجنائز وما يتقدمها
الفرض والتقدير لمصلحة إما تخويف الغير أو تعظيم التحذير](١).
[قوله: «فذكر (٢) عن الأمور التي تتعلق بالأكابر على سبيل التعظيم
وتصريحه في الرواية الأخرى دليل على جواز ذلك لمصلحة](٣).
قوله: ((فلما حاذى رسول الله وَال - بابه)» المحاذاة المقابلة.
قوله: ((فإذا نحن بامرأة مقبلة، قال أظنه عرفها فلما ذهبت إذا فاطمة))
[وتقدم الكلام عليها،] ففيه جواز تأمل المرأة ليعرف هل هي قريبته أم غيرها
ومشي المرأة قريبا بحيث يعرفها الرجال والإنكار على المرأة خروجها من
البيت لغير حاجة أو لجنازة ونحوها.
قوله: ((ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا
الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به))، فيه استحباب التعزية والدعاء
للميت بالرحمة وهو معنى فرحمت إليهم ميتهم وهي مستحبة من أهل البيت
قبل الدفن وبعده. [وقال أبو حنيفة: لا تستحب بعده. قال أصحابنا: وهي
تمتد إلى ثلاثة أيام ثم تحرم لما فيها من إيلام القلب وتجديد الحزن بذكر
الميت لأهله إلا أن يكون المعزى أو المعزى غائبا وتقدم الكلام على التعزية
مبسوطا في بابه] (٤).
(١) وقع تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (ولذلك المتزوجة يحرم
عليها الخروج بإذن زوجها إلا للتعزية القريبة التي لا تضر).
(٢) بياض في المخطوط
(٣) وقع تأخير لهذه الجملة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: ().
(٤) سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.

٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله روسيا في رواية النسائي: لو بلغتها معهم [] يعني القبور [ ] ما رأيت
الجنة حتى يراها جد أبيك، الحديث [يدل على جواز فرض المسائل وبيان
ما عليها على الفرض والتقدير لمصلحة إما تخويف الغير أو تعظيم
التحذير](١). قال قتيبة: الكدى القبور ونراه أنه في بدء الأمر ولا نعلم ذلك
يحرم الجنة لكن معناه أن من فعل ذلك كان يخاف عليه أن يسلبه الله عز
وجل الإسلام فلم ير الجنة أبدا، وأعظم نعمة الله تعالى على عبده الإسلام
والإسلام منار كمنار الطريق فإذا عمل عملا يكون فيه إحياء سنن الجاهلية
التي [أطفأها] الله تعالى بسيف رسول الله وَّر فقد كفر منة الإسلام والكفور
ممقوت غير مأمون عليه السلب فغلظ رسول الله وَله الزجر لتموت تلك
السنن كذا في نوادر الأصول(٢)، قاله في شرح مشارق الأنوار.
وقال السهيلي(٣) في قوله: ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ولم يقل
جدك يعني أباه فيه تقوية للحديث الضعيف إن الله تعالى أحيا أمّه وأباه وآمنا
به، والله أعلم. ويحتمل أن يكون أراد تخويفها بقوله: حتى يدخلها جد أبيك
صلى الله
فيتوهم أنه الجد الكفار ومن جدوده وَّ إبراهيم وإسماعيل لأن قوله
وسام
حق وبلوغها معهم الكدى لا [يوجب] خلودا في النار فهذا من لطيف الكناية
فافهمه، والله أعلم. ذكره السهيلي في الروض الأنف على سيرة ابن هشام (٤).
(١) سقطت هذه الجملة من النسخة الهندية.
(٢) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (١ / ١٢٦).
(٣) الروض الأنف (٣٠/٤).
(٤) الروض الأنف (٤ /٣٠).

٩٩
كتاب الجنائزوما يتقدمها
وقال في شرح الإلمام في قوله: ما رأيت الجنة، محمول على عدم رؤيتها
مع أول الرائين [فإنه] يرده حتى يراها جد أبيك لأنه لا يراها أبدا فإن عبد
المطلب مات قبل البعثة فيحمل على المبالغة والتحذير وهذا بناء على صحة
الحديث وربما تعلق بهذا من قال أن والديه أحياهما الله له حتى أسلما كما
ورد في حديث ضعيف جدا لأنه لم يذكر أباه. وجوابه [إن صح هذا] مفهوم
لقب وليس بحجة خلافا للدقاق وفي البخاري (١) أنه ◌َليّاً) دعا الذي سأله عن
أبيه فأخبره أنه في النار، وقال له إن أبي وأباك في النار، ولهذا لم يُؤذن له في
استغفاره لأمه وعلى هذا إنما ذكر الأب لشهرته وعظمته عندهم، اهـ.
تنبيه: قول السهيلي: إن الله أحيا أباه وأمه وآمنا به أنه حديث ضعيف ولقد
استُفتي شيخ الإسلام العسقلاني الشهير بابن حجر عنه فقال: [أنه حديث مرفوع
والله تعالى أعلم].
[قوله] سألت ربيعة بن سيف عن الكدى، قال الحافظ وربيعة هذا من تابعي
أهل مصر وفيه مقال لا يقدح في حسن الإسلام، اهـ. وربيعة بن سيف المعافري
الاسكندري روی عن عبد الله بن عمرو ولا يعرف [ربيع] سماعا من ابن عمرو
[وقال] ابن عساكر قال ابن يونس توفي قريبا من سنة عشرين ومائة وليس له في أبي
داود والنسائي سوى هذا الحديث وله في الترمذي حديث واحد وهو ما من مسلم
يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر وهو منقطع (٥٣/ أ) إنه حديث موضوع
والله أعلم](٢).
(١) لعله وهم، والحديث في صحيح مسلم (٣٤٧) (٢٠٣).
(٢) أدرجت هذه الفقرة في النسخة الهندية في حاشية الصحيفة السابقة.

١٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٥٣٨١ - وَرُوِيَ عَن عَلَيّ رَّانَّهُ قَالَ: خرج رَسُول الله ◌َّهِ فَإِذا نسْوَة جُلُوس
قَالَ مَا يجلسكن قُلْنَ نَنْتَظِرِ الْجِنَازَة قَالَ هَل تغسلن قُلْنَ لَا قَالَ هَل تحملن
قُلْنَ لَا قَالَ هَل تدلين فِيمَن يُدْلِي قُلْنَ لَا قَالَ فارجعن مَأْزُورَات غير مَأْجُورَات
رَوَاهُ ابْن مَاجَه(١) وَرَوَاهُ أَبُو يعلى (٢) من حَدِيث أنس.
قوله: ((وروي عن علي)) تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله في كتاب النكاح.
قوله: ((خرج رسول الله وير فإذا نسوة جلوس قال: ما يجلسكن؟ قلن:
ننتظر الجنازة)) الحديث. قوله: ((ارجعن مأزورات غير مأجورات)) أي غير
آثمات وقياسه [موزورات] يقال: وزر فهو موزور وإنما قال: مأزورات
للازدواج بمأجورات (٣).
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧٧/٤)، وابن الجوزي في العلل
المتناهية (٢/ ٤٢٠) وقال البوصيري (٤٤/٢): هذا إسناد مختلف فيه من أجل دينار
وإسماعيل بن سليمان.، وقال الذهبي: ضعيف، وانظر العلل المتناهية (٢/ ٩٠٢) حيث
قال في طريق علي: جيد الإسناد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩/٣)، وعزاه لأبي يعلى
وقال: فيه الحارث بن زياد وهو ضعيف. وأورده البوصير في الإتحاف وعزاه لأبي يعلى وقال:
سنده ضعيف لجهالة التابعي. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٧٧٣) والأحاديث الضعيفة
(٢٧٤٢). ضعيف الترغيب والترهيب (٤٠٥/٢).
(٢) وأبو يعلى في المسند (٤٠٥٦) عن أنس إتحاف الخيرة المهرة (٤٨٤/٢) رواه أبو يعلى
بسند ضعيف لجهالة التابعي. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رواه ابن ماجه
بإسناد حسن.
(٣) النهاية (١٧٩/٥-١٨٠).