Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
صحيحه(١) عن أنس أن عمر دخل على النبي وَلّ فذكر نحوه.
[المشربة] بفتح الميم، والراء وبضم الراء أيضا: هي الغرفة. [وشيكة
الانقطاع]: أي سريعة الانقطاع.
قوله: ((وعنه)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((بقبضة من الشعير نحو
الصاع)) الحديث. الصاع مكيال معروف، والقرظ هو ثمرة السُّنط وهي قرون
فيها حب، والقرظ هو الذي يدبغ به الجلد، قوله: ((وإذا إهاب معلّق))،
الإهاب هو الجلد المدبوغ. وقيل كذا قوله: ((فابتدرت عيناي بالدموع)) أي
سالتا بالدموع، يقال ابتدر كذا قوله في رواية الحاكم: قال عمر استأذنت على
رسول الله محمّ، فدخلت عليه في مشربة الحديث، المشربة بفتح الميم والراء
وبضم الراء أيضا هي الغرفة. قاله الحافظ. وقال الجوهري في الصحاح (٢)
وصاحب المحكم(٣) والنهاية (٤) والخليل(٥): المشربة في بفتح الميم وإسكان
الشين المعجمة وضم الراء [أيضا هي] الغرفة، [قاله] الحافظ، [وقال
الجوهري في الصحاح وصاحب المحكم والنهاية والخليل: المشربة بفتح
الميم وإسكان الشين المعجمة وضم الراء وفتحها الغرفة، كما ذكر الحافظ]،
(١) صحيح ابن حبان (٤١٨٨).
(٢) الصحاح تاج اللغة (١/ ١٥٣).
(٣) المحكم والمحيط الأعظم (٥٥/٨).
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر (٤٥٥/٢).
(٥) العين (٢٥٧/٦).

٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[وأما بالفتح فهي الموضع الذي يشرب فيه كالمشرعة(١)، قاله صاحب
الإلمام، والغرفة العلية بضم العين وكسرها والجمع العلالي، قاله في
النهاية (٢)](٣).
وقال بعض العلماء: المشرفة الغرفة المرتفعة عن الأرض وفيها خزانة
المتاع. وقال في المشارق كالغرفة يخزن فيها الطعام وغيره. وقال الطبراني
كالخزانة فيها الطعام والشراب وبه سميت مشربة والخزانة بكسر الخاء
المعجمة واحدة الخزائن وهي اسم [للموضع] الذي يخزن فيه الشيء، اهـ.
وشبه بالمشربة ضروع المواشي لأنها تخزن اللبن لأربابها، والضروع جمع
الضرع. قال الخطابي رحم الله تعالى(٤): المشربة شبه الغرفة، وفيه إثبات
القياس وهو ردّ الشيء إلى نظيره لأنه شبَّه حفظ اللبن في الضرع بحفظ المتاع
في المشربة، أما المشربة بمعنى الموضع الذي وهي المشرعة فهي بفتح
[الراء فقط، والمشربة بكسر الميم وفتح الراء فهو إناء يشرب فيه، انتهى.
قوله رضي الله تعالى عنه في رواية الحاكم: ( ... ))، الخصفة بفتح] الخاء
والصاد الخصف خلال التمر وهي أوعية من الخوص يدخر فيها وهي
بمعنى الحصير، والله أعلم. قوله في الحديث: ((وتحت رأسه وسادة)) الوسادة
(١) النهاية (٤٥٥/٢).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٩٥/٣).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (١ / ٣٦٢)، معالم السنن (٢٦٥/٢).

٦٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
[المخدة]. قوله: ((محشوة ليفا)) وليف المقل هو الذي يخرج في أصول
سعف النخل لأول خروجه [تحشى] بها الوسائد في الفرش ويفتل منها
الحبال، اهـ. قاله عياض(١).
قوله: ((وإن فوق رأسه لإهاب عطن)) الحديث، المعطون المنتن المتمزق
الشعر، وفي بعض النسخ وإن فوق رأسه لإهاب شن. قال أهل اللغة(٢): الشن
بفتح المعجمة هو وعاء الماء إذا كان من أدم فأخلق فالشن القربة اليابسة
التي قربت للبلى أي الخلق.
وفي رواية أخرى: شن معلقة [بالتأنيث] فتأول بالقربة، وجمعه شنان
فالشنان الأسقية الخلقة، واحدها شن وشنة، وفي المثل لأتقعقع بالشن
بكسرها وهو أشدّ [تبريدا] للماء من الجرد، ومنه الحديث في قيام الليل فقام
إلى شن معلقة أي قربة وفي حديث [١٩٨/ أ] آخر هل عندكم ماء بات في
شنة. فإن قلت: في الحديث: فتوضأ من شن معلقة وضوءا خفيفا بتذكير
وصف الشن فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الشن يذكر باعتبار لفظه وباعتبار
[الأدمي] والجلد ويؤنث باعتبار القربة، قاله ابن الأثير(٣) والكرماني(٤)،
وتقدم الكلام على الإهاب وعلى كسرى وقيصر وعلى الديباج.
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٣٦٩/١).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢٥/٣)، (٨١/٧).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥٠٦).
(٤) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ١٧٦).

٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((فقال أولئك: عجلت لهم طيباتهم))، وفي حديث آخر: في الحياة
الدنيا، الحديث. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى (١): هذا مما يحتج به من
يفضل الفقير على الغني لما في مفهومه أن بمقدار ما يتعجل من طيبات الدنيا
يفوته من الآخرة فما كان مدخرا له لو لم يتعجله قال: وقد يتأوله الآخرون بأن
المراد أن حظ الكفار هو ما نالوه من نعيم الدنيا ولا حظ لهم في الآخرة. قاله
الكرماني (٢). قوله: ((وهي وشيكة الانقطاع)) أي سريعة الانقطاع، قاله الحافظ.
٤٩٧٦ - وعن عائشة رَلَّهَا قالت: كان لرسول الله وَله سرير مزمل بالبردي
عليه كساء أسود قد حشوناه بالبردي، فدخل أبو بكر وعمر عليه، فإذا النبي
وَّنائم عليه، فلما رآهما استوى جالسا فنظرا فإذا أثر السرير في جنب رسول
الله ◌َليّ فقال أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما: يا رسول الله ما يؤذيك خشونة
ما نرى من فراشك وسريرك، وهذا كسرى وقيصر على فراش الحرير
والديباج؟ فقال ◌َليّ: لا تقولا هذا، فإن فراش كسرى وقيصر في النار، وإن
فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنة. رواه ابن حبان في صحيحه(٣) من رواية
(١) شرح النووي على مسلم (١٠/ ٩٢).
(٢) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (١٤٠/١١).
(٣) صحيح ابن حبان (٧٠٤) والحديث؛ أخرجه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٨١)، والطبراني،
في المعجم الأوسط (٦٢٢٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٢٧/١٠): رواه الطبراني في
الأوسط، وفيه عبد العزيز بن يحيى المدني نزيل نيسابور، وهو كذاب. وقال الألباني في
ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ٢١١) منكر، والتعليق الرغيب
(٤ / ١١٤)؛ وهو في الصحيحين عن عمر باختصار.

٦٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الماضي بن محمد.
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على ترجمتها. قوله: ((كان لرسول الله
(وَله سرير مرمل بالبردى)) المرمل بضم الميم الأولى وفتح الثانية وسكون
الراء بينهما، ويقال مرمول ومرمل بفتح الراء والتشديد، والمرمل هو ما
ينسج من سعف النخل ونحوه بالحبال ويشدّ بشريط ونحوه ليضطجع عليه،
والمراد أن السرير كان قد نسخ بأغصان النخيل ولم يكن على السرير وطاء،
كذا في النهاية(١). والبردى هو بالضم نوع من جيد التمر.
٤٩٧٧ - وعنها رَّهَا قالت: إنما كان فراش رسول الله وَطية الذي ينام عليه
أدما حشوه ليف(٢).
٤٩٧٨- وفي رواية: كان وساد رسول الله وَليل الذي يتكئ عليه من أدم
حشوه ليف. رواه البخاري(٣) ومسلم(٤) وغيرهما.
٤٩٧٩ - وعنها رَظَرِّهَا قالت: دخلت على امرأة من الأنصار، فرأت فراش
رسول الله مَّي قطيفة مثنية، فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف، فدخل علي
رسول الله وَله فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: قلت يا رسول الله: فلانة
الأنصارية دخلت فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلى بهذا، فقال: ردیه یا
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٦٥/٢).
(٢) صحيح مسلم (٣٨) (٢٠٨٢).
(٣) صحيح البخاري (٦٤٥٦).
(٤) صحيح مسلم (٣٧) (٢٠٨٢).

٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عائشة. فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة. رواه البيهقي (١)
من رواية عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد.
٤٩٨٠- ورواه أبو الشيخ في الثواب عن ابن فضيل عن مجالد عن يحيى
بن عباد عن امرأة من قومهم لم يسمها قالت: دخلت على عائشة
،
فمسست فراش رسول الله وَّي، فإذا هو خشن، وإذا داخله بردي أو ليف،
فقلت: يا أم المؤمنين إن عندي فراشا أحسن من هذا وألين. فذكره أطول
منه(٢).
قوله: ((وعنها)) رَقَالَتَهَا، تقدم الكلام عليها. قولها: ((إنما كان فراش رسول الله
وَ ◌ّر الذي ينام عليها أدما حشوه ليف)) والأدم هو الجلد، في هذا ما كان النبي وَخلال
عليه من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها وشهواتها [وفاخر
لباسها] ونحوه، [والاجتزاء] بما تحصل به أدنى [التجزئة] في ذلك كله وفيه
(١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٣٤٥/١) وفي الشعب (١٣٩٥)، وأخرجه ابن سعد
(٤٦٥/١) وأحمد في الزهد (ص ٢٠) والحسن بن عرفة في جزئه (٢٠)، وحماد بن
إسحاق في تركة النبي (ص ٧٢) والقفال في شمائل النبوة (٣٦٠)، والخطيب في التاريخ
(١٠٢/١١) والبغوي في الشمائل (٤٢٩)، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري في المشيخة
الكبرى (٤٧٧) والذهبي في سير الأعلام (٢٦٣/٨) وفي تذكرة الحفاظ (٢٦١/١)، وقال
الذهبي في سير الأعلام (٢٨٧/٦) في ترجمة مجالد: من أنكر ما له في جزء ابن عرفة
حديثه عن عامر عن مسروق عن عائشة مرفوعًا: فذكر الحديثوقال في التذكرة: غريب
جداً، ومجالد ليس بحجة وعده من أشد منكراته (الميزان ٤٣٨/٣)، وقال الألباني في
السلسلة الصحيحة (٢٤٨٤)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٧): حسن.
(٢) أبو الشيخ في أخلاق النبي (ص ١٥٦).

٦٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الندب للاقتداء به وَ له في هذا وغيره، وفي هذا الحديث أن فراش النبي وَحو الذي
كان ينام عليه من أدم حشوه ليف، وفي رواية وسادة بدل فراش، وفي نسخة
وساد، وفيه جواز اتخاذ الفرش والوسائد والنوم عليها للارتفاق بها وجواز
الحشو وجواز اتخاذ [ذلك] من الجلود وهي الأدم، اهـ قاله في الديباجة.
قوله: ((وعنها أيضا)) تقدم الكلام عليها. قوله: ((قطيفة))، القطيفة كساء
أبیض کبیر.
٤٩٨١- وعن أنس زَو ◌ّه قال: لبس رسول الله وَّة: الصوف واحتذى
المخصوف، وقال: أكل رسول الله وَله بشعا ولبس حلسا خشنا. قيل
للحسن: ما البشع؟ قال: غليظ الشعير، ما كان النبي ◌َّ يسيغه إلا بجرعة من
ماء. رواه ابن ماجه(١) والحاكم(٢) كلاهما من رواية يوسف بن أبي كثير وهو
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٣٤٨ و٣٥٥٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٢٩/٤-٣٠): هذا إسناد
ضعيف، نوح بن ذكوان متفق علی ضعفه.
قال الحاكم أبو عبد الله: يروى عن الحسن على معضلة. أخرجه ابن حبان في المجروحين
(٤٧/٣)، وأبو الشيخ في أخلاق النبي وَّ (ص ١٢٢)، وأخرجه ابن عدي في الكامل
(٢٩٩/٨) في ترجمة نوح بن ذكوان، وقال: وهذه الأحاديث، عن الحسن، عن أنس،
ليست بمحفوظة.
وقال الدارقطني: غریب من حدیث الحسن، عن أنس، تفرد به نوح، ولم يروه عنه غير
يوسف بن أبي كثير، وتفرد به بقية بن الوليد، عنه. أطراف الغرائب والأفراد (٧٨٥).
(٢) المستدرك (٣٢٦/٤)، وقال: صحيح. ورده الذهبي: قلت لم يصح، فيه نوح بن ذَكْوان،
واه، ويوسف بن أبي كثير مجهول. وضعفه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه
(٣٤٨/٧)، والتعليق الرغيب (٣ /١٠٨)، وضعيف الترغيب والترهيب (١٢٦٢).

٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
مجهول، عن نوح بن ذكوان، وهو واه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعنده
خشنا موضع بشعا.
قوله: ((وعن أنس)) تقدم الكلام على مناقبه. قوله: ((لبس رسول الله
ماالله
وسام
الصوف واحتذى المخصوف)) الحديث، احتذى يحتذي إذا انتعل
والمخصوف المخروز، والمعنى أنه كان يخرزها من الخصف وهو خرزها
طاقة على أخرى، وأصل الخصف [هو] الضم والجمع. قوله: ((وأكل رسول
الله ◌َيءٍ بشعا ولبس حلسا خشنا)) الحلس الكساء الذي يجعل البعير، وتقدم
الكلام عليه في اللباس.
٤٩٨٢- وعن عائشة ◌َّالَّهَا قالت: خرج رسول الله وَّ ذات غداة، وعليه
مرط مرحل من شعر أسود. رواه مسلم(١) وأبو داود(٢) والترمذي(٣)، ولم
يقل: مرحل.
[المرط] بکسر الميم وإسکان الراء: هو کساء من صوف أو خز یؤتزر به.
(١) أخرجه مسلم (٢٤٢٤/ ٦١)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٢١٠٢)، وإسحاق بن
راهويه (١٢٧١)، وأحمد (١٦٢/٦)، والطبري في التفسير (٢٦٣/٢٠)، والآجري في
الشريعة (١٦٩٣ و١٦٩٤)، والحاكم (١٥٩/٣)، والبيهقي في الكبرى (٤١٩/٢) وقال
الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قلت: فيه نظر، فمصعب بن شيبة، لم يخرج له البخاري شيئا، وقد خرجه مسلم كما هو
واضح. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٨).
(٢) أبو داود (٤٠٣٢).
(٣) الترمذي (٢٨١٣)، وفي الشمائل (٦٩).

٦٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
[والمرحل] بتشديد الحاء المهملة مفتوحة: هو الذي فيه صور الرحال.
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على مناقبها. قوله: ((خرج رسول الله وكلية.
ذات غداة وعليه مرط مرحل)) الحديث، المرط بكسر الميم وإسكان الراء هو
كساء من صوف أو خز يُؤتز به والمرحل بتشديد الحاء المهملة مفتوحة هو
الذي فيه صور الرحال، ذكره المنذري.
٤٩٨٣- وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري نَّ اللَّه قال: أخرجت لنا
عائشة رَّالَّهَا كساء ملبدا وإزارا غليظا قالت. قبض رسول الله وَّ في هذين.
رواه البخاري(١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي(٤) وغيرهم.
[قوله: ملبدا]: أي مرقعا، وقد لبدت الثوب بالتخفيف، ولبدته بالتشديد،
يقال للرقعة التي يرقع بها صدر القميص اللبدة، والرقعة التي يرقع بها قب
القميص القبيلة.
قوله: ((وعن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري)) واسمه عامر، هذا هو
الصحيح المشهور الذى قاله الجمهور، وقال يحيى بن معين: اسمه
(١) صحيح البخاري (٣١٠٨).
(٢) صحيح مسلم (٣٥) (٢٠٨٠).
(٣) سنن الترمذي (١٧٣٣)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) أبو داود (٤٠٣٦)، وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٦٢٤)، وإسحاق (١٣٦٤)، وأحمد (٢٤٠٣٧)،
(٢٤٩٩٧)، وابن حبان (٦٦٢٤)، وأبو عوانة في المستخرج (٨٥٤٨)، وأبو نعيم في الحلية
(٤٤/٨)، والبيهقي في الدلائل (٢٧٦/٧)، وفي شعب الإيمان (١٣٨٧، ٥٧٥٥)، وقال أبو
نعيم: صحيح ثابت، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٠٧٥).

٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الحارث. وفى رواية عنه: عامر، كقول الجمهور، وهو تابعى كوفى، ولی قضاء
الكوفة فعزله الحجاج، وجعل أخاه أبا بكر مكانه، واتفقوا على توثيقه
وجلالته.
قوله: [١٩٨/ ب]((كساء ملبدا) أي مُرَّقَّعا وقد لبدت الثوب بالتخفيف
ولبدته بالتشديد، قاله المنذري. ففائدة تقلل السادات سُلوة الضعيف
وانجبار المكسور وقد قال الأئمة: حرمت أواقي النقدين لكسر قلوب
الفقراء. قاله في الحدائق(١).
٤٩٨٤- وعن أسماء بنت أبي بكر أَواًّا قالت: صنعت سفرة لرسول الله
وَلّ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة فلم يجد لسفرته، ولا
لسقائه ما يربطهما به، فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي؟
قال: فشقيه باثنين واربطي بواحد السقاء، وبواحد السفرة، ففعلت، فلذلك
سميت ذات النطاقين. رواه البخاري(٢).
[النطاق] بكسر النون: شيء تشد به المرأة وسطها لترفع به ثوبها عن
الأرض عند قضاء الأشغال.
قوله: ((وعن أسماء بنت أبي بكر)) أسماء بفتح الهمزة وبالمد هي أخت
عائشة وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، روي [لها عن ] رسول الله وَل ستة
وخمسون حديثا، أسلمت بمكة قديما ثامنة ثمانية عشر إنسانا وتزوجها
(١) حدائق الأولياء (١ / ٥٣٤).
(٢) صحيح البخاري (٢٩٧٩ - ٣٩٠٧).

٧١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الزبير بمكة ثم طلقها بالمدينة. قيل أن ابنه عبد الله يوما وقف بالباب فلما
جاء أبوه الزبير ليدخل البيت منَعه فسأله عن ذلك فقال ما أدعُك تدخل تطلق
أمي فامتنع عليه وأبى إلا طلاقها فسُئل عن السبب فقال مثلي لا يكون له أم
توطأ، وطلقها الزبير وقيل ضربها الزبير فصاحت بابنها عبد الله، فأقبل فلما
رآه قال أمّك طالق إن دخلت فقال له أتجعل أمي عرضة ليمينك واقتحم عليه
فخلصها منه، فبانت منه، وبقيت إلى أن قتله الحجاج، ماتت بمكة سنة ثلاث
وسبعين بعدما أنزل ابنها عن الخشبة بليال يسيرة ولها قريب من مائة سنة
وقط ما أخرت شيئا لغد وابنها [وأبوها] وجدها أربعة صحابيون؛ وكانت من
أعبر الناس للرؤيا وتعلمته من أبيها [أبي بكر الصديق] رضي الله تعالى عنه،
ذكره الكرماني(١).
قولها: ((ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي)) الحديث، النطاق هو بكسر النون
شيء تشد به المرأة وسطها لترفع به ثوبها عن الأرض عند قضاء الأشغال،
اهـ. قاله الحافظ. وقال بعض العلماء النطاق أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشدّ
وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل تفعل ذلك عند معاناة
الأشغال لئلا تعثر في ذيلها. قيل: سميت أسماء ذات النطاقين لأنها كانت
[تطارق] نطاقا فوق نطاق، والأصح أنها سميت بذلك لأنه شقت نطاقها
الواحد نصفين فجعلت إحداهما نطاقا صغيرا واكتفت به والآخر لسفرة
النبي ◌ُّ وأبي بكر رقَّهُ كما صرحت به في هذا الحديث هنا، والله أعلم.
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢/ ٦٧).

٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٩٨٥ - وعن عائشة زَقُولَّهما: أن رجلا دخل عليها، وعندها جارية لها عليها
درع ثمنه خمسة دراهم فقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي انظر إليها، فإنها
تزهو على أن تلبسه في البيت، وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله وَل
فما كانت امرأة تقين بالمدينة إلا أرسلت إلي تستعيره. رواه البخاري(١)
قوله: ((وعن عائشة)) تقدم الكلام على ترجمتها، قوله: ((وعندها جارية لها
عليها درع من خمسة دراهم)) الدرع واحد الدروع وهو القميص.
قوله: ((فإنها تزهو علي أن تلبسه في البيت)) الحديث، تزهو أي تترفع عنه ولا
ترضاه، والله أعلم. قوله: ((فما كانت امرأة تقين في المدينة إلا أرسلت إلي
تستعيره))، تقين أي تتقين، أي تتزيّن لزفافها، والتقيّن التزيين، وقيل تجلى
لزوجها، والتقين إصلاح [الشعث]، وفي البخاري تقين تزين لزوجها، ومنه قيل
للماشطة مقينة وقد قينت العروس تقينا زينتها. وقال أبو عمر [أصله](٢) من اقتان
النبت إذا حسُن، قاله صاحب المغيث في غريب القرآن والحديث(٣).
قوله: ((انظر إليها))، انظر بلفظ الأمر، وتزهى بفتح الهاء وكسرها من الزهو
وهو الكبر، يقال زهى الرجل بلفظ المبني للمفعول [١٩٩/ أ] وحكى ابن
دريد زهى بلفظ المبني للفاعل والغرض أن الجارية تتكبر من لبسها له
(٤)
وتستحقره (٤).
(١) صحيح البخاري (٢٦٢٨).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٣) المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (٢/ ٧٧٤).
(٤) الكواكب الدرارى (١٤٩/١١).

٧٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
ا قالت: توفي رسول الله وَ ل﴾، وليس عندي شيء
الا الله
٤٩٨٦ - وعن عائشة
عنه
يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رق لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته
ففني. رواه البخاري(١) ومسلم(٢) والترمذي (٣).
قوله: ((وعنها أيضا)) تقدم الكلام عليها. قولها: ((توفي رسول اله وَالل وليس
عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر سعير في رف لي فأكلته حتى طال عليّ
فكِلته ففني)) [و]الشطر هنا معناه شيء من شعير، كذا فسره الترمذي، وقال
القاضي عياض رحمه الله تعالى(٤)، قال ابن أبي حازم: معناه نصف وسق،
وقيل الشطر من شعير نصف مكوك وقيل نصف وسق، يقال: شطر وشطير،
مثل نصف ونصيف، ومنه الحديث: الطهور شطر الإيمان، ومنه حديث
عائشة كان عندنا شطر من شعير، وقولها: ((في رف لي))، الرف قال النووي
بفتح الراء وبالفاء المشددة هو خشب يرفع عن الأرض في البيت إلى جنب
الجدار يوقى به ما يوضع عليه وجمعه رفوف ورفاف، قاله ابن الأثير في
النهاية(٥) والحربي قولها: ((فكلته ففني))](٦).
(١) صحيح البخاري (٣٠٩٧ - ٦٤٥١).
(٢) صحيح مسلم (٢٧) (٢٩٧٣).
(٣) سنن الترمذي (٢٤٧٢) عن أنس، وقال: هذا حديث حسن صحيح
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٢٥١).
(٥) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢٤٥/٢).
(٦) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فلما كالته علمت مدة
بقائه ففني عند تمام ذلك الأمر).

٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال ابن بطال(١): كان الشعير الذي عند عائشة غير مكيل [فكانت] البركة
فيه من أجل جهلها بكيله، وكانت تظن كل يوم أنه سيفنى لقلة كانت
[تتوهمها]، فلذلك طال عليها فلما كالته علمت مدة بقائه ففني عند تمام
ذلك الأمر. قال القاضي عياض (٢): وفي هذا الحديث أن البركة أكثر ما تكون
في المجهولات، وأما الحديث الآخر الذي رواه البخاري في الأطعمة من
حديث المقدام بن معدي كرب: ((كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه)) فقالوا
المراد أن يكيله بشرط أن يبقي الباقي مجهولا ويكيل ما يخرجه لئلا يخرج
أکثر من الحاجة أو أقل، هكذا ذكره النووي في شرح مسلم(٢).
[فائدة: في الحديث أن النبي ◌ٍَّ﴾ كان يدخر نفقة أهله سنة، الحديث. ففيه
جواز ادخار قوت سنة وجواز الادخار للعيال وأن هذا لا يقدح في التوكل.
وأجمع العلماء على جواز الادخار فيما يستغله الإنسان [في بيته،] كما جرى
للنبي وَّة، وأما إذا أراد أن يشتري من السوق ويدخره لقوت عياله فإن كان
في وقت [ضيق] الطعام لم يجز بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين لقوت
أيام أو شهر وإن كان في وقت [سعة اشترى قوت سنته] وأكثر هكذا نقل
القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقا، والله أعلم،
ذكره المنذري في الحواشي](4). وفي هذا الحديث من الفقه استحباب الكيل
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٦١/٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨ / ١٠٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٨ / ١٠٧).
(٤) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فلما [كالته]
=

٧٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
عند البيع وعند الشراء [وكراهة] ذلك جزافا للنهي عنه، وفي الحديث: إذا
بعت فكل وإذا ابتعت فاكتل. قال المهلب(١): وكتاب الله يشهد لذلك، قال
تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾﴾(٢) الآية، فينبغي إذا اشترى أن يكيل له غيره،
وإذا باع أن يكيل لغيره وليس الأمر هنا للوجوب لقرينة البركة فدل على
الأفضلية ولأن المشاهدة كافية فيصح بيع الجزاف كما صح: فيما لا يؤكل
يكال ولا يوزن، قال ابن بطال والذي عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما
يكال أو يوزن على البائع وكذلك الآن كذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة
والثوري والشافعي وأبي ثور و[قصة] يوسف [تدل] له في قوله [تعالى عنه]:
﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّيَ أُوْفِ اَلْكَيْلَ﴾(٣)، وقال النَُّ لجابر (٤): كِلْ للقوم.
فائدة أخرى: وفي حديث [١٩٩ / ب]عائشة: فكلته ففني، وذلك بأن الأمر
بالكيل إنما هو عند البيع أو الشراء، وأما في النفقة فلا يكال ولا يحصى لقوله
عَلَله: لا تحصي فيحصى عليك، ولا توكي فيوكى عليك بأن [تنفق] يغير
حساب فإن الله يخلف ويبارك فيه، وكذلك جرى لبعض الصحابة أعطاه عليه
الصلاة والسلام [شعيرا] فما زال يأكل منه حتى كاله ففني فقال (صلى الله
علمت المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها لأن الکیل وكد فيه أن یفنی فلا تعارض
بینهما، اهـ).
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٢٥٢).
(٢) سورة المطفيين، الآية: ١.
(٣) سورة يوسف، الآية: ٥٩.
(٤) صحيح البخاري (٢٠٢٠).

٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تعالى عليه وسلم] لو لم تكله لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، أي [لبركة] الإنفاق
من غير إحصاء توكلا على الله. قال ابن بطال (١): ويؤخذ من قوله: كيلوا
طعامكم، أن الكيل مندوب إليه فيما ينفقه المرء على عياله وندب النبي وَثله
أمته [إلیه] يدل على البركة فيه.
قال المهلب: [ويحمل] أنهم كانوا يأكلون بلا كيل فيزيدون في الأكل فلا
يبلغ لهم الطعام إلى المدة التي كانوا يقدرونها فقال لهم: كيلوا، أي أخرجوا
بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله من البركة في [مُدِّ]
أهل المدينة بدعوته،اليّام. أجاب عن قول عائشة: فكلته ففني بأنها كانت
تخرج قوتها بلا كيل وهي متقوتة باليسير فبورك لها فيه مع بركته على ليتلائم الباقية
عليها في بيتها فلما [كالته] علمت المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها
لأن الكيل وكد فيه أن يفنى فلا تعارض بينهما(٢). اهـ.
٤٩٨٧- وعن عمرو بن الحارث نَّه قال: ما ترك رسول الله وَظله عند
موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التي كان
يركبها وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة. رواه البخاري(٣).
قوله: ((وعن عمرو بن الحارث)) هو [عمرو بن الحارث بن أبي ضرار
المصطلقي الخزاعي، له ولأبيه صحبة، روى عن النبي وَخلال وابن مسعود،
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٥٥/٦).
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢٥٥/٦-٢٥٦).
(٣) صحيح البخاري (٢٧٣٩ - ٢٨٧٣ - ٤٤٦١).

٧٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
عداده في أهل الكوفة، هو] أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي وَلّم وليس
له في البخاري إلا هذا الحديث ولم يخرجه مسلم ولا أخرج عن عمرو بن
الحارث هذا شيئًا. [وعند مسلم نحوه عن عائشة وزاد فيه ولا شاة ولا بعيرا
ولا وصى بشيء. وفي هذا الحديث تقلله عَالَلها من الدنيا وإن كان قد فتح الله
عليه الفتوح فإنه لم يدخر شيئا لغد إلا قوت عائلته سنة تطييبا لقلوبهن، ولقد
مات ودرعه مرهونةكما ورد في الحديث الذي سيأتي. وقال إني عرض عليّ
ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، أجوع يوما وأشبع يوما،
الحديث، تقدم.
فائدة: قال ابن فارس في السيرة: ترك رسول الله وَلا يوم مات ثوبي حبرة
وإزارا عمانيا وثوبين صحاريين وآخر سحوليا وجبة يمانية وكساء أبيض
وقلانس صغارا لاطئة ثلاثا أو أربعا وإزارا طوله خمسة أشبار وخميصة
وملحفة مورسة (١)، ووجه الجمع بين ذلك وما تقدم من حديث عمرو
وعائشة أنها [فينا] ما يتمول خلاف السنة فإنه مما يتبرك فلا يُعدّ مالا وأما ما
كان له من الإماء في الحياة فسلمى أم رافع ورضوى وأميمة وربيحة وقيل هي
ريحانة السُّرية وسائبة ومارية وأختها قيصر وأم ضميرة(٢). قال أبو عبيدة
وكانت له سرية جميلة أصابها في سبي وسرية أخرى وهبتها له زينب (٣)، وأما
(١) عيون الأثر (٢/ ٣٨٧).
(٢) عيون الأثر (٢/ ٣٨١).
(٣) الاشارة إلى سيرة المصطفى (ص ٣٨١).

٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الموالي فجماعة [عدتهم خمسة وستون شخصا، ومن الخيل اثنان
وعشرون، ومن البغال سبعة. وأما السلاح فقد كان للنبي صلى الله تعالى
عليه وسلم درع يقال له فضة والسغدية بالسين المهملة والعين المعجمة(١).
قال الحافظ الدمياطي: السغدية درع داود عليه الصلاة والسلام التي لبسها
حين قتل جالوت، وكان له درع أخرى يقال لها ذات الفضول، سميت بذلك
لطولها، وهي التي رهنها عند اليهودي وفكّها منه أبو بكر، وكان له درع يقال
لها البتيراء لقصرها، وذات الوشاح- وذات الحواشي، ودرع يقال لها
الخرنق، والخرنق ولد الذئب، فهذه سبعة أدرع كانت لرسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم، انتهى.] قوله: ((ما ترك رسول الله وَ ل عند موته درهما ولا
دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه
[٢٠٠/ أ] وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة))](٢). وفي حديث آخر إلا بغلته
الشهباء التي كان يركبها بدل البيضاء والشهبة البياض الذي غلب [عليه]
السواد، قاله المنذري. وقال ابن الأثير (٣): الشهبة البياض وفي حديث حليمة
[رضي الله تعالى عنها] خرجت في سنة شهباء أي ذات قحط وجذب
والشهباء الأرض التي لا خضرة فيها لقلة المطر فسميت سنة الجدب بها،
(١) عيون الأثر (٣٨٦/٢).
(٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فسيمت سنة الجدب
بها، والله أعلم، وهذا الحديث ذكره الحافظ المنذري هنا أنه رواه البخاري فقط).
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٥١٢).

٧٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
والله أعلم، وهذا الحديث ذكره الحافظ المنذري هنا أنه رواه البخاري فقط.
فائدة في ترجمة البخاري: فهو الإمام العالم العلامة المحدث العابد
الزاهد أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المغيرة ابن بردزبة بفتح
الموحدة وإسكان الراء وكسر الدال المهملة وتكسين الزاي الموحدة
الجُعفي بضم الجيم وسكون العين المهملة وبالباء البخاري، أسلم المغيرة
وكان مجوسيا على يد اليمان الجعفي وأبوه والي بُخارا [وأبو إسماعيل كان
من خيار الناس وأمه كانت مجابة الدعوة وكان البخاري](١) قد ذهب بصره
وهو صغير فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال: يا
هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة دعائك أو بكائك فأصبح بصيرا، ولد
ببخارى سنة أربع [وتسعين] ومائة، وألهم حفظ الحديث في صغره وهو ابن
عشر سنين أو أقلّ ثم حجّ به أبوه فرجع أبوه وهو أقام بمكة المكرمة في طلب
العلم وذلك سنة ثمان عشرة من عمره ورحل رحلات [واسعات] في طلب
الحديث إلى أمصار الإسلام وكتب عن شيوخ متوافرات وأئمة متكاثرات
قال كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس فيهم إلا صاحب حديث كلهم كانوا
يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص حتى صار إمام أئمة الحديث
والمقتدى [به] في هذا الشأن وأجمع المحققون على أن كتابه أصح كتاب
بعد القرآن [العظيم]، وروى عنه خلائق كثيرون نحو من مائة ألف أو يزيدون
أو ينقصون وعظمه العلماء غاية التعظيم ولزمه الفضلاء نهاية الإجلال
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والتكريم حتى أن مسلما صاحب الصحيح كلما دخل عليه يسلم ويقول:
دعني أقبل رجليك يا طبيب الحديث في علله ويا أستاذ الأستاذين ويا سيد
المحدثين.
وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر مثله، وجعله الله زين هذه الأمة، وقال أبو
نعيم: إنه فقيه هذه الأمة، وقال محمد بن بشار بإعجام الشين: وكان علماء
مكة يقولون هو إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان، وقال ابن خزيمة مصغر
الخزمة بالمعجمة والزاي ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ.
وقال بعضهم: هو آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض، ونحو ذلك،
و کان في سعة من الدنيا قد ورث من أبيه مالا و کان يتصدق به وربما كان يأتي
عليه نهار ولا يأكل فيه وإنما يأكل أحيانا لوزتين أو ثلاثا وكان يختم في كل
ثلاث ليال وكان حفظه في غاية الكمال. قال خرجت هذا الصحيح من زهاء
ستمائة ألف حديث، وقال: ما وضعت في كتابي هذا حديثا إلا اغتسلت قبل
ذلك وصليت ركعتين، وقيل كان ذلك بمكة المشرفة، والغسل بماء زمزم
والصلاة خلف المقام، وقيل كان بالمدينة صلوات الله على صاحبها، وترجم
[٢٠٠/ ب] أبوابه في الروضة المباركة، وصلى لكل ترجمة ركعتين، وقيل
صنف الجامع في ست عشرة سنة، والله أعلم بذلك، ودخل بغداد مرات
وانقاد أهلها له فيه بلا منازعة وله معهم حكايات مشهورة في امتحانهم له
بقلب الأسانيد والمتون فصحح كلها في الساعة وحين وقعت الفتنة واشتدت
المحنة في مسألة خلق القرآن رجع من بغداد إلى بُخارى فتلقاه أهلها في