Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
والطبراني(١)، ولفظه: قال رسول الله وَّيّ: إنه من تكن الدنيا نيته يجعل الله فقره
بين عينيه، ويشتت عليه ضيعته، ولا يؤتيه منها إلا ما كتب له، ومن تكن
الآخرة نيته يجعل الله غناه في قلبه، ويكفيه ضيعته، وتأتيه الدنيا، وهي راغمة.
رواه في حدیث بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في صحيحه(٢) بنحوه،
وتقدم لفظه في العلم.
[قوله: شتت عليه ضيعته] بفتح الضاد المعجمة، وإسكان المثناة تحت:
معناه فرق علیه حاله وصناعته ومعاشه، وما هو مهتم به، وشعبه علیه لیکثر
کده، ويعظم تعبه.
قوله: (وعن زيد بن ثابت)) تقدم. قوله : (من کانت الدنیا همه فرق الله
عليه أمره وجعل فقره بين عينيه)) الحديث، فمن كان فقره بين عينيه لم يزل
خائفا من الفقر لا يستغني قلبه بشيء ولا يشبع من الدنيا، فإن الغنا غنا
القلب، والفقر فقر النفس. وفي حديث خرجه الطبراني مرفوعا الغنا في القلب
والفقر في القلب ومن كان الغنا في قلبه فلا يضره ما لقي من الدنيا ومن كان
الفقر في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له منها وإنما يضر نفسه. وعن عيسى عليه
=
هريرة رواه الترمذي في الجامع وابن ماجه. (مصباح الزجاجة ٣٢١/٢). وقال الحافظ
العراقي. إسناد جيد (تخريج الأحياء ٦/ ٢٣٨٧ وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في (الأوسط)
ثم قال: ورجاله وثقوا (مجمع الزوائد ٢٤٧/١٠). وصححه الألباني في (صحيح ابن
ماجه ٢/ ٣٩٣)، وفي السلسلة الصحيحة (٩٥٠)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٨).
(١) الطبراني في معجمه الكبير (٤٨٩١،٤٨٩٠/١٥٨/٥، (٤٩٢٥/١٧٢/٥).
(٢) ابن حبان (٦٧).

٥٠٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[وعلى نبينا] أفضل الصلاة والسلام قال: مثل طالب الدنيا كشارب البحر
كلما زاد شربا منه زاد عطشا حتى يقتله.
قال يحيى بن معاذ: من كان غناه في قلبه لم يزل غنيا ومن كان غناه في كسبه
لم يزل فقيرا ومن قصد المخلوقين لحوائجه لم يزل محروما، ويشهد لهذا
كله الحديث الصحيح(١) عن النبي وَّ: لو كان لابن آدم واديان من ذهب
لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.
لو فكر الطامع في عاقبة الدنيا لقنع ولو تذكر [الجائع] إلى فضولها مآلها
لشبع. شعر:
ودان لك العبادُ فكان ماذا
هب أنك قد ملكت الأرض ◌ُوًّا
أليس مصيرك جوف تُرْبٍ [ويحثي الترب] هذا ثم هذا
[ذكره ابن رجب (٢) في شرح النواوية (٣)، [وقال في] الديباجة، روى
الترمذي الحكيم في نوادره(٤) عن [دريد] بن نافع المدني أن النبي وَ ◌ّ قال: إن
الله أنزل في بعض ما أنزل من الكتب قسما يقسم به يقول: وعزتي وجلالي
وجمالي وعلوي ودنوي وارتفاع مكاني من آثر هواي على هواه لأجمعنّ له
شمله ولأكفينّه ما أهمّه ولأجعلنّ غناه في قلبه ولأضمننّ السموات والأرض
(١) صحيح البخاري (٦٤٣٦)، وصحيح مسلم (١١٦) (١٠٤٨).
(٢) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ٣١٢).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٤) نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٢٥/٤).

٥٠٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
رزقه ولأتجرنّ له من وراء تجارة كل تاجر، ومن آثر هواه على هواي لأشتتن
عليه أمره ولأجعلن فقره بين عينيه ولأحضرنّه همومه الحاضر منها والغائب
والقديم منها [والحادث] حتى لا يدري من أين تجيئه ومن أيت تأخذه. قال
الغزالي حجة الإسلام(١): [اعلم] أن ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا
المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب منها؛ [ثم قال:] دنياك وأخراك
عبارة عن حالتين من أحوال قلبك [فالقريب] الداني منها يسمى دنيا وهو كل
ما قبل الموت، [والمتراخي] المتأخر يسمى آخرة وهو [ما بعد] الموت فكل
مالك [فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة] ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة
فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع ما لك إليه ميل وفيه نصيب وحظ [فليس]
مذموم بل هو ثلاثة أقسام:
القسم الأول ما يصحبك في الآخرة ويبقى معك [ثمرته] بعد الموت
[و]هو العلم والعمل فقط، وأعني [١٣٨ /أ](٢) بالعلم العلم بالله وصفاته
[وأفعاله] وملائكته وكتبه ورسله وملكوت سماواته وأرضه والعلم بشريعة
نبيه وَّيّة، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله تعالى.
والقسم الثاني وهو كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا
كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورة
والحاجة [الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة]
(١) إحياء علوم الدين (٢١٩/٣).
(٢) اللوحة ١٣٧ تكرار للوحة ١٣٦.

٥٠٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث [والغلمان
والجواري و] الحيوان والمواشي والقصور [والدور] ورفيع الثياب ولذيذ
الأطعمة [فحظ] العبد [من ذلك] كله من الدنيا المذمومة.
والقسم الثالث وهو متوسط بين [الطرفين، كل حظ معجل يعين على أعمال
الآخرة كالقوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى
للإنسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، فإن كان باعثه الحظ
العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا،
ولا يبقى مع العبد عند الموت] إلا ثلاث صفات طهارة القلب عن أدناس الدنيا
وأنسه بذكر الله تعالى وحبه لله تعالى وهذه الصفات الثلاث [هي المنجيات]
المسعدات بعد الموت [وهي] الباقيات الصالحات. وسالك طريق الآخرة هو
المواظب على هذه الصفات الثلاث، فالقدر الذي لابد منه لهذه الثلاث إذا
أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا [وكانت الدنيا في حقه مزرعة
الآخرة، وإن أخذ ذلك لحظ النفس وعلى قصد التنعم كما من أبناء الدنيا](١)
والراغبين في حظوظها ثم أطال في تقرير ذلك رحمه الله ورضي عنه، قاله
صاحب الديباجة [ذكره ابن رجب في شرح النواوية].
قوله ◌َيليه: ((وأتته الدنيا وهي راغمة)) الحديث، راغمة معناه كارهة، قوله:
((وشتت عليه ضيعته))، قد ضبطه الحافظ وفسره فقال: معناه وفرق عليه حاله
وصناعته ومعاشه وما هو مهتمّ به وشعَّبه عليه ليكثر كدّه ويعظم تعبه، اهـ.
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.

٥٠٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
وتقدم في حديث آخر: من كانت الدنيا همه، وفي حديث: هرمه وسدمه أي
بغيته وشهوته، هكذا رواه بعضهم والمحفوظ: همه [وسدمه]، قاله في
النهاية(١). والسدم بفتح المهملتين الهم والحرص على الشيء واللهج به.
٤٧٨٩ - وعن أنس رَّهُ قال: قال رسول الله وَالله: من كانت الآخرة همه
جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت
الدنیا همه جعل الله فقره بین عینیه، وفرق علیه شمله، ولم یأته من الدنيا إلا ما
قدر له. رواه الترمذي(٢) عن یزید الرقاشي عنه، ویزید قد وثق، ولا بأس به في
المتابعات، ورواه البزار(٣)، ولفظه: قال رسول الله وَاليه: من كانت نيته الآخرة
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٥٥/٢)، (٢٥٢/٥).
(٢) سنن الترمذي (٢٤٦٥)، والحديث؛ وكيع (٦٣٨/٢)، وعنه هناد، في الزهد (٦٦٩)، وابن
أبي عاصم، في الزهد (١٦٤)، والحربي في غريب الحديث (١٠٧٦/٣)، وابن الأعرابي
في الزهد (ص ٤٧)، الحارث: كما في بغية الباحث (ص ١٣٠٢)، وابن أبي الدنيا في ذم
الدنيا (٣٥٣)، وابن عدي في الكامل (٢٨٥/١)، (٥٧٢/٣ - ٥٧٣)، وأبو نعيم في
الحلية (٣٠٧/٦)، والخطيب في الموضح (٣٠٣/٢)، والبغوي (٤١٤٢)، وابن الجوزي
في العلل (٣١١/٢)، والشجري في الأمالي (١٥٥/٢، ١٦٥)، وقال ابن الجوزي: هذا
حديث لا يصح. قال ابن المديني: لا يكتب حديث إسماعيل بن مسلم. وقال النسائي:
متروك الحديث. وقال المؤلف: وقد روى نحو هذا داود عن همام، عن قتادة. قال ابن
حبان: وداود كان يضع الحديث على الثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
(٩٤٩)، وصحيح الترغيب والترهيب (٣١٦٩).
(٣) ذكره الهيثمي في المجمع (٢٤٧/١٠)، ونسبه للبزار، وقال: فيه إسماعيل بن مسلم
المكي، وهو ضعيف.

٥٠٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جعل الله تبارك وتعالى الغنى في قلبه، وجمع له شمله. ونزع الفقر من بين
عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة، فلا يصبح إلا غنيا، ولا يمسي إلا غنيا، ومن
كانت نيته الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه، فلا يصبح إلا فقيرا، ولا يمسي إلا
فقيرا. رواه الطبراني (١) بلفظ تقدم في الاقتصاد.
قوله: ((وعن أنس))، تقدم معنى الحديث. قوله: ((وعن يزيد الرقاشي))،
ویزید الرقاشي کذا.
٤٧٩٠- وعن عمران بن حصين زَو ◌ّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا
يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها. رواه أبو الشيخ بن حيّان(٢)
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط: كما في المجمع (١٠/ ٢٤٧) وأخرجه ابن أبي الدنيا في ذم
الدنيا (ص ١٢١)، وابن الأعرابي في الزهد (ص ٤٧)، وابن حبان في المجروحين
(٢٨٧/١)، وابن عدي (١٠٠/٣) وذكره الهيثمي في المجمع (٢٤٧/١٠)، ثم قال: رواه
الطبراني في الأوسط بسندين، في أحدهما: داود بن المحبر، وفي الآخر: أيوب بن خوط،
وكلاهما ضعيف جدا.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢٦)، وابن أبى حاتم في تفسيره (١٠
/ ٣٣٦٠)- وكما في ابن كثير في التفسير - (٨ / ١٤٨) والطبراني في معجمه الأوسط
(٣٣٥٩)، وفي معجمه الصغير (٣٢١)، وأبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين في
التصوف (١ /٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧ / ١٩٦)، وإسماعيل الأصبهاني قوام
السنة في الترغيب والترهيب (٦٦١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٤٩٣ و٤٩٥ و٤٩٦)،
(٤٩٧)، والشجري في الأمالي الخميسية (١ / ٣٨٠)، وأبو نعيم الأصبهاني في الأربعون
(١١) ابن عساكر في معجمه (١٣٧٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٣٣٨)، وقال
=

٥٠٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
والبيهقي(١) من رواية الحسن عن عمران، واختلف في سماعه منه.
قوله: ((وعن عمران بن حصين)) تقدم، قوله وقالله: ((من انقطع إلى الله عز
وجل كفاه الله مؤنته)) الحديث، تقدم في طلب الرزق وتقدم باقي أحاديث
الباب في أماكن متفرقة.
٤٧٩١- وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌ََّا عَنِ النَّبِيِوَلَ قَالَ من جعل الهم هما وَاحِدًا
كَفَاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبته الهموم لم يبال الله فِي أَي أَوديَة الدُّنْيَا هلك رَوَاهُ
الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه وَغَيرِهَا وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَاهُ(٢) وَرَوَاهُ
ابْن مَاجَه فِي حَدِيث عَن ابْن مَسْعُود.
=
ابن الجوزي: قال الطبراني تفرد به ابراهيم بن الأشعث الخراساني وقد قدح فيه ابو حاتم
الرازي وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب، ويخطئ، ويخالف.
وبقية رجاله ثقات . قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٦٠٢) أخرجه
الطبراني في الصغير وابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في الشعب من رواية الحسن عن
عمران بن حصين ولم يسمع منه، وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو حاتم. قال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٣/١٠) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إبراهيم بن
الأشعث صاحب الفضيل، وهو ضعيف، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب ويخطئ
ويخالف، وبقية رجاله ثقات.، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٦٨٥٤)، وضعيف
الترغيب والترهيب (١٠٦١).
(١) البيهقي في الشعب ١٣٥١ -١٣٥٢ -١٠٧٦).
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم في الزهد (١٦٦)، والحاكم (٤٤٣/٢) و(٣٢٨/٤-٣٢٩)،
والبيهقى في الآداب (٨٠٤) والزهد (١٦) والشعب (١٢ / ٥٤١ -٥٤٢ رقم ٩٨٥٧).
وقال الذهبى معقبا على تصحيح الحاكم: يحيى بن المتوكل ضعفوه. وحسنه الألباني في
صحيح الترغيب (٣١٧٠).

٥٠٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٧٩٢ - وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن ابْنِ مَسْعُود أَيْضا قَالَ سَمِعت نَبِيكُمْ وَّهِ يَقُول
من جعل الهموم هما وَاحِدًا هم الْمعَادِ كَفَاهُ الله هم دُنْيَاهُ وَمن تشعبت بِهِ
الهموم أَحْوَال الدُّنْيَا لم يبال الله عز وجل فِي أَي أوديته هلك(١).
٤٧٩٣ - وَرُوِيَ عَن أبي ذَر ◌َّلَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ من أصبح وهمه
الدُّنْيَا فَلَيْسَ من الله فِي شَيْء الحَدِيثِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ(٢).
٤٧٩٤- وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ◌ََّّهُ عَنِ النَّبِي ◌َِّ قَالَ من أصبح
حَزِينًا على الدُّنْيَا أصبح ساخطا على ربه رَوَاهُ الطََّرَانِيّ(٣). قَالَ الْحَافِظ وَتقدم
فِي الاقتصاد فِي طلب الرزق وَغَيرِه غير مَا حَدِيث يَلِيقِ بِهَذَا الْبَابِ وَيَأْتِي فِي
الزّهْدِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَحَادِيث أخر.
(١) أخرجه ابن أبى شيبة في المسند (٣٤٥) والمصنف (٣٤٣١٣)، وأحمد في الزهد (١١٩)،
وابن ماجه (٢٥٧) و(٤١٠٦)، وابن أبى عاصم في الزهد (٢٧٤)، والبزار (١٦٣٨)،
والعقيلى في الضعفاء (٣٠٩/٤). قال أبو حاتم في العلل (١٨٥٩): هذا حديث منكر،
ونهشل بن سعيد متروك الحديث. وصححه الألباني في المشكاة (٢٦٣) وحسنه الألبانى
في صحیح الترغيب (٣١٧١).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٥١ رقم ٤٧١). قال الطبرانى: لا يروى هذا الحديث
إلا بهذا الإسناد، تفرد به: يزيد بن ربيعة. قال الهيثمي في المجمع (٢٤٨/١٠): فيه يزيد
بن ربيعة الرحبي، وهو متروك. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٣١٠) وضعيف
الترغيب (١٠٦٢ و١٨٤٤ و١٨٨٦).
(٣) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٧٥/٣)، ولطبراني في الصغير (٣٠/٢ رقم ٧٢٦)،
والبيهقى في الشعب (٣٧٣/١٢-٣٧٤ رقم ٩٥٧١). قال الهيثمى في المجمع ٢٤٨/١٠:
رواه الطبراني في الصغير، وفيه وهب بن راشد البصري صاحب ثابت، وهو متروك.
وضعفه الألبانی جدا في ضعيف الترغيب (١٨٤٥ و١٨٨٧).

٥٠٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الترغيب في العمل الصالح عند فساد الزمان
٤٧٩٥- عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت يا
أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: [عليكم أنفسكم]؟ قال: أما والله لقد سألت
عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله وَالية فقال: ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن
المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي
رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر
الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا
یعملون مثل عمله.
رواه ابن ماجه(١) والترمذي(٢)، وقال: حديث حسن غريب، وأبو داود (٣)،
(١) سنن ابن ماجه (٤٠١٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٠٥٨)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(٣) أبو داود (٤٣٤١)، وأخرجه أبو عبيد في الناسخ (٥٢٤) البخاري في خلق الأفعال (٢٢٤)
وفي التاريخ الكبير (٤٢٦/٢/٤)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (٤١)، وفي الصبر (٢) وفي
الأمر بالمعروف (٢) وابن أبي عاصم في الزهد (٢٦٦) وأبو القاسم البغوي في الصحابة
(٣٨٣)، والطحاوي في المشكل (١١٧١) (١١٧٣) وابن أبي حاتم في التفسير (٦٩١٥)
ابن حبان (٣٨٥) والطبراني في الكبير (٥٨٧/٢٢٠/٢٢) في مسند الشاميين (٧٥٣)
(٧٥٤) والداني في الفتن (٢٩٣) والحاكم (٣٢٢/٤) وابن بطة في الإبانة (٧٤٦) وأبو
نعيم في الحلية (٢/ ٣٠) والبيهقي (٩١/١٠-٩٢) وفي الشعب (٧١٤٨) (٩٢٧٨) وفي
الآداب (٢٠٢) وفي الاعتقاد (ص٢٥٢-٢٥٣) والواحدي في الوسيط (٢٣٩/٢-٢٤٠)
وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (١٦٠٥) وابن عبد البر في التمهيد (٣١٦/٢٤)
=

٥١٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وزاد: قيل يا رسول الله: أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر
خمسين منكم.
قوله: ((عن أبي أمية الشعباني))، أبو أمية الشعباني اسمه يحمد وقال أبو
أحمد العسكري: ويحمد، الياء مضمومة والحاء ساكنه غير معجمة والميم
مكسورة، هكذا يقول المحصلون من أصحاب الحديث، ومن يتسامح يقول
بفتح الميم، وكذلك قيده أبو نصر بن ماكولا بضم الياء وكسر الميم. ووجد
بخط الحافظ أبي عبد الله الصوري بفتح الياء وكسر الميم، وقيل: إن اسمه
عبد الله بن أخامر ذكره ابن حبان في الثقات وقال أبو حاتم أدرك الجاهلية.
قال: ((سألت أبا ثعلبة الخشني))، قال أبو داود: واسم أبي ثعلبة جرثوم،
هذا آخر كلامه، وفي اسم ثعلبة اختلاف كثير، قيل جرثوم، وقيل جرهم،
وقيل عمرو، وقيل الأشتر. قوله: ((قلت: يا أبا ثعلبة [١٣٨/ب] ... في هذه
الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾(١) [الحديث] أي الزموا حفظ أنفسكم لا
يضركم معاصي غيركم وإنما لا يضر الرجل معاصي غيره إذا عجز عن الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والاغترار والإعجاب [والمذكورات]: فدعهم
=
البغوي في شرح السنة (٤١٥٦) وفي التفسير (١٠١/٢)، وقال الحاكم: صحيح
الإسنادقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٧٨٣) أخرجه أبو داود والترمذي
وحسنه ابن ماجه. ضعيف موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ص: ١٣٥) ضعيف-
المشكاة (٥١٤٤)، تيسير الانتفاع/ عمرو بن جارية لكن فقرة (أيام الصبر) ثابتة،
الصحيحة (٤٩٤ و ٩٥٧) والمزي (٢١/ ٥٦٣).
(١) سورة المائدة، الآية: ١٠٥.

٥١١
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
ولا تأمرهم، واشتغل بإصلاح نفسك كي لا تقع معهم في المحارم والشبهات.
قوله: ((ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا))
الحديث، فهذا قد ورد فيما يستدل به على سقوط الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر عند عدم القبول والانتفاع به.
قوله: ((حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا))، والشح المطاع هو الذي يطيعه
صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها الله عليه أو [ندب] إليها كمنع الزكاة
[والنفقة] الواجبة وصدقة التطوع وما أشبه ذلك(١).
قوله: ((وهوی متبعا)»، الهوى المتبع هو الذي يتبعه صاحبه (٢).
قوله: ((ودنيا مؤثرة)) أي مختارة مقدمة على الآخرة، ويحرصون على
جمع الأموال ويتركون الأعمال الصالحات(٣).
قوله: ((وإعجاب كل ذي رأي برأيه))، يعني يجد كل أحد فعل نفسه حسنا
وإن كان قبيحا ولا يراجع العلماء فيما فعل بل يفتي نفسه، وقيل المغتر
بأفعاله فعله القبيح حسنا، معناه عليك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إلى أن رأيت(٤).
قوله: ((عليك نفسك))، هو اسم فعل أي الزم نفسك. قوله وضّحله: ((فإن
وراءكم أيام الصبر فيهن مثل القبض على الجمر)) الحديث، أي فإن [قدامكم
(١) شرح السنة (٣٤٧/١٤)، والمفاتيح (٢٦٤/٥) وشرح المصابيح (٣٦٩/٥).
(٢) المفاتيح (٢٦٤/٥) وشرح المصابيح (٣٦٩/٥).
(٣) المفاتيح (٢٦٤/٥) وشرح المصابيح (٣٦٩/٥).
(٤) المفاتيح (٢٦٤/٥) وشرح المصابيح (٣٦٩/٥).

٥١٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أياما صعابا شديدة] على المؤمنين الصبر فيها أفضل، فمن صبر في تلك
الأيام عن القبائح والمعاصي واشتغل بعادة الله تعالى [استحق] بمشقة الصبر
ما يستحق القابض جمرة من النار بمشقته في إمساكها من الثواب، اهـ.
[الصبر] فيهن: [مثل القبض على الجمر الحديث، الصابر فيهن] يعني
على العبادة [و]مخالفة ما الناس عليه والقيام بالعبادات كأنما قبض على
الجمر [والجمر هو الحطب المحترق قبل أن يخمد تارة، يعني كما أن أخذ
النار بالكف الشديد، فكذلك الصبر مع أهل ذلك للزمان] للمشقة الحاصلة
بسبب ذلك والله أعلم. قوله وَّة: (للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً
يعملون مثل عمله»، وزاد أبو دواد: قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا
أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم. الحديث. ولهذا جعل له إذا تمسك
بدينه أجر خمسين من الصحابة، وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين
الناس والتمسك بالسنة بين ظلم هؤلاء المخالفين وأهوائهم وآرائهم، فإذا
أراد المؤمن الذي قد رزقه الله تعالى بصيرة في دينه وفقها في سنة رسوله
وفهما في كتابه، وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم
[عن] الصراط المستقيم فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه
وطعنهم عليه وازدرائهم به وتنفير الناس عنه وتحذيرهم كما كان الكفار
يفعلون مع متبوعه وإمامه فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له
الحبائل فهو غريب في دينه لفساد أديانهم، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم
بالبدعة، غريب في صلاته [١٣٩ / أ] لسوء ضلالتهم. وبالجملة فهو غريب

٥١٣
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
في [أمور] دنياه وآخرته، لا يجد مساعدا ولا معينا فهو عالم بين قوم جهال،
صاحب سنة بين أهل البدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء
والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منك والمنكر
معروف(١)، اهـ. قاله في تهذيب النفوس.
فائدة: وعن أبي هريرة رَّهُ عن النبي رَّم قال: إنكم في زمان من ترك منكم
عشر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا، رواه
الترمذي (٢). وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد. قلت
رجاله ثقات سوى نعيم بن حماد [المذكور،] فوثقه أحمد وابن معين وأبو
زكرياء وغيرهم وضعفه أبو داود والنسائي وغيرهما، ذكره الحافظ الدمياطي.
(١) مدارج السالكين (١٨٩/٢).
(٢) سنن الترمذي (٢٢٦٧)، ومن طريقه الذهبي في تذكرة الحفاظ (٤١٨/٢)، وقال: هذا
حديث غريب.، والطبراني في الصغير (١١٥٦)، ومن طريقه ابن حجر في الأمالي المطلقة
ص (١٤٦)، وابن عدي في الكامل (١٨/٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٦)، وتمام في
فوائده (١٧٢١)، والسهمي في تاريخ جرجان ص (٤٦٤)، وابن عساكر في تاريخ دمشق
(٣٦٢/٥٢)، وقال ابن حجر في النكت الظراف (١٣٧٢١): قرأت بخط الذهبي: لا أصل
له ولا شاهد، ونعیم منکر الحدیث مع إمامته. قلت [أي: ابن حجر]: بل وجدت له أصلا،
أخرجه ابن عيينة في جامعه عن معروف الموصلي عن الحسن البصري به مرسلا، فيحتمل
أن يكون نعيم دخل له حديث في حديث اهـ. وانظر التاريخ الكبير (٧/ ٤١٥)، وقال ابن
أبي حاتم في علل الحديث (٢٧٩٤): قال: سمعت أبي يقول هذا عندي خطأ، رواه جرير،
وموسى بن أعين، عن ليث، عن معروف، عن الحسن، عن النبي ◌َّ، مرسل، وضعفه
الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٣٨)، والضعيفة (٦٨٤).

٥١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٤٧٩٦ - وعن معقل بن يسار زَوَّهُ أن رسول الله وَّةٍ: قال: عبادة في الهرج
كهجرة إلي. رواه مسلم(١) والترمذي(٢) وابن ماجه(٣).
قوله: ((وعن معقل بن يسار)) تقدم. قوله وَل: ((العبادة في الهرج كهجرة
إليّ))، الحديث. قال الحافظ الهرج هو الاختلاف والفتن، وقد فسّر في بعض
الأحاديث بالقتل لأن الفتن والاختلاف من أسبابه فأقيم المسبب مقام
السبب، اهــ وخرجه الإمام أحمد ولفظه: العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ.
وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين
فيكون حالهم شبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه
ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل
الجاهلية إلى رسول الله وَخي مؤمنًا [به] متبعا لأوامره مجتنبا لنواهيه، اهـ قاله
[الحافظ] ابن رجب(٤).
وقال النووي(٥): المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب
كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا
الأفراد، [قال الشيخ أبو العباس القرطبي: المستمسك بالعبادة في ذلك
(١) صحيح مسلم (١٣٠) (٢٩٤٨).
(٢) سنن الترمذي (٢٢٠١)، وقال: هذا حديث صحيح غريب إنما نعرفه من حديث حماد بن
زید، عن المعلی.
(٣) سنن ابن ماجه (٣٩٨٥).
(٤) لطائف المعارف لابن رجب (ص: ١٣٢).
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٨٨/١٨).

٥١٥
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الوقت والمنقطع إليها والمعتزل عن الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه عز
وجل، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه تعالى، وفرّ من جميع خلقه،
انتهى]، والله تعالى أعلم.
فائدة يختم بها الباب: قال عبد الواحد بن زید استبطأ معاذ بن جبل
الله
نفسه في الطاعة لله عز وجل فغضب يوما على نفسه وخرج إلى البقيع فاتزر
وألقى ثيابه وجعل [يتقلب] في الرمضاء وهو يبكي ويقول: ذوقي يا نفس
جيفة بالليل بطالة بالنهار، فنزل جبريل عليّا) فقال: يا محمد من هذا الذي
باهى الله به الملائكة من أصحابك في هذا اليوم؟ فقال: ما أدري. قال:
فانطلق معی ارکه، فجاء به إلی بقیع الغرقد فلما بصُر بهما [لبس] ثيابه وجعل
يعتذر إليهما، فقال له النبي وَّة: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول
الله إن نفسي أعيتني فأردت أن أذكرها عذاب الله عز وجل، قال: فإن الله عز
وجل قد باهى بك الملائكة فلك عند الله دعوة مستجابة فادع لإخوانك.
فقال: اللهم اجمع على الهدى أمرنا. فقال رسول الله وَخلال: زدهم. فقال:
اللهم اجعل التقوى زادنا. قال: زدهم. قال: اجعل الجنة مآبنا. قال: آمين
آمين وجبت(١)، ذكره أيضا صاحب تهذيب النفوس [والله تعالى أعلم
بالصواب]. [١٣٩/ب]
(١) ذكره ابن أبى الدنيا في محاسبة النفس (٥٧).

٥١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في المداومة على العمل
٤٧٩٧ - عن عائشة زَّالَّهَا قالت: كان لرسول الله وَل حصير، وكان يحجزه
بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه فجعل الناس يثوبون إلى
النبي ◌َّ فيصلون بصلاته حتى كثروا فأقبل عليهم فقال: يا أيها الناس خذوا
من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله
ما دام وإن قل(١).
٤٧٩٨ - وفي رواية (٢): وكان آل محمد إذا عملوا عملا وأثبتوه.
٤٧٩٩ - وفي رواية (٣) قالت: إن رسول الله وسي سئل أي الأعمال أحب إلى
الله؟ قال: أدومه وإن قل.
٤٨٠٠ - وفي رواية(٤): أن رسول الله ويلي- قال: سددوا وقاربوا، واعلموا أنه
لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
رواه البخاري(6) ومسلم(٦). ولمالك(٧) والبخاري(٨) أيضًا: قالت: كان أحب
(١) صحيح البخاري (٥٨٦١)، وصحيح مسلم (٢١٥) (٧٨٢).
(٢) صحيح مسلم (٢١٥) (٧٨٢).
(٣) صحيح مسلم (٢١٦) (٧٨٢).
(٤) صحيح مسلم (٧٨) (٢٨١٨).
(٥) صحيح البخاري (٦٤٦٤).
(٦) صحيح مسلم (٧٨) (٢٨١٨).
(٧) موطأ مالك (١/ ٩٠/١٧٤).
(٨) صحيح البخاري (٦٤٦٢).

٥١٧
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
الأعمال إلى الله عز وجل الذي يدوم عليه صاحبه. ولمسلم(١): كان أحب
الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وكانت عائشة رَقِّوَلَتَها إذا عملت العمل لزمته.
ورواه أبو داود (٢)، ولفظه: أن رسول الله وَل قال اكلفوا من العمل ما
تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل،
وكان إذا عمل عملا أثبته.
٤٨٠١- وفي رواية له(٣) قال: سألت عائشة زَّوالتّها كيف كان عمل رسول
الله ◌َي هل كان يخص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم
يستطيع ما كان رسول الله وَير يستطيع. ورواه الترمذي(٤) ولفظه: كان أحب
الأعمال إلى رسول الله یّ ما ديم عليه.
٤٨٠٢- وفي رواية له (٥): سئلت عائشة وأم سلمة رًَّا: أي العمل كان
أحب إلى رسول الله وَيَ قالا: ما ديم عليه وإن قل. [يحجره]: أي يتخذه
حجرة وناحية ينفرد عليه فيها.
[یثوبون]: بثاء مثلثة ثم واو ثم باء موحدة: أي يرجعون إليه، ويجتمعون
عنده. أحب العمل ما داوم عليه العبد.
(١) صحيح مسلم (٢١٨) (٧٨٢).
(٢) سنن أبي داود (١٣٦٨).
(٣) سنن أبي داود (١٣٧٠).
(٤) سنن الترمذي عقب (٢٨٥٦)، وقال: هذا حديث صحيح.
(٥) سنن الترمذي (٢٨٥٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

٥١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((عن عائشة))، تقدمت ترجمتها. قولها: ((كان لرسول الله وَلل حصير
وكان يحجزه بالليل فيصلي عليه)) الحديث، يحجزه: قال صاحب النهاية(١)
أو غيره: بضم الياء وفتح الحاء وكسر الجيم المشددة، اهـ، أي يتخذه
[حجزة] وناحية ينفرد عليه فيها كذا فسره المنذري. وفي رواية كان الرسول
الله ◌َيُّه حصير يبسطه بالنهار ويحجزه بالليل وفي رواية يحتجزه أي بجعله
لنفسه دون غيره ومنه يقال حجرت الأرض واحتجرتها إذا ضربت عليها منارا
تمنعها به عن غيرك ومنه حجر القاضي على المفلس وغيره وأصله المنع،
ذكره ابن الأثير، و کذا صاحب المغیث(٢)، وفيه إشارة إلى ما كان عليه رسول
الله ◌َّه من الزهادة في الدنيا والإعراض عنها والإجزاء من متاعها ما لابد منه.
قوله: ((فجعل الناس يثوبون إلى النبي وَلا يصلون بصلاته))، ضبطه الحافظ
وفسره فقال أي يرجعون إليه ويجتمعون عنده، اهــ قوله وَّخله: (خذوا من
الأعمال ما تطيقون)) الحديث، أي ما تطيقون من الدوام عليه بلا ضرر وفيه
دليل على الاقتصاد في العبادة واجتناب التعمق، وليس الحديث مختصا
بالصلاة بل هو عام في جميع أعمال البر.
قوله: ((فإن الله لا يمل حتى تملوا))، هو بفتح الميم فيها، وفي الرواية
الأخرى: لا يسأم حتى تسأموا، وهما بمعنى قال العلماء: الملل والسآمة
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٤١/١).
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٣٤١/١)، والمجموع المغيث في غريبي القرآن
والحدیث (١/ ٤٠٣).

٥١٩
كتاب التوبة والزهد واتباع السيئة الحسنة
المتعارف في حقنا محال في حق الله تعالى فيجب تأويل الحديث، قال
المحققون معناه لا يعاملكم معاملة المال فيقطع عنكم ثوابه وجزاءه وبسط
فضله ورحمته حتى تقطعوا [أعمالكم]، وقيل معناه لا يمل إذا مللتم، قاله
ابن قتيبة وغيره. [وفي هذا الحديث كمال شفقته وَخّ ورأفته بأمته لأنه
أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر
فتكون النفس أنشط والقلب منشرحا فتثمر العبادة بخلاف من تعاطى من
الأعمال ما يشقّ فإنه بصدد أن يتركه كله أو بعضه أو يفعله بكلفة أو بغير
انشراح القلب فيفوته خير عظيم، وقد ذمّ الله سبحانه وتعالى من اعتاد عبادة
ثم فرط فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ
رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاً﴾(١).
وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاصي على تركه قبول رخصة رسول الله
وَّه في تخفيف العبادة، [و] مجانبة التشديد بقوله يا ليتني قبلت رخصة
رسول الله وكل القوم] (٢).
فإن قلت الملال لا يصح لا على الله تعالى فما وجهه. قلت الملال كناية
عن عدم القبول أي فإن الله يقبل طاعتكم حتى تملوا فإنه لا يقبل ما يصدر
منكم على سبيل الملالة وأطلق الملال على طريقة المشاكلة [١٤٠ / أ] وقال
(١) سورة الجديد، الآية: ٢٧.
(٢) حصل تأخير لهذه الفقرة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (وقال الخطابي: هو
كناية عن الترك، أي لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل، قاله الكرماني).

٥٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الخطابي: هو كناية عن الترك، أي لا يترك الثواب ما لم تتركوا العمل، قاله
الکرماني(١).
قوله وَخاله: ((إن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قلّ))، [وفيه] الحث
على المداومة على العمل وأن قليله خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل
الدائم خيرا من الكثير المنقطع لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر
والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الخالق سبحانه وتعالى ويثمر
القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافا كثيرة والله أعلم.
قوله: ((وكان آل محمدا إذا عملوا عملًا أثبتوه))، [أي لازموه وداوموا
عليه](٢)، والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته وخواصه وَليل من أزواجه
وقرابته ونحوهم.
قوله: ((وفي رواية قالت: أن رسول الله وَيل سئل أيّ العمل أحب إلى الله؟
قال: أدومه وإن قلّ))، قال بعض السلف: أدركت من أصحاب النبي وَّل أكثر
من سبعين فما رأيت قوما أهون سيرة ولا أقلّ تشديدا منهم. والمعنى [في]
ذلك أن النفس [بدوام] العبادة على وجه القلة تألف ولا يحصل لها ملال
وسآمة يفضي إلى ترك تلك العبادة فمن عمل عملا يقوى عليه بدنه في طول
عمره [من] قوته وضعفه استقام سيره ومن حمل ما لا يطيق فإنه قد يحدث
(١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (٢١ / ٩٦).
(٢) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.