Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب الأدب وغيره
بإسنادین أحدهما جید.
وعن الحارث بن هشام هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي يكنى
أبا المغيرة، وقيل: أبا عبد الرحمن، وهو أخو أبي جهل بن هشام. عداده في
أهل الحجاز. كان شريفًا مذكورًا. أسلم يوم الفتح، استأمنت له أم هانئ بنت
أبي طالب فأمنه النبي وَّه، وخرج إلى الشام فقتل باليرموك سنة خمس
عشرة، وقيل: مات بالشام في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة. وشهد مع
النبي وَّ حنينًا، وأعطاه مائة من الإبل كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وكان
منهم، ثم إنه حسن إسلامه، فخرج إلى الشام في زمن عمر بن الخطاب راغبا
في الجهاد، فخرج أهل مكة يبكون لفراقه، فقال: إنها النقلة إلى الله، وما كنت
لأوثر عليكم أحدًا، فلم يزل بالشام مجاهدًا إلى أن مات، وفيه يقول الشاعر:
في المجد كان الحارث بن هشام
أحسبت أن أباك يوم تسبني
في الجاهلية كان والإسلام(١)
أولى قريش بالمكارم كلها
قوله: أخبرني بأمر أعتصم به الحدیث تقدم معناه.
قوله: من رواية علي بن مسعدة الباهلي لين الحديث، قال البخاري: فيه
نظر وقال ابن عدي أحاديثه غير محفوظة.
(ص: ٤٩٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢٠٣٥)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٩٩/١٠) رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما جيد. وقال في (٣٠١/١٠) رواه الطبراني -
في الأوسط، وفيه وجادة، ورجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٩١)،
وصحیح الترغيب والترهيب (٢٨٦٤).
(١) جامع الأصول (١٢ /٢٨٧).

٤٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال ابن حبان: لا يحتج بما انفرد به.
وقال النسائي: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن معين:
صالح. علي بن معين: صالح.
٤٣٤٠ - وَعَن أنس ◌ََّّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّةٍ لَا يَسْتَقِيمٍ إِيمَان عبد حَتَّى
يَسْتَقِيم قلبه وَلَا يَسْتَقِيم قلبه حَتَّى يَسْتَقِيم لِسَانه وَلَا يدْخل الْجِنَّة رجل لَا يَأْمَن
جَاره بوائقه رَوَاهُ أَحْمد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الصمت كِلَاهُمَا من رِوَايَة عَليّ بن
مسْعدَة الْبَاهِلِيّ عَن قَتَادَة عَنْهُ(١).
رَر فِي سفر
٤٣٤١- وَعَنِ معَاذ بن جبل زَّوَُّ قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي
فَأَصْبَحت يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنحن نسير فَقلت يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِعَمَل
يدخلني الْجِنَّة وَيُبَاعِدِنِي عَنِ النَّارِ قَالَ لقد سَأَلَت عَن عَظِيمٍ وَإِنَّهُ ليسير على
من يسره الله عَلَيْهِ تعبد الله، وَلَا تشرك بِهِ شَيْئًا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة
وتصوم رَمَضَان وتحجِ الْبَيْت ثمَّ قَالَ أَلا أدلك على أَبْوَابِ الْخَيْرِ قلت بَلَى يَا
رَسُول الله قَالَ الصَّوْم جنَّة وَالصَّدَقَة تطفىء الْخَطِيئَة كَمَا يطفىء المَاء النَّار
وَصَلَاة الرجل فِي جَوف اللَّيْلِ شعار الصَّالِحِين ثمَّ تَلا قَوْله: ﴿تَتَجَافَى
جُنُوبِهِم عَنِ الْمِضَاجِعِ حَتَّى بلغ يعْمِلُونَ﴾(٢) ثمَّ قَالَ أَلا أخْبرك بِرَأْس الأمر
وعموده وذروة سنامه قلت بلَى يَا رَسُول الله قَالَ رَأْس الأمر الإِسْلَام وعموده
(١) أخرجه أحمد ١٩٨/٣ (١٣٠٤٨)، وابن أبى الدنيا (٩). قال الهيثمى فى المجمع ٥٣/١:
رواه أحمد، وفي إسناده على بن مسعدة وثقه جماعة، وضعفه آخرون. وحسنه الألباني فى
صحيح الترغيب (٢٥٥٤).
(٢) سورة السجدة، الآية: ٦١.

٤٨٣
كتاب الأدب وغيره
الصَّلَاة وذروة سنامه الْجِهَاد ثمَّ قَالَ أَلا أخبرك بملاك ذَلِك كُله قلت بلَی یَا
رَسُول الله قَالَ كف عَلَيْك هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لِسَانه قلت يَا نَبِي الله وَإِنَّا
لمؤاخذون بِمَا نتكلم بِهِ قَالَ ثكلتك أمك وهل يكب النَّاس فِي النَّار على
وُجُوههم أَو قَالَ على مناخرهم إِلَّا حصائد ألسنتهم، رواه أحمد(١)
والترمذي(٢) والنسائي(٣) وابن ماجه (٤) كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ،
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(١) مسند أحمد (٢٢٠١٦).
(٢) سنن الترمذي (٢٦١٦)، وقال هذا حديث حسن صحيح. جامع العلوم والحكم ت
الفحل (٢/٢٩) وفيما قاله- رحمه الله- نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي
وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام، وأبو وائل بالكوفة والثاني: أنه
قد رواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ،
خرجه الإمام أحمد مختصرا، قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب ؛ لأن الحديث معروف
من رواية شهر على اختلاف عليه فيه. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص:
٩٩٧) أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٢٨٤)، وصحيح الترغيب والترهيب
(٢٨٦٦)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (٥١٣٦).
(٣) السنن الكبرى للنسائي (١١٣٣٠).
(٤) ابن ماجه (٣٩٧٣) في مصنف عبد الرزاق (٢٠٣٠٣)، وفي التفسير له ١٠٩/٢، ومن
طريقه أخرجه عبد بن حميد (١١٢)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٩٦)، والطبراني
في الكبير (١٣٠/٢٠-١٣١) (٢٦٦)، والبغوي في شرح السنة (١١)، وفي التفسير
٥٠٠/٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٤)، والبيهقي في الشعب (٣٣٥٠). والبيهقي
في الآداب (٣٩٩) والبغوي في شرح السنة (١١) وفي تفسيره (٢٢٤/٥-٢٢٥).

٤٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[قال الحافظ]: وأبو وائل أدرك معاذًا بالسن، وفي سماعه عندي نظر،
وكان أبو وائل بالكوفة، ومعاذ بالشام، والله أعلم(١). قال الدار قطني(٢): هذا
الحديث معروف من رواية شهر بن حوشب عن معاذ، وهو أشبه بالصواب
على اختلاف علمه فيه كذا قال: وشهر مع ما قيل فيه لم يسمع معاذا، ورواه
البيهقي (٣) وغيره عن ميمون بن أبي شيبة عن معاذ، وميمون هذا كوفي ثقة ما
أراه سمع من معاذ بل ولا أدركه، فإن أبا داود قال لم يدرك ميمون بن أبي
شيبة عائشة، وعائشة تأخرت بعد معاذ من نحو ثلاثين سنة، وقال عمرو بن
علي: كان يحدث عن أصحاب رسول الله وَّة، وليس عندنا في شيء منه
يقول: سمعت ولم أخبر أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي وَلّ(٤).
(١) انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٣١٩).
(٢) في العلل ٧٩/٦ س (٩٨٨).
(٣) البيهقي في شعب الإيمان (٤٦٠٧)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٦) وأخرجه
النسائي (١٣٨/٤) وفي الكبرى (٢٥٣٥) المعجم الكبير للطبراني (١٤٤/٢٠) ٢٩٣-
٢٩٤. المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤٤٧/٢) ٣٥٤٨ هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاهأبو نعيم في الحلية (٣٧٦/٤) أخرجه ابن نصر في الصلاة
(١٩٧) والطبراني في الكبير (١٤٣/٢٠) والحاكم (٤١٢/٢-٤١٣) والواحدي في
الوسيط (٤٥٢/٣-٤٥٣) ابن أبي شيبة (٨/١١) وفي الإيمان (٢) والدار قطني في العلل
(٧٦/٦-٧٧) والطبراني (١٤٢/٢٠-١٤٣) وأبو نعيم في الحلية (٣٧٦/٤) قال ابن
رجب في جامع العلوم والحكم (٣٩٦/١)، (١٣٥/٢): ولم يسمع عروة ولا ميمون من
معاذ، وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة.
(٤) قال أبو حاتم الرازي: ميمون بن أبي شبيب روى عن معاذ بن جبل مرسلا. ((الجرح
والتعديل)) ٢٣٤/٨).

٤٨٥
كتاب الأدب وغيره
٤٣٤٢ - وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ(١) مُخْتَصرا قَالَ قلت يَا رَسُول الله أكل مَا نتكلم
بِهِ يُكْتب علينا قَالَ ثكلتك أمك وهل يكب النَّاس على مناخرهم فِي النَّار إِلَّا
حصائد ألسنتهم إِنَّك لن تزَال سالما مَا سكت فَإِذا تَكَلَّمت كتب لَك أَو
عَلَيْك.
٤٣٤٣ - وَرَوَاهُ أَحْمد (٢) وَغَيرِهِ عَن عبد الحميد بن بهْرَامٍ عَن شهر بن
حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَن معَاذًّا سَأَلَ رَسُول الله ◌ِِّ فَقَالَ يَا رَسُول
الله أَي الأَعْمَال أفضل فَقَالَ الصَّلَاة بعد الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَة قَالَ لَا وَنِعما هِيَ
قَالَ الصَّوْمِ بعد صِيَام رَمَضَان قَالَ لَا وَنِعما هِيَ قَالَ فالصدقة بعد الصَّدَقَة
الْمَفْرُوضَة قَالَ لَا وَنِعما هِيَ قَالَ يَا رَسُول الله أَي الأَعْمَال أفضل قَالَ فَأَخْرِج
رَسُول الله ◌َِّ لِسَانه ثمَّ وضع إصبعه عَلَيْهِ فَاسْتَرْجع معَاذ فَقَالَ يَا رَسُول الله
أنؤاخذ بِمَا نقُول كُله وَيَكْتب علينا قَالَ فَضرب رَسُول اللهِ وَلِّ مِنْكب معَاذ
مَرَارًا فَقَالَ لَهُ ثكلتك أمك يَا معَاذ بن جبل وهل يكب النَّاس على مناخرهم
فِي نَارِ جَهَنَّم إِلَّا حصائد ألسنتهم.
قوله وعن معاذ بن جبل تقدم الكلام على مناقبه ومن مناقبه أنه ◌َّ أخذ
بيده فقال يا معاذ والله إني أحبك، وقال أنس رضي الله تعالى عنه جمع القرآن
(١) المعجم الكبير للطبراني (١٣٧/٧٣/٢٠) عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل قال
الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٠٠/١٠) رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات ..
(٢) مسند أحمد (٢٢٠٦٣)، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١٦/٦٤/٢٠)
(٢٠٠/١٠٣/٢٠) والبزار (٢٦٦٩)، (٢٦٧٠)، والخلال في السنة (١١٧١) وابن نصر
في الصلاة (٧) وابن عبد البر في التمهيد (٦٥/٥-٦٦).

٤٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على عهد رسول الله وَل أربعة أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت
وأبو زيد الأنصاري.
وقال رسول الله وَلّر: أعلمهم بالحرام والحلال معاذ بن جبل، وقال نعم
الرجل معاذ بن جبل وأرسله رسول الله وَله إلى اليمن يدعوهم قاضيا به وهو
أحد الذين كان يفتون على عهد رسول الله وَّله ثلاثة من المهاجرين عمر
وعثمان وعلي وثلاثة من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن
ثابت. توفي وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة في طاعون عمواس بالشام سنة ثمان
عشرة وعمواس بلدة بين الرملة وبيت المقدس نسب الطاعون إليها لأنه بدأ
منها وهي بفتح العين المهملة وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا.
قول معاذ رَّه: فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني
من النار قال قد سألت عن عظيم الحديث، هو كما قال عليه الصلاة والسلام
لأن عظم المسببات بعظم الأسباب، ودخول الجنة والتباعد عن النار أمر
عظيم سببه امتثال كل مأمور واجتناب كل محظور وذلك [٢٨/ أ] عظيم
صعب قطعا ولولا ذلك لما قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ
اُلشَّكُورُ﴾(١)، ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِرِينَ﴾(٢).
قوله وَيّه وإنه ليسير على من يسّره الله عليه الحديث.
أي بشرح الصدور للطاعة وتهيئة أسبابها والتوفيق {﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أن
(١) سورة سبأ، الآية: ١٣.
(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٧.

٤٨٧
كتاب الأدب وغيره
يَهْدِيَهُو يَشْرَحْ صَدْرَهُو لِلْإِسْلَِ﴾ (١).
وبالجملة فالتوفيق إذا ساعد على شيء تيسر ولو ثقل الجبال، قال
الشاعر: إذا الله هيأ عقد شيء تيسّرا
قوله ◌َلله تعبد الله لا تشرك به شيئا، الحديث. الظاهر أن المراد بالعبادة
هاهنا التوحید بدلیل قوله لا تشرك به شيئا.
ومنه قوله تعالى ﴿يَدْأَيُّهَا النَّاسُ أُعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾(٢) أي وحدوه ومنه
أيضا قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أي يوحدون فعلى
هذا يكون قد ذكر له التوحيد وأعمال الإسلام ويحتمل أن العبادة هاهنا ما
يتناول الإيمان الباطن والإسلام الظاهر فيكون قوله ويقيم الصلاة إلى آخره
عطف خاص على العام لتضمن قوله تعبد الله لما بعده.
قوله وَّله ثم قال ألا أدلك على أبواب الخير قلت بلى الحديث، أي طُرقه
الموصلة إليه.
وقوله ألا أدلك عرض نحو ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَرَةٍ﴾(٣) أي عرضت
ذلك عليكم فهل تحبه أو نحو هذا فلما رتب دخول الجنة على واجب
الإسلام وله بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل فإن أفضل أولياء الله هم
المتقون الذين يتقربون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض.
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١.
(٣) سورة الصف، الآية: ١٠.

٤٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَخلال الصوم جنة الحديث. والجُنة بضم الجيم الوقاية والساتر أي
وقاية من شدة الشهوة في العاجل ومن النار في الآجل، وهذا الكلام على
الجنة ثابت عن النبي وَله من وجوه كثيرة، وخرّجاه في الصحيحين(١) من
حديث أبي هريرة عن النبي وٍَّ وخرجه الإمام أحمد (٢) بزيادة وهي الصيام
جنة وحصن حصین من النار.
قوله ◌َيه: الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار أي تمحوها
فالحسنات تذهب السيئات وإنما استعار لفظ الإطفاء لمقابله كما يطفئ الماء
النار أو لأن الخطيئة يرتب عليها العقاب الذي هو أثر للغضب والغضب
يستعمل فيه الإطفاء، يقال طفئ غضب فلان وانطفأ غضبه لأنه في الشاهد
فوران دم القلب عن غلبة الحرارة ولعله إنما خص الصدقة لتعدي نفعها
ولأن الخلق عيال الله عز وجل والصدقة إحسان إليهم والعادة أن الإحسان
إلى عيال شخص تطفئ غضبه وسبب إطفاء الماء النار أن بينهما غاية التضاد
إذ النار حارة يابسة والماء بارد رطب فقد ضادّها بكيفيته جميعا، والضد يدفع
الضد ویعدمه.
قوله ◌َليلةٍ: وصلاة الرجل من جوف الليل شعار الصالحين ثم تلى تتجافى
جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ يعملون الحديث.
أي في الجوف الليل وحروف الصفات تتناوب ويحتمل أن مبدأ الصلاة
(١) البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١).
(٢) مسند أحمد (٧٤٩٢).

٤٨٩
كتاب الأدب وغيره
جوف الليل فيكون لابتداء الغاية ويحتمل أنه للتبعيض أي صلاته بعض أي
في بعض جوف الليل أي وسطه أو آخره إذ في الحديث أيُّ الليل أسمع؟ قال
جوف الليل الآخر، والمعنى [٢٨/ ب] أن صلاة الرجل من الليل من أبواب
الخير وإنما خص الرجل بالذكر لأن السائل رجل ولأن الخير غالب في
الرجال وأكثر أهل النار النساء وتلاوته تتجافى جنوبهم عن المضاجع شاهد
لما قال من أن الصلاة من جوف الليل من أبواب الخير لأنه رتب عليها ﴿فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنِ جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾(١).
قوله وَالّ ألا أخبرك برأس الأمر أي العبادة والأمر الذي سألت عنه.
قوله وعموده أي ما اعتمد عليه، كعمود الخيمة.
قوله وذروة سنامه بكسر الذال المعجمة وضمها أي أعلاه استعار له
صورة البعير وأجزاءه.
قوله ◌َله رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد، لأن
الجهاد مقورن بالهداية بدليل قوله عز وجل ﴿وَالّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا﴾ (٢) الآية، والهداية محصلة لمقصود هذا السائل إذ يلزمها دخول
الجنة والمباعدة عن النار فلا جرم كأن الجهاد رأس أمر السائل وعموده
وذروة سنامه.
قوله داخلية ألا أخبرك بملاك ذلك كله هو بكسر الميم أي مقصوده وجماعه
(١) سورة السجدة، الآية: ١٧.
(٢) سورة السجدة، ٦٩.

٤٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومِلاك الشيء هو مقصوده وقيل رابطه وضابطه لأن الجهاد وغيره من أعمال
الطاعات غنية وكف اللسان عن المحارم سلامة والسلامة في نظر العقلاء
مقدمة على الغنيمة.
قوله ◌َّةٍ كُفَّ عليك هذا وأشار إلى لسانه إما أنه وضع على موضع عن
أي كُفَّه عنك أو أنه ضمن كف معنى احبس أي احبس عليك لسانك لا يَرِد
عليك بكلام موذي وفي الحكمة لسانك أسدك إن أطلقته فرسَك وإن أمسكته
حرسك وتقدم ذلك.
فهذا يدل على أن كف اللسان وضبطه وحسبه هو أصل الخير كله وأنّ من
ملك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه.
وقوله كف عليك هذا يحتمل أنه عام خص بالكلام بالخير لقوله {وَاله
فليقل خيرا أو ليصمت ويحتمل أنه من باب المطلق وقد عمل به في كف
اللسان عن الشر فلا يبقى له دلالة على غير ذلك والله أعلم.
قوله قلت يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ هذا استفهام استثبات
وتعجب واستغراب يدل على أن معاذا لم يكن يعلم ذلك فإن قيل فأنَّى خفَاءُ
هذا عنه من قوله عليه الصلاة والسلام أعلمكم بالحلال والحرام معاذ،
والكلام المؤاخذ به حرام وها هو لم يعلمه؟!
فالجواب من وجهين أحدهما أن ظاهر الحلال والحرام في المعاملات
الظاهرة بين الناس لا في معاملة العبد مع ربه فلا يرد السؤال. الوجه الثاني أنه
صار أعلمهم بالحلال والحرام بعد هذا بمثل هذا السؤال وأمثاله من طرق
العلم والاستفادة.

٤٩١
كتاب الأدب وغيره
قوله وَيلة لمعاذ ثكلتك أمك، بالثاء المثلثة أي فقدتك بكسر الكاف منم
الثكل بضم المثلثة فقدان المرأة ولدها، وهذا من باب تَرِبَت يمينك ومما لا
يُراد به حقيقة الدعاء على المخاطب يقال امرأة ثاكل وثكلى ورجل ثاكل
وثكلان کأنه دعا عليه بالموت لسوء فعله.
وقوله: والموت يعم كل أحدا فإذا الدعاء عليه كلا دعاء أو أراد إذا كنت
هكذا فالموت خير لك كيلا تزداد سوءا ويجوز أن يكون من الألفاظ التي
تجري على ألسنة [٢٩/ أ] العرب. ولا يراد بها الدعاء كقولهم تربت يداك
ومنه قصيد كعب بن زهير: قامَتْ فَجاوَبَها نُكْدٌ مَثاكِيلُ؛ جمع مثکال
وهي المرأة التي فقدت ولدها كما تقدم، فحقيقته الدعاء بموته وليس المراد
ذلك وإنما غلب في ألسنتهم للتحريض على الشيء والتهييج إليه ولاستقصاد
المخاطب على أمر ونحو ذلك بحسب الحال وقرائنه، وكذلك تربت يداك
وعقرى حلقي ولا أمّ لك ولا أبا لك ولا درّ درك وأشباه ذلك.
قوله وسلم لمعاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم الحديث، یکب
بفتح الياء وضم الكاف أي يلقيهم في النار على وجوههم يقال كبه أي ألقاه
على وجهه يكبه كبا فأكب هو أي سقط على وجهه ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَن
يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَىّ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾﴾(١)، قاله الأصبهاني. وهو استفهام إنكار أي ما يكب الناس إلا حصائد
ألسنتهم وهو يقتضي أن كل من يكب في النار فسبب ذلك لسانه وهو عام
(١) سورة الملك، الآية: ٢٢.

٤٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أريد به الخاص فإن من الناس من يكب في النار بكلامه وبعضهم بعمله وإنما
خرج هذا مخرج المبالغة في تعظيم الكلام كقوله وَّة الحج عرفة والمراد
معظمه الوقوف كذلك معظم أسباب النار الكلام كالكفر والقذف والسب
والنميمة والغيبة ونحو ذلك ولأن الأعمال يقارنها الكلام غالبا فله حصة في
سَبَبِيَّة الجزاء ثوابا وعقابا، وفي المثل يقول اللسان للقفا كل يوم كيف
أصبحت فتقول بخیر إن سلمت منك.
قوله إلا حصائد ألسنتهم، الحصائد جمع حصيدة وهي الزرع المحصود،
وكذلك الحصيد، وحصائد الألسنة ما تحصده الألسنة من الكلام أي ما
نطقت به شبه اللسان بالمنجل والكلام بما يحصد من الزرع، قال الله تعالى
◌ْحَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ﴾(١)، أي خُصِدوا بالسيف والموت حتى
خمدوا وخمود الإنسان موتُه، والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرم
وعقوباته فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم
القيامة ما زرع خيرا من قول أو عمل حصد الكرامة ومن زرع شرا من قول أو
عمل حصد غدا الندامة، والحصائد ما يقال في الناس باللسان ومن أراد
استتماما لذلك فليقف على كتاب آفات اللسان من الإحياء للغزالي وغالب
تعبير هذا الحديث من كلام الطوفي في شرح الأربعين النووية (٢).
(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٥.
(٢) التعيين (ص ٢١٩-٢٢٦).

٤٩٣
كتاب الأدب وغيره
٤٣٤٤ - وَعَن أسود بن أَصْرَمِ زَّوَهُ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني فَقَالَ
تملك يدك قلت فَمَاذَا أملك إِذا لم أملك يَدي قَالَ تملك لسَانك قلت فَمَاذَا
أملك إِذا لم أملك لساني قَالَ لَا تبسط يدك إِلَّا إِلَى خير وَلَا تقل بلسانك إِلَّا
مَعْرُوفا رواه ابن أبي الدنيا (١) والطبراني(٢) بإسناد حسن والبيهقي (٣).
قوله وعن أسود بن أصرم المحاربي قال ابن حبان: عداده في أهل الشام،
وروايته فيهم. وذكره أبو زرعة الدّمشقيّ، وابن سميع، وابن عبد البرّ فيمن
نزل الشام من الصحابة. وقال ابن السّكن: مخرج حديثه في أهل الشام(٤).
قوله قلت يا رسول الله أوصني ذكر الحديث إلى أن قال تملك لسانك
تقدم الكلام على اللسان وحبسه.
٤٣٤٥ - وَعَن أبي ذَر ◌َّ ◌َّهُ قَالَ دخلت على رَسُول الله ◌َِّ فَذكرِ الحَدِيث
بِطُولِهِ إِلَى أَن قَالَ قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ أوصيك بتقوى الله فَإِنَّهَا زين
لأمرك كُله قلت يَا رَسُول الله زِدْنِي قَالَ عَلَيْك بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَذكر الله عز وجل
فَإِنَّهُ ذكر لَك فِي السَّمَاءِ وَنور لَك فِي الأَرْض قلت يَا رَسُول الله زِدْنِي قَالَ
(١) ابن أبي الدنيا في الصمت (٥)، وفي الورع (١١٢).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١ /٨١٨،٨١٧/٢٨١)، وفي مسند الشاميين (١٦٠٥ - ١٦٠٦).
(٣) أخرجه البخاري في التاريخ (١ /٤٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤٥٨٣)، وقوام السنة
في الترغيب والترهيب (١٧٢٠) أسد الغابة (٩٩/١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٣٠٠/١٠) رواه الطبراني، وإسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٣٩٣)
والسلسلة الصحيحة (١٥٦٠)، وفي صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٦٧).
(٤) الاصابة (١ / ٢٢١).

٤٩٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عَلَيْك بطول الصمت فَإِنَّهُ مطردَة للشَّيْطَان وَعون لَك على أَمر دينك قلت
زِدْنِي قَالَ وَإِيَّاك وَكَثْرَة الضحك فَإِنَّهُ يُمِيت الْقلب وَيَذْهب بِنور الْوَجْه قلت
زِدْنِي قَالَ قل الْحق وَإِن كَانَ مرا قلت زِدْنِي قَالَ لا تخف في الله لومة لائم
قلت زِدْنِي قَالَ ليحجزك عَن النَّاس مَا تعلم من نَفسك، رواه أحمد(١)
والطبراني(٢)، وابن حبان في صحيحه.(٣) والحاكم(٤)، واللفظ له، وقال:
صحيح الإسناد، وقد أملينا قطعة من هذا الحديث أطول من هذه بلفظ ابن
حبان في الترهيب من الظلم، وفيها حكاية عن صحف إبراهيم ٤
قوله وعن أبي ذر تقدم الكلام عليه.
(١) مسند أحمد (٢١٥٤٦)، (٢١٥٥٢).
(٢) الطبراني في المعجم الكبير (١٥٧/٢) (١٦٥١) وفي المكارم (١).
(٣) أخرجه ابن حبان (٣٦١) وفي المجروحين (١٣٠/٣) وابن ماجه (٤٢١٨) والنسائي
(٢٤٢/٨) وفي الكبرى (٧٩٤٤)، وابن سعد (٣٢/١) وابن أبي شيبة (المطالب
٢/٣٤٥٩) وأحمد (١٧٨/٥ و١٧٩) وهناد في الزهد (١٠٦٥) والبزار (٤٠٣٤) البزار
(٤٠٣٤) والطبراني في الكبير (١٦٥١) وفي المكارم (١) والآجري في الأربعين (٤٠) وأبو
الشيخ في العظمة (٢٥٩) وأبو نعيم في الحلية (١٨/١ و١٦٦ -١٦٨) والقضاعي (٦٥١ و
٧٤٠ و ٨٣٧) والبيهقي في الأسماء (ص ٥١٠ - ٥١١) وفي الشعب (٤٣٢٥ و ٧٦٦٨)
(٤٥٩٢) وابن عبد البر في التمهيد (١٩٩/٩) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢١٦/٤)
رواه الطبراني، وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وثقه ابن حبان، وضعفه أبو حاتم،
وأبو زرعة. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف الماضي بن مُحَمَّدْ المصري
مصباح الزجاجة ٤/ ٢٤٠. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٤)، وصحيح
الترغيب والترهيب (١٤٢٢).
(٤) الحاكم (٢/ ٥٩٧).

٤٩٥
كتاب الأدب وغيره
قوله قلت يا رسول الله أوصني، قال أوصيك بتقوى الله فإنه زين لأمرك
كله الحديث. قال العلماء التقوى على ثلاث مراتب وقاية النفس عن الكفر
وهو للعامة، وعن المعاصي وهو للخاصة، وعما سوى الله وهو لخواص
الخواص، قاله الكرماني (١) في شرح البخاري. ومن شعر أبي الدرداء في
التقوى: [٢٩/ ب]
يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادَ
يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أفضل ما استفادا
قوله قلت يا رسول الله زدني؛ قال عليك بتلاوة القرآن فإنه ذكر لك في
السماء ونور لك في الأرض؛ تقدم الكلام على تلاوة القرآن.
قوله قلت زدني. قال عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك
على أمر دينك. الصمت هو السكوت وتقدم الكلام عليه في هذا الباب وهو
المقصود من الحديث هنا.
قوله قلت: زدني. قال: وإياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب
بنور الوجه؛ سيأتي الكلام على من قال كلمة ليضحك بها القوم في هذا الباب.
٤٣٤٧ - وَعَن أبي سعيد رَّوََّهُ قَالَ جَاءَ رجل إِلَى رَسُول اللهِ وَّهِ فَقَالَ يَا
رَسُول الله أوصني قَالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإِنَّهَا جماع كل خير وَعَلَيْك بِالْجِهَادِ
فِي سَبِيل الله فَإِنَّهَا رَهْبَانِيَّة الْمُسلمين وَعَلَيْك بِذكر الله وتلاوة كِتَابِه فَإِنَّهُ نور
لَك فِي الأَرْضِ وَذكر لَك فِي السَّمَاء واخزن لسَانك إِلَّا من خير فَإِنَّك بذلك
(١) الكواكب الدراري (١١٣/١).

٤٩٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تغلب الشَّيْطَان، رواه الطبراني في الصغير (١) وأبو الشيخ في الثواب كلاهما من
رواية ليث بن أبي سليم، ورواه ابن أبي الدنيا (٢) وأبو الشيخ أيضا مرفوعا عليه
مختصرا.
قوله وعن أبي سعيد الحدري هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري
الخزرجي الخدري بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة منسوب إلى
خدرة أحد أجداده أو إحدى جداته، وخدرة يطن من الأنصار، استُشهد أبوه
يوم أحد وكان صغيرا، وغزى بعد ذلك ثنتي عشرة غزوة، توفي بالمدينة سنة
أربع وستين أو سبعين، ودفن بالبقيع، قاله الكرماني(٣). ومناقبه كثيرة، وتقدم
الكلام عليه مبسوطا.
قوله جاء رجل إلى رسول الله وَ له، فقال يا رسول الله أوصني قال عليك
بتقوى الله فإنه جماع كل خير، تقدم الكلام على التقوى وسيأتي الكلام على
ذلك مبسوطا في بابه.
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٨٤٠، وأحمد (١١٧٧٤)، وابن أبي عاصم في
الزهد (٤٣)، وفي الجهاد (٣٤)، وهناد بن السري في الزهد (٥٥٣/٢)، والطبراني في
معجمه الصغير (٩٤٩)، وفي الدعاء (١٨٥٨)، وأبو يعلى (١٠٠٠)، ومحمد بن الضريس
في فضائل القرآن (٦٦)، والخطيب (٣٩٢/٧)، والبيهقي في الآداب (٨٣٥) الزهد الكبير
للبيهقي (٨٨٤، وإسماعيل الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (١٣٦٣)، وقال
الهيثمى (٣٠١/١٠): فيه ليث بن أبى سليم وهو مدلس وقد وثق هو وبقية رجاله.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٣٧٤٦). وقال الهيثمى (٢١٥/٤): رجاله ثقات.
(٢) الصمت لابن أبي الدنيا (٩١).
(٣) الكواكب الدراري (١ / ١٠٩).

٤٩٧
کتاب الأدب وغيره
قوله وعليك بالجهاد في سبيل الله فإنه رهبانية المسلمين الحديث. تقدم
الكلام على الرهبانية وعلى الجهاد.
قوله وُّ واخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان، وخزن
اللسان هو حبسه و کفه. وفي رواية فكف لسانك إلا عن خير، الحدیث، فلیس
الكلام مأمورا به على الإطلاق ولا السكوت بل لابد من الكلام بالخير
والسكوت عن الشر، وكان السلف رضي الله عنهم كثيرا يمدحون الصمت
عن الشر وعن ما لا يعني لشدته على النفس، ولذلك يقع الناس فيه كثيرا،
فكانوا يعاطون أنفسهم ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم. قال
الفضيل بن عياض رحمه الله ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس
اللسان، قاله ابن رجب في شرح الأربعين النووية(١).
٤٣٤٨ - وَعَن مِعَاذْ رَهُ قَالَ يَا رَسُول الله أوصني قَالَ اعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ
واعدد نَفسك فِي الْمَوْتَى وَإِن شِئْت أَنْبَأْتِك بِمَا هُوَ أملك بك من هَذَا كُله قَالَ
هَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَی لِسانه، رواه ابن أبي الدنيا(٢) بإسناد جيد.
قوله وعن معاذ بن جبل زقوته تقدم الكلام علیه.
(١) جامع العلوم والحكم (٣٤١/١).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٣)، والطبراني في الكبير (٢٩١/١٧٥/٢٠)، وأبو
نعيم في حلية الأولياء (٣٧٦/٤)، وقال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص:
٩٩٨) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني ورجاله ثقات وفيه انقطاع. وصححه
الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧٠).

٤٩٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله أنه قال يا رسول الله أوصني، قال اعبد الله كأنك تراه واعدد نفسك
في الموتى، وفي حديث آخر: إذا أصبحت لا تحدث نفسك بالمساء الحديث،
ففيه حث على تقصير الأجل وعلى المسارعة إلى الطاعات واغتنام الأوقات
والمبادرة إلى استغراقها بالتقوى والعمل الصالح فإن أوقات الإنسان
وأنفاسه رأس ماله وشرفه الدنيا وربحه الفوز بالجنة وخسرانه الخلود في النار
أجارنا الله منها، قاله الأصبهاني في شرح الأربعين الودعانية.
فائدة: الأصبهاني بفتح الهمزة وكسرها، وبالباء والفاء، وأهل المشرق
يقولون أصفهان بالفاء وأهل المغرب بالباء، وهي مدينة بعراق العجم عظيمة
كثر المحدثون فيها. قاله الكرماني (١) في شرح البخاري.
قوله ◌ٍَّ وإن شئت أنبأتك [٣٠/ أ] بما هو أملك بك من هذا كله قال هذا
وأشار بيده إلى لسانه، تقدم الكلام على اللسان.
٤٣٤٩ - وَعَن أنس ◌َّالَّهُ قَالَ لَقِي رَسُول الله وَّهِ أَبَا ذَر فَقَالَ يَا أَبَا ذَرِ أَلا
أدلك على خَصْلَتَيْنِ هما خفيفتان على الظّهْر وأثقل فِي الْمِيزَان من غيرهمَا
قَالَ بَلَى يَا رَسُول الله قَالَ عَلَيْك بحسن الخلق وَطول الصمت فوالذي نَفسِي
بِيَدِهِ مَا عمل الْخَلَائق بمثلهما، رواه ابن أبي الدنيا(٢) والبزار(٣) والطبرانى(٤)
(١) الكواكب الدراري (٩٨/٢).
(٢) الصمت لابن أبي الدنيا (٥٥٤).
(٣) مسند البزار = البحر الزخار (٧٠٠١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٠١): رواه
البزار، وفيه بشار بن الحكم، وهو ضعيف.
(٤) الطبراني في المعجم الأوسط (٢٠٠٦، ٧١٠٢، ٧١٠٣).

٤٩٩
كتاب الأدب وغيره
وأبو يعلى (١) ورواته ثقات والبيهقي (٢) بزيادة، ورواه أبو الشيخ ابن حيان
(٣) من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ النَّبِي وَِّ يَا أَبَا الدَّرْدَاء أَلا أنبئك بأمرين
خَفِيف مؤنتهما عَظِيم أجرهما لم تلق الله عز وجل بمثلهما طول الصمت
وَحسن الخلق، ورواه ابن أبي الدنيا(٤) أيضا عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا قَالَ
قَالَ رَسُول الله وَّةِ أَلا أَخْبركُم بأيسر الْعِبَادَة وأهونها على الْبدن الصمت
وَحسن الخلق.
قوله وعن أنس بن مالك تقدم الكلام عليه.
قوله وَله لأبي ذر يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على
الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما قال بلى يا رسول الله قال عليك بحسن
الخلق وطول الصمت أي السكوت، تقدم الكلام على هذا الحديث في حسن
الخلق.
٤٣٥٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَّهُ رَفعه قَالَ إِذا أصبح ابْن آدم فَإِن
الْأَعْضَاء كلها تفكر اللُّسَان فَتَقول اتَّقِ الله فِينَا فَإِنَّمَا نَحن بك فَإِنِ اسْتَقَمْت
(١) أبو يعلى الموصلي (٣٢٩٧، ٣٢٩٨) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة
(١/٥٢١٥): هذا إسناد رجاله ثقات.
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤٥٩١)، (٧٦٤١)، وابن أبي عاصم في الزهد (٢)، والطوسي
في مختصر الأحكام (١٥٨٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب. الألباني في السلسلة
الصحيحة (١٩٣٨).
(٣) وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٢/٥٢١٥): ورواه أبو الشيخ بن حيان في كتاب
الثواب بإسناد واه، ورواه أيضا من حديث أبي الدرداء،.
(٤) الصمت لابن أبي الدنيا (٢٧).

٥٠٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
استقمنا وَإِن اعوججت اعوججنا، رواه الترمذي(١) وابن أبي الدنيا (٢)
وغيرهما، وقال الترمذي: رواه غير واحد عن حماد بن زيد ولم يرفعوه قال:
وهو أصح(٣).
قوله وعن أبي سعيد تقدم الكلام علیه.
قوله وَّل إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول اتق الله
فينا فإنما نحن بك الحدیث.
العضو بضم العين وكسرها واحد الأعضاء، قال في المحكم: وهو كل
عظم وافر بلحمه.
قال الجوهري في صحاحه(٤) والتكفير أن يخضع الإنسان لغيره کما یکفر
(١) الترمذي (٢٤٠٧)، وأخرجه وأحمد (٩٥/٣-٩٦)، وعبد بن حميد في المسند (٩٧٧
منتخب)، والطيالسي في مسنده (٢٢٠٩) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٤٩٤٥)،
وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٣٩٢)، وأبو يعلى في المسند (١١٨٥)،
والحسين المروزي في زوائد الزهد (١٠١٢/٣٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٣٠٩/٤)،
وقوّام السنة أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (٣٠٩/٤) والخطّابي في غريب الحديث
(٤٤٢/٢)، والبغوي في شرح السنة (٤١٢٦)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب
(١٧١٩)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٥١)، وصحيح سنن الترمذي (١٩٦٢)،
وصحيح الترغيب والترهيب (٢٨٧١).
(٢) ابن أبي الدنيا في الورع (٩١)، والصمت وآداب اللسان (١٢).
(٣) وخالفهم أبو أسامة وأبو كامل؛ فروياه عن حماد بن زيد به موقوفًا: أخرجه هناد في الزهد
(١٠٩٧)-وعنه الترمذي (٤ / ٦٠٦)-، وأحمد في الزهد (ص ٢٤٣ - ٢٤٤). قال
الترمذي: وهذا أصح من حديث محمَّد بن موسى؛ يعني: المرفوع.
(٤) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٨٠٨/٢).