Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١
كتاب الأدب وغيره
٤٢٩٨ - وعن أنس رَو ◌َّهُ قال: قال رسول الله وَّ: ((لما عرج بي مررت
بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت من هؤلاء
يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم))
رواه أبو داود(١)، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا (٢).
قوله وعن أنس تقدم الكلام عليه. قوله وَّ لما عرج بي مررت بقوم لهم
أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، الحديث. الخمش
معروف وتقدم في السؤال. قوله رواه أبو داود، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا
تقدم الكلام على الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين.
٤٢٩٩- وعن راشد بن سعد المقرائي قال: قال رسول الله وَ بيو: لما عرج
بي مررت برجال تقرض جلودهم بمقاریض من نار، فقلت: من هؤلاء يا
جبريل. قال: الذين يتزينون للزنية. قال: ثم مررت بجب منتن الريح،
فسمعت فيه أصواتا شديدة، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: نساء كن
(١) أبو داود (٤٨٧٨ و٤٨٧٩) ومن طريقه أخرجه البيهقي في الشعب (٦٢٩٠) وفي الأدب
(١٥٣)، وأخرجه أحمد (١٣٣٤٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٥٧٢) والطبري في صريح
السنة (٣٩) والخرائطي في المساوئ (١٩٥) والطبراني في مسند الشاميين (٩٣٢) وفي
الأوسط (٨)، والضياء في المختارة (٢٢٨٥) و(٢٢٨٦) وأبو الشيخ في التوبيخ (٢٠١)
والبيهقي في الشعب (٦٢٩٠) والآداب (١٥٣) والخطيب في التاريخ (١١٦/٥) وأبو
القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٨٧)، والخرائطي في المساوئ (١٩٥) وصححه الألباني
في صحيح الجامع (٥٢١٣)، صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٣٩)، والصحيحة (٥٣٣).
(٢) ورواه يحيى بن عثمان الحمصي عن بقية فلم يذكر أنسا. أخرجه أبو داود (٥/ ١٩٤).
٤٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يتزين للزنية، ويفعلن ما لا يحل لهن، ثم مررت على نساء ورجال معلقين
بثديهن، فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء اللمازون والهمازون،
وذلك قول الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَّزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴾﴾(١) رواه البيهقي(٢) من
رواية بقية عن سعيد بن سنان، وقال: هذا مرسل، وقد رويناه موصولا، ثم
روي عن ابن جريج قال: الهمز بالعين والشدق واليد، واللمز باللسان. قال:
وبلغني عن الليث أنه قال: اللمزة الذي يعيبك في وجهك، والهمزة: الذي
یعیبك بالغيب.
قوله وعن راشد بن سعد المقرائي هو راشد بن سعد المقرائي ويقال:
الحبراني، الحمصي تابعي جليل القدر، يعد في الشامیین، سمع ثوبان، ويعلى
بن مرة، روى عنه ثور، وصفوان بن عمرو قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن
حنبل: لا بأس به.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأحمد
بن عبد الله العجلي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي ثقة، وقال الدار قطني: لا
بأس به، یعتبر به إذا لم يحدث عنه متروك(٣).
قوله ثم مررت على نساء ورجال معلقین بثدیھن؛ الثّدِيُّ جمع الثّدي وهو
حلمة البذا الذي في النهر وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا في الزنا قوله فقلت
(١) سورة همزة، الآية: ١.
(٢) شعب الإيمان (٦٣٢٦)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٤٤٠) ضعيف
جدا.
(٣) تهذيب الكمال (٩ / ترجمة ١٨٢٦).
٤٢٣
كتاب الأدب وغيره
يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء اللمازون والهمازون وذلك لقول الله عز وجل
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةِ لُّمَزَّةٍ ﴾﴾(١).
وقال البيهقي (٢) قال ابن جريج الهمز بالعين والشدق واليد واللمز
باللسان قال وبلغني عن الليث أنه قال اللمزة الذي يعيبك في وجهك والهمزة
الذي يعيبك بالغيبة اهـ.
وأما التعريض بالغيبة إذا كان يحصل الفهم به فهو كالتصريح وكذلك
الفعل فيها كالقول والإشارة والإيماء والرمز والكتابة والحركة والمحاكاة
وكل ما يفهم به المقصود من ذلك فهو داخل في الغيبة وهو معصية مرتكب
به الفسق وقد رآى رسول الله وَ﴾ [عائشة] رضي الله عنها وقد حاكت امرأة
فقال ◌َله ما يسرني أني حاكيت ولي كذا وكذا. وأما الكتابة فقد قال علىالشام
القلم أحد اللسانين اهـ.
٤٣٠٠- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ((كنا مع النبي
صَلىالله
وسلم
صدي
فارتفعت ريح منتنة، فقال رسول الله وير: أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ربح
الذين يغتابون المؤمنين)) رواه أحمد (٣).
(١) سورة همزة، الآية: ١.
(٢) شعب الإيمان (٦٧٥٢).
(٣) أخرجه أحمد (١٤٧٨٤) والبخاري في الأدب المفرد (٧٣٢) وابن أبي الدنيا في الغيبة
(٦٩) والخرائطي في المساوئ (١٨٩) وابن حبان في الثقات (٢٥٨/٦) وأبو الشيخ في
التوبيخ (١٧٦ و٢٠٤) وأبو نعيم في صفة النفاق (١٦٠) والخطيب في تلخيص المتشابه
(٢/ ٧١٤) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٢٢٣٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
=
٤٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وابن أبي الدنيا(١)، ورواة أحمد ثقات.
قوله وعن جابر تقدم الكلام عليه. قوله كنا عند النبي ◌َ﴾ فارتفعت ريح
منتنة فقال رسول الله * هل تدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون
المؤمنين الحديث. وفي حديث آخر ذكره ابن خميس في كتابه ذم الغيبة عن
جابر بن عبد الله قال هاجت ريح منتة على عهد رسول الله وَاجله فقال ما لَلام إن
ناسا من المنافقين اغتابوا أناسا من المسلمين فلذلك هاجت هذه الريح،
وعند سماع هذا الحديث قيل لبعض الحكماء ما الحكمة في أن ريح الغيبة
ونتنها كانت تبين على عهد رسول الله وَالله وليست تبين في [يومنا] هذا فقال
لأن الغيبة قد كثرت في زماننا هذا وامتلأت منها الأنوف [٢٠/ ب] فلأجل
ذلك لا تظهر الرائحة ومثال هذا رجل حضر دار دباغ فإنه لا يقدر على المقام
فيها من شدة الرائحة وأهل تلك الدار يأكلون فيها الطعام ولا تظهر لهم
رائحة لأنه أنوفهم امتلأت منها، وكذلك الغيبة الآن(٢)، اهـ.
٢٤- وروي عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم
قالا: قال رسول الله ولياليه: ((الغيبة أشد من الزنا. قيل: وكيف؟ قال: الرجل
يزني، ثم يتوب، فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له
=
(٩١/٨): رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال ابن حجر في فتح الباري (٤٧٠/١٠): سند
حسن وحسنه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٤٠)، وغاية المرام في
تخريج أحاديث الحلال والحرام (٤٢٩).
(١) الصمت وآداب اللسان (٢١٦).
(٢) تنبيه الغافلين (ص ١٦٢ - ١٦٣).
٤٢٥
كتاب الأدب وغيره
صاحبه)) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة(١) والطبراني في الأوسط(٢)
والبيهقي(٣)، ورواه البيهقي أيضا عن رجل لم يسم عن أنس، ورواه عن
سفيان بن عيينة غير مرفوع، وهو الأشبه، والله أعلم.
قوله وروي عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليهما
رضي الله عنهما. قوله وَّ ليه الغيبة أشد من الزنا، قيل وكيف؟ قال الرجل يزني
ثم يتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه
الحديث. ورواه البيهقي عن سفيان بن عيينة غير مرفوع وهو الأشبه.
فائدة: في بيان كفارة الغيبة (٤): اعلم أن الغيبة معصية عظيمة تتعلق بحق
الآدمي فهي مظلمة مثبت له المطالبة بها في الآخرة كسائر المظالم فالواجب
(١) ابن أبي الدنيا في الصمت (١٦٤)، وفي ذم الغيبة والنميمة (٢٦).
(٢) المعجم الأوسط (٦٥٩٠).
(٣) البيهقي في شعب الإيمان (٦٣١٥ -٦٣١٦)،. أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة (٢٥)،
وأبو الشيخ في التوبيخ (١٦٢)، والدينوري في المجالسة (٣٥٤١)، والسلفي في
الطيوريات (٨٣٩)، وابن مندة في الفوائد (٣)، ومن طريقه ابن عساكر في معجمه (٦٩٣)،
وقال ابن أبي حاتم في علل الحديث (٢٤٧٤) قال أبي ليس لهذا الحديث أصل، وعباد
ضعيف الحديث قال ابن عساكر: غريب جداً من حديث إبراهيم بن طهمان وأبي رجاء،
تفرد به أصرم بن حوشب. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩٢/٨) رواه الطبراني في
الأوسط، وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(٢٢٠٤)، وفي ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٠)، وقال في الضعيفة (١٨٤٦): ضعيف
جداً ..
(٤) إحياء علوم الدين (٢/ ١٥٣ - ١٥٥).
٤٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
على المغتاب أن يندم عليها ويتوب منها ويتأسف على ما فعله ليخرج من
ذلك من حق الله تعالى ثم يأتي من اغتابه [فليستحل] منه ليخرج من مظلمته
وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم إذ المغتاب قد يستحل من الغيبة
ليظهر الورع من نفسه ولا يكون في الباطن نادما فيكون مقارنا لمعصية أخرى
وهي الرياء. فبهذا الطريق الذي ذكرناه يحصل تكفير الغيبة ويعرى عن
التلطخ بإثمها.
وقال بعض السلف إن كان اغتيابه بلغ الذي اغتابه فتكفيره أن يتوب إلى
الله سبحانه وتعالى وإن لم تبلغ الغيبة إليه فليستغفر الله تعالى ويدعو بالخير
لمن اغتابه ويضمر أن لا يعود إلى مثله، ولو أنه اغتابه فقال عليه بهتانا لم يكن
فإنه يفتقر إلى التوبة في ثلاثة مواضع أحدها أن يرجع إلى القوم الذين تكلم
عندهم، فيقول لهم [اعلموا].
قلت في فلان عندكم بهتانا وكنت فيه كاذبا. الثاني يذهب إلى الذي اغتابه
ويلتمس من الإحلال. الثالث: أن يتوب إلى الله تعالى من الغيبة والبهتان.
وقال الحسن البصري يكفيه في تكفيرها التوبة إلى الله تعالى والاستغفار لمن
اغتابه ولا يفتقر إلى الاستحلال من الآدم، واحتج عليه بقوله وقل له: كفارة من
اغتيب أن يستغفر له. وقال مجاهد نظّات كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني
عليه وتدعو له بخير. وسئل عطاء بن أبي رباح عن التوبة من الغيبة فقال
تمشي إلى صاحبك وتقول كذبت فيما قلت وظلمت وأسأت فإن شئت
أخذت بحقك وإن شئت عفوت، والصحيح ما قدمناه. ولا يبرأ عن الغيبة
٤٢٧
كتاب الأدب وغيره
ويخلص من جريمتها إلا به فقد ورد بالإسناد الصحيح (١) عن النبي وَاليقول أنه
قال من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليتحللها منه قبل أن يأتي
يوم ليس هناك دينار ولا درهم وإنما يؤخذ من حسناته فإن لم تكن له
حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتزاد على سيئاته.
وروي (٢) أن امرأة قالت لأخرى: إنها لطويلة الذيل فقالت لها عائشة
رضي الله عنها: قد اغتبتيها فاستحليها؛ فالاستحلال لابد منه للخلاص عن
الغيبة فإن كان الذي اغتابه حيا فلا بد أن يستحل منه ولا يبرأ إلا أن يصرح
بإحلاله وإن كان ميتا أو غائبا لا يرجوا لقاءه فليكثر له الدعاء والاستغفار
ويُهدي إليه [٢١/ أ] ما يقدر عليه من الحسنات مع التوبة إلى الله تعالى
ليزول عنه إثم فاحشته وغيبته. فإن قال قائل فهل يجب الإحلال ويتعين على
الذي اغتابه أن يبرئه عند الاعتذار إليه، فيقال لا وإنما هو تبرع وذلك فضل
مندوب إليه مستحسن وليس بواجب وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء على
من اغتابه ويطنب في التودد له ولا يزال ملازما لهذا الفعل حتى يطيب قلبه
فإن لم یطب قلبه ولا حلله كان اعتذاره و کثرة تودده حسنة محسوبة له یرجی
أن يقابل به سيئة الغيبة في القيامة وربما تقاصًا وقد كان بعض السلف لا
يحلل من الغيبة. قال سعيد بن المسيب رضي الله عنه(٣) لا أحلل من ظلمني.
(١) صحيح البخاري (٦٥٣٤).
(٢) تفسير القرطبي (٣٣٨/١٦) إحياء علوم الدين (١٥٤/٣).
(٣) تفسير القرطبي (٣٣٨/١٦). الأذكار (ص٢٧٥)، إحياء علوم الدين (١٥٤/٣).
٤٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقال ابن سيرين(١) إني لم أحرمها عليه فأحللها له، إن الله تعالى حرم عليه
الغيبة، وما كنت لأحلل ما حرم الله تعالى أبدا. فإن قال قائل فما المراد بقول
النبي ◌َّ فليتحللها منه، وتحليل ما حرم الله تعالى لا سبيل إليه؟ فيقال
المراد به العفو عن المظلمة وإبراء الظالم عنها كما يسقط عنه سائر الحقوق
لا أن الحرام ينقلب حلالاً، وما ذكره ابن سيرين إنما يستقيم على وفق ما قاله
في التحليل قبل الغيبة فإنه لا يجوز له أن [يتحلل] الغيبة لغيره [ليغتاب] بل
إذا وقعت منه الغيبة [فليتحللها] المغتاب على معنى أنه يعفو عنها.
فإن قال قائل: فما معنى قول النبي ◌َّر أيعجز أحدكم أن يكون كأبي
ضمضم كان إذا أصبح [يقول] اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك أي
تصدقت على من ذكرني بما يرجع إليّ عيبه. وفي حديث أبي الدرداء(٢)
أقرض من عرضك ليوم فقرك أي من عابك وذمك فلا تجازه واجعله قرضا
في ذمته لتستوفيه منه يوم حاجتك في القيامة. قاله في النهاية (٣). فكيف يتصور
التصدق بالعرض [و]الذي تصدق به فهل [هو] يباح للغير تناوله وإن كانت
صدقته لا تنفذ فما معنى حديث النبي وَّر؟ فيقال معناه أني لا أطلب مظلمة
في القيامة [منه] (٤) ولا أخاصم أحدا في حق يتعلق بعرضي وإلا فلا تصير
(١) تفسير القرطبي (٣٣٨/١٦). الأذكار (ص ٢٧٥)، إحياء علوم الدين (١٥٤/٣).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٤٥٩٦)، الآحاد والمثاني (٥/ ص١٧٢)، حلية الأولياء
(١/ ص٢١٨).
(٣) النهاية (٢٠٩/٣).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٤٢٩
كتاب الأدب وغيره
الغيبة به حلالاً ولا تسقط المظلمة بذلك لأنه عفو قبل الوجوب إلا أن
[ذلك] وعد وهو بالخيار إن شاء عفا في الآخرة وإن شاء رجع وطالب
بمظلمته في عرضه. ولهذا أجمع الفقهاء على أن من أباح قذفه لغيره فقذفه لا
يسقط بذلك حقه من حد القذف ومظلمة الآخرة أشد من مظلمة الدنيا وعلى
الجملة فالعفو فضيلة مندوب إليها. قال الله تعالى مخاطبا لنبيه وَالله ﴿خُذِ
اُلْعَقْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾﴾(١) فقال النبي ◌َّ يا جبريل
ما هذا؟ قال له: أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.
وقال الحسن البصري زَقَّهُ (٢) إذا جئت الأمم بين يدي الله تعالى نودوا
ليقم من كان [له] (٣) أجره على الله تعالى فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. فهذا
بيان وقع الاختيار له من شرح حقيقة الغيبة وتفاصيلها، فنسأل الله تعالى أن
يعصمنا منها ومن سائر المعاصي ويعيذنا من الزلل يوم يؤخذ بالنواصي، اهـ.
قاله ابن خميس في كتابه ذم الغيبة. [٢١/ ب]
٤٣٠١- وعن أبي بكرة زَّو ◌َّهُ قال: ((بينا أنا أماشي رسول الله وَّ، وهو
آخذ بيدي، ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله وَالت:
إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير وبلى، فأيكم يأتيني بجريدة، فاستبقنا
فسبقته، فأتيته بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.
(٢) تفسير مجاهد (٢ / ص ٥٧)، حلية الأولياء (٩ / ص٢٠) المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق
ومعاليھا (١٧٩).
(٣) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٤٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القبر قطعة. قال: إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة
والبول)) رواه أحمد(١) وغيره بإسناد رواته ثقات.
قوله وعن أبي بكرة تقدم الكلام عليه. قوله {مَله فأتيته بجريدة فكسرها
نصفين فألقى على هذا القبر قطعة وعلى ذا القبر قطعة، الحديث. [ما]
الحكمة في كسرها نصفين فلأن النبات يسبح ما دام رطبا، فإذا حصل التسبيح
بحضرة الميت، حصلت له بركته بالتخفيف عنه؛ فلهذا اختص بحالة
الرطوبة. أو لأنه ◌َّ سأل الشفاعة لهما، ورجا إجابتها، وارتفاع العذاب، أو
تخفيفه عنهما مدة رطوبتهما؛ لبركة النبي وَالله.
(١) مسند أحمد (٢٠٣٧٣) وأخرجه الطيالسي (٨٦٧) والبخاري في التاريخ الكبير ١٢٧/٢،
والبزار في مسنده (٣٦٣٦)، والعقيلي في الضعفاء ١٥٤/١، والطبراني في الأوسط
(٣٧٥٩)، والعقيلي (١٥٤/١) وابن قانع في الصحابة (١٤٢/٣-١٤٣) وابن عدي
(٢/ ٤٨٧) والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٤) (١٢٥)، وقال البخاري في التاريخ
الكبير عقبه: وليس بمحفوظ، من حديث أبي بكرة إلاّ عن بحر بن مرار هذا، وقد صح من
غير هذا الوجه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٩٠/١): رواه الطبراني في الأوسط،
وأحمد ... ، ورواه ابن ماجه باختصار ورجاله موثقون.
وقال أيضًا في (١٧٥/٨): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير بحر بن مرار، وهو
ثقة. قال ابن حجر في فتح الباري (٣٢١/١)، و(٤٧٠/١٠): وأخرج أحمد والطبراني
بإسناد صحيح عن أبي بكرة قال: مر النبي ◌َّل بقبرين فقال :.. فذكره. وقال العقيلي: ليس
بمحفوظ من حديث أبي بكرة إلا عن بحر بن مرار هذا، وقد صح من غير هذا الوجه. قال
العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ١٠٣٤) إسناد جيد. وصححه الألباني في
صحيح الترغيب والترهيب (٢٨٤٢).
٤٣١
كتاب الأدب وغيره
٤٣٠٢- وعن يعلى بن سيابة زَّلَهُ: ((أنه عهد النبي وَّةٍ، وأتى على قبر
يعذب صاحبه، فقال: إن هذا كان يأكل لحوم الناس، ثم دعا بجريدة رطبة،
فوضعها على قبره، وقال: لعله أن يخفف عنه مادامت هذه رطبة)) رواه
أحمد(١) والطبراني(٢)، ورواة أحمد ثقات إلا عاصم بن بهدلة.
قوله يعلى بن سيابة هو يعلى بن مرة بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك
بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي، وهو ثقيف، أبوالمرازم
الثقفي، ويقال: العامري وهو يعلى بن سيابة وهي أمه، قاله يحيى بن معين
وغيره. وزعم أبو حاتم أنهما اثنان. له صحبة، عداده في أهل الكوفة، وقيل:
في أهل البصرة، وله بها دار. شهد مع النبي وَّ الحديبية، وخيبر، والفتح،
وحنينا، والطائف، وروى عنه أحاديث، وعن علي بن أبي طالب(٣).
(١) أحمد (١٧٥٦٠).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (٧٠٥/٢٧٥/٢٢)، وفي المعجم الأوسط (٢٤١٣)، وأخرجه
ابن أبي شيبة في المسند (٥٩٥)، وفي المصنف (١٢٠٤٤) وعبد بن حميد المنتخب من
مسند (٤٠٤) وابن أبي عاصم في الآحاد (١٦٠٣) وابن قانع في الصحابة (٢٢١/٣)
والبيهقي في إثبات عذاب القبر (١٢٦) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٥٩٢) وقال
الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وأحمد وفيه عاصم بن بهدلة وهو ثقة وفيه ضعف وبقية
رجال ثقات المجمع (٩٣/٨)، وقال في موضع آخر: رواه أحمد والطبراني وإسناده حسن
المجمع (٧/٩)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١٤٤/١): إسناده لا بأس به.
وعزاه البوصيري في إتحاف الخيرة (١/ ٢٨١) إلى عبد بن حميد، وقال: هذا إسناد رجاله
ثقات، حبيب بن أبي جبيرة، ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(٣) تهذيب الكمال (٣٢/ ترجمة ٧١١٨).
٤٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله ◌َّا ثم دعا بجريدة فوضعها على قبره وقال لعله يخفف عنه ما دامت
هذه رطبة الحديث تقدم معنى التخفيف والرطب فإن قلت ما وجه التأقيت
بقوله ما لم يببسا قلت محمول على أنه سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته
عنهما إلى تيبسهما فإن قلت ما وجه دلالة الحديث على الغيبة قلت النميمة
نوع منها لو سمع المنقول عنه أنه نقل عنه لغمه ذلك قاله الكرماني(١). قوله
ورواته ثقات إلا عاصم بن بهدلة وعاصم هذا هو أحد القراء السبعة ثَبْتٌ في
القراءة وفي الحديث يضعف.
٤٣٠٣- وعن أبي أمامة رَّ لَّهُ قال: ((أتى رسول الله وَل بقيع الغرقد،
فوقف على قبرين ثريين فقال: أدفنتم فلانا وفلانة، أو قال: فلانا وفلانا؟
قالوا: نعم يا رسول الله قال: قد أقعد فلان الآن، فضرب، ثم قال: والذي
نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد تطاير قبره نارا،
ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الثقلين: الإنس والجن، ولولا تمريج
قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، ثم قالوا: يا رسول الله وما
ذنبهما؟ قال: أما فلان، فإنه كان لا يستبرئ من البول، وأما فلان أو فلانة فإنه
كان يأكل لحوم الناس)) رواه ابن جرير الطبري (٢) من طريق علي بن يزيد عن
(١) الكواكب الدراري (١٩٤/٢١).
(٢) ابن جرير الطبري في صريح السنة (٤٠)، وأخرجه ابن ماجه (٢٤٥) والطبراني في المعجم
الكبير (٧٨٦٩/٢١٦/٨)، ومن طريقه ابن الشجري في الأمالي الشجرية (٢١٨/٢)
والبيهقي في الزهد الكبير (٢٩٨)، وقال ابن رجب في أهوال القبور (ص ٩٤): وفي هذا
الإسناد ضعف. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (٣٦/١): هذا إسناد ضعيف لضعف
=
٤٣٣
كتاب الأدب وغيره
القاسم عنه، ورواه من هذه الطريق أحمد (١) بغير هذا اللفظ، وزاد فيه:
((قالوا: يا نبي الله، حتى متى هما يعذبان؟ قال: غيب لا يعلمه إلا الله)) وتقدم
لفظه في النميمة. [قال الحافظ]: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة
مشهورة في الصحاح، وغيرها عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وفي
أكثرها أنهما يعذبان في النميمة والبول، والظاهر أنه اتفق مروره ولاية مرة
بقبرين يعذب أحدهما في النميمة، والآخر في البول، ومرة أخرى بقبرين
يعذب أحدهما في الغيبة، والآخر في البول، والله أعلم.
قوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام علیه.
قوله وُّه لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع إلى قوله إلا الثقلين
الجن والإنس، تقدم الكلام على تفسير الثقلين في الصدقات وغيرها. قول
الحافظ رحمه الله: وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة مشهورة في
الصحاح وغيرها عن جماعة من الصحابة وفي أكثرها أنهما يعذبان في النميمة
والبول. والظاهر أنه اتفق مروره وَّجله بقبرين يعذب أحدهما في النميمة
والآخر في البول ومرة أخرى بقبرين يعذب أحدهما في الغيبة والآخر في البول
والله أعلم. وقال شيخ الإسلام الحافظ العسقلاني الشهير بابن حجر (٢): بل
القصة والمخرج متحد وأكل لحوم الناس أعم من أن يكون بالغيبة أو
=
رواته، قال ابن معين: علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة هي ضعفاء كلها. وضعفه
الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٣).
(١) أحمد (٢٦٦/٥).
(٢) فتح الباري (١٠ / ٤٧١).
٤٣٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بالنميمة. والجمع بين اللفظين ممكن مع عدم ارتكاب التعسف في كونهما
قصتین فإن الأصل عدم التعدد والله أعلم اهـ.
٤٣٠٤- وروي عن عثمان بن عفان زَّالَّهُ قال: سمعت رسول الله وَله
يقول: ((الغيبة والنميمة يحتان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة)) رواه
الأصبهاني(١).
قوله وروي عن عثمان بن عفان تقدم الكلام عليه. قوله وص له الغيبة
والنميمة يجبان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة الحديث. فالغيبة هي أن
یتکلم خلف الإنسان بما یغمہ لو سمعه و کان صدقا فإن کان کذبا سمي بهتانا
وفي حكمه الكتابة والإشارة ونحوهما والنميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى
بعض على جهة الإفساد [والشر.] والجب هو القطع. وقوله كما يعضد
الراعي الشجرة عضد الشجرة هو قطعها.
قوله أوحى الله تعالى إلى موسى ◌َل من مات تائبا عن الغيبة فهو آخر
من يدخل الجنة ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار. وروي عن
أبي أمامة الباهلي أنه قال يعطى العبد كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم
يكن عملها فيقول يا رب من أين لي هذا؟ فيقول هذا بما اغتابك الناس وأنت
لا تشعر، ذكره ابن خمیس.
٤٣٠٥- وعن أبي هريرة زَوَّلَهُ أن رسول الله وَيُّ قال: ((أتدرون من
المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، فقال: المفلس من
(١) وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١٦٩٤) موضوع.
٤٣٥
كتاب الأدب وغيره
أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف
هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته،
وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم
فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) رواه مسلم(١) والترمذي(٢) وغيرهما.
قوله وعن أبي هريرة تقدم. [٢٢ / أ].
قوله وَ ل المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة
الحديث تقدم الكلام عليه في الترهيب من الظلم.
٤٣٠٦- وَرُوِيَ عَن أبى أَمَامَةِ رَوَهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللّهَ وَّهِ إِن الرجل
ليؤتى كِتَابِه منشورا فَيَقُول يَا رَب فَأَيْنَ حَسَنَات كَذَا وَكَذَا عملتها ليست فِي
صحيفتي فَيَقُول محيت باغتيابك النَّاسِ رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيّ(٣).
قوله وروي عن أبي أمامة الباهلي تقدم الكلام عليه. قوله إن الرجل ليؤتى
كتابه منشورا فيقول يا رب فأين حسنات كذا وكذا عملتها ليست في صحيفتي
فيقول محيت باغتيابك الناس الحديث. قوله ليؤتى كتابه منشورا أي ليعطى
كتابه منشورا، والمنشور هو عمله الذي عمل أحصي عليه فأخرج له يوم
(١)صحيح مسلم (٥٩) (٢٥٨١).
(٢) سنن الترمذي (٢٤١٨ هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن وهب الجامع (٥٦١)،
وأحمد (٨٠٢٩، ٨٤١٤- ٨٨٤٢)، وابن حبان (٤٤١١)، وأبو يعلى الموصلي (٦٤٩٩)،
والبيهقي في السنن الكبرى (١٥٥/٦)، وفي شعب الإيمان (١ / ٥٢٢).
(٣) أخرجه الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٢٢٥٠). وقال الألباني: موضوع ضعيف
الترغيب (١٦٩٥).
٤٣٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القيامة ما كتب عليه من العمل فقرأه منشورا عن الحسن زَقَّه قال: يا ابن آدم
بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر
عن يسارك حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك
حتى تخرج يوم القيامة وقال سعيد بن جبير يؤتى بالعبد يوم القيامة فيدفع
إليه کتابه فلا یری صلاته ولا صيامه ولا شيئا من حسنات أعماله فيقول يا
رب هذا كتاب غيري كانت لي حسنات ليست فيه فيقال له إن ربك لا يضل
ولا ینسی ذهب جمیع عملك باغتیابك الناس اه، ذكره ابن خميس.
٤٣٠٧ - وعن أبي هريرة ◌ََّهُ أن رسول الله وَيٍ قال: «أتدرون ما الغيبة؟
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أرأيت إن كان في
أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول
فقد بهته)) رواه مسلم(١) وأبو داود (٢) والترمذي(٣) والنسائي(٤)، وقد روي هذا
الحديث من طرق كثيرة، وعن جماعة من الصحابة اكتفينا بهذا عن سائرها
لضرورة البيان.
قوله وعن أبي هريرة تقدم.
قوله ويقول أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم، قال ذكرك أخاك بما
يكره، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته
(١) صحيح مسلم (٧٠) (٢٥٨٩).
(٢) سنن أبي داود (٤٨٧٤).
(٣) سنن الترمذي (١٩٣٤)، وقال: هذا حديث حسن صحيح ..
(٤) السنن الكبرى للنسائي (١١٤٥٤).
٤٣٧
كتاب الأدب وغيره
وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته الحديث [بَهَته] بفتح الباء وبتخفيف التاء
ومن شددها فقد أخطأ. والبَهْت بفتح الباء وسكون الهاء وفتحها الكذب [أي
كذبت عليه] و[الافتراء] أي قلت فيه البهتان وهو الباطل، وقيل قلت فيه من
الباطل ما حيرته به، يقال بهت فلان فلانا فبُهتَ أي تحيّر في كذبه وقيل بهته
واجهه بما [لم](١) يفعل.
وقوله تعالى ﴿فَبُهِتَ اٌلَّذِى كَفَرَ﴾(٢) أي انقطعت حجته فتحير، يقال
بهت الرجل بهتا أي انقطع وتحير، وبهت الرجل بهتانا إذا قابلته بكذب اهـ.
قال الخطابي رحمه الله تعالى (٣) بهت الرجل صاحبه يبهت [بهتا و](٤) بهتانا
وهو أن يكذب عليه الكذب الذي يبهت من شدة نكره ويتحير فيه فيبقى
مبهوتا، والمراد منه قذف أهل الإحصان، ويدخل فيه رمي الناس بالعظائم
وما يلحق بهم العار والفضيحة اهـ. قاله البغوي في شرح السنة. والغيبة [ذكر
الإنسان] في غيبته بما يكره والبهت في وجهه وأصل البهت أن يقال له الباطل
وهما حرامان.
فائدة: [ولكن] تباح الغيبة لغرض شرعي وذلك بستة أسباب أحدها
التظلم فإذا كان الإنسان مظلوما من جهة القاضي أو غيره فله أن يذكر ظلامته
ويصرح بها ويرفع الأمر فيه إلى السلطان أو من له ولاية أو قدرة على إنصافه
(١) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٣٥٨.
(٣) البغوي في شرح السنة (١ / ٦٢)
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
٤٣٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
منه فذلك مما لا يؤاخذ به ولا يكون مغتابا بذكره، وقد نص الله تعالى على
جوازه فقال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّ مَن ظُلِمَ﴾(١)
ومعناه ليذكر ظالمه بالسوء من الكلام.
الثاني الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن
يرجو قدرته فلان يعمل كذا أو كذا فازجره عنه أو نحو ذلك وإنما يباح ذلك
بقصد ذكر المنكر لزواله ورفعه فإن لم يكن قصده صحيحا كان بذلك مغتابا.
الثالث الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي
بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني؟ ونحو
ذلك، فهذا [٢٢ / ب] جائز للحاجة، والأحوط أن يقول في رجل أو زوج أو
والد أو ولد: كان من أمره كذا، ومع ذلك فالتعيين جائز لحديث هند رضي
الله عنها وقولها: إن أبا سفيان رجل شحيح الحديث، فذكرته بوصف الظلم
والشح ولم ينكر وَّ عليها إذ كان قصدها الاستفتاء.
الرابع تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه: منها جرح
المجروحين من الرواة، والشهود، والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل
واجب صونا للشريعة، ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة في مصاهرة إنسان
أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته فيجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل
يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة ولهذا قال ◌َّة: اذكروا الفاجر بما فيه
يحذره الناس، ذكره ابن خميس. ومنها إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو
(١) سورة النساء، الآية: ١٤٨.
٤٣٩
كتاب الأدب وغيره
عبدا سارقا أو شاربا أو زانيا ونحو ذلك فتذكره للمشتري إذا لم يعلمه
نصيحة، لا بقصد الإيذاء والإفساد، ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى مبتدع
أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخفت أن يتضرر [المتفقه] بذلك، فعليك نصيحته
ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة وهذا مما يغلط، وقد يحمل المتكلم
بذلك الحسد ويلبس الشيطان عليه بذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن
لذلك. ومنها أن تكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه
إما بأن لا يكون صالحا لها وإما بأن يكون فاسقا أو مغفلا ونحو ذلك فيجب
ذکر ذلك لمن له عليه ولا یة لیستدل به أو یعرف حاله، فلا يغتر به، وأن یسعی
في أن يحثه على الاستقامة.
الخامس أن يكون الإنسان معروفا بلقب يتضمن ذكر غيبة كالأعرج
والأعمش والأصم والأعمى والأحول والقصير والأزرق والأقطع [وما
يجري مجراه](١) فلا إثم على من يقوله. فقد روى أبو الزناد عن الأعرج
وروى عن سليمان الأعمش، فالعلماء قد فعلوا ذلك ولم ينكروه بينهم ولا
جعلوه غيبة لضرورة التعريف ويحرم إطلاقه على جهة [التنقيص] ولو أمكن
تعريفه بغير ذلك كان أولى [ولذلك قيل للأعمى بصير عدولا عن اسم
النقص، والله تعالى أعلم].
السادس أن یکون المذکور مجاهرا بالفسق کالمخنث أو بدعته کالمجاهر
(١) حصل تأخير لهذه العبارة في النسخة الهندية، وأدرجت بعد قوله: (فقد روى أبو الزناد عن
الأعرج وروى عن سليمان الأعمش).
٤٤٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بشرب الخمر ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلما وتولي
الأمور الباطلة ويكون متظاهرا بنوع من أنواع الفسق بحيث لا يكره أن يذكر
ذلك عنه فإذا ذكرت منه ما يتظاهر به فلا يكون مغتابا إذ فيه قال رسول الله
◌َالي (١) من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له.
وقال عمر زَّوَّةُ: ليس لفاجر حرمة وإنما أراد به المجاهر دون المستتر إذ
من یکتم حاله في فجوره لابد له من مراعاة حرمته (ویکون] بذکره مغتابا.
وقال الصلت بن طريف (٢) قلت للحسن رَّهُ الرجل الفاجر المعلن بفجوره
ذكري له بما فيه غيبة له فقال لا ولا كراهة.
وروي عن الحسن البصري(٣) أنه قال: [ثلاثة] لا غيبة لهم الإمام الجائر
وصاحب الأهواء والفاسق المعلن بالفسق فهؤلاء إنما جوز ذكرهم بما
يتظاهرون به من الفسق لأنهم لا يكرهونه [إذا ذكر عنه](٤) بل قد [٢٣/ أ]
ربما يتفاخرون به فأما إذا ذكر الفاسق بغير ما يتظاهر به كان مغتابا عاصيا فقد
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (١٠٢)، وابن عدي في الكامل (١ / ٣٨٦)، وابن
حبان في المجروحين (١٥٧/٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٣٥٥/١٠)، وقال: وهذا
أيضا ليس بالقوي. قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (ص: ٢٥٦) أخرجه ابن
عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف، وقال في (ص: ١٠٤٦)
أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف،
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٨٣)، والضعيفة (٥٨٥).
(٢) الصمت وآداب اللسان (ص١٤٤)، الكفاية في علم الرواية (ص٤٢).
(٣) فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد (١٤)، إحياء علوم الدين ج ٣/ ص ١٥٣).
(٤) سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.