Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب البروالصلة وغيرهما
٣٧٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌َّ ◌َا قَالَ سَمِعت رَسُولِ اللهِ وَلَهِ يَقُول انْطلق ثَلَاثَة
نفر مِمَّن كَانَ قبلكُمْ حَتَّى آواهم الْمبيت إِلَى غَار فدخلوه فانحدرت صَخْرَة
من الْجَبَل فَسدتْ عَلَيْهِم الْغَار فَقَالُوا إِنَّه لا ينجيكم من هَذِه الصَّخْرَة إِلَّا أَن
تدعوا الله بِصَالِحِ أَعمالِكُمْ قَالَ رجلٍ مِنْهُم اللَّهُمَّ كَانَ لي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كبيران
وَكنت لَا أغبق قبلهمَا أَهلا وَلَّا مَالا فنأى بِي طلب شجر يَوْمًا فَلم أرح عَلَيْهِمَا
حَتَّى نَامَا فحلبت لَهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فَكرِهت أن أغبق قبلهما
أَهْلا أَو مَالا فَلَبثت والقدح على يَدي أنْتَظر استيقاظهما حَتَّى فرق الْفِجْرِ
فَاسْتَيْقَظَا فشربا غبوقهما اللَّهُمَّ إِن كنت فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فَفرج عَنَّا
مَا نَحن فِيهِ من هَذِه الصَّخْرَة فانفرجت شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجِ وَقَالَ
الآخر اللَّهُمَّ كَانَت لي ابْنة عَم وَكَانَت أحب النَّاسِ إِلَيّ فأردتها الحَدِيث رَوَاهُ
البُخَارِيّ وَمُسلم وَتقدم بِتَمَامِهِ وَشرح غَرِيبه فِي الْإِخْلَاص(١).
٣٧٦٤- وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ قَالَ بَيْنَمَا ثَلَاثَة نفر يتماشون أَخذهم الْمَطَر
فمالوا إِلَى غَار فِي الْجَبَل فانحطت على غارهم صَخْرَة من الْجَبَل فأطبقت
عَلَيْهِم فَقَالَ بَعضهم لبَعض انْظُرُوا أعمالا عملتموها لله عز وجل صَالِحَة
فَادعوا الله بهَا لَعَلَّه يفرجها فَقَالَ أحدهم اللَّهُمَّ إِنَّه كَانَ لي والدان شَيْخَانِ
كبيران ولي صبية صغَار كنت أرعى فَإِذا رحت عَلَيْهِم فحلبت لَهُم بدأت
بوالدي أسقيهما قبل وَلَدِي وَإِنَّهُ نأى الشّجر فَمَا أتيت حَتَّى أمسيت
فوجدتهما قد نَامَا فحلبت كَمَا كنت أحلب فَجِئْت بالحلاب فَقُمْت عِنْد
(١) أخرجه البخارى (٢٢١٥) و(٢٢٧٢) و(٢٣٣٣) و(٣٤٦٥)، ومسلم (١٠٠ - ٢٧٤٣).

٤٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهمَا والصبية
يتضاغون عِنْد قدمي فَلم يزل ذَلِك دأبي ودأبهم حَتَّى طلع الفجْر فَإِن كنت
تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك ابْتِغَاء وَجهك فافرج لنا فُرْجَة نرى مِنْهَا السَّمَاء فَفرج الله
عز وَجل لَّهُم حَتَّى رَأَوْا مِنْهَا السَّمَاء وَذكرِ الحَدِيث(١).
قوله: وعن ابن عمر نَظَّالًَّا، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله {َيليه في حديث الغار: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم)) تقدم الكلام
على هذا الحديث في باب الإخلاص مبسوطًا.
قوله وَلخلي في رواية البخاري: ((فلم يزل ذلك دأبي وأدبهم حتى طلع الفجر))
الحديث، أي حالي اللازمة وعادتي والدأب الملازمة للشيء والاعتناء به.
وقوله: ((فافرج عنا فرجة نرى منها السماء)) الفرجة بالضم والفتح [
وهو الخلل بين شيئين].
٣٧٦٥ - وَعَن أبي هُرَيْرَة زَّوَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّةِ خِرِجِ ثَلَاثَة فِيمَن
كَانَ قبلكُمْ يرتادون لأهلهم فَأَصَابَتْهُمْ السَّمَاء فلجؤوا إِلَى جبل فَوَقَعت
عَلَيْهِم صَخْرَة فَقَالَ بعضهم لبعض عَفا الأثر وَوَقع الْحجر وَلا يعلم بمكانكم
إِلَّا الله فَادعوا الله بأوثق أَعمالكُمْ فَقَالَ أحدهم اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنْه كَانَت
لي امْرَأَة تعجبني فطلبتها فَأَبَت عَليّ فَجعلت لَهَا جعلا فَلَمَّا قربت نَفسهَا
تركتهَا فَإِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك رَجَاء رحمتك وخشية عذابك
فافرج عَنَّا فَزَالَ ثلث الْحجر وَقَالَ الآخرِ اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنْه كَانَ لي
(١) أخرجه البخارى (٥٩٧٤) ومسلم (٢٧٤٣) م.

٤٦٣
كتاب البروالصلة وغيرهما
والدان وَكنت أحلب لَهما فِي إنائهما فَإِذا أتيتهما وهما نائمان قُمْت حَتَّى
يستيقظا فَإِذا استيقظا شربا فَإِن كنت تعلم أَنِّي فعلت ذَلِك رَجَاء رحمتك
وخشية عذابك فافرج عَنَّا فَزَالَ ثلث الْحجر وَقَالَ الثَّالِثِ اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم
أَنِّي اسْتَأْجَرت أَجِيرا يَوْمًا فَعمل لي نصف النَّهَار فأعطيته أجرا فسخطه وَلم
يَأْخُذهُ فوفرتها عَلَيْهِ حَتَّى صَار من كل المَال ثمَّ جَاءَ طْلب أجره فَقلت خُذ
هَذَا كُله وَلَو شِئْت لم أعْطه إِلَّا أجره الأول فَإِن كنت تعلم أَنّي فعلت ذَلِك
رَجَاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عَنَّا فَزَالَ الْحجر وَخَرجُوا يتماشون رَوَاهُ
ابْن حبَان فِي صَحِيحه(١).
قوله: وعن أبي هريرة رقم الله تقدم الكلام على ترجمته.
قوله وَالر: ((خرج ثلاثة فيمن كان قبلكم)) الحديث، تقدم الكلام عليه في
الحدیث قبه.
(١) أخرجه البزار (٩٤٩٨) و(٩٥٥٦)، وابن حبان (٩٧١)، والطبراني في الأوسط (٥٤/٣ -
٥٥ رقم ٢٤٥٤) و(٣٣/٥ - ٣٤ رقم ٤٥٩٧)، والدعاء (١٩٣ و١٩٤). قال البزار في
الموضع الأول: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن عوف عن خلاس إلا المعتمر.
وقال في الثانى: وهذا الكلام ونحوه وقريب منه قد روي عن النبي ﴾﴾ من وجوه فرواه قتادة، عن
سعيد بن أبي الحسن بن، عن أبي هريرة زَّالََّه، ولا نعلم رواه عن قتادة إلا عمران القطان. وقال
الطبرانى: لم يروه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن إلا عمران. وقال في الثانى: لم يرو هذا
الحديث عن داود بن أبي هند إلا عبد الله بن عرادة، تفرد به: داهر بن نوح.
وقال الهيثمى ٨/ ١٤٢ -١٤٣: رواه البزار والطبراني في الأوسط بأسانيد، ورجال البزار
وأحد أسانيد الطبراني رجالهما رجال الصحيح. وقال الألباني: حسن صحيح صحيح
الترغيب (٢٤٩٨).

٤٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((فإذا رحت عليهما جلبت لهما)) أي إذا صرفت الماشية من مرعاها
بالعشي إلى موضع مبيتهما، والمراح مكان مبيتهما، وقيل: مسيرهما إليه.
قوله: ((فسدت عليهم الغار)) أي على باب غارهم والحلاب بكسر الحاء
الإناء الذي يحلب فيه ويراد به هنا اللبن المحلوب فيه.
قوله: ((يتضاغون)) من باب التفاعل من [٢٦٩/ أ] الضغاء بالمعجمتين
وهو الصياح بالبكاء أي يضجون(١).
قوله: ((فانساخت الصخرة)) هكذا روي بالخاء المعجمة وإنما هو بالمهملة
بمعنى انشقت يقال انساح الثوب إذا انشق من قبل نفسه وألفها منقلبة عن
الواو وإنما ذكرناها هاهنا لأجل روايتهما بالخاء المعجمة ويروي بالسين
وتقدم ذلك في أول هذا التعليق قاله في النهاية (٢) قال الخطابي: روى
بالحاء المهملة وبالخاء المعجمة(٣).
قوله في حديث أبي هريرة: ((عفا الأثر ووقع الحجر)) وهو بمعنى درس
وانمحي ولم يبق له أثر وقيل: عفا أي درس أثر الحجاج في الأرض.
قوله: ((حلابهما)) والحلوب أي المحلوب.
قوله: ((ففرج عنا)) أي فرجة أخرى لأكلها.
قوله: ((اللهم)) قال الطيبي: كرر لفظ اللهم في القريبة الثانية لأن هذا المقام
أصعب المقامات، [وأشقها فإنه] ردع لهوى النفس، قال [ذلك البقر] ذلك
(١) الكواكب الدرارى (٦٦/١٠).
(٢) النهاية (٦٤/٣-٦٥).
(٣) أعلام الحديث (٣/ ١٥٧٠)، والكواكب الدرارى (٩٨/١٤).

٤٦٥
كتاب البروالصلة وغيرهما
باعتبار [السواد] المرئي وأنث الضمير الراجع إلى البقر باعتبار الجنس،
الفرق بفتح الفاء والراء وبسكونها ظرف يسع ثلاثة آصع وهي ستة عشر
رطلا، فإن قلت: فيه صحة بيع الفضولي [وأجاب أصحابنا بأن] هذا شرع
من قبلنا ثم ليس فيه أن الفرق كان معينا ولم يكن في الذمة وقبضه الأجير
ودخل في ملكه بل كان هذا تبرعا منه له(١).
قال الخطابي (٢): قد احتج به أحمد بن حنبل وإسحاق في قولهما أن من
استودع مالا فاتجر فيه بغير إذن صاحبه أن الربح لرب المال، وقال أصحاب
الرأي للمضارب ويتصدق به وهو ضامن لرأس المال، قال الخطابي(٣):
ويشبه على قول أحمد أن يكون هذا الرجل إنما استأجر على فرق أرز معلوم
بعينه حتى تكون التجارة وقعت بمال الأجير وأما إذا كانت الأجرة غير معينة
فإنما وقعت الإجارة في مال المستأجر لأنها من ضمانه والربح له لأنه المالك
والعامل والمتصرف فيه إلا أنه لا حجة له في واحد من الأمرين أيهما كان
لأن [هذا قول] ثناء ومدح استحقه هذا الرجل في أمر تبرع به لم يكن يلزمه
[من جهة الحكم فحمد عليه، وإنما هو الترغيب في الإحسان والندب إليه
وليس من باب ما يجب ويلزم] في شيء أ.هـ.
قوله: (تفض الخاتم إلا بحقه)) أي: لا تكسره وهو عبارة عن افتراع البكر
وافتضاض عذرتها وكسر خاتم الله الذي جعله الله تعالى عليها، يقال: افتض
(١) شرح المشكاة (١٠/ ٣٧١٠ - ٣٧١١)، والكواكب الدرارى (٩٨/١٤).
(٢) معالم السنن (٩١/٣).
(٣) المصدر السابق (٩٢/٣).

٤٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجارية واقتضها [بالفاء والقاف] قاله عياض (١) أي: لا تستبحها إلا بحق
(٢)
الشرع(٢).
قوله: ((وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا)) بفتح الهمزة وضم الباء هذا
هو الصحیح المشهور.
٣٧٦٦ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ جَاءَ رجلٍ إِلَى رَسُول الله وَِّ فَقَالَ يَا
رَسُول الله من أَحَقِ النَّاسِ بِحسن صَحَابَتِي قَالَ أمك قَالَ ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ
ثمَّ من قَالَ أمك قَالَ ثُمَّ من قَالَ أَبوك رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلم(٣).
قوله: وعن أبي هريرة ◌َقَّه تقدم الكلام عليه.
قوله: جاء رجل إلى رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله من أحق الناس
بحسن صحابتي، الحديث، الصحابة هنا بفتح الصاد بمعنى الصحبة من
الصحابة والصحبة الحفظ ومنه الحديث اللهم اصحبنا بصحبة واقلبنا بذمة
أي: احفظنا بحفظك في سفرنا وارجعنا بأمانك وعهدك إلى بلدنا(٤).
قوله وَله: ((أمك، قال ثم من: قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك))، وفي
رواية قال: ((أمك ثم أمك ثم أبوك)).
وقوله: ((ثم أباك)) هكذا هو منصوب بفعل محذوف أي ثم بر أباك، وفي
رواية أبوك وهذا واضح قال: ثم من قال: الأدنى فالأدنى، ففي هذه
(١) مشارق الأنوار (٢ /١٦٠).
(٢) مطالع الأنوار (٢ / ٤١٤).
(٣) أخرجه البخارى (٥٩٧١)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤ - ٢٥٤٨)، وابن حبان (٤٣٤).
(٤) النهاية (٣/ ١١).

٤٦٧
كتاب البروالصلة وغيرهما
الأحاديث الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقهم بذلك ثم بعدها الأب ثم
الأقرب فالأقرب، قال العلماء رضي [٢٦٦/ ب] الله عنهم: وسبب تقديم
الأم في البر لأنها أضعف ولكثرة تعبها عليه وشفقتها وخدمتها ومعاناة
المشاق في حملة ثم وضعه ثم إرضاعه ثم تربيته وخدمته ومعالجة أوساخه
وتمريضه وغير ذلك(١)، ولهذا قال الفقهاء: تقدم الأم على الأب في أخذ
النفقة(٢)، قال بعض العلماء في هذا الحديث ينبغي أن يكون للأم ثلاثة أمثال
ما للأب لأن النبي وَّر أمر ببرها ثلاثا وببر الأب مرة، وقال بعضهم: لها ثلثا
البر لحديث ورد ذكر الأم فيه مرتين والأب مرة رواه ابن حبان في صحيحه،
وتقدم ذكره، واستدل به على ذلك.
قال صاحب التنقيح على المصابيح (٣): وليس بين الحديث الذي ظاهره
أن الأم لها ثلاثة أرباع البر وبين الحديث المقتضي المثلثين بل يحمل
الحديث الأول على أم ربت الولد وأرضعته، والثاني: على أم لم يوجد منها
ذلك وهذا سنح به الخاطر ولعله الصواب والله تعالى أعلم.
ونقل الحارث المحاسبي إجماع العلماء على أن الأم تفضل في البر على
الأب وحكي القاضي عياض خلافا في ذلك والجمهور بتفضيلها والصحيح
عندنا أي الشافعي أنه إذا اجتمع الأب والأم في الاحتياج إلى النفقة وليس
عند الولد إلا كفاية أحدهما قدمت الأم وقيل الأب، وقيل هما سواء، قال:
(١) شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٠٢).
(٢) كشف المناهج (٢٧٢/٤)، وانظر شرح النووى (١٦/ ١٠٢-١٠٣).
(٣) المصدر السابق.

٤٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ونسب بعضهم هذا إلى الإمام مالك أي أنهما في البر سواء والصواب الأول
لصريح هذه الأحاديث ثم المعنى المذكور والله أعلم.
قال القاضي(١): وأجمعوا على أن الأم والأب آكد خدمة في البر ممن سواهما،
قال: وتردد بعضهم بين الأجداد والإخوة لقوله ويقول:((ثم أدناك فأدناك)) قال
أصحابنا: يستحب أن يقدم في البر الأم ثم الأب ثم الأجداد ثم الجدات ثم
الإخوة ثم الأخوات ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات
والأخوال والخالات ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم من أدلى بأبوين على من
أدلى بأحدهما ثم بذي الرحم غير المحرم كابن العم وبنيه وأولاد الأخوال
والخالات وغيرهم ثم بالمصاهرة ثم بالولاء من أعلى وأسفل ثم الجار ويقدم
القريب البعيد الدار على الجار وكذا لو كان القريب في بلد آخر قدم على الجار
الأجنبي وألحقوا الزوج والزوجة بالمحارم والله أعلم قاله في الديباجة والله أعلم.
٣٧٦٧ - وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكرِ نَّنَا قَالَت قدمت عَليّ أُمِّي وَهِي مُشركَة
فِي عهد رَسُول الله وٍَّ فاستفتيت رَسُول الله ◌َّهِ قلت قدمت عَليّ أمِّي وَهِي
راغبة أفأصل أُمِّي قَالَ نعم صلي أمك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه قَالَت
قدمت عَلَيّ أُمِّي راغبة في عهد قريب وَهِي راغمة مُشركَة فَقلت يَا رَسُول الله إِن
أَمِّي قدمت عَليّ وَهِي راغمة مُشركة أفأصلها قَالَ نعم صلي أمك راغبة أَي طامعة
فِيمَا عِنْدِي تَسْأَلِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا راغمة أَي كارهة لِلْإِسْلَامِ (٣).
(١) إكمال المعلم (٥/٨).
(٢) أخرجه البخارى (٢٦٢٠) و(٣١٨٣) و(٥٩٧٨) و(٥٩٧٩)، ومسلم (٤٩ و٥٠-
١٠٠٣)، وأبو داود (١٦٦٨)، وابن حبان (٤٥٢).

٤٦٩
كتاب البروالصلة وغيرهما
قوله: وعن أسماء بنت أبي بكر نَّهَا، زوج الزبير بن العوام أم عبد الله بن
الزبير، لما قتل ابنها عبد الله قال لها ابن عمر اصبري فقالت: وكيف لا وقد
أتيت بغي من بغايا بني إسرائيل برأس يحيى بن زكريا، توفيت رَقُلًِّا بعد قتل
ابنها بعشر ليال وهي ابنة مائة سنة لم يتغير عليها من عقلها شيءٍ (١).
قولها: قالت قدمت عليَّ أمي [في عهد قريش] وهي راغمة. الحديث، وفي
رواية لأبي داود: قدمت علي أمي وهي راغبة راهبة، أي: طامعة فيما عندي
تَسْأَلِنِي الإحسان إليها، يقال: رغب يرغب رغبة إذا حرص على الشيء
ورغب فيه، والرغبة السؤال والطلب، وأصل الرغبة الحرص على الجمع
والمنع عن الحق وراغمة أي كارهة للإسلام، أ.هـ قاله الحافظ وزاد غيره
((ساخطة عليّ)) أ.هـ فالمعنى [ذليلة] محتاجة لعطائي.
أفأصلها: أي أفأعطيها شيئا ((صليها))؛ أي: أعطيها؛ يعني: الإحسان إل
الكفار، وكان ذلك في زمان معاهدة النبي الكفار ومدة مصالحتهم، قال الله
تعالى: ﴿لَّا يَنْهَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ [٢٦٧/ أ] فِى الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾(٢) ولما كان العاجز الذليل لا يخلو من
غضب قالوا: ترغم إذا غضب وراغمة أي غاضبة يريد أنها قدمت علي
غضبى لإسلامي وهجرتي متسخطة لأمري أو كارهة مجيئها إلى لولا مسيس
الحاجة وقيل: راغمة من قومك من قوله تعالى ﴿يجد في الأرض مراغما
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٢٩/٢ - ٣٣٠).
(٢) سورة الممتحنة ، الآية: ٨.

٤٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
كثيرا﴾(١) أي: هربا ومتسعا ومنه الحديث إن السقط ليراغم ربه إن أدخل
أبويه إلى النار أي لتغاضبه،أ. هـ قاله في النهاية(٢).
تنبيه: راغبة وراهبة [ ... ] (٣) بالنصب على الحال ويصح فيهما الرفع على
أن خبرهما مبتدأ محذوف، راغبة: بالباء بعد الغين المعجمة، وقال القاضي
عياض(٤): قيل معناه راغبة عن الإسلام وكارهة له، وقيل: معناه طامعة فيما
أعطيتها حريصة عليه وطامعة طالبة صلتي وراغمة بالميم معناه كارهة
للإسلام ساخطته، ومعنى: ((في عهد قريش)) أي في المدة التي عاهدت قريش
فيها رسول الله څچلټ.
قوله وَّ:((نعم صلي أمك)) فيه جواز صلة القريب المشرك، وأم أسماء:
اسمها قيلة بفتح القاف وسكون الياء التحتانية على الأصح، وقيل: قتيلة بضم
القاف وفتح التاء ثالثة الحروف وسكون الياء آخر الحروف وهي قيلة بنت
عبد العزى القرشية العامرية وهي أم عبد الله بن أبي بكر الصديق(6)، فأما أم
عائشة وعبد الرحمن فأم رومان، وأم محمد أسماء بنت عميس.
واختلف العلماء في أنها أسلمت أو ماتت على كفرها، قال ابن عبد البر:
ولم يبلغنا إسلامها ولا ذكرها أيضا ابن عبد البر في الصحابيات والأكثرون
(١) سورة النساء، الآية: ١٠٠.
(٢) النهاية (٢٣٩/٢).
(٣) بياض بالأصل.
(٤) إكمال المعلم (٣/ ٥٢٣).
(٥) شرح النووي على مسلم (٨٩/٧).

٤٧١
كتاب البروالصلة وغيرهما
على موتها مشركة. واختلفوا أيضا هل كانت أمها التي ولدتها وهي قيلة أولا
وقيل إن القادمة على أسماء لم تكن أمها من النسب بل الرضاع والصحيح
أنها أمها من النسب وهي قيلة (١). وفي الحديث: أن كفر الأرحام ليس بمانع
من برهم وصلتهم، والصلة هي العطية والإنعام (٢).
٣٧٦٨ - وَعَن عبد الله بن عَمْرِو ◌َوَِّا قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّةِ رضا الله فِي
رضَا الْوَالِدِ وَسخط الله فِي سخط الْوَالِدِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَرجح وَقفه وَابْن حبَان
فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط مُسلمٍ وَرَوَاهُ الطََّرَانِيّ من
حَدِيث أبي هُرَيْرَة إِلَّا أَنه قَالَ طَاعَة الله طَاعَة الْوَالِد ومعصية الله مَعْصِيّة الْوَالِد
وَرَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث عبد الله بن عمر أَو ابْنِ عَمْرو وَلَّا يحضرني أَيهمَا
وَلَفظه قَالَ رضَا الرب تبارك وَتَعَالَى فِي رِضَا الْوَالِدين وَسخط الله تبَارك
وَتَعَالَى فِي سخط الْوَالِدين(٣).
(١) كشف المناهج (٢٧٣/٤)
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه ابن معين كما في تاريخ ابن محرز (٢٦/٢)، والترمذى في العلل (٥٧٩) والسنن
(١٨٩٩)، وبحشل في تاريخ واسط (ص ٤٥)، وابن حبان (٤٢٩)، والطبرانى في جزء من
اسمه عطاء (١٤)، وأبو الشيخ في الفوائد (٢٨)، والحاكم في المستدرك (١٥١/٤-
١٥٢)، والبيهقى في الشعب (٢٤٧/١٠ رقم ٧٤٤٧) والبغوى (٣٤٢٤) مرفوعا.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٢٥٠١)،
والصحيحة (٥١٦). أخرجه ابن وهب في الجامع (٩٢)، والبخارى في الأدب المفرد
(٢)، والطبراني في الكبير (٤٩٤/١٣ رقم ١٤٣٦٧) والبغوى (٣٤٢٣) موقوفا. وقال
الترمذى: وهكذا روى أصحاب شعبة، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبدالله
=

٤٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٣٧٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عِمر ◌َ ◌َّا قَالَ أَتَى النَّبِيِ نَّهِ رجل فَقَالَ إِنِّي أذنبت ذَنبا
عَظِيمًا فَهَل لي من تَوْبَة فَقَالَ هَل لَك من أم قَالَ لَا قَالَ فَهَل لَك من خَالَة قَالَ
نعم قَالَ فبرها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَاللَّفْظ لَهُ وَابْنِ حبَانِ فِي صَحِيحِه وَالْحَاكِم إِلَّا
أَنَّهُمَا قَالَا هَل لَك والدان بالتثنية وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيح على شَرطهمَا(١).
قوله: وعن ابن عمر نقڭھا، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله: أتى النبي وَله رجل فقال: إني أذنبت ذنبا عظيما فهل لي من
توبة؟ الحديث، فذكره إلى أن قال: (( فقال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: فهل
لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها)).
تنبيه: صح أن النبي قال: ((الخالة بمنزلة الأم))(٢) فيجب برها ويحرم
عقوقها، والعم أيضا بمنزلة الأب فيجب بره ويحرم عقوقه، أ.هـ وهو دال
على تفاوت مراتب الرحم والله أعلم. أ.هـ.
تنبيه: وفي قوله ((الخالة بمنزلة الأم)) فيه دليل لتنزيلها منزلتها عند أهل
التنزيل في توريث ذوي الأرحام، وفيه: دليل على استحقاقها للحضانة لكن
=
بن عمرو، موقوفا. وقال البيهقى: ورويناه أيضا من حديث خالد بن الحارث، وأبي
إسحاق الفزاري، وزيد بن أبي الزرقا وغيرهم مرفوعا، ورواه آدم بن أبي إياس، ومسلم
بن إبراهيم، وجماعة، عن شعبة موقوفا.
(١) أخرجه أحمد ١٣/٢-١٤ (٤٦٢٤)، والترمذي (١٩٠٤ م)، وابن حبان (٤٣٥)، والحاكم
١٥٤/٥، والسهمي في تاريخ جرجان ص ٣٣٤، والبيهقي في الشعب (٢٦٩/١٠ رقم
٧٤٨٠). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٢٥٠٤) و(٢٥٢٦).
(٢) أخرجه البخارى (٢٦٩٩) و(٤٢٥١)، والترمذى (١٩٠٤).

٤٧٣
كتاب البروالصلة وغيرهما
لو عارضها عصوبة قدمت فتقدم عليها الأخت لقوة عصوبتها، والحديث
يحمل على أنه لم يكن هناك أحد من نساء العصبة (١).
٣٧٧٠- وَعَن أبي أسيد مَالك بن ربيعَة السَّاعِدِيّ رَّهُ قَالَ بَيْنا نَحن
جُلُوسِ عِنْدِ رَسُول الله وَّهِ إِذْ جَاءَ رجل من بني سَلمَة فَقَالَ يَا رَسُول الله هَل
بَقِي من بر أَبَوي شَيْء أبرهما بِهِ بعد مَوْتهمَا قَالَ نعم الصَّلَاة عَلَيْهِمَا
وَالاسْتِغْفَار لَهما وإنفاذ عهدهما من بعدهمَا وصلَة الرَّحِم الّتي لا توصل إِلَّا
بهما وإكرام صديقهما رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَابْنِ مَاجَه وَابْنِ حبَان فِي صَحِيحِه وَزَاد
فِي آخِرِه قَالَ الرجلِ مَا أَكثر هَذَا يَا رَسُول الله وأطيبه قَالَ فاعمل بِهِ (٢).
قوله: وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رقّ أسيد الساعدي بضم
الهمزة وفتح السين وسكون الياء المثناة من تحت، اسمه مالك بن ربيعة بن
البدي، ويقال: عن البدي وهم، والصواب: البد، شهد بدرا مع رسول الله،
وذهب بصره في آخر عمره، وقال: لو كنت ببدر ومعي بصري لأريتكم
الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتماري، شهد بدرا وأحدا
(١) العدة (١٣٩٦/٣).
(٢) أخرجه أحمد ٤٩٧/٣ (١٦٠٥٩)، والبخارى في الأدب المفرد (٣٥)، وأبو داود
(٥١٤٢)، وابن ماجه (٣٦٦٤)، والرويانى (١٤٦٠)، وابن حبان (٤١٨)، والحاكم (٤/
١٥٤)، وابن عساكر في أربعون حديثا (ص٨٧). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. قال
ابن عساكر: هذا حديث حسن من حديث أبي اسيد مالك بن ربيعه. وقال ابن حجر في
نتائج الأفكار (٢٦٦/٤): هذا حديث حسن. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥٩٧)
والمشكاة (٤٩٣٦) وضعيف الترغيب (١٤٨٢).

٤٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والمشاهد كلها مع رسول الله وَلّ، مات بالمدينة سنة ستين في العام الذي
مات فيه معاوية [وقيس بن سعد فيما ذكر المدائني] وهو ابن خمس
[٢٦٧/ ب] وسبعين سنة وهو آخر من مات من البدريين، روى له الجماعة
والله أعلم(١).
قوله: بينا نحن جلوس عند رسول الله وَجلة، تقدم الكلام على ذلك في
حديث جبريل المطول.
قوله: إذ جاء رجل من بني سلمة، بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من
الأنصار(٢)، وتقدم ذكر ذلك في المشي إلى المساجد.
قوله: فقال يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما
قال: ((نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما)) الحديث، الصلاة عليهما هو
الدعاء لهما لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ
إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾(٣) الآية، أي: ادع لهم كقوله ◌ِالنَّارُ: ((إذا أكل عنده
الطعام صلت عليه الملائكة)) وكقوله وَّةٍ: ((إذا دعي أحدكم إلى طعام
فليجب وإن كان صائما فليصل)) أي فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة
والدعاء ينفع الميت بالإجماع.
(١) تهذيب الكمال (٢٩/٢٧-١٤١ ترجمة ٥٧٣٨).
(٢) قاله النووى في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٩٠) وزاد: والنسبة إليهم: سلمى، بفتح
اللام، هذا هو الصحيح المعروف الذى قاله أهل اللغة، والمحققون من المحدثين، وقد
کسرها کثیرون أو الأكثرون من المحدثین.
(٣) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.

٤٧٥
كتاب البروالصلة وغيرهما
فإن قيل: لم يذكر فيه الصدقة وهي تصل إلى الميت بالإجماع؟
فالجواب: أن السائل لعله كان لا يستطيعها أو أن الصلاة عليهما شاملة
لذلك، وقال وَّر: ((ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق أن يجعلها لوالديه
أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء))(١) رواه
الطبراني في الأوسط.
قوله: ((وإنفاذ عهدهما من بعدهما)) أي إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل
موتهما.
قوله: ((وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما)) والرحم القرابة وتقد الكلام
على الصلة في مواضع كثيرة من هذا التعليق.
٣٧٧١ - وَعَن عبد الله بن دِينَار عَن عبد الله بن عمر ◌َّنَا أَن رجلا من
الْأَعْرَابِ لِقِيه بطرِيق مَكَّةٌ فَسلم عَلَيْهِ عبد الله بن عمر وَحمله على حمَار كَانَ
يركبه وَأَعْطَاهُ عِمَامَة كَانَت على رَأْسِهِ قَالَ ابْنِ دِينَارٍ فَقُلْنَا لَهُ أصلحك الله
فَإِنَّهُمُ الْأَعْرَاب وهم يرضون باليسير فَقَالَ عبد الله بن عمر إِن أَبَا هَذَا كَانَ ودا
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٩٢ رقم ٦٩٥٠) و(٣٥٨/٧ رقم ٧٧٢٦)، عن عبد الله
بن عمرو بن العاصى بلفظ: ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها عن
أبويه، فلا ينقص من أجورهم شيئا. قال الطبرانى: لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن سعد
إلا خارجة بن مصعب، ولا عن خارجة إلا علي بن الحسن، تفرد به: محمد بن عبد الله بن
قهزاذ. وقال في الموضع الثانى: لم يرو هذا الحديث عن عثمان بن سعد إلا خارجة بن
مصعب. وقال الهيثمى في المجمع ١٣٨/٣-١٣٩: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه
خارجة بن مصعب الضبي، وهو ضعيف.

٤٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
لعمر بن الخطاب وَإِنِّي سَمِعت رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَقُول إِن أبر البر صلَة الْوَلَد
أهل ود أَبِه رَوَاهُ مُسلم (١).
قوله: وعن عبد الله بن دينار، وعبد الله بن دينار هذا هو القرشي مولى ابن
عمر تابعي توفي سنة سبع وعشرين ومائة (٢).
قوله: عن عبد الله بن عمر قاٹھا أنه كان إذا خرج إلی مکة کان له حمار
يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة وعمامة يشد بها رأسه فبينما هو يوما على
ذلك لقيه أعراب، الحدیث.
قوله: فقال عبد الله بن عُمر: إن أبا هذا كان ودا لعمر بن الخطاب،
الحديث قال القاضي عياض رحمه الله (٣): رويناه بضم الواو وكسرها أي
صديقا [من أهل مودته] وهي محبته.
قوله ◌َّيّةٍ: ((إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه)) الحديث، قال النووي(٤):
الود هنا بضم الواو والود المحبة يقال وددت ودا إذا أحببته والبر الإحسان
وأبر البر أحسنه وأفضله والبر في اللغة اسم جامع للخير كله، وفي هذا
(١) أخرجه مسلم (١١ و١٢ و١٣ - ٢٥٥٢)، والترمذى (١٩٠٣)، وأبو داود (٥١٤٣)، وابن
حبان (٤٣٠).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٤/١ - ٢٦٥ ترجمة ٢٩٤) وقال النووى: سمع ابن عمر،
وأنسا، وجماعات من التابعين. روى عنه ابنه عبد الرحمن، ويحيى الأنصارى، وسهيل،
وربيعة الرأى، وموسى بن عقبة، وهؤلاء تابعيون، وخلائق غيرهم، واتفقوا على توثيقه.
(٣) إكمال المعلم (١١٥/٨)، وشرح النووي على مسلم (١٠٩/١٦).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٠٩/١٦ - ١١٠).

٤٧٧
كتاب البروالصلة وغيرهما
الحديث فضل صلة أصدقاء الأب والإحسان إليهم وإكرامهم وهو متضمن
لبر الأب وإكرامه لكونه بسببه ويلتحق به أصدقاء الأم والأجداد والمشايخ
والزوج والزوجة وقد ورد أن النبي و لو كان يصل صدائق خديجة برا بها وَل
ورضى عنها.
٣٧٧٢- وَعَن أبي بردة قَالَ قدمت الْمَدِينَة فَأَتَانِي عبد الله بن عمر فَقَالَ
أَتَذْرِي لم أَتَيْئُك قَالَ قلت لَا قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َّهِ يَقُول من أحب أن
يصل أَبَاهُ فِي قَبَرِه فَليصل إِخْوَان أَبِيه بعده وَإِنَّهُ كَانَ بَين أبي عمر وَبَيْن أَبِيِك
إخاء وود فَأَحْبَيْت أَن أصل ذَاك رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه (١).
قوله: وعن أبي بردة، تقدم الكلام على ترجمته.
قوله وَليّة: ((من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده)) وتقدم
معنى الصلة والله أعلم.
(١) أخرجه أبو يعلى (٥٦٦٩)، وابن حبان (٤٣٢). وصححه الألبانى فى الصحيحة (١٤٣٢)،
وصحیح الترغيب (٢٥٠٦).

٤٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[الترهيب من عقوق الوالدين]
٣٧٧٣ - عَنِ الْمُغيرَة بن شُعْبَةِ رَهُ عَنِ النَّبِيَِّ قَالَ إِن الله حرم عَلَيْكُم
عقوق الأُمَّهَاتِ ووأد الْبَنَات ومنعا وهات وَكره لكم قيل وَقَالَ وَكَثْرَة السُّؤَال
وإضاعة المَالِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَغَيرِه(١).
قوله: عن المغيرة بن شعبة رُقَّ ﴾ [المغيرة، بضم الميم وكسرها، والضم
أشهر. وهو أبو عبد الله، ويقال: أبو عيسى، ويقال: أبو محمد المغيرة بن
شعبة بن أبى عامر بن مسعود بن معتب، بالعين المهملة المفتوحة، ابن مالك
ابن کعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسی بن منبه، وهو ثقيف بن بکر بن
هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خصفة، بفتح الخاء المعجمة والصاد
المهملة، ابن قيس عيلان، بالعين المهملة، ابن مضر بن نزار بن معد بن
عدنان الثقفى الكوفى الصحابى، أسلم عام الخندق. روى له عن رسول الله
وَلَّه مائة وستة وثلاثون حديثا، اتفقا منها على تسعة، وانفرد البخارى
بحديث، ولمسلم حديثان](٢).
قوله وَله: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات)) الحديث، وفي حديث آخر
في الصحيحين ((ووأد)). [٢٦٨/أ]
(١) أخرجه البخارى (٢٤٠٨) و(٥٩٧٥) و(٦٤٧٣)، ومسلم (١٢ و١٤ - ٥٩٣)، وابن حبان
(٥٥٥٥) و(٥٥٥٦).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٩/٢ - ١١٠ ترجمة ٥٩٩).

٤٧٩
كتاب البروالصلة وغيرهما
(البنات)) ولم يذكر الحافظ في هذا الحديث: ((وأد البنات)).
قوله: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات)) قال ابن الأثير(١): يقال عق
والده يعقه عقوقا فهو عاق إذا أذاه وعصاه وخرج عليه وهو ضد البر به،
وأصل العقوق من العق وهو الشق والقطع فكأن العاق في شق ووالده في شق
بسبب المخالفة وقيل هو شق عصى الطاعة لوالده(٢)، واكتفي بذكر أحد
الوالدين عن الآخر . وهو كل فعل غير واجب يتأذى به الوالدان ويقال
طاعتهما واجب فيما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما فيه عقوق(٣).
والأمهات بإثبات الهاء وهو الأشهر في جمع أم من يعقل، والمراد
بالأمهات الأم وسائر الجدات وهو نوع من مجاز التغليب قيل وإنما خص
الأمهات مع امتناع العقوق في الآباء أيضا، وقال بعضهم(٤): وإن كان عق
الآباء وغيرهم من ذوي الحقوق عظيمً، فالعقوق للأمهات [له مزية] في
[القبح] وقال بعضهم أيضً(٥): إنما خص الأمهات بالذكر لعظم حقهن
وحقهن مقدم على حق الأب كما قدمهن في البر، وإنما يخص الشيء بالذكر
من بين جنسه لمعنى فيه يزيد على غيره انتهى، وقيل(٦): لأجل شدة حقوقهن
(١) النهاية (٣/ ٢٧٧).
(٢) المفهم (١٦ / ٨٠).
(٣) الكواكب الدرارى (١١/ ١٧٤).
(٤) النهاية (٢٧٧/٣).
(٥) كشف المشكل (١٠٣/٤) لابن الجوزى.
(٦) إحكام الأحكام (١/ ٣٢٣).

٤٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ورجحان الأمر ببرهن بالنسبة إلى الآباء ولما في عقوق الأمهات من مزيد
القبح، ولهذا قيل إن للأم ثلاثة أرباع البر(١) وأخذ ذلك من قوله وفَّله حين
سأله السائل: ((من أبر؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك ثلاثا ثم قال في الرابعة: ثم
أبوك))(٢) ويحتمل أنما قدم الأم في الذكر لضعفها وعدم قوتها على رد الابن
إلى الطاعة إذا خولفت والأولاد في الغالب إنما يخالفون الأمهات بخلاف
الآباء فإن الآباء عند المخالفة لهم قدرة على الانتصاف من الأولاد وردهم
إلى الطاعة إما بأيديهم أو برفعهم إلى ولاة الأمور ولهذا كان الأب هو الذي
يتولي النظر في مصالح الابن فيما يتعلق بماله وبدنه والأم لا ولاية لها شرعا
على الولد بخلاف الأب، وقد سوى الله تعالى بين الأبوين فقال تعالى: ﴿إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ﴾(٣) الآية، وهذا
النهي للتحريم ذكره ابن العماد.
تنبيه: عقوق الأمهات حرام وهو من الكبائر بإجماع العلماء وكذلك
عقوق الآباء من الكبائر أيضاً، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عد
ذلك من الكبائر والله أعلم(٤). وقال بعض الحكماء: من عصى والديه لم ير
السرور من ولده، ومن لم يستشر في الأمور لم يصل إلى حاجته ومن لم يدار
(١) قاله منصور كما في الزهد (٤٧٦/٢) لهناد.
(٢) أخرجه البخارى (٥٩٧١)، ومسلم (١ و٢ و٣ و٤-٢٥٤٨)، وابن ماجه (٢٧٠٦)
و (٣٦٥٨) عن أبى هريرة.
(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
(٤) شرح النووي على مسلم (١٢ / ١١).