Indexed OCR Text

Pages 761-780

٧٥٣
كتاب العلم
قوله وَّل: ((فإن دعوتهم تحيط من ورائهم)) الحديث، قال ابن الأثير في
النهاية (١): الدعوة المرة الواحدة من الدعاء أي: تحوطهم وتحفظهم،
والظاهر: فتح الميم في ((مَنْ وراءهم))، فهي موصولة مفعولا لتحيط.
قوله: ((وَمن كَانَت الْآخِرَة نِيَّته جمع الله أمره وَجعل غناهُ فِي قلبه وأتته
الدُّنْيَا وَهِي راغمة)) أي: كارهة.
١٥٢ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك زَّو ◌َّهُ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولِ اللهِ وَ بِمَسْجِد
الْخيف من منى فَقَالَ نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وَبَلغهَا من
لم يسْمعهَا ثمَّ ذهب بهَا إِلَى من لم يسْمعهَا أَلا فَرِب حَامِل فقه لا فقه لَهُ وَرب
حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ الحَدِيثِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط (٢).
قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: خطبنا رسول الله وَل لمسجد الخيف من منى، الحديث ؛ مسجد
الخيف بفتح الخاء المعجمة وهو مسجد بمنى عظیم واسع جدا، فيه عشرون
بابًا، قال أهل اللغة: الخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل
الماء، وبه سمي مسجد الخيف(٣)، ويستحب الإكثار من الصلاة في مسجد
(١) النهاية (١٢٢/٢).
(٢) أخرجه أحمد ٢٢٥/٣ (١٣٣٥٠)، وابن ماجه (٢٣٦)، والطبراني في الأوسط (١٧٠/٩-١٧١
رقم ٩٤٤٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا ابنه، تفرد به عطاف بن
خالد ومحمد بن شعيب بن شابور. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩١).
(٣) غريب اللغة (٢٧٥/١) والصحاح (١٣٥٩/٤)، والنهاية (٩٣/٢)، والمجموع شرح
المهذب (٢٣٨/٨).

٧٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الخيف، فقد روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله وَالر: ((صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا منهم: موسى (قَلُ﴾،
كأني أنظر إليه وعليه عباءتان قطوانيتان وهو محرم على بعير من إبل شنوءة
مخطوم بخطام ليف له ضفيرتان)) (١) وسيأتي الكلام على هذا الحديث
وتفسير غريبه في الحج إن شاء الله تعالى، وأن يصلي أمام المنارة عند
الأحجار التي أمامها، فقد روى الأوزاعي أنه مصلى رسول الله وَخلته،
ويستحب أن يحافظ على حضور الجماعة فيه مع الإمام في الفرائض، فقد
روى الأزرقي في مسجد الخيف والصلاة فيه آثارًا كثيرة وبسط القول في
فضله وبيان مساحته وما يتعلق به، انتهى، قاله النووي في منسكه الكبير(٢).
١٥٣- وَ عَن ◌ُبیر بن مطعم قَالَ سَمِعت رَسُول الله ێ بالخیف خیف منی
يَقُول نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وَبَلغهَا من لم يسْمعهَا فَرب
حَامِل فقه لَهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لا يغل عَلَيْهِنَّ قلب
مُؤمن إخلاص الْعَمَل لله والنصيحة لائمة الْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتِهِمْ فَإِن
دعوتهم تحفظ من وَرَاءَهُمْ رَوَاهُ أَحْمِد وَابْنِ مَاجَه وَالطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣١٢/٥ رقم ٥٤٠٧) والكبير (٤٥٢/١١ رقم ١٢٢٨٣).
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن السائب إلا محمد بن فضيل، تفرد به: عبد
الله بن هاشم الطوسي. وقال الهيثمي في المجمع ٢٢١/٣ و٢٩٧: رواه الطبراني في الأوسط
والكبير، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط وحسنه الألباني في الصحيحة (٢٠٢٣)
وصحيح الترغيب (١١٢٧).
(٢) الإيضاح في مناسك الحج والعمرة (ص ٣٧٠).

٧٥٥
كتاب العلم
مُخْتَصرا وَمُطَولَا إِلَّا أَنه قَالَ تحيط بياء بعد الْحَاء رَوَوْهُ كلهم عَن مُحَمَّد بن
إِسْحَاق عَن عبد السَّلَام عَن الزُّهْرِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبير بن مطعم عَن أَبِيه وَله
عِنْد أَحْمد طَرِيق عَن صَالح بن كيسَان عَنِ الزُّهْرِيّ وَإِسْنَادِ هَذِه حسن(١).
قوله: عن جبير بن مطعم، هو: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد
مناف، كنيته: أبو محمد، وقيل: أبو عدي الصحابي الجليل، روى عنه: ابناه
ومحمد بن نافع وسليمان بن صرد وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبد الله
بن بابا وطائفة، وكان علامة بالنسب، أخذه من أبي بكر، وكان حليما وقورًا
سيدا، قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر وغيره قالوا: أعطى رسول
الله ◌َّه المؤلفة قلوبهم فأعطى جبير بن مطعم مائة من الإبل وحسن إسلامه،
وسلحه عمر بسيف النعمان بن المنذر حين أتي به، توفي سنة تسع وخمسين،
وقيل: ثمان وخمسين(٢). انتهى.
قوله: سمعت رسول الله وَلا بالخيف، خيف منى، يقول: ((نضر الله عبدًا
سمع مقالتي فحظها ووعاها)) تقدم في حديث زيد وابن مسعود وأنس: ((امرأ
سمع مقالتي))، وفي حديث جبير هذا: ((عبدًا)) وتقدم الكلام على تفسير ألفاظ
هذا الحديث في الأحاديث قبله.
قوله وقال: ((فإن دعوتهم تحوط من وراءهم)) هكذا رواه الإمام أحمد وابن
(١) أخرجه أحمد ٨٠/٤ ١٦٧٣٨) و٨٢/٤ (١٦٧٥٤)، وابن ماجه (٣٠٥٦)، والطبراني في
الكبير (١٢٦/٢-١٢٧ رقم ١٥٤١-١٥٤٤). وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٩٢)، الروض النضير (٢٧٦)، الصحيحة (٤٠٣).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٤٦/١ - ١٤٧ الترجمة ١٠٣).

٧٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ماجه، ورواه الطبراني في الكبير إلا أنه قال: ((فإن دعوتهم تحيط)) بياء بعد الحاء،
انتهى، قاله الحافظ المنذري، قال في النهاية(١): أي: تحدق بهم من جميع
جوانبهم، يقال: حاطه وأحاط به، ومنه: قولهم: أحطت به علما أي: أحدق علمي
به من جميع جهاته [١٠٧/ أ] وعرفته، وفي حديث العباس قلت: يا رسول الله، ما
أغنيت عن عمك، يعني: أبا طالب يحوطك ويغضب لك، يقال: حاطه يحوطه
حوطا وحیاطة إذا حفظه وصانه وذب عنه وتوفر علی مصالحه، انتهى.
قوله ◌َّة: ((والنصيحة لأئمة المسلمين))، والمراد بالأئمة: أصحاب الحكومة
وهم الولاة من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم ممن يلي أمور هذه الأمة افتراض
طاعتهم، وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن نصيحتهم قبول
ما رووه إذا انفردوا ومتابعتهم إذا اجتمعوا (٢). والله أعلم.
قوله في الكلام على رجال الحديث: رووه كلهم عن محمد بن إسحاق، هو:
أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المدني التابعي، صاحب كتاب المغازي، كان
عالما بالمغازي وعلوم الشرع، قدم بغداد وحدث بها، رأى أنس بن مالك،
وعليه عمامة سوداء والصبيان خلفه يشيرون ويقولون: هذا صاحب رسول الله
◌َال﴾، لا يؤت حتى يلقى الرجال، مات ابن إسحاق ببغداد سنة خمسين ومائة،
ودفن بمقبرة الخيرزان وهو اليوم مشهور بمشهد الإمام أبي حنيفة (٣).
(١) النهاية (١ / ٤٦١).
(٢) شرح السنة (١٣ /٩٥).
(٣) تهذيب الكمال (٢٤ / الترجمة ٥٠٥٧)، وتذهيب تهذيب الكمال (٨/ الترجمة ٥٧٧٤).

٧٥٧
كتاب العلم
قوله: وله عند أحمد طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري، هو: صالح بن
كَيسان بفح الكاف وبالياء الساكنة والسين المهملة المدني التابعي أبو محمد،
ويقال: أبو الحارث مؤدب أولاد عمر بن عبد العزيز، رأى ابن عمر وابن الزبير،
وقال ابن معين: سمع منهما، وروى عن نافع وسالم والأعرج وسليمان بن يسار
ونافع بن جبير والزهري وجماعة ؛ وقال مصعب بن الزبير: كان مولى لامرأة من
دوس، وكان عالمًا جامعًا للفقه والحديث والمروءة؛ سئل الإمام أحمد عنه،
فقال: خرج وقال هو أكبر من الزهري ووثقه ابن معين وغيره، قال الحاكم: مات
وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وابتدأ بالعلم وهو ابن تسعين سنة، قال الذهبي:
هذا غلط فاحش من الحاكم أبي عبد الله، ولعله لم يجاوز السبعين، ولو كان ابتدأ
على ما ورخ لأخذ عن سعد وأبي هريرة وعائشة، قال الواقدي: مات بعد
الأربعين ومائة(١)، والله أعلم، قاله في شرح الإلمام.
١٥٤ - وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ النَّبِيِ وَِّ اللَّهُمَّ ارْحَمْ خلفائي قُلْنَا يَا
رَسُول الله وَمن خلفاؤك قَالَ الَّذِين يأتونَ من بعدِي يروون أحاديثي ويعلمونها
النَّاسِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط(٢).
قوله: عن ابن عباس، تقدم الكلام على مناقبه.
(١) تهذيب الكمال (١٣ / الترجمة ٢٨٣٤)، وتذهيب تهذيب الكمال (٤/ الترجمة ٢٨٧٤).
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٧٧ رقم ٥٨٤٦). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن زيد
بن أسلم إلا هشام بن سعد، ولا عن هشام إلا أبي فديك، تفرد به أحمد بن عيسى
العلوي. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٢٦ : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن عيسى
ابن عبد الله الهاشمي، قال الدارقطني: كذاب. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٧٤).

٧٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وسية: ((اللهم ارحم خلفائي)) الحديث، الخليفة: من يقوم مقام
الذاهب ويسد مسده(١)، وقال الجوهري(٢): فقال خلف فلان فلانا إذا كان
خليفته، يقال: خلفه في قومه خلافة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأُخِیهِ
هَرُونَ أُخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ﴾(٣) والهاء فيه، في: الخليفة، للمبالغة،
وجمعه: الخلفاء على معنى التذكير لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء.
جاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق فقال: أنت خليفة رسول الله وَظله، قال:
لا، قال: فأنت الخالفة بعده، اعلم أن الخالفة في اللغة: الذي لا غناء عنده ولا
خير فيه (٤)، وكذلك الخلف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ
أَضَاعُواْ الصَّلَوةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَاتِ﴾ (٥) وفي حديث آخر: إن رسول الله وَل
قال: ((على خلفائي رحمة الله)) قيل: من خلفاؤك؟ قال: ((من يحيون سنتي
ويعلمونها عباد الله)) رواه ابن عبد البر في كتاب العلم والهروي في ذم الكلام
من حديث الحسن(٦)، قاله في الديباجة.
(١) النهاية (٦٩/٢).
(٢) الصحاح (٤ /١٣٥٦).
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٤٢.
(٤) النهاية (٢ / ٦٩).
(٥) سورة مريم، الآية: ٥٩.
(٦) أخرجه ابن بطة في الإبانة (٣٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢٢٠)، والهروى في ذم
الكلام (٧٠٨). وقال الألباني: باطل الضعيفة (٨٥٤).

٧٥٩
كتاب العلم
١٥٥ - وَعَن أبي الردين قَالَ قَالَ رَسُول اللهِوَّهِ مَا من قومٍ يَجْتَمِعُونَ على
كتاب الله يتعاطونه بينهم إِلَّا كَانُوا أضيافا لله وَإِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة حَتَّى
يقومُوا أَو يخوضوا فِي حَدِيثٍ غَيرِه وَمَا من عَالم يخرج في طلب علم مَخَافَة
أَنْ يَمُوت أَو انتساخه مَخَافَة أَن يدرس إِلَّا كَانَ كالغازي الرَّائِحِ فِي سَبِيل الله
وَمن يبطىء بِهِ عمله لم يسْرع بِهِ نسبه رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِير من رِوَايَة
إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش (١).
قوله: عن أبي الردين، واسمه [لم يذكر شيء فى تسميته،، سكن الشام] (٢).
قوله وَّل: ((ما من قوم يجتمعون على كتاب الله يتعاطونه بينهم إلا كانوا
أضيافًا لله إلا حفتهم الملائكة)) الحديث، ففي هذا الحديث دليل لفضل
الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور،
وتقدم ذلك، وقال مالك: يكره(٣).
قوله: ((وإلا حفتهم الملائكة)) أي: يطوفون بهم ويدورون حولهم للتبرك
والرغبة فيما عندهم(٤).
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٣٧/٢٢ رقم ٨٤٤). قال الهيثمى في المجمع ١٢٢/١: رواه
الطبراني في الكبير، وفيه إسماعيل بن عياش، وهو مختلف في الاحتجاج به. وضعفه
الألباني في ضعيف الترغيب (٧٥).
(٢) الكنى لمن لايعرف له اسم (ص ٣٠)، ومعرفة الصحابة (٢٨٩١/٥)، والإصابة (٧/
الترجمة ٩٨٩٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٧ /٢١-٢٢).
(٤) النهاية (١ / ٤٠٨).

٧٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله وَيّ: ((وما من عالم يخرج في طلب العلم مخافة أن يموت أو انتساخه
مخافة أن يدرس إلا كان كالغازي الرائح في سبيل الله)) الحديث، قال الحافظ
رحمه الله: وناسخ العلم النافع له أجره وأجر من قرأه ونسخه أو عمل به من
بعده ما خطه والعمل به لهذا الحديث وامثاله، وناسخ غير النافع مما يوجب
الإثم عليه وزره ووزر من قرأه أو نسخه أو عمل به من بعده ما بقي خطه
والعمل به لما تقدم من الأحاديث: ((من سن سنة حسنة وسيئة)) والله أعلم.
قوله ◌َّ: ((ومن يبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) تقدم الكلام على ذلك قريبًا.
قوله في الكلام على رجال الحديث: رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن
عياش؛ أما إسماعيل بن عياش فمثناة من تحت وبالشين المعجمة، فهو:
إسماعيل بن عياش بن سليم أبو عتبة العنسي الجمعي، عالم الشام، وأحد
مشايخ الإسلام، قال أبو خيثمة: كان أحول، وعن يحيى الوحاظي قال: ما
أكبر نفسا منه، كنا إذا أتينا مزرعته لا يرضى لنا إلا بالخروف والخبيص،
وسمعته يقول: ورثت من أبي أربعة يلاف دينار فأنفقتها في طلب العلم،
وكان يحفظ شيئًا كثيرًا أربعين ألف حديث، قال يعقوب الفسوى: تكلم فيه
قوم وهو ثقة عدل، وكان أعلم الناس بحديث الشام، أكثر ما تكلموا فيه
قالوا: یغرب عن ثقات الحجازیین ووثقه یحیی بن معین، وقال: ليس به بأس
في الشاميين، وقال دجيم: هو في الشاميين غاية، وقال البخاري: إذا حدث عن
أهل بلده فصحيح وعن غيرهم فيه نظر، وقال ابن عدي: لا يخلو عن غلط،
قال الذهبي: وفي الجملة يحتج به في الشامیین خاصة، فعلم صنعته هنا، ولد

٧٦١
كتاب العلم
سنة اثنتين أو ستا أو ثمان ومائة، ومات سنة إحدى وثمانين ومائة (١)، انتهى،
قاله في شرح الإلمام.
١٥٦ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رَّ ◌ِلَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَلَه إِذا مَاتَ ابْن آدم انْقَطع
عمله إِلَّا مِن ثَلَاث صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينتفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ رَوَاهُ
مُسلمٍ وَغَيرِه (٢) وَتقدم هُوَ وَمَا يَنْتَظِم فِي سلكه وَيَأْتِي لَهُ نَظَائِرِ فِي نشر الْعلم
وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ الْحَافِظ وناسخ العلم النافع لَهُ أجره وَأجر من
قَرَأَهُ أَو نسخه أَو عمل بِهِ من بعده مَا بَقِي خطه وَالْعَمَلِ بِهِ لَهَذَا الحَدِيث
وَأَمْثَاله وناسخ غير النافع مِمَّا يُوجب الإِثْم عَلَيْهِ وزره ووزر من قَرَاهُ أَو نسخه
أَو عمل بِهِ من بعده مَا بَقِي خطه وَالْعَمَل بِهِ لما تقدم من الْأَحَادِيث من سنّ
سنة حَسَنَة أَو سَيِّئَة وَالله أعلم.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وَله: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) قال النووي: هكذا
هو في نسخ مسلم، (انقطع عمله)) وفي كثير منها ((أمله)) وكلاهما صحيح،
والأول أجود وهو المذكور في الأحاديث(٣).
قوله وَاله: ((إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح
يدعو له))، المراد بالصدقة الجارية: الوقف، والمراد بالعلم: المنتفع به
(١) تهذيب الكمال (٣/ الترجمة ٤٧٢)، وتذهيب تهذيب الكمال (١ / الترجمة ٤٧٤).
(٢) أخرجه مسلم (١٤ - ١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠/ ١)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائى
٢١٩/٦ (٣٦٧٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (٨/١٧).

٧٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ليشمل المؤلفات وغيرها، ويدخل فيها وقفه أجنبي عليه أيضًا، وذهب بعض
أهل البدع من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة لا دعاؤه ولا
غيره، فالدليل على انتفاعه بما نسب إليه في حياته هذا الحديث، فاستثناء هذه
الثلاث من عمله يدل على أنها منه فإنه هو الذي تسبب إليها، ولذلك روى
أن: ((من سن سنة حسنة فاستن به كان له أجره وأجر من تبعه)) (١) الحديث،
وقد دل على هذا أيضًا قوله وَّةٍ: ((لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم
الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل)) (٢) [١٠٧ / ب](٣) فإذا كان هذا
في العقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى (٤).
١٥٧ - وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّه من صلى عَليّ
فِي كتاب لم تزل الْمَلَائِكَة تستغفر لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِك الْكتاب رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ وَغَيرِه وَرُوِيَ من كَلَامٍ جَعْفَر بن مُحَمَّد مَوْقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ أشبه(٥) .
(١) أخرجه أحمد ٣٨٧/٥ (٢٣٢٨٩)، والبزار (٢٩٦٣ و٢٨٦٤)، والطحاوى في مشكل
الآثار (٢٥١) و(١٥٤٢)، والحاكم ٥١٦/٢-٥١٧. وقال الألباني حسن صحيح صحيح
الترغيب (٦٥).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٣٥) و(٦٨٦٧) و(٧٣٢١)، ومسلم (٢٧ - ١٦٧٧) عن ابن مسعود.
(٣) هنا تقديم وتأخير يختلف عن المطبوع من الترغيب فراعينا ترتيب المطبوع.
(٤) الروح (ص ١١٧ - ١١٨).
(٥) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٣٢/٢ رقم ١٨٣٥)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب
(١٦٩٧)، وابن الجوزى في الموضوعات (٢٢٨/١). قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث
عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسحاق. قال ابن الجوزى: موضوع فيه يزيد بن
عياض، قال يحيى: ليس بشئ، سئل مالك عن ابن سمعان فقال كذاب، فقيل فيزيد بن
=

٧٦٣
كتاب العلم
قوله {َّ: عن أبي هريرة، تقدم.
قوله وَداخلية: [١/١٠٨] ((من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له
ما دام اسمي في ذلك الكتاب)) الحديث، والمراد: باستغفار الملائكة الدعاء؛
وذكر القابسي القدسي أبو حفص عمر من حديث أنس بن مالك عن النبي
وَ لا قال: ((إذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث بأيديهم المحابر، فيأمر
الله عز وجل جبريل عليهم السلام أن يأتيهم، فيسألهم من هم؟ فيأتيهم
فيسألهم، فيقولون: نحن أصحاب الحديث، فيقول الله عز وجل لهم: ادخلوا
الجنة طال ما كنتم تصلون على نبي ◌َّليّ))(١)، وخرج عن ابن عمر عن النبي
وَالر قال: ((إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور عليها قباب من در ثم
ينادي مناد: أين الفقهاء؟ وأن الأئمة والمؤذنون؟ اجلسوا على هذه فلا روع
=
عياض قال أكذب وأكذب، وقال النسائي: متروك الحديث وفيه إسحاق بن وهب قال
الدار قطني: كذاب متروك يحدث بالأباطيل، وقال ابن حبان: يضع الحديث.
قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٣٠١: وله (أى بشر بن عبيد) عن يزيد بن عياض، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا: من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له.
وهذا موضوع.
قال الهيثمى في المجمع ١٣٦/١ -١٣٧: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بشر بن عبيد
الدارسي، كذبه الأزدي وغيره. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (٣٣١٦)، وقال: موضوع
ضعيف الترغيب (٧٦).
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤ /٤٦٨) ومن طريقه السمعانى في أدب الإملاء
(ص٩٦) وابن الجوزى في الموضوعات (١/ ٢٦٠)، وابن المقرب في أربعين حديثا
(١٣) عن أنس.
قال الخطيب هذا حديث موضوع والحمل فيه على الرقي والله أعلم.

٧٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليكم ولا حزن حتى يفرغ الله فيما بينه وبين العباد من الحساب))(١) انتهى،
قاله القرطبي في تذكاره(٢)، وقال المعافي بن عمران: كتابة حديث واحد أحب
إلي من صلاة ليلةٍ(٣).
١٥٨ - وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَده
من النَّارِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسلمٍ وَغَيرِهمَا (٤) وَهَذَا الحَدِيث قد رُوِيَ عَن غير
وَاحِدٍ من الصَّحَابَة فِي الصِّحَاحِ وَالسّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيرِهَا حَتَّى بلغ مبلغ
التَّوَاتُر وَالله أعلم.
قوله: عن أبي هريرة، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَيّ: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) الحديث، وقال
الحافظ: وهذا الحديث قد روي عن غير واحد من الصحابة في الصحاح
والسنن والمسانيد وغيرها حتى بلغ مبلغ التواتر، والله أعلم، انتهى.
هذا باب عظيم أحاديثه في نهاية الصحة، وقيل: إنها متواترة، روى أبو بكر
في مسنده والقاضي أبو بكر بن العربي أنه رواه عن النبي وَ ل نحو من أربعين
نفسًا من الصحابة، وحكى الإمام أبو بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣٥٣/٩)، قال
أبو نعيم: غريب من حديث مسعر، تفرد به الحسن عن إسماعيل، ويعرف بالحسن بن
يزيد الجصاص، بغدادي سكن الموصل. وقال الخطيب: هذا حديث غريب من حديث
مسعر تفرد به إسماعيل بن يحيى التيمي عنه، وكان ضعيفا سيء الحال جدا.
(٢) التذكرة (ص ٨٢٨).
(٣) تلبيس إبليس (١/ ١٢١) وصفة الصفوة (٣٥٢/٢).
(٤) أخرجه البخاري (١١٠) و(٦١٩٧)، ومسلم (٣ - ٣).

٧٦٥
كتاب العلم
أنه روي عن أكثر من ستين صحابيًا مرفوعا، وذكر أبو القاسم عبد الرحمن
بن منده: عدد ما رواه فبلغ بهم سبعة وثمانين صحابيًا، منهم العشرة المشهود
لهم بالجنة، قال: ولا نعرف حديثًا اجتمع على روايته العشرة إلا هذا، ولا
حديثا يروي عن أكثر من ستين صحابيا إلا هذا، وقال بعضهم: رواه مائتان
من الصحابة ثم لم يزل في ازدياد، وقد اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في
صحيحهما من حديث علي والزبير وأنس وأبي هريرة وغيرهم، وأما إيراد
أبي عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين من حديث أنس في
أفراد مسلم فليس بصواب، فقد اتفقا عليه، والله أعلم (١).
قوله وَله: ((فليتبوأ مقعده من النار)) وهو بكسر اللام هذا هو الأصل،
وبالسكون هو المشهور، قال العلماء: معناه فلينزل، وقيل: فليتخذ منزله من
النار، قال الخطابي: وأصله من مباءة الإبل وهي إعطائها، والتبوؤ: اتخاذ
المباءة أي المنزل، يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعا لمقامه، قال
الجوهري: تبوأت منزلا أي نزلته، ثم قيل: إنه دعاء بلفظ الأمر يريد أن الله
تعالى يبوئه مقعده من النار وخرج مخرج الأمر، ومعناه: الدعاء، وقيل: هو
خبر بلفظ الأمر أي معناه، فقد استوجب ذلك فليوطن نفسه عليه، وذلك لأن
الأمر يرد بمعنى الخبر، والخبر يرد بمعنى الأمر لقوله تعالى: وَاُلْمُطَلَّقَتُ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾(٢) وهو أمر بالتربص وهذا كثير مشهور(٣).
(١) شرح النووي على مسلم (٦٨/١).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
(٣) انظر أعلام الحديث (٢١٢/١) للخطابى، وكشف المشكل (٢٢٨/١-٢٢٩) لابن
الجوزى، وشرح النووي على مسلم (٦٨/١)، والكواكب الدرارى (١١٢/٢-١١٣).

٧٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قال النووي رحمه الله(١): اعلم أن هذا الحديث يشتمل على فوائد وجمل
من القواعد، إحداها: تقرير هذه القاعدة أن الكذب عند المتكلمين من
أصحابنا الإخبار عن الشيء خلاف ما هو عليه عمدا كان أو سهوًا
[١٠٨/ ب]، هذا مذهب أهل السنة، وقال المعتزلة: شرطه العمدية؛ الثانية:
تحريم الكذب عليه وّ وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة، وإباحة الكذب
عليه وَّة موقعة إلى إبطال شرعه وتحريف دينه، ولكن لا يكفر بهذا الكذب
إلا أن يستحله هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف، وقال
الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين: يكفر من تعمد الكذب عليه
وَيّة، كذا حكى هذا المذهب عنه، ولده: إمام الحرمين، وكان يقول في
دروسه كثيرًا: من كذب على رسول الله وَ ليل كفر وأراق دمه، وضعف إمام
الحرمين هذا القول، وقال إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وأنه هفوة عظيمة
من والده، والصواب ما قدمناه عن الأصحاب، ثم إن كذب عليه وَ ليه عمدًا في
حديث واحد فسق وردت رواياته كلها وبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب
وحسنت توبته، فقد قال جماعة من العلماء منهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو
بكر الحميدي شيخ البخاري وصاحب الشافعي وأبو بكر الصيرفي من فقهاء
أصحابنا الشافعية وأصحاب الوجوه فيهم: لا تؤثر توبته في ذلك ولا تقبل
روایته بل یختم جر حه دائمًا.
(١) شرح النووي على مسلم (٦٩/١)

٧٦٧
كتاب العلم
قال النووي(١): هذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد
الشرعية والمختار القطع بصحة توبته في هذا قبول رواياته بعدها إذا صحت توبته
بشروطها المعروفة وهي: الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن
لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على رواية من
كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته
ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا؛ الثالث: أنه لا فرق بين تحريم الكذب عليه
وَخلال بين ما كان في الأحكام وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير
ذلك فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم
في الإجماع خلافًا للكرامية الطائفة المبتدعة في زعمهم الباطل أنه يجوز وضع
الحديث في الترغيب والترهيب وتابعهم كثيرون من الجهلة الذي يكسبون
أنفسهم الزهد أو ينسبهم جهلة مثلهم، والله أعلم.
ثم معنى الحديث: أن هذا جزاؤه وقد یجازی به، وقد يعفو الله الکریم عنه
ولا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار
لأصحاب الكبائر غير الكفر فكلها يقال فيها: هذا جزاؤه، وقد یجازی وقد
يعفو الله الكريم عنه، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها بل لابد من
خروجه منها بفضل الله ورحمته ولا يخلد في النار إذا مات على التوحيد،
واعلم أن مذهب أهل السنة: أن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة إن شاء الله
تعالى عفا عنه ويدخله الجنة أول مرة، وإن شاء عذبه في النار ثم يدخله
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ٧٠).

٧٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الجنة، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة، وقالت المعتزلة: صاحب
الكبيرة إذا مات بغير التوبة لا يعفى عنه ويخلد في النار، والله أعلم (١).
١٥٩- وعن سمرة بن جُندُبٍ عن النبى وَّم قال: ((من حدث عني بحديث
يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)). رواه مسلم وغيره(٢).
قوله: (عن سمرة بن جندب)، هو: سمرة بن جندب بضم الدال وفتحها
بن هلال بن حريج بحاء مهملة ثم راء [١٠٩ / أ] مكسورة ثم ياء مثناة من
تحت ثم جيم الفزاري، كنيته: أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الرحمن وأبو عبد
الله وأبو سليمان، توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوجها
أنصاري وكان في حجره حتى كبر وأجازه النبي ◌َّ في المقاتلة في غزوة أحد
وغزا بعد ذلك مع النبي ◌َّ غزوات ثم سكن البصرة وكان زياد يستخلفه
عليها إذا سافر إلى الكوفة ويستخلفه على الكوفة إذا سافر إلى البصرة، وكان
يكون في كل واحدة منهما ستة أشهر، وكان شديدًا على الخوارج، ولهذا
تبغضه الحرورية ومن قاربهم في مذهبهم، وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء
البصرة يثنون عليه، روي له عن النبي وَّ﴾ مائة وثلاثة وعشرون حديثًا، توفي
بالبصرة سنة تسع أو ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي بعد أبي هريرة سنة
تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين، سقط في قدر مملوء ماء حارًا بسب كزاز
شديد أصابه، الكزاز: داء يكون من شدة البرد، وكان النبي وَيُّه يعرض عليه
(١) شرح النووي على مسلم (٦٨/١-٦٩).
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة (٨/١)، وابن ماجه (٣٩)، وابن حبان (٢٩). وصححه الألباني
في صحيح الترغيب (٩٥).

٧٦٩
كتاب العلم
غلمان الأنصار في كل سنة فمر غلام فأجازه في البعث وعرض عليه سمرة
بعده فرده، فقال سمرة: لقد أجزت هذا ورددتني ولو صارعته لصرعته، قال:
((فدونكه، فصارعه فصرعه)) فأجازه في البعث يوم أحد، والله أعلم (١).
قوله وَّ: (من حديث عني بحديث يرى أنه كذب ... ) الحديث، ذكر
بعض الأئمة جواز فتح الياء من (يرى)) وهو ظاهر حسن، فأما من ضم الياء
من ((يرى)) فمعناه يظن، وأما من فتحها فظاهر ومعناه: وهو يعلم، ويجوز أن
يكون بمعنى يظن أيضًا، فقد حكى رأي بمعنى ظن، قاله النووي(٢).
قوله وميله: (فهو أحد الكاذبين)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
ضبطناه بكسر الباء وفتح النون على الجميع، وهذا هو المشهور من اللفظ،
وقال: الرواية فيه عندنا ((الكاذبين)) على الجميع، رواه أبو نعيم الأصبهاني في
كتابه المستخرج على صحيح مسلم في حديث سمرة ((الكاذبين)) بفح الباء
وكسر النون على الثنية والجمع، واحتج به على أن الراوي له يشارك البادئ
بهذا الكذب، ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة ((الكاذِبَيْن)) أو (الكاذِيْن))
على الشك في التثنية أو الجمع، وقيد ذلك لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو
يظنه كذبًا، وأما ما يظنه ولا يعلمه فلا إثم عليه في روايته عن غيره(٣).
وأما فقه هذا الحديث ففيه: تغليظ الكذب والتعرض له أن من غلب على
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٥/١-٢٣٦ ترجمة ٢٣٣)، وتهذيب الكمال (١٢ / الترجمة
٢٥٨٥).
(٢) شرح النووي على مسلم (١ / ٦٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٤-٦٥).

٧٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ظنه ما يرويه كذبا فرواه كان كاذبًا، وكيف لا يكون كاذبًا وهو مخبر بما لم
يكن(١)، وإنما سمي المحدث به كاذبًا لأنه رأى أن ذلك كذب، فالتحدث به
صار معينًا لمن افتراه على فريته فاشترك معه في الوزر كمن أعان ظالمًا على
ظلمه(٢)، ويؤخذ منه أنه يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه
موضوعًا لو غلب على ظنه وضعه، فمن رواه وعلم حاله أو ظنه ولم يبين
حال راويته فهو داخل في ذلك مندرج في جملة الكذابين على رسول الله وَ ل
[١٠٩/ ب]، واعلم أن الكذب على رسول الله وقليل من أعظم أنواع الكذب
بعد كذب الكافر على الله تعالى، وقد روي عنه وَّه أنه قال: ((إياكم
والحديث وكثرة الروايات عني، فمن قال عني فلا يقولن إلا حقًّا وصدقًا))،
وقد هاب جماعة من الصحابة والتابعين الرواية عن النبي ◌َّ- لأجل هذا
الحديث خوفا من الزيادة والنقصان والغلط فيه حتى أن بعض التابعين كان
يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من
الكذب على رسول الله ◌َّه انتهى، قاله النووي(٣).
ولقد دار بين الزهري وربيعة معاتبة فقال ربيعة للزهري: ألا إنما أخبر
الناس برأيي إن شاؤوا أخذوا وإن شاؤوا تركوا وأنت إنما تخبرهم عن
رسول الله وَّ فانظر ما تخبرهم به، انتهى، قاله الكرماني(٤)، وكان عمر بن
(١) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٥).
(٢) الميسر (١ / ٩٧).
(٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٧١)، والكواكب الدرارى (١١٥/٢).
(٤) الكواكب الدرارى (١١٥/٢ - ١١٦).

٧٧١
كتاب العلم
الخطاب يشدد في ذلك ويقول: أقلوا الرواية عن رسول الله وَ له وأنا
شريككم، يريد في التقليل(١)؛ وكان ابن مسعود رَّهُ يقل الرواية عن رسول
الله ◌َّة، وإذا روى تغير لونه؛ وليس قوله وَل﴾ ((فليتبوأ مقعده من النار)) جاريا
على المفهوم من صيغة الخبر وإنما هو أمر بمعنى الخبر تقديره: فإنه يتبوأ
مقعده من النار(٢) وهو مثل قوله وَّر: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) ليس
المراد بأن يصنع ما يشاء، وإنما تقديره: إذا لم تستح فإنك تصنع ما تشاء لأنه
إنما يمنعك الحياء فإذا زال فإنك لا تبالي بما تصنع وهو أبلغ في الذم لأن
الراضي بترك الحياء راض بجملة القبائح (٣) فنسأل الله السلامة وسلوك سبل
الاستقامة، قاله ابن الفرات الحنفي في تاريخه.
١٦٠ - وَعَنِ الْمُغيرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله وَّ يَقُول: ((إِن كذبًا عَلَيّ
لَيْسَ ككذب على أحد فَمن كذب عَليّ مُتَعَمدا فَلَيَتَبَوَّأْ مَقْعَده من النَّار)). رَوَاهُ
مُسلمٍ وَغَيرِه(٤).
قوله: (عن المغيرة بن شعبة)، والمغيرة: بضم الميم على المشهور،
وحكى ابن قتيبة وابن السكيت وغيره أنه يقال: بكسرها أيضًا، وكان المغيرة
أحد دهاة العرب، وكنيته أبو عبد الله، ويقال: أبو عيسى، ويقال: أبو محمد،
(١) إكمال المعلم (٢١/٧).
(٢) انظر غريب الحديث (٣٢/٣)، وأعلام الحديث (١ / ٢١٢).
(٣) انظر غريب الحديث (٣١/٢) لأبى عبيد، وغريب الحديث (٣٦٥/١) لابن قتيبة، وأعلام
الحديث (٢١٩٨/٣)، وكشف المشكل (٢٠٣/٢-٢٠٤) وتحفة الأبرار (٢٧٢/٣).
(٤) أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ - ٤).

٧٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بالعين المفتوحة الثقفي
الكوفي الصحابي، أسلم عام الخندق، روي له عن رسول الله وُّل مائة وستة
وثلاثون حديثا، روى عنه جماعة من الصحابة ومن التابعين جماعة كثيرة،
وكان مغيرة موصوفًا بالدهاء، قال جماعة: إنه أحصن بثلثمائة امرأة في
الإسلام، وقيل: ألف امرأة وشهد الحديبية مع رسول الله وَخلاله وولاء عمر بن
الخطاب البصرة مدة ثم نقله عنها فولاء الكوفة فلم يزل عليها فأقره عثمان
عليها ثم عزله وشهد اليمامة وفتح الشام وذهبت عينه يوم اليرموك وشهد
القادسية وفتح نهاوند وكان على ميسرة النعمان بن مقرن وشهد فتح همدان
وغيرها واعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل
عليها حتى توفي بها سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، قالوا: وهو
أول من وضع ديوان البصرة(١).
كتب الحافظ أبو عمر ابن عبد البر على استيعابه زيادة [١١٠ / أ] في ترجمة
المغيرة، قال(٢): لما قتل عثمان وبايع الناس عليا دخل عليه المغيرة بن شعبة
فقال له: يا أمير المؤمنين إن لك عندي نصيحة، قال: وما هي؟ قال: إن أردت أن
يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة بن عبيد الله على الكوفة والزبير بن العوام
على البصرة وابعث إلى معاوية بعهده إلى الشام حتى تلزمه طاعتك فإذا
استقرت لك الخلافة فأدرها كيف شئت برأيك، فقال علي رَّه: أما طلحة
والزبير فأرى فيهما رأيي، وأما معاوية فلا والله لا يراني الله مستعملا له أبدًا ما دام
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٨/٢ - ١١٠ ترجمة ٥٩٩).
(٢) الاستيعاب (٤ / ١٤٤٧).