Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٥٣
مقدمة المؤلف
عليه فيما يرتكبه أمران أحدهما: ترك الذنب.
والآخر: إخفاؤه عمن يقتدى به فيه فكل هذه الأمور وأشباهها مما تعظم
به الصغائر وتنتقل إلى رتب الكبائر فيجب على مرتكبها إن لم يوفق للتوبة
منها أن يحترز عما تعظم به ولا يغفل عن عظمة من عصاه ويشكر مولاه على
ستر الجميل في مخالفته وحمله عليه في عصيانه ويتلبس أبدا بالندم
والانكسار ويتوقع التوبة والعفو بشهود الفاقة والافتقار ويتطهر ما أمكنه عن
الذنوب أجمع فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (١)].
٨٣- وَرُوِيَ عَنِ غُضَيْف بن الْحَارِث الثمالِي قَالَ: بعث إِلَيّ عبد الملك بن
مَرْوَانِ فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَان إِنَّا قد جَمعنَا النَّاس على أَمْرِيْن، فَقَالَ: وَمَا هما قَالَ
رفع الْأَيْدِي على المنابر يَوْم الْجُمُعَة والقصص بعد الصُّبْحِ وَالْعصر فَقَالَ أما
إِنَّهُمَا أمثل بدعتكم عِنْدِي وَلست بمجيبكم إِلَى شَيْء مِنْهُمَا قَالَ لم قَالَ لِأَن
النَّبِيِ نََّ قَالَ مَا أحدث قوم بِدعَة إِلَّ رفع مثلها من السّنة فتمسك بِسنة خير
من إِحْدَاث بِدعَة رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّارِ(٢).
قوله: عن غضيف بن الحارث الثمالي، الثمالي بالثاء المثلثة مضمومة
منسوب إلى ثمال بطن من الأزد.
(١) تنبيه الغافلين (ص ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٢) أخرجه أحمد ١٠٥/٤ (١٦٩٧٠)، وابن شبة في تاريخ المدينة (٩/١-١٠)، والمروزى في
السنة (٩٧)، والبزار (١٣١ / كشف الأستار). وقال الهيثمى في المجمع ١٨٨/١: رواه
أحمد والبزار، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو منكر الحديث. وضعفه الألباني
في الضعيفة (٦٧٠٧) وضعيف الترغيب (٣٧).

٥٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: بعث إلي عبد الملك بن مروان، عبد الملك بن مروان بن الحكم بن
أبي العاصي الأموي، كان والي المدينة من جهة معاوية [٧٤ / أ] ولد مروان
على عهد رسول الله وَ لّ، ولم يصح له سماع من النبي رٍَّله والرواية لأنه خرج
إلى الطائف مع أبيه وهو طفل لا يعقل حين نفى النبي نَّ أباه الحكم إليها،
وكان مع أبيه فيها حتى استُخلف عثمان فردهما إلى المدينة، وكان إسلام
الحكم يوم فتح مكة، وطرده النبي ◌َّل إلى الطائف لأنه كان يفشي سره، مات
في خلافة عثمان، ولما توفي معاوية بن يزيد بايع بعض الناس مروان بالخلافة،
روى عن عمر وعثمان وعلي وزيد وبسرة بنت صفوان، وروى عنه: ابنه عبد
الملك وسهل بن سعد وعروة بن الزبير وعلي بن الحسن ومجاهد وغيرهم،
وكان كاتبًا لمعاوية في خلافته في خلافته، وولي له أمر المدينة والموسم غير
مرة، بويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية، وكان
الضحاك قد غلب على دمشق وبايع فيها لابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، فقصده
مروان ووافقه بمرج راهط فقتله، وغلب على دمشق، وقدم مصر لغزو أهل
المغرب سنة سبع وثلاثين ثم قدمها بعدما بويع له بالشام في جمادي الأول سنة
خمس وثلاثين، وتوفي في رمضان منها سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة خمس
وستين، ودفن بباب الجابية أو باب الصغير بدمشق، والله أعلم (١).
قوله: إنا قد جمعنا الناس على أمرين، فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي
على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: إنهما أمثل
(١) انظر تهذيب الأسماء واللغات (٨٧/٢-٨٨ الترجمة ٥٦٥)، وتهذيب الكمال
(٣٨٧/٢٧ - ٣٨٩ الترجمة ٥٨٧٠).

٥٥٥
مقدمة المؤلف
بدعتكم عندي، ولست بمجيبكم إلى شيء منهما، الحديث؛ المراد برفع
الأيدي على المنابر، رفع أيديهم عند الدعاء، ومن البدع: القصص بعد
الصبح والعصر، أي: المواعظ، وعن خباب بن الأرت أنه رأى ابنه عبد الله
قص فلما رجع اتزر وأخذ السوط، وقال: أمع العمالقة أنت؟ هذا قرن قد
طلع(١)، قال ابن عبد البر(٢): فهذا خباب سمى القصص بدعة، لأن القصص
أحدث عليهم، ولم يكونوا يعرفونه، وقال وَليّة: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي)) فكان مما أحدث بعده وَّ ما أحدثه القصاص بعده مما
أنكره غير واحد من الصحابة، وكان ابن عمر ينكره ويقول: لم تكن القصص
في زمن النبي وسجل﴾ ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر، وإنما كان القصص حين
کانت الفتنة، انفرد به ابن ماجه وإسناده حسن (٣).
فهذا يعارض ما رواه الأئمة عن تميم الداري: أنه أول من قص على الناس
استأذن عمر في ذلك فأذن له (٤)، وسيأتي الكلام على ذلك أواخر الباب إلا أن
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢٩١/٥ (٢٦١٩٧) ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد
(٤ / ١١ - ١٢)، وابن الجوزى في القصاص والمذكرين (١٩٨).
(٢) التمهيد (١٢/٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٧٥٤)، وابن حبان (٦٢٦١). وقال البوصيرى في الزجاجة ٤/ ١٢٢ -١٢٣:
هذا إسناد فيه العمري وهو ضعيف واسمه عبد الله. وضعفه الألباني في التعليق على ابن ماجه.
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٤٩ (١٥٧١٥)، والطبراني في الكبير (٧/ ١٤٩ رقم ٦٦٥٦) والشاميين
(١٧٠٠). قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٩٠: رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه بقية بن
الوليد، وهو ثقة مدلس.

٥٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يقال أنه استأذن في القصص وقص بعد وفاة عمر، ويعارضه أيضًا حديث
أوس بن أبي أوس قال: إنا لقعود عند رسول الله وَ ◌ّل يقص علينا ويذكرنا إذا
أتاه رجلٌ، إلى آخره، وهو حديث صحيح(١)، وإنَّما عنى بها أنها من بدعة
الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين فإن النبي وَلّ لم يكن يعين [٧٤/ ب]
وقت معين يقص على أصحابه فيه غير خطبه الراتبة في الجمع والأعياد،
وإنما كان يذكرهم أحيانًا، وعند حدوث أمر محتاج إلى التذكير عنده، ثم إن
الصحابة اجتمعوا علی تعیین وقت له کما صح عن ابن مسعود أنه کان یذکر
أصحابه كل خميس، وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاص أن يقص
كل ثلاثة أيام مرة، ومن هذا قول الحسن: القصص بدعة ونعمت البدعة كم
من أخ يستفاد ودعوة مستجابة وحاجة مقضية(٢).
والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع، وإنما أطلق عليها بدعة باعتبار
أنها لم تكن كذلك من رسول الله وَّ، فالبدع الحسنة متفق على جوازها
وفعلها، وأما البدع المستقبحة وهي كل ما كان مخالفا للشريعة، واعلم أن
كل ما كان مكروهًا فانكاره مستحب لا واجب، والسكوت عنه مكروه، وما
كان محرما فإنكاره واجب، والسكوت عنه حرام (٣).
(١) أخرجه أحمد ٨/٤ (١٦١٦٣)، وابن ماجه (٣٩٢٩)، والنسائى في المجتبى ٤٧٢/٦-
٤٧٣ (٤٠١٦ - ٤٠١٨). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٠٩).
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٦).
(٣) إحياء علوم الدين (٢٣٥/٢)، وتنبيه الغافلين (ص ٤٣٠).

٥٥٧
مقدمة المؤلف
٨٤- وروى عَنهُ الطّبَرَانِيّ أَن النَّبِي وَلِّ قَالَ: مَا من أمة ابتدعت بعد نبيها
فِي دينهَا إِلَّ أضاعت مثلها من السّنة(١).
قوله وَحلّ: في رواية الطبراني: ((ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا
أضاعت مثلها من السنة))، وفي الحديث قبله وهو حديث غضيف بن
الحارث: فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة، قال عبد الله بن عباس: لا يأتي
على الناس زمان إلا أماتوا سنة وأحيوا فيه بدعة حتى تموت السنن وتحيى
البدع إلا من هون الله عليه إسخاط الناس ومخالفتهم فيما أرادوا ونهيهم عما
اعتادوا، ومن ليس كذلك أحسن الله تعويضه، قال رسول الله وَ اله: ((إنك لن
تدع شيئا إلا عوضك الله خيرا منه))(٢) انتهى، قاله في الديباجة.
٨٥- وَرُوِيَ عَن أبي أُمَامَة ◌َّ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مَا تَحت ظلّ
السَّمَاء من إِلَه يعبد [مِنْ دُونِ اللهِ] أعظم عِنْد الله من هوى مُتبع. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
س
فِي الْكَبِيرِ وَابْن أبي عَاصِم فِي كتاب السّنة(٣).
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٩٩/١٨ رقم ١٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٣٨).
(٢) قاله القرطبى في التذكرة (ص ٣٣٨).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٣)، والخرائطى في اعتلال القلوب (٨٧)، والطبراني في
الکبیر (٨/ ١٠٣ رقم ٧٥٠٢)، وابن عدی (١٢٥/٣ -١٢٦). قال ابن عدي وهذا إن كان
البلاء فيه من الحسن وإلا من الخصيب بن جحدر ولعله أضعف منه. وقال ابن الجوزى
في الموضوعات (١٣٩/٣): هذا حديث موضوع على رسول الله وَ لة، وفيه جماعة
ضعاف والحسن بن دينار والخصيب كذابان عند علماء النقل. وقال الهيثمى في
المجمع ١٨٨/١: رواه الطبراني في الكبير، وفيه الحسن بن دينار، وهو متروك الحديث.
وقال الألباني فيضعيف الترغيب (٣٩): موضوع.

٥٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: عن أبي أمامة، أبو أمامة اسمه صدي بن عجلان [الباهلي، صحب
النبي ◌َّ- وروى عنه، كان في حجة، قال سليم بن عامر: جاء رجل إلى أبي
أمامة فقال: يا أبا أمامة إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك وكلما
خرجت وكلما قمت وكلما جلست، فقال: إني أقول اللهم غفرًا دعونا عنكم
وأنتم لو شئتم صلت عليكم الملائكة ثم قرأ: ﴿يَدَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُذْكُرُواْ
اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾﴾(١)، قال ابن عيينة: كان آخر من بقي من أصحاب النبي
وَّر بالشام أبو أمامة الباهلي، وروى الواقدي: أن عبدالله بن بسر آخر من مات
بالشام من الصحابة، أبو أمامة مات سنة خمس وثمانين في قرية يقال لها دنبرة
على عتبة الباب، روى له الجماعة (٢)، انتهى، قاله في الديباجة، تقدم الكلام
علی مناقبه.
قوله التالية: ((ما تحت ظل السماء من إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع)
الحديث، قال الليث بن سعد: لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء ما
قبلته(٣)، وقال ابن رجب رحمه الله: فمن أحب شيئا وأطاعه وأحب عليه
وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان يحب ولا يبغض إلا لله ولا يوالي ولا
يعادي إلا لله فالله إلهه حقا، ومن أحب هواه وأبغض له ووالى عليه وعادى
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٤١.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٧٦/٢ الترجمة ٧١٨)، وتهذيب الكمال (١٣/ الترجمة
٢٨٧٢).
(٣) حلية الأولياء (١١٦/٩)، ومناقب الشافعى (٤٥٣/١)، وذم الكلام (١١١٨).

مقدمة المؤلف
٥٥٩
عليه فإلهه هواه، وكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله عز وجل فقد عبده
كما قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنّ
إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾﴾(١) الآية(٢). انتهى.
٨٦- وَعَن أنس رَّالَّهُ عَن رَسُول الله ◌َيِّ قَالَ وَأما المهلكات فشح مُطَاع
وَهوى مُتَبعٍ وَإِعْجَابِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرِهِمَا(٣) وَيَأْتِي
بِتَمَامِهِ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٧- وَعَن أنس بن مَالك زَّوَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّ إِن الله حجب
التَّوْبَة عَن كل صَاحبٍ بِدعَة حَتَّى يدع بدعته رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَإِسْنَاده حسن (٤)
(١) سورة يس، الآية: ٦١.
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٢٥).
(٣) أخرجه البزار (٦٤٩١)، والدولابى في الكنى (٨٤٧)، والطبراني في الأوسط (٣٢٨/٥
رقم ٥٤٥٢)، وابن شاهين في الترغيب في الفضائل (٣٣) و(٥٢٥)، وأبو نعيم في الحلية
(٢٦٨/٦-٢٦٩)، والبيهقي في الشعب (٢٠٣/٢-٢٠٤ رقم ٧٣١).
وقال الهيثمى في المجمع ١/ ٩١: رواه البزار، والطبراني في الأوسط ببعضه، وقال:
إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء، وفيه زائدة بن أبي الرقاد وزياد النميري، وكلاهما
مختلف في الاحتجاج به. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٥٣) و(٤٥٣).
(٤) أخرجه إسحاق (٣٩٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٧)، والطبراني في الأوسط (٢٨١/٤
رقم ٤٢٠٢)، والبيهقي في الشعب (٥٤/١٢ - ٥٥ رقم ٩٠١١)، وابن الجوزى في العلل
(٢١١ و٢١٢). قال المؤلف: هذا حديث لا يصح عن رسول الله والخليل ومدار الطريقين على
محمد بن عبد الرحمن الكوفي القشيري. قال ابن عدي: هو منكر الحديث مجهول وهو
من مشائخ بقية المجهول.
=

٥٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَهُ وَابْن عَاصِم فِي كتاب السّنة من حَدِيث ابْنِ عَبَّاس(١)
وَلَفْظِهِمَا قَالَ رَسُول الله وَيِّ أَبِى الله أَن يقبل عمل صَاحب بِدعَة حَتَّى يدع
بدعته وَرَوَاهُ ابْن مَاجَهُ أَيْضا من حَدِيث حُذَيْفَةٍ (٢) وَلَفظه قَالَ رَسُول الله وٍَّ لا
يقبل الله لصَاحب بِدعَة صوما وَلَا صَلَاة وَلَا حجا وَلَا عِمْرَة وَلَّا جهادا وَلَّا
صرفا وَلَّا عدلا يخرج من الاسلام كَمَا يخرج الشّعْر من الْعَجِين.
قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه.
قوله وَالله: (إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته))
الحديث، قال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان بدعة محمودة وبدعة مذمومة،
فما وافق السنة محمود [وما خالف السنة فهو مذموم] ومن ذلك قول عمر في
التراويح: نعم البدعة، والجواب الصحيح: أن عمر بن الخطاب له التصرف
وقال الهيثمى في المجمع ١٨٩/١٠: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح
غير هارون بن موسى الفروي، وهو ثقة. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٤)،
والصحيحة (١٦٢٠).
(١) أخرجه ابن ماجه (٥٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٩)، والخطيب في تاريخ بغداد ١٥/
٢٤٣، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢١٠). قال ابن الجوزى: هذا حديث لا يصح
عن رسول الله وَل وفيه مجاهيل. وقال البوصيرى في الزجاجة ١١/١: هذا إسناد رجاله
كلهم مجهولون قاله الذهبي في الكاشف وقال أبو زرعة لا أعرف أبا زيد ولا المغيرة.
وقال الألباني: منكر الضعيفة (١٤٩٢)، وضعيف الترغيب (٤٠)، الظلال (٣٩).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٩). قال البوصيرى في الزجاجة ١/ ١٠: هذا إسناد ضعيف فيه محمد
بن محصن وقد اتفقوا على ضعفه. وقال الألباني: موضوع الضعيفة (١٤٩٣) وضعيف
الترغيب (٤٠).

٥٦١
مقدمة المؤلف
في ذلك لقوله وَل: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من
بعدي)) وكان رََّ من أجلهم، ولهذا سماها العلماء سنة، وإنما أطلق هو
عليها بدعة لما رأى أنها لم تكن كذلك من رسول الله وقالله، والبدعة المذمومة:
فهو ما خالفت سنة، فمن ذلك صلاة الرغائب فإنها موضوعة وكذب على
رسول الله وَالله. [٧٥/ أ] ولو اجتمع الناس على قارئ في مسجد في قيام الليل
كانوا مبتدعين بلا شك، لأن ذلك لم يكن معهودا في عصرهم، والله أعلم.
قوله وقال في رواية ابن ماجه من حديث حذيفة: ((لا يقبل الله لصاحب بدعة
صومًا ولا حجًّا ولا عمرةً ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا)) قال في الديباجة:
حديث موضوع، ولفظ الصرف والعدل تكرّر في السنة كثيرًا، فالصرف:
التوبة، وقيل: الندم، والعدل: الفدية، وقيل: الفريضة، وسيأتي الكلام على
ذلك مبسوطا في إخافة أهل المدينة ومن أرداهم بسوء وفي غيره من
المواضع، وقال الفضيل بن عياض رحمة الله عليه: من أحب صاحب بدعة
أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه، وإذا رأيت مبتدعًا في طريق
فخذ في طريق آخر، ولا يرفع الله لصاحب البدعة عمل، ومن أعان صاحب
بدعة فقد أعان على هدم الإسلام(١)، انتهى.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
الله وَاللّه: ((من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام)) (٢) ذكره أبو
(١) حلية الأولياء (١٠٣/٨).
(٢) أخرجه ابن حبان في المجروحين (٢٣٥/١ - ٢٣٦)، والآجرى في الشريعة (٢٠٣٩)
و(٢٠٤٠)، والطبراني في الأوسط (٣٥/٧ رقم ٦٧٧٢)، وابن عدى (١٦٩/٣)، وابن

٥٦٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الفرج ابن الجوزي قال أبو عبد الله القرطبي: وقد استدل جماعة من العلماء
بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾(١) فإن من جالس أهل البدع والأهواء والريب
حکمه حکمهم(٢).
قوله: ((يخرج من الإسلام كما تخرج الشعر من العجين)) وفي رواية: ((كما
تسل الشعرة من العجين))، جاء مثله في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله
عنها قاله: قال حسان يا رسول الله ائذن لي في أبي سفيان، قال: كيف بقرابتي
منه؟ قال: والذي أكرمك لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال
في ذلك أبياته: هجوت محمدًا (٣)، ومعناه: لأخلصن نسبك من هجوه بحيث
لا تبقى جزء من نسبك فى نسبهم الذي ناله من الهجو كما أن الشعرة إذا
سلت من العجين لا تبقى شيء منها بخلاف لو سلت من شيء صلب فانهار
بما انقطعت فبقيت فيه منها بقية (٤)، انتهى، قاله في الديباجة.
٨٨- وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بنِ سَارِيَة ◌َ لَهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ إِيَّاكُمْ
والمحدثات فَإِن كل محدثة ضَلَالَة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن
=
الجوزى في الموضوعات (٢٧١/١). قال ابن حبان: باطل. قال ابن عدي: هذا حديث
باطل موضوع الخشنى يروى عن الثقات مالا أصل له.
(١) سورة الأنعام، الآية: ٦٨.
(٢) تفسير القرطبى (٤١٨/٥) (١٣/٧ و١٤٢).
(٣) أخرجه مسلم (١٥٧ - ٢٤٩٠).
(٤) شرح النووي على مسلم (١٦ /٤٨).

٥٦٣
مقدمة المؤلف
حَبَانِ فِي صَحِيحِه وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيحٍ وَتقدم بِتَمَامِهِ بِنَحْوِهِ(١).
قوله: وعن العرباض بن سارية، تقدم الكلام علیه قريبًا.
قوله وَعة: ((إياكم والمحدثات، فإن كل محدثة ضلالة)) قال الإمام
القرطبي (٢): معنى قوله وَّير: ((إياكم والمحدثات)) يعني ما لم يوافق كتابا ولا
سنة ولا عمل الصحابة، وقد بين هذا بقوله وقّي: ((من سن في الإسلام سنة
حسنة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة)) الحديث، وهذا إشارة إلى ما هو قبيح
وحسن، وهو أصل هذا الباب، انتهى.
٨٩- وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ◌َّالَّهُ أَن رَسُول الله ◌ٍَّ قَالَ: إِن إِبْلِيس قَالَ
أهلكتهم بِالذّنُوبِ فأهلكوني بالاستغفار فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك أهلكتهم بالأهواء فهم
يحسبون أنهم مهتدون فَلَا يَسْتَغْفِرُونَ. رَوَاهُ ابْن أبي عَاصِم وَغَيرِه(٣).
قوله: عن أبي بكر الصديق، واسمه عبد الله على الصحيح المشهور،
وقيل: اسمه عتيق، والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقًا لقبًا له لعتقه
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذى (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وابن أبي عاصم في
السنة (٢٦) واللفظ له، وابن حبان (٥). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٦)،
والصحيحة (٩٣٧ و٣٠٠٧)، وظلال الجنة (٢٦ - ٣٤).
(٢) تفسير القرطبى (٨٧/٢).
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧)، وأبو يعلى (١٣٦)، والطبراني في الدعاء (١٧٨٠).
قال الهيثمي في المجمع (١٠ / ٢٠٧): رواه أبو يعلى، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف.
وذكره البوصيري في الإتحاف (٣/ ٩٦ ب) مختصرًا، ثم قال: رواه أبو يعلى الموصلي،
وابن أبي عاصم بسند ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٤١).

٥٦٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من النار، وقيل: لحسن وجهه وجماله، قاله الليث بن سعد وجماعة، وروى
الترمذي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ لا قال: ((إن أبا بكر
عتيق الله من النار فمن يومئذ سمي عتيقًا)) وقال مصعب بن الزبير وغيره:
سمي عتيقا لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وأجمعت الأمة على تسميته
بالصديق، ففي المسند [٧٥/ ب] عن علي بن أبي طالب أن الله تعالى هو
الذي سمى أبا بكر صديقًا على لسان جبريل ومحمد وَّةٍ، وسبب تسميته
بذلك أنه بادر إلى تصديق رسول الله وٍّ﴿ ولازم الصدق فلم يقع منه هناة ما،
ولا وقفة في حال من الأحوال، فهو أبو بكر بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن
عمرو بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله وَلا في
مرة بن كعب، وبينه وبين مرة ستة آباء كما بين النبي وَلّ وبين مرة، كما اتفق
لهما في العمر، أسلم أبوه يوم الفتح وعاش إلا خلافة عمر، أسلم أبوه وأمه
وصحبا النبي ◌َّة، ولا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا
النبي ◌َّ إلا آل أبي بكر، وهم: عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي
قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأمه: اسمها أم الخير بنت صخر
بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، واعلم أن أبا بكر الصديق كانت له
في الإسلام المواقف الرفيعة وخصائص لم يشاركه فيها أحد من الصحابة،
منها: قضية ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك، ومنها: هجرته مع
رسول الله وَ ل وترك عياله وأطفاله وملازمته في الغار وغير ذلك ؛ روى
الصديق عن رسول الله وَّ جله مائة حديث واثنين وأربعين حديثا، اتفق البخاري

٥٦٥
مقدمة المؤلف
ومسلم منها على ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث، وسبب
قلة رواياته مع تقدم صحبته وملازمته النبي وقال أنه تقدمت وفاته قبل انتشار
الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها، وصحب النبي وَجيله
من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله وَّة، فلم يفارقه في حضر ولا سفر،
وكما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم أعقل أبوي إلا
وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا ويأتينا فيه رسول الله وَالله طرفي النهار
بكرة وعشيا، الحديث؛ ومنها: أنه لم يرد في القرآن الكريم اسم الصحبة
لغيره، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(١)
والمراد به: أبو بكر الصديق وزَّه بالاتفاق، وورد النص القاطع في صحبته،
قال بعض العلماء: من أنكر صحبة أبي بكر كفر لتكذيبه نص القرآن(٢).
ومنها: قوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ فكان له في هذه المعية
والتسمية مزيد اختصاص لم يشاركه فيه صحابي، وكان اسم أبي بكر في حياة
رسول الله ﴾ لا یفارق اسم رسول الله ﴾﴾ فإنه کان یقال له: یا صاحب رسول
الله وَ له، وبعده: يا خليفة رسول الله وَخلال حين توفي؛ ومنها: أنه أول من أسلم
من الرجال، ومنها: تسميته صديقا، قال الله تعالى: ﴿وَالّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ
(١) سورة التوبة، الآية: ٤٠.
(٢) قاله الحسين بن الفضل كما في تفسير البغوى (٤٩/٤)، والطيبى في شرح المشكاة
(١٢/ ٣٨٥٠)، ونقله القرطبى في التفسير (١٤٦/٥)، والعينى في عمدة القارى
(١٦/ ١٧٣)، والهيثمى في الزواجر (ص ٤٩).

٥٦٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
﴾﴾(١)، ومنها: خلافة رسول الله وَّل له
وَصَدَّقَ بِهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
وكفاه فخرًا قول المهاجرين والأنصار: يا خليفة رسول الله وَّة؛ ومنها: إرسال
الكلام إليه مع جبريل [٧٦/ أ] اليَلُ من الحق جل جلاله، وهذه الخصلة لم
يشاركه فيها غير خديجة رضي الله عنها، ومنها: أن الله تعالى قال له على لسان
جبريل ◌َالَّله: هل أنت راض عني في فقرك، ومنها: أن الملائكة عليهم الصلاة
والسلام في السماء تخللت بالعباءة من أجله رَّ لَّهُ فإنه [تخلل بالعباءة](٢)،
ومنها: أنه أنفق جميع ماله على رسول الله وَلّة، ومنها: ملازمته لرسول الله وله
في الغار وسائر الطريق، ومنها: تقدم النبي وَّ له في الصلاة من مراجعته في
ذلك، ومنها: إشارة النبي وسير في أن الأمر له من بقاء في قوله: ((تجدين أبا بكر))
ولا شك أن هذا كالصريح في استخلافه، ومنها: الأمر بسد خوخةٍ إلا خوخته
رَوَّة، ومنها: السر الذي وقر [وقر: أي تمكن] في صدره لما روى أنه وَ لّه قال:
((ما سبقكم أبو بكر)) إلى أن قال: ((ولكن بسر وقر في صدره))(٣) الحديث،
ومنها: أنه كان يفتي في حضرة رسول الله وَجّة، ومنها: ثباته يوم وفاة رسول الله
مَّله وقيامه ذلك القيام وتسكين قلوب الصحابة بالقرآن وهو زَقْطَهُ لم يزل
ساكن القلب مع القرآن، ومنها: قيامه بمصلحة البيعة، ومنها: قيامه في أمر الردة
(١) سورة الزمر، الآية: ٣٣.
(٢) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٠٦/١١): الحمد لله لم يتخلل أبو بكر بالعباءة ولا
الملائكة تخللوا بالعباءة وذلك كذب. والله أعلم.
(٣) قال الألباني في الضعيفة (٩٦٢): لا أصل له مرفوعًا.

٥٦٧
مقدمة المؤلف
وتجهيز جيش أسامة، ومنها: أنه أفضل الأمة وأحبهم إلى رسول الله وَ لاه
حبلالله
ومنها: قوله ◌َّله: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخي
وصاحبي))(١) رواه البخاري من حديث ابن عباس.
وكان النبي ◌ُّ يكرم أبا بكر ويبجله، وقيل: إن أبا بكر عطش في الغار
عطشا شديدًا فقال له رسول الله وَالخلية: ((يا أبا بكر عليك بصدر الغار))، قال أبو
بكر: فأتيت صدر الغار فوجدت عينًا تجري أحلى من العسل وأطيب من ريح
المسك فشربت فقال النبي وّ: ((أتدري مم شربت يا أبا بكر؟)) فقال: الله
ورسوله أعلم، فقال: ((أمر الله تعالى ملكًا أن يجري لك عينًا من الكوثر إلى
الغار)) فبكي أبو بكر زَقَّهُ، وقال: يا رسول الله ولي عند الله تعالى هذه المنزلة،
فقال له رسول الله وَّله: ((والذي بعثني بالحق نبيًّا إنه لا يدخل الجنة من
يبغضك ولو كان له عمل سبعين صديقًا))(٢).
وفي مسند الإمام أحمد: عن سعيد بن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي
وَ لّ مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره، وكان ثانيه في الإسلام وثانيه
في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله صل لم يقدم
(١) أخرجه البخاري (٤٦٦) و(٣٦٥٤) و(٣٩٠٤)، ومسلم (٢ - ٢٣٨٢) عن أبي سعيد
الخدرى. وأخرجه البخاري (٤٦٧) و(٣٦٥٦) و(٣٦٥٧) عن ابن عباس. وأخرجه
مسلم (٣ و٤ و٥ و٦ و٧ - ٢٣٨٣) عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٠/ ١٤٩ - ١٥٠) بلفظ: والذي بعثني بالحق نبيا لا
يدخل الجنة مبغضك ولو كان له عمل سبعين نبيًا. ووهى إسناده الحافظ السيوطي في
الخصائص [١ / ٤٦٣ - ٤٦٤].

٥٦٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليه أحدًا(١)، وقال رسول الله وَّة لجبريل عليّلام): (يا جبريل هل على أمتي من
حساب يوم القيامة؟)) قال: نعم إلا أبا بكر الصديق، يقول الله تعالى له: فانطلق
فادخل الجنة، فيقول: وعزك لا أدخل الجنة حتى يدخل معي من أحبني في دار
الدنيا، وقال رسول الله وَ له: ((إن الله خلقني من [٧٦/ ب](٢) [٧٨ / ب] نوره،
(١) أخرجه الحاكم (٣/ ٦٣). وصححه وتعقبه الذهبى فقال: في رواته مجهول.
(٢) هذه زيادة في لوحة [٧٧] لا علاقة لها بما سبق.
وقد أفتى الفريابي في هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن يصرح بلعن يزيد بن
معاوية، هل یحکم بفسقه أم يكون ذلك مرخصا فيه، وهل كان يريد قتل الحسين، أم كان
قصده الدفع، وهل يسوغ الترحم عليه، أم السكوت عنه فضلًا؟ فأجاب: لا يجوز لعن
المسلم أصلًا، ومن لعن المسلم فهو الملعون، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((المسلم
ليس بلعان)) وكيف يجوز لعن المسلم، [ولا يجوز لعن البهائم]، وقد ورد النهي عن
ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص من النبيێ، ویزید صح إسلامه وما
صح قتله للحسين زُقْريّ ولا أمره ولا رضاه بذلك ومهما لم يصح ذلك منه لم يجز أن
يعلن ذلك به، فإن إساءة الظن أيضًا بالمسلم حرام، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا
اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم}، وقال ◌ّ: ((إن الله حرم من المسلم دمه وماله
وعرضه وأن يظن به ظن السوء، ومن أراد ان يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله لم يقدر على
ذلك، وإذا لم يعلم وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، ومع هذا لو
ثبت على مسلم أن قتل مسلما لم يجز لعنه فكيف بمن تاب من قتل، وبم يعرف أن قاتل
الحسين مات قبل التوبة: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} فإذا لا يجوز لعن أحد ممن
مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله عز وجل، ولو جاز لعنه فسكت لم
يكن عاصيا بالإجماع بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة لم لم تلعن
إبليس؟، ولا يقال للاعن لم لعنت، ومن أين [٧٨].
(عرفت أنه ملعون مطرود؟) و الملعون: هو المبعد من رحمة الله عز وجل، وذلك
=

٥٦٩
مقدمة المؤلف
وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر من نور أبي بكر، وخلق عثمان من نور
عمر، وخلق عليًّا من نور عثمان، وخلق الخلق كلهم من نور علي بن أبي
طالب))(١).
وقيل: إنه إذا كان يوم القيامة ينصب حول العرش ثلاث كراسي فيجلس
على أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الثاني أبو بكر وعلى الثالث
إبراهیم الخلیل علیه الصلاة والسلام، وینادي مناد: یا له من صدیق بین حبيب
(٢)
وخليل(٢).
وتوفي الصديق رَّهُ وله ثلاث وستون سنة، وتوفي بين المغرب والعشاء
(غيب) لا يوقع عليه، (ولا يعرف إلا في من مات كافرًا،)، فإن ذلك علم بالشرع، وأما
الترحم عليه فجائز (بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا كل صلاة:) اللهم اغفر
للمؤمنين والمؤمنات)) فإنه كان مؤمنا، والله أعلم].
قلت: هذه فتوى الغزالى لا الفريابى نقلها ابن خلكان في وفيات الأعيان (٢٨٨/٣ -
٢٨٩)، والعواصم من القواصم (٧٩/٨ -٨٠) لابن الوزير.
(١) أخرجه أبو نعيم في أماليه كما في لسان الميزان (٣٢٨/١) عن أبي هريرة مرفوعا، وقال أبو
نعيم: هذا باطل يخالف کتاب الله.
(٢) هذا الخبر أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٦/ ٥٠) عن معاذ بن جبل بلفظ: إذا كان يوم
القيامة نصب لإبراهيم منبر أمام العرش، ونصب لي منبر أمام العرش، ونصب لأبي بكر
كرسي، فنجلس عليها، وينادي مناد: يا لك من صديق بين خليل وحبيب. ذكره ابن
الجوزي في الموضوعات (٥٨٩) وقال: لا يصح. وقال الذهبي في تلخيص الموضوعات
(٢١٦): هذا باطل. وذكره الحافظ في اللسان (٦٤٣٦) تحت ترجمة محمد الحليمي
وقال: روى عن آدم بن أبي إياس أحاديث منكرة بل باطلة. وقال الألباني في الضعيفة
(٥٥١٩): موضوع.

٥٧٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وأوصي أن تغسله أسماء، وأن يدفن إلى جنب
النبي وَّة، وصلى عليه عمر بين الروضة والمنبر(١).
فائدة: فيها بشرى لمحبي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: روى أبو سعد
في شرف النبوة (٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَالت:
((إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، ويؤتى بمنبرين من نور
فينصب أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يسار العرش ويعلوهما
شخصان فينادي الذي عن يمين العرش: معاشر الخلائق من عرفني فقد
عرفني ومن لم يعرفني فأنا رضوان خازن الجنة إن الله تعالى أمرني أن أسلم
مفاتيح الجنة إلى محمد رَية، ومحمد أمرني أن أسلمهما إلى أبي بكر وعمر
ليدخلا محبيهما الجنة، ثم ينادي الذي عن يسار العرش: من عرفني فقد
عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك خازن النار إن الله تعالى أمرني أن أسلم
مفاتيحها إلى محمد ريّ ومحمد أمرني أن أسلم مفاتيحها إلى أبي بكر وعمر
ليدخلا مبغضيهما النار))(٣) انتهى.
(١) انظر حلية الأولياء (٢٨/١ - ٣٧)، وشرف المصطفى (٣٩١/٥- ٤٢٤)، وتهذيب
الأسماء واللغات (٢/ ١٨١ - ١٨٤ الترجمة ٧٢٧)، والرياض النضرة (٧٣/١ - ٢٦٨).
(٢) شرف المصطفى (٤١٩/٥-٤٢٠).
(٣) أخرجه ابن فاخر في موجبات الجنة (٣١٧) عن عائشة، وابن عساكر في تاريخ دمشق
(١٥٦/٣٠) عن أبي سعيد. قال أبو بكر الدينوري: لم يرو هذا الحديث عن فضيل بن
مرزوق غير الحسن بن عبيد الله العجلي. اهــ والحسن - أو الحسين- هذا لم أعرفه. وفي
إسناده الحسين بن عبيدالله العجلي قال الدار قطني: كان يضع الحديث وقال ابن عدي:

٥٧١
مقدمة المؤلف
فائدة أخرى: خرج الصابوني عن محمد بن وزير قال: رأيت النبي وَله في
المنام فدنوت منه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال لي: وعليك
السلام يا محمد بن وزير، ألك حاجة؟ فقلت: نعم يا رسول الله، إني شيخ
ضعيف السماعة كثير العيال أرد أن تعلمني دعوات أدعو بها في سفري
وحضري وأستعين بها على أموري، فقال لي: أقعد هو ذا عليك ثلاث
دعوات فادع بها في كل وقت وشدة، وفي دبر كل صلاة قل: ((يا قديم
الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان يا مالك الدنيا والآخرة)) ثم التفت
فقال: ((اجتهد أن تموت على الإسلام وعلى حب هؤلاء هذا أبو بكر وهذا
عمر وهذا عثمان وهذا علي، فإنك لا تمسك النار))(١) انتهى، قاله في مختصر
مجمع الأحباب.
قوله وَّلة: ((إن إبليس قال: أهلكتهم بالذنوب فأهلكوني بالاستغفار))
الحديث، إبليس عدو الله، كنيته: أبو مرة، واختلف العلماء في أنه من
الملائكة من طائفة يقال لها الجن، أم ليس من الملائكة، والصحيح أنه من
الملائكة وأنه اسم أعجمي، قال الواحدي: قال أكثر أهل اللغة والتفسير:
سمي إبليس لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي: آيس، والمبلس: المكتئب
الحزين الآيس، واختلفوا أنه من الملائكة، فروي عن طاووس. [٧٩/ أ]
=
يشبه أن يكون ممن يضع الحديث. ينظر ميزان الاعتدال (٥٤١/١)، وانظر: الكشف
الحثيث لسبط ابن العجمي (١ / ٩٩).
(١) الرياض النضرة (١ /٥٠).

٥٧٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
ومجاهد عن ابن عباس أنه كان من الملائكة، وكان اسمه عزازيل، فلما
عصى الله عز وجل لعنه وجعله شيطانا مريدا، وسماه إبليس، قالوا: وقول
الله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾(١) أي: من طائفة من الملائكة يقال لهم الجن،
وقال الحسن بن عبد الرحمن بن يزيد وشهر بن حوشب: ما كان من
الملائكة، والاستثناء منقطع والمعنى عندهم: أن الملائكة وإبليس أمروا
بالسجود فأطاعت الملائكة كلهم وعصى إبليس، والصحيح: أنه من
الملائكة لأنه لم ينقل أن غير الملائكة أمر بالسجود، والأصل في الاستثناء أن
يكون من جنس المستثنى منه، والله أعلم؛ وأما إنظاره إلى يوم الدين فزيادة
في عقوبته وتكثير معاصيه وغوايته، نسأل الله الكريم اللطف (٢) والعصمة من
إغوائه بمحمد وآله(٣).
قوله: ((فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون فلا
يستغفرون))، الأهواء: جمع هوى، واختلفوا في تفسيره، فقيل: الهوى هو:
(١) سورة الكهف، الآية: ٥٠.
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٦/١-١٠٧ الترجمة ٤١).
(٣) هذا من التوسل الممنوع قال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢١/١): ولم
يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل بالنبي ◌ّ، ولا بالرجل الصالح بعد موته، ولا في
مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار، ولا في غير ذلك من الأدعية.
و((الدعاء مخ العبادة)) والعبادة مبناها على السنة والاتباع؛ لا على الهوى، والابتداع فإنما
يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع. وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ
الإسلام (الفصل الثالث ص ٢٢٨-٢٣٢).