Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٧٣
مقدمة المؤلف
تنبيه: الخليفة من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده والهاء فيه للمبالغة وجمعه
الخلفاء على معنى التذكير [٦٠/ ب] لا على اللفظ مثل ظريف وظرفاء
ويجمع على اللفظ ((خلائف)) كظريفة وظرائف انتهى، قاله في النهاية (١).
وفي تاريخ كنز الدرر وقال علماء اللغة: الخليفة هو القائم مقام غيره خلف
عمن يقدمه وقال الجوهري: ويقال خلف فلان فلانًا إذا كان خليفته فقال
خلفه في قومه خلافة فإن الخليفة هو السلطان الأعظم وقيل إن الله تعالى ذكر
خمسة نفر بالخلافة .. آدم وداود وهارون وصالح .. أما آدم قال الله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى
اٌلْأَرْضِ﴾(٢)، وصالحًا في قوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضُِ﴾(٣)، وفي معنى
خلافة آدم قولان أنه خليفة عن الله تعالى في أرضه في إقامة شرعه روي عن
ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما والثاني أنه خلف عمن تقدمه في
الأرض قبله وهو مروي عن ابن عباس أيضًا والأول أصح وأظهر لأن آدم
بِالسَّلام كان بهذه المتابة وقال أبو اسحاق الثعلبي سأل عمر ابن الخطاب طلحة
والزبير وسلمان الفارسي وكعب الأحبار أخليفة أنا ام ملك؟ فقال طلحة
والزبير ما ندري وقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية ويقسم بينهم
بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل على أهله ويقضي بينهم بكتاب الله عز
(١) النهاية (٦٩/٢).
(٢) سورة النور، الآية: ٥٥.
(٣) سورة النمل، الآية: ٦٢.

٤٧٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وجل وفي رواية إن جبيت من أرض المسلمين درها ووضعته في غير حقه
فأنت ملك ولست خليفة كأبي بكر رَقُوالَهُ، فقال كعب: ما كنت أحسب في
المجلس من يعرف الخليفة من الملك غيري؟ ولكن الله ألهم سلمان حكمًا
وعلمًا(١)، انتھی.
فائدة: جميع خلفاء بني مروان أربعة عشر رجلًا أولهم معاوية وآخرهم
مروان بن محمد بن مروان ومدة خلافتهم من خلص لهم الأمر وإلى حين
قتل مروان بن محمد إحدى وتسعين سنة وتسعة أشهر، خمسة أيام منها فتنة
ابن الزبير، وأيامه تسع سنين واثنان وعشرون يومًا، فخلص لهم اثنان
وثمانون سنةً وشهورًا فكان من مدة ملكهم ألف شهر وقد تأولوا قوله تعالى
﴿لَيْلَةُ اُلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾﴾(٢)، أنها أيام بني أمية، روى الترمذي
وغيره أن رجلًا قام إلى الحسن بن علي بعد تنازله لمعاوية فقال له: يامُسِّود
وجوه المؤمنين! فقال لا تؤنبني أى لا توبخنى رحمك الله فإن النبي وَ الْ أري
بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾(٣)
وأنزلت ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ اُلْقَدْرِ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ
شَهْر﴾(٤) تملكها بعدك بنو أمية قال القاسم راوي الحديث: فعددناها فإذا
(١) كنز الدرر (٢٤/٢ - ٢٥).
(٢) سورة القدر، الآية: ٢.
(٣) سورة الكوثر، الآية: ١.
(٤) سورة القدر، الآية: ١ - ٣.

٤٧٥
مقدمة المؤلف
هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا (١) انتهى، قاله في تاريخ كنز الدرر (٢).
وفي حديث سفينة زَقْوَلَّهُ عن النبي رَقُولَهُ قال: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة
ثم تكون ملكًا وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل واحتج به على خلافة
الأئمة الأربعة وفي رواية أخرى ثم تكون ملكًا أو قال ملوكًا ثم يقول سفينة:
أمسك أبو بكر سنتين وخلافة عمر عشرةً وعثمان اثنتي عشر وعلي ستة)).
وفي رواية أخرى عن سفينة: ((فكان خلافة الحسن تمام ثلاثين سنة وثلاثة
عشر يومًا من أول خلافة أبي بكر)) (٣).
(١) أخرجه الترمذى (٣٣٥٠). وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
من حديث القاسم بن الفضل وقد قيل عن القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن،
والقاسم بن الفضل الحداني هو ثقة؛ وثقه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي،
ويوسف بن سعد رجل مجهول ولا نعرف هذا الحديث على هذا اللفظ إلا من هذا
الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذى (٦٣٦).
(٢) كنز الدرر (٤ / ٤٤٦).
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٠/٥ (٢١٩١٩) و(٢١٩٢٣) و٢٢١/٥ (٢١٩٢٨)، وأبو داود
(٤٦٤٦) و(٤٦٤٧)، والترمذى (٢٢٢٦)، وابن عاصم في السنة (١١٨١)، وابن حبان
(٦٩٤٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان، ولا
نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان وقال ابن أبي عاصم: وحديث سفينة ثابت من جهة
النقل، وقال ابن عبد البر: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه
أذهب في الخلفاء. قال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سفينة:
الخلافة بعدي ثلاثون سنةً. يثبت؟ قال: نعم، قد رواه بهز، عن حماد بن سلمة، عن سعيد
بن جمهان، عن سفينة. وحسبت أنه قال: ورفع من ذکر بهز. تاريخه (١١٥٨).
وقال الخلال في السنة (ص ٤١٩): أخبرنا أبو بكر المروذي قال: ذكرت لأبي عبد الله
=

٤٧٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تنبيه: واختلف في اسم سفينة فقيل رومان وقيل مهران وقيل طهمان وقيل
عمير وهو مولى رسول الله وَاليه وكان عبدًا لأم سلمة فأعتقته وشرطت
[٦١/ أ] عليه أن يخدم النبي وَّر ما عاش فأعتقته بالشرط المذكور سمي
سفينة لأنه كان مع النبي ◌َّ في السفر فكلما أُعِيَ إنسان ألقى عليه سيفه
وترسه فحمل شيئًا كثيرًا فقال له النبي وَّ: ((أنت سفينة))(١).
تتمة: ذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه لطائف المعارف (٢): أن مروان بن
محمد كان يقول نجد في المدخر في علومنا أن عين بن عين بن عين يقتل ميم
بن ميم بن ميم، وأظن عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز فأنا مروان بن محمد بن
مروان فبلغ ذلك عبدالله بن علي فقال غلط أبو عبد الملك: أنا أكثر عينات
منه لأني عبدالله بن علي بن عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب بن عمرو بن
عبد مناف، وكان هو الذي قتله، وذلك أن العساكر تجهزت من خراسان
وغيرها من قبل السفاح لحرب مروان ومقدمها عبدالله بن علي بن عبدالله عم
السفاح فتقدم مروان إلى الزاب وكانت الواقعة على كاف، فانكسر مروان
وهرب إلى الشام فتبعه عبدالله بالجيوش إلى فلسطين فهرب مروان إلى مصر
فتبعه عبدالله بن علي وجرّد خلفه عامر بن اسماعيل فلحقه بقرية من قرى
=
حديث سفينة فصححه. وقال: قلت: إنّهم يطعنون في سعيد بن جمهان، فقال: سعيد بن
جمهان ثقة. وصححه الألباني في الصحيحة ٤٦٠، ١٥٣٤، ١٥٣٥.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٢٥/١ - ٢٢٦ الترجمة ٢١٧).
(٢) لطائف المعارف (ص ٥٨ -٥٩)، وكنز الدرر (٤٤٤/٤).

٤٧٧
مقدمة المؤلف
مصر تسمى بوصير غربي النيل بصعيد مصر فقتله هناك وكانت قتلته ليلة
الأربعاء وقيل ليلة الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين
ومائة وهو الصحيح ثم تفرق بنو أمية في البلاد وقتل أكثرهم ولحق بعضهم
بالمغرب فكانت مدة ولايته إلى أن بويع السفاح خمس سنين وشهرًا إلى أن
قُتل خمس سنين وعشرة أشهر وكان عمره يوم قتل خمسة وخمسين سنة
وقیل سنًا وخمسین، انتهى، قاله في تاریخ كنز الدرر(١).
قوله وَّحة: ((الراشدين)) الراشد اسم فاعل والراشد الذي أتى بالرشد
واتصف به والرشد خلاف الغي فالراشد ضد الغاوي من عرف الحق وعمل
بخلافه وهم يريدون بالراشدين الخلفاء الأربعة الذين تقدم ذكرهم وليس
المراد أنه لا يكون من غير هؤلاء الأربعة، الذين تقدم ذكرهم، وليس المراد
أن لا يكون الخليفة غير الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد
إلى قرب القيامة، وأيضًا أراد وَله بهذا تفضيل هذه الأربعة على غيرهم
وحسن قيامهم على الدين ومنه قوله ◌َّ: ((اقتدوا بالذي من بعدي أبي بكر
وعمر وعثمان وعلي)) (٢).
وقوله ((المهديين)) يعني: أن الله يهديهم إلى الحق ولا يضلهم عنه
والمهدي من هداه الله عز وجل إلى الحق وقد استعمل في الأسماء حتى صار
كالأسماء الغالبة وبه سمي المهدي الذي بشر به النبي وَ لا أنه يجيء في آخر
(١) كنز الدرر (٤٤٥/٤).
(٢) المفاتيح (١ / ٢٧٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨٠ -٧٨١).

٤٧٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الزمان والمهدي يظهر بالمغرب والمشهور ظهوره بمكة أو المدينة أو
العراق والله أعلم، فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال فالراشد من عرف الحق
واتبعه، والغاوي من عرف الحق ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية (١) ومنه
الحديث ((وإرشاد الضال)) أي هدايته الطريق وتعريفه قاله فى النهاية(٢)، فكل
راشدٍ مهتدٍ وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بعد
[٦١/ ب] معرفة الحق والعمل به، أيضًا(٣).
قوله وَّلة: ((عضوا عليها بالنواجذ)) أي اجتهدوا على السنة والزموها
واحرصوا عليها كَمَا يَلْزَمُ الْعَامُّ عَلَى الشَّيْءِ بِنَوَاجِذِهِ خَوْفًا مِنْ ذهابه
وتفلُّته. (٤).
وقال الخطابي(٥): وقد يكون معناه الأمر بالصبر على ما يصيب الإنسان
من وجع المصيبة عند مشاهدة العدول عن أمر الله تعالى واتباع سنة رسول
الله ◌َّ كما يفعله المتألم بما يصيبه من الوجع واعلم أن إتباع سنة رسول الله
وَّ جالبٌ لمحبة الله تعالى لقوله تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِى
يُحْبِبُكُمُ اللَّهُ﴾(٦)، وبالسمع والطاعة تحصل السلامة من الفتن والتحرز عن
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨١).
(٢) النهاية (٢٢٥/٢)
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٨١).
(٤) مختصر السنن (١٢/٧).
(٥) مختصر السنن (٧/ ١٢).
(٦) سورة آل عمران، الآية: ٣١.

٤٧٩
مقدمة المؤلف
الآفات وبتقوى الله تحصل النجاة في الدارين من المهلكات فاشتمل ما
أوصاهم به على بيان أهم المهمات انتهى. قاله في الديباجة.
والنواجذ: بالنون والجيم والذال المعجمة هي الأنياب وقيل الأضراس،
انتھی . قاله المنذري.
وقال بعض العلماء هذا مثلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين لأن العض
بالنواجذ عض بجميع الفم والأسنان وهي أواخر الأسنان وقيل التي بعد
الأنياب وهي أربعة أضراس في أقصى الناب وهو السن الذي بين الناب
والضرس نبت بعد أن شيب الإنسان وتسمى أضراس العقل والحلم، قيل:
هي الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك وفي الحديث ((أن النبي
وَسَلم
صَلَى اللّهِ
ضحك حتى بدت نواجذه))(١)، والمراد بها هاهنا الضواحك لأنه وَال - كان
معظم ضحكه تبسمًا (٢)(٣).
تنبيه: جملة الأسنان اثنتان وثلاثون سنة فالثنايا أربع اثنتان من فوق و
اثنتان من أسفل فإذن الثنايا هي أوائل ما يبدو للناظر في مُقدم الفم ثم
الرباعيات على جانب ثم الرباعيات على جانب الرباعيات اثنتان من جانب
(١) أخرجه البخاري (٤٨١١) و(١٤١٤ و٧٤١٥) و(٧٥١٣)، ومسلم (٢٠ و٢١ - ٢٧٨٦)
عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه الترمذى (٣٦٤٢) عن عبد الله بن الحارث بن جزء. وقال الترمذى: هذا حديث
صحيح غريب. وصححه الألباني في المشكاة (٥٧٩٦).
(٣) انظر النهاية (٢٠/٥)، والميسر (٨٩/١)، والمفاتيح (٢٧٣/١)، والمعين في شرح
الأربعين (ص ٣٣٥)، ونخب الأفكار (١٥١/٢) و(٣٠٨/٥) والفتح المبين (٤٧٥/١).

٤٨٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
واثنتان من جانب واحدة من فوق واحدة من تحت فم الأضراس وهي
عشرون ضرسًا من كل جانب عشر ومنها الضواحك وهي أربعة من الجانبين
ثم الطواحن وهم اثنا عشر طاحنًا من الجانبين ثم النواجذ وهي الأواخر من
كل جانب اثنتان، واحدة من أعلى الفم وأخرى من أسفله ويقال له ضرس
الحلم وضرس العقل وقيل النواجذ الأضراس كلها والله أعلم، قاله في شرح
المصابيح(١).
قوله وقال: ((وإياكم ومحدثات الأمور)) أي اتقوها واحذروا الأخذ بها
((فإنها بدعة)) والمراد ما أحدث من الأمور غير راجع إلى أصل أو دليل
شرعي وإلا فسنة الخلفاء الراشدين من محدثات الأمور وقد أمرنا باتباعها
وسواها بسنته في وجوب الاقتداء بها وما ذاك إلا لرجوعها إلى أصل شرعي
واعتمادها على دليل مرعي فإذن قوله: ((إياكم ومحدثات الأمور)) عامٌ مراد
به الخاص وبذلك قوله: «بسنة الخلفاء الراشدین» عام مراد به الخاص إذ لو
فرض خليفة راشد في عامة أموره سن سنة لا يعضدها دليل شرعي لما جاز
اتباعها فيجب تحذير الأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة (٢).
قوله: ((فإن كل بدعة ضلالة)) أي كل بدعة لا يساعدها دليل الشرع ضلالة،
لأن من فيها جاء به الشرع فیما لا يرجع إليه بوجه یکون ضلالة إذ ليس بعد
(١) انظر المخصص (١٢٧/١)، والعزيز شرح الوجيز (٣٧٥/١٠)، وروضة الطالبين
(٢٨١/٩)، ومرقاة المفاتيح (٢٥٣/١).
(٢) التعيين (ص ٢١٦-٢١٧).

٤٨١
مقدمة المؤلف
الحق إلا الضلال، وفي بعض روايات هذا الحديث: ((فإن كل محدثة بدعة
و کل بدعة ضلالة و کل ضلالة في النار))(١) انتهى.
فقوله وَّ: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) فالمراد به المحدثات
الباطلة والبدع المذمومة وملخص ذلك أن البدعة بدعتان. [٦٢/ أ] بدعة
هدی و بدعة ضلالة، فما كان على خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز
الذم وما کان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله ورسوله فهو
في حيز المدح ومن هذا قول عمر نظمالته عن التراويح: (نعمت البدعة هذه)،
لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة لأن النبي وَال
لم يسنها وإنما صلاها ليالي ثم تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس لها
ولا كانت زمن أبي بكر وإنما جمع الناس عليها عمر وندبهم إليها فيها فبهذا
إنما هي بدعة وهي على الحقيقة سنة لقوله وَيقر: ((عليكم بسنتي وسنة
الخلفاء الراشدين من بعدي))، وقوله: «اقتدوا بالذین من بعدي أبي بكر وعمر
وعثمان وعلي)) وعلى هذا يحمل قوله ◌ّ﴾: ((كل محدثة بدعة)) إنما يريد ما
خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما تستعمل البدع عرفًا في
الذم(٢) والله أعلم، قاله في الديباجة. انتھی.
٦٢ - وَعَن أبي شُرَيْحِ الْخُزَاعِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله وَِّ فَقَالَ أَلَيْسَ
تَشْهَدُون أَن ◌َا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله قَالُوا بَلَى قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد
(١) التعيين (ص ٢١٨).
(٢) انظر تفسير غريب ما في الصحيحين (١/ ٣٠٢)، والنهاية (١ /١٠٦ - ١٠٧).

٤٨٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُم لن تضلوا وَلنْ تهلكوا بعده أبدا رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير ◌ِإِسْنَاد جيد(١).
قوله: عن أبي شريح الخزاعي، أبو شريح بضم السين المعجمة وفتح الراء
وبالحاء المهملة اسمه خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي الكعبي وقيل
اسمه: عبدالرحمن بن عمرو وقيل: هانىء بن عمرو وقيل: كعب بن عمر
وقيل: عمرو بن خويلد والمشهور خويلد بن عمرو وله صحبة، أسلم قبل
فتح مكة وكان يحمل أحد ألوية بني كعب الثلاثة يوم الفتح وكان من عقلاء
الرجال، رُوي له عن رسول الله وَ﴾ عشرون حديثا ذكر البخاري منها ثمان
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٢٥ (٣٠٠٠٦) وعنه عبد بن حميد (٤٨٣) وابن أبي
عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٠٢)، والمروزى في مختصر قيام الليل (ص ١٧٨)،
والبغوى في معجم الصحابة (٢٠١٨)، وابن حبان في صحيحه (١٢٢)، والطبراني في
الكبير (١٨٨/٢٢ رقم ٤٩١)، والبيهقي في الشعب (٣٣٨/٣ - ٣٣٩ رقم ١٧٩٢)
و(٣٩١/٣-٣٩٢ رقم ١٨٥٨)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١ /١٩٥-١٩٦).
قال ابن أبي حاتم في العلل (١٦٥٣): وسمعت أبي، وسئل عن حديث أبي خالد الأحمر،
عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح، عن النبي ◌ُّ: إن هذا
القرآن سبب طرفه بيد الله، وسبب طرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا. ورواه
الليث، عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير. ورواه أبو أسامة، عن عبد الحميد بن
جعفر، عن مسلم بن أبي حرة، عن نافع بن جبير، قال النبي ◌َّةٍ ... مرسلا. قال أبي: هذا
أشبه، قد أفسد الحدیثین.
وقال الهيثمى في المجمع ١٦٩/١: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.
وصححه الألباني في الصحيحة (٧١٣) وصحيح الترغيب (٣٨).

٤٨٣
مقدمة المؤلف
وستين، مات بالمدينة سنة ثمان وستين والله أعلم(١).
قوله وَّة: ((إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به))
الحديث وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَالله: ((إني تارك فيكم
ثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض
طرفه في يد الله عز وجل وطرفه الآخر في أيديكم فاستمسكوا به ألا
وعترتي)) (٢) وعن أبي هريرة قال النبي وَالطّ: ((إني قد خلفت فيكم شيئين لن
تضلوا بعدي ما أخذتم بهما وعملتم بما فيهما، كتاب الله وسنتي)) (٣)
خرجهما الوائلي في الإبانة من طرق، قاله القرطبي في كتاب التذكار (٤)
فأوجب علينا التمسك بكتابه العزيز وحدوده والتأدب بأدبه وسنة نبيه
رَللز والرجوع إليهما عند الاختلاف.
﴿ُ بِالْجُحْفَةِ فَقَالَ أَيْسَ
صَلى الله
٦٣ - وَرُوِيَ عَن جُبير بن مطعم قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي
تَشْهَدُون أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لا شريك لَهُ وَأَنِّي رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن جَاءَ
(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٣/٢ الترجمة ٨٠٤)، والإصابة (١٠١/٤، ١٠٢)،
والاستيعاب (١٠١/٤ - ١٠٣)، وأسد الغابة (٢٢٥/٥، ٢٢٦).
(٢) أخرجه أحمد ١٤/٣ (١١١٠٤) و١٧/٣ (١١١٣١) و٢٦/٣ (١١٢١١) و٥٩/٣
(١١٥٦١)، والترمذى (٣٧٨٨). وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وصححه
الألباني في الصحيحة (١٧٦١).
(٣) أخرجه البزار (٨٩٩٣)، والعقيلى في الضعفاء (٢/ ٢٥٠)، وأبو بكر الشافعى في
الغيلانيات (٦٣٢)، والدارقطنى (٤٦٠٦)، والحاكم (٩٣/١)، والبيهقي في الكبرى
(١٩٥/١٠ رقم ٢٠٣٣٧). وصححه الألباني في الصحيحة (١٧٦١)، والمشكاة (١٨٦).
(٤) التذكار (ص ٧٤ - ٧٥).

٤٨٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من عِنْد الله قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأبشروا فَإِن هَذَا الْقُرْآن طرفه بيد الله وطرفه بِأَيْدِيكُمْ
فَتمسكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لن تهلكوا وَلِنْ تضلوا بعده أبدا رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيّ فِي
الْكَبِير وَالصَّغِيرُ(١).
قوله: عن جبير بن مطعم، كنيته: أبو محمد ويقال: أبو عدي هو جبير بن
مطعم بكسر العين بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي
المدني، أسلم عام خیبر، وقيل: أسلم يوم فتح مكة روي له رسول ◌َالله ستون
حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على ستة وانفرد البخاري بثلاثة [٦٢/ ب]
ومسلم بحديث، روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع ابن
جبير وسعيد بن المسيب وأخرون، قال الزبير بن بكار: كان من حكماء
قريش وسادتهم توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين وقال ابن سنة تسع
وخمسين، قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات(٢).
(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥٤/٩)، والبزار (٣٤٢١)، والطبراني في الصغير
(٢٠٩/٢ رقم ١٠٤٤) والكبير (١٢٦/٢ رقم ١٥٣٩) وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان
(٢٢٩/٢)، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن جبير بن مطعم إلا من هذا
الوجه، وقد روي عن غير جبير نحو من هذا الكلام، ولا نعلم رواه عن الزهري إلا أبو
عبادة الأنصاري.
قال البيهقي: ورواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن النبي رَّر
مرسلًا. قال البخاري: وهذا أصح. وقال الهيثمى في المجمع ١٦٩/١: رواه البزار
والطبراني في الكبير والصغير، وفيه أبو عبادة الزرقي، وهو متروك الحديث. وصححه
الألباني في صحيح الترغيب (٣٩).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٤٦/١ - ١٤٧ الترجمة ١٠٣).

٤٨٥
مقدمة المؤلف
قوله رُوَّهُ: بايع النبي وَلَه بالجحفة، فقال: ((أليس تشهدون أن لا إله إلا الله
وحده لاشريك له وأني رسول الله))، الجحفة: بضم الجيم وإسكان الحاء
المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة
وقيل سبع مراحل ونحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة وسميت
بذلك لأن السيل اجتحفها في وقت وحمل أهلها وهي مهيعة بفتح الميم
واسكان الهاء وفتح المثناة تحت كما ذكر مسلم في رواية وحكى القاضي
كسر الهاء والصحيح الأول وهي الآن خربة لا يصل اليها أحد لوخمها وإنما
يحرم الناس من رابغ وهي على محاذيها وهي ميقات أهل مصر والشام وذكر
بعضهم أن مهيعة قريب من الجحفة والمعتمد ما قدمنا أنها هي الجحفة
نفسها واما في ذلك الوقت فكانت مسكن اليهود(١).
قوله وَاله: ((فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم
لن تهلكوا أو لن يضلوا بعده أبدًا»، تضلوا: هو بكسر الضاد، قاله الجوهري
الضلالة: هي من ضد الرشاد(٢).
٦٤ - وَعَن أبي سعيد الْخُذْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله وٍَّ من أكل طيبا وَعمل
فِي سنة وَأمن النَّاس بوائقه دخل الْجنَّة قَالُوا يَا رَسُول الله إِن هَذَا فِي أمتك
الْيَوْمِ كثير قَالَ وسيكون فِي قوم بعدِي رَوَاهُ ابْن أبي الدَّنْيَا فِي كتاب الصمت
(١) انظر إكمال المعلم (١٦٩/٤ - ١٧٠)، ومطالع الأنوار (١٩٤/٢) و(٨٢/٤)، وشرح
النووى على مسلم (٨١/٨).
(٢) الصحاح (١٧٤٨/٥).

٤٨٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وَغَيْرِه وَالْحَاكِمْ وَاللَّفْظِ لَهُ وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(١).
قوله: عن أبي سعيد الخدري. أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن
ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بالباء الموحدة والجيم، الأنصاري الخزرجي
الخدري واسم امه أنيسة بنت أبي حارث، استُصِغَرَ أبوسعيد يوم أحد فرد
وغزا بعد ذلك مع رسول الله وَّة اثنتي عشرة غزوة وكان أبوه صحابيًا
استشهد يوم أحد، روي له عن رسول الله وَّل ألف حديث ومائة حديث
وسبعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ست وأربعين وانفرد البخاري
بست عشر ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، توفي نَّالَّ بالمدينة يوم الجمعة
سنة أربع وستين وقيل سنة أربع وسبعين ودفن بالبقيع ومناقبه كثيرة مشهورة
(١) أخرجه هناد في الزهد (٥٤٨/٢)، والفسوى في مشيخته (١١٧)، والترمذى في العلل
(٦١٩) والسنن (٢٥٢٠)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٢٦)، والطبراني في الأوسط
(٢٥/٤- ٢٦ رقم ٣٥٢٠)، والحاكم (٤ /١٠٤)، والبيهقي في الشعب (١٠٥/٧ رقم
٥٣٦٨)، والهروى في ذم الكلام (١٤٨٨)، وابن الجوزى في العلل (١٢٥٢) من طريق
الامام أحمد.
قال أحمد: ما سمعت بأنكر من هذا الحديث لا أعرف هلال بن مقلاص ولا أبا بشر
وأنكر الحديث إنكارا شديدا. قال الترمذى: سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا
أعرف أبا بشر هذا، ولا أدري ما هذا الحديث وعرف هذا الحديث من هذا الوجه
وضعفه. وقال في السنن: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث
إسرائيل. وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي وائل، عن أبي سعيد إلا بهذا
الإسناد، تفرد به: إسرائيل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: منكر الضعيفة
(٦٨٥٥)، المشكاة (١٧٨)، وضعيف الترغيب (٢٩) و(١٠٦٨).

٤٨٧
مقدمة المؤلف
والله أعلم(١).
قوله وَّه: ((من أكل طيبًا وعمل في سُنَّةٍ وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّة))
الحديث المرادَ بالطيب الحلال والسنة سيرة النبي وَلا وطريقته في الدين
وتطلق السنة أيضًا على الأحاديث المروية عن النبي وَّل وعلى المندوب
والتطوع والنفل والمرغب فيه والمستحب وكلما كان فعله راجحًا على تركه
ولا إثم في تركه وقال سن رسول الله وَ ليل كذا أي جعله شرعًا عامًا (٢) انتهى
قاله في الديباجة.
قوله: ((وأمن الناس بوائقه)) والبوائق: قال الهروي الدواهي وهي الشر
(٣)
وغائلته(٣).
٦٥ - وَعَن ابْن عَبَّاس عَنِ النَّبِيِ وَِّ قَالَ من تمسك بِسنتي عِنْد فَسَاد أمتِي
فَلهُ أجر مائَة شَهِيد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة الْحسن بن قُتَبِيَة وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من
حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِإِسْنَاد لَا بَأس بِهِ إِلَّا أَنْه قَالَ فَلهُ أجر شَهِيد (٤).
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٣٧/٢ الترجمة ٧٩٥).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٥٦/٣).
(٣) غريب الحديث (٣٤٨/١).
(٤) أخرجه ابن عدى في الكامل (١٧٤/٣)، وابن بشران (٥٠١) و(٧٠٠)، والبيهقي فيالزهد
(٢٠٧). قال ابن عدى: وللحسن بن قتيبة هذا أحاديث غرائب حسان، وأرجو أنه لا بأس
به. وضعفه جدا الألباني في الضعيفة (٣٢٦) وضعيف الترغيب (٣٠).
وأخرجه الطبراني في الأوسط (٣١٥/٥ رقم ٥٤١٤) وعنه أبو نعيم في الحلية (٢٠٠/٨)،
والبغوى في الأنوار (١٢٣٧) وعند أجر مائة شهيد. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن
=

٤٨٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٦٦ - وَعنْهُ أَيْضاً أَن رَسُول الله ◌َِّ خطب النَّاسِ فِي حِجَّة الْوَدَاعِ فَقَالَ إِن
الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد بأرضكم وَلَكِن رَضِي أَن يطاع فِيمَا سوى ذَلِك مِمَّا
تحاقرون من أَعمالكُم فاحذروا إِنِّي قد تركت فِيكُم مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ
تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه الحَدِيثِ رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيحِ الْإِسْنَادُ(١)
احْتج البُخَارِيّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتج مُسلم بِأبي أويس وَله أصل فِي الصَّحِيح.
قوله: عن ابن عباس تقدم الكلام على مناقبه.
قوله: ((من تمسك بسنتي بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد)) تقدم
الكلام على السنة في الحديث قبله وسيأتي الكلام على الشهيد في بابه مبسوطًا
والله أعلم وتقدم الكلام في ابن عباس ومناقبه.
وقوله: في حديث ابن عباس الذي بعده ((إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به
لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه)) الحديث، العصمة: المنعة، العاصم
المانع الحامي. [٦٣ / أ]
والاعتصام: الإمساك بالشيء، افتعال منه، ومنه شعر أبي طالب:
وأبْيضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ ثِمالَ اليَتامى عِصْمَةٌ للأرامِلِ
عطاء إلا عبد العزيز بن أبي رواد، وتفرد به: ابنه عبد المجيد. وقال أبو نعيم: غريب من
حديث عبد العزيز عن عطاء. وضعفه الألباني في المشكاة (١٧٦) والضعيفة (٣٢٧)
وضعيف الترغيب (٣١).
(١) أخرجه الحاكم (٩٣/١)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ٢٢٨) والدلائل (٤٤٩/٥) والكبرى
(١٩٤/١٠-١٩٥ رقم ٢٠٣٣٦)، والخطيب في المتفق والمفترق (١٤٢٥/٣ رقم
٨٠٨). وصححه الحكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٤٠).

٤٨٩
مقدمة المؤلف
أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، ومنه الحديث: ((فقد عصموا مني
دماءهم وأموالهم)) وحديث الإفك فعصمها الله بالورع (١).
فالاعتصام تمثيل لوثوق المعتصِم بحماية المعتصم به.
وفي حديث ابن مسعود عن النبي وَّة: ((إن هذا القرآن هو حبل الله ... ))
الحديث، قيل: المراد بحبل الله عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه
ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهتدى به، فالحبل يطلق على العهد وعلى
الأمان وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبل في
مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبال عند شدائد أمورهم ويصلون بها
المفرق فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور(٢)، وتقدم الكلام عليه.
٦٧ - وَعَن ابْنِ مَسْعُود زَّوَ قَالَ الاقتصاد فِي السّنة أحسن من الإِجْتِهَاد
فِي الْبِدْعَةِ رَوَاهُ الْحَاكِمِ مَوْقُونَا وَقَالَ إِسْنَاده صَحِيح على شَرطهمَا (٣).
قوله: الاقتصاد في السنة أحسن من الاجتهاد في البدعة، الاقتصاد الاعتدال
والتوسط في المعيشة وغيرها، وفي الحديث: ((ما عال من اقتصد)) أي: ما افتقر
(١) النهاية (٢٤٩/٣).
(٢) انظر إكمال المعلم (٥٦٨/٥ و٤٢٠/٧)، وشرح النووي على مسلم (١٢/١٢
و ١٥/ ١٨١).
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (٨٧٦)، والمروزى في السنة (ص ٣٠)، وابن بطة في الاعتصام
(١٦١) و(١٧٨) و(٢٠١) و(٢٤٦)، والحاكم (١٠٣/١)، والبيهقي في الكبرى (٢٨/٣
رقم ٤٧٤٥). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح الترغيب
(٤١).

٤٩٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من اعتدل في معيشته، قاله الأصبهاني شارح الأربعين حديثا الودعانية (١)؛
وقوله: أحسن من الاجتهاد في البدعة سيأتي الكلام على البدع وتنوعها قريبًا
إن شاء الله.
قوله: رواه الحاكم موقوفًا تقدم الكلام على الحاكم وعلى الحديث
الموقوف.
٦٨ - وَعَن أبي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ [عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ](٢)، قَالَ خرج علينا
رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهُوَ مرعوب فَقَالَ وأطيعوني مَا كنت بَيْن أَظْهركُم وَعَلَيْكُم
بِكِتَاب الله أحلُّوا حَلَاله وحرموا حَرَامِه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَرُوَاته
ثِقَات (٣).
قوله: عن أبي أيوب الأنصاري، اسمه: خالد بن زيد بن كليب الخزرجي
الأنصاري الصحابي الجليل المدني ثم الشامي، وأمه: هند بنت سعد بن
(١) شرح الأربعين الودعانية (ص ٣٢٢/ح ١٢).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) أخرجه أحمد في العلل (٢٥٦/١)، والطبراني في الكبير (٣٨/١٨ رقم ٦٥)، وتمام في
الفوائد (٧٤٨ و٧٤٩). وقال الدارقطنى في أطراف الغرائب والأفراد (٢٤٤/٤): قال
غريب وحديث أربعة من الصحابة وبعضهم عن بعض نعيم والمقدام وأبو أيوب وعوف،
تفرد به سليمان بن عبد الرحمن عن معاوية بن صالح الأودي عن محمد بن جبير عن
بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن نعيم.
وقال الهيثمى في المجمع ١/ ١٧٠ : رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وصححه
الألباني في الصحيحة (١٤٧٢) وصحيح الترغيب (٤٢).

٤٩١
مقدمة المؤلف
امرىء القيس، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها مع رسول الله وَ طله ونزل
صلى الله
وَسَلم
في داره حين قدم المدينة مهاجرًا فأقام عنده شهرًا حتى بنيت مساكنه
ومسجده فانتقل إليها، وكان أبو أيوب قد سأل رسول الله وَ ◌ّخليل أن يكون هو في
العلو وأبو أيوب في أسفل الدار فأجابه رسول الله وَالو إلى ذلك، وقدم على
ابن عباس البصرة، قال: إني أخرج من مسكني كما خرجت لرسول الله وَال
عن مسكنك فأعطاه ما أغلق عليه الدار وعشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وهو
ممن غلبت علیه کنیته، روي له عن رسول الله ﴾﴾ مائة وخمسون حديثاً،
أخرج البخاري منها ثمانية، وكان مع علي في حروبه، مات بالقسطنطينية سنة
إحدى وخمسين، وذلك مع يزيد بن معاوية، خرج معه فمرض، فلما ثقل
قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت
أقدامكم ففعلوا، فقبره قريب من سورها معروف إلى اليوم معظم يستسقون
به فيسقون، وعلى قبره قبة عظيمة ويزار ويتبرك به إلى يومنا هذا، وهذا من
أعجب(١) الأشياء وأغربها، وهو أن مسلما يقاتل الإفرنج فيقتل منهم ما شاء
الله أن يقتل من أكابرهم ثم إنه لما قتل عندهم ودفن يفعلون بقبره ما ذكرناه،
وهذا من بعض كرامات أصحاب رسول الله وَ له؛ [٦٣/ ب] وقيل: لما بنى
رسول الله وَالل بصفية بنت حيي، وذلك بعد فتح خيبر في بعض الطريق فبات
بها رسول الله وَخلال في قبة وبات أبو أيوب متوشحًا بسيفه يحرس رسول الله
وَلّه ويطوف بالقبة حتى أصبح رسول الله وَّةِ، فلما رأى مكانه قال: ((ما لك
(١) مجمع الأحباب (لوحة ٢٠١ و٢٠٢).

٤٩٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يا أبا أيوب؟)) قال: يا رسول الله لقد خفت عليك من هذه المرأة، وكانت
امرأة قد قَتَلْتَ أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثه عهد بكفر فخفت عليك
منها، فقال رسول الله وَله: ((اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني))(١)، قاله
في مختصر الأحباب، وآخي رسول الله بينه وبين مصعب بن عمير (٢) ومناقبه
كثيرة مشهورة.
قوله وَيقر: ((وعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه))، أي الزموا
العمل بالقرآن (أحلوا حلاله وحرموا حرامه) يعني ما أحله افعلوه وما حرمه
لا تقربوه ومحصوله ما دمت بينكم حيا فعليكم اتباع ما أقول وأفعل فإن
الكتاب علي نزل وأنا أعلم الخلق به وأما بعدي فالزموا القرآن فما أذن في
فعله افعلوه وما نهى عنه فانتهوا.
٦٩ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن شَافِعٍ مُشَفع من اتبعهُ قَادَهُ
إِلَى الْجِنَّة وَمن تَركه أَو أعرض عَنهُ أَو كلمة نَحْوِهَا زج فِي قَفَاهُ إِلَى النَّار رَوَاهُ
الْبَزَّارِ هَكَذَا مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود وَرَوَاهُ مَرْفُوعا من حَدِيث جَابر وَإِسْنَاد
الْمَرْفُوع جيد (٣).
(١) انظر حلية الأولياء (٣٦١/١ - ٣٦٣)، والاستيعاب (٤٢٦/٢)، وسيرة ابن هشام
(٢/ ٤٢٠)، وتهذيب الأسماء واللغات (١٧٧/٢ الترجمة ٧٢٢).
(٢) انظر أسد الغابة (١ / ٥٧٢).
(٣) أما حديث ابن مسعود: أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣١ (٣٠٠٥٤)، وأحمد في الزهد
(٨٤٧)، وابن الضريس في فضائل القرآن (٩٣) و(٩٦) و(١٠٧)، والبزار (١٢١ / كشف
الأستار)، وعبد الرحمن بن أحمد الرازي في فضائل القرآن (١٢٤)، والفريابي في فضائل