Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٣٣ مقدمة المؤلف والنسائى. سمع عبد الملك ابن أبى الشوارب، وأحمد بن منيع البغوى، ومحمد بن حميد الرازى، والوليد بن شجاع، وأبا كريب محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم الدورقى، وأبا سعيد الأشج، وعمرو ابن على، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن يسار، وغيرهم من شيوخ البخارى ومسلم. وحدث عنه أحمد بن کامل، ومحمد بن عبد الله الشافعى، ومخلد بن جعفر، وخلائق. قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد: استوطن الطبرى بغداد، وأقام بها حتى توفى، وكان أحد أئمة العلماء، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله تعالى، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعانى، فقيها فى أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم فى الأحكام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله كتاب التاريخ المشهور، وكتاب فى التفسير لم یصنف أحد مثله، و کتاب تهذيب الآثار، لم أر سواه فى معناه، لكنه لم يتمه، وله فى أصول الفقه وفروعه کتب كثيرة، وتفرد بمسائل حفظت عنه. قال الخطيب: وسمعت على بن عبد الله السمسار يحكى أن محمد بن جرير مكث أربعين سنة يكتب فى كل يوم أربعين ورقة. وعن الشيخ أبى حامد الإسفراييني، قال: لو سافر رجل إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبرى لم يكن هذا كثيرا، أو كلاما هذا معناه. وروينا عنه أنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، ٤٣٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فقالوا: هذا مما يفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة. وكذلك قال لهم فى التاريخ، فأجابوه بمثل جواب التفسير، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره نحو ما اختصر التفسير. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير. وروينا أن أبا بكر بن مجاهد إمام الناس فى القراءات استمع ليلة القراءة محمد بن جرير، فقال: ما ظننت أن الله تعالى خلق بشرا يحسن يقرأن هذه القراءة. وروى الخطيب، عن القاضى أحمد بن كامل، قال: توفى أبو جعفر محمد بن جرير وقت المغرب ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن ضحوة يوم الاثنين فى داره، ولم يغير شيبه، وكان السواد فى شعر رأسه ولحيته كثيرا، وكان مولده فى آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وعشرين ومائتين، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين، نحيف الجسم، مديد القامة، فصيح اللسان، ولم يؤذن به أحد، واجتمع عليه ما لا يحصيهم عددا إلا الله تعالی، وصلی علی قبره عدة شهور ليلا ونهارا، وزاره خلق کثیر من أهل الدين والأدب، ورثاه ابن الأعرابى، وابن دريد، وغيرهما، ولقد أجاد ابن دريد وأبلغ فى ترثيته (١)]. قوله: مرسلا؛ الحديث المرسل: ما حذف من إسناده الصحابي عند المحدثين، وأي راو كان عند الأصوليين، والمسند ما كان متصلا إلى قائله فعند مالك وأصحابه تجب به الحجة ولا يلزم به العمل كما يجب بالمسند (١) تهذيب الأسماء واللغات (٧٨/١ - ٧٩ ترجمة ٨). ٤٣٥ مقدمة المؤلف سواء، ويحتج بالحديث المرسل إذا اعتضد بأحد أربعة أمور أن يسند من جهة أخرى أو يرسل أو يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء فمتى وجد واحد من هذه الأربعة جاز الاحتجاج به (١). وقد أجمعت الأئمة الأربعة في حديث العباس الذي رواه أبو داود والترمذي في تعجيل الزكاة [٥٤/ ب] أن العباس سأل النبي وَّ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل فرخص له في ذلك (٢) لكن أجاب البيهقي (٣) أنه مرسل أو محمول على أنه استسلف منه صدقة عامين أو صدقة مالين لكل واحد حول منفرد فهذا الحديث روي مرسلا ومتصلا وقال به من الصحابة ابن عمر وقال به أكثر أهل العلم كما قال الترمذي وغيره والحاكم صحح إسناده والمشهور أنه مرسل صحيح والله أعلم انتهى قاله في الديباجة. ٥٥- وَرُوِيَ عَن عدي بن حَاتِم قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ يُؤْمر يَوْمِ الْقِيَامَة بناس من النَّاس إِلَى الْجنَّة حَتَّى إِذا دنوا مِنْهَا واستنشقوا رِيحهَا ونظروا إِلَى قُصُورِهَا وَمَا أعد الله لاهلها فِيهَا نُودُوا أَن اصرفوهم عَنْهَا لَا نصيب لَهُم فِيهَا فيرجعون بحسرة مَا رَجَعَ الْأَولونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ رَبنَا لَو أدخلتنا النَّار قبل أَن (١) شرح النووي على مسلم (٣٠/١). (٢) أخرجه أبو داود (١٦٢٤)، والترمذى (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥)، والحاكم (٣/)، والبيهقي في الصغير (٢/ ٦٦ رقم ١٢٤٣) والكبرى (٤ / ١٨٦ -٤٨٧ رقم ٧٣٦٥ و ٧٣٦٦ و٩٣/١٠ رقم ١٩٩٦٦). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في الإرواء (٨٥٧)، صحيح أبي داود (١٤٣٦). (٣) انظر: السنن الكبرى (١٨٧/٤). ٤٣٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ترينا مَا أريتنا من ثوابك وَمَا أَعدَدْتِ فِيهَا لأوليائك كَانَ أَهْون علينا قَالَ ذَاك أردت بكم كُنْتُم إِذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وَإِذا لَقِيتُم النَّاس لقيتموهم مخبتين تراؤون النَّاسِ بِخِلَاف مَا تعطوني من قُلُوبِكُمْ هبتم النَّاس وَلم تهابوني وأجللتم النَّاس وَلم تجلوني وتركتم للنَّاس وَلم تتركوني الْيَوْم أذيقكم أَلِيم الْعَذَابِ مَعَ مَا حرمتم من الثَّوَابِ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَالْبَيْهَقِيّ(١). قوله: عن عدي بن حاتم،هو عدي بن حاتم الطائي الموصوف بالكرم الجواد بن الجواد، كنيته أبو طريف ويقال أبو وهيب، وفد على النبي بَّ في شعبان سنة سبع وله رواية وقيل: إنه لما قدم على النبي ◌َّ نزع وسادة له فألقاها تحته وسأله عن أشياء فأجابه بها ثم أسلم وحسن إسلامه ورجع إلا بلاده ولما ارتد العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام وجاء بصدقاتهم إلى (١) أخرجه ابن حبان في المجروحين (١٥٦/٣)، والطبراني في الأوسط (٣٣٥/٥-٣٣٦ رقم ٥٤٧٨) والكبير (٨٥/١٧-٨٦ رقم ١٩٩ و٢٠٠) وعنه ابن مردويه فيما انتقاه على الطبراني (١٧١)، وأبو نعيم في الحلية (١٢٤/٤-١٢٥)، والبيهقي في البعث والنشور (٥٩٩) والشعب (١٣٨/٩-١٣٩ رقم ٦٣٩٠)، وابن الجوزى في الموضوعات (١٦١/٣-١٦٢). قال أبو حاتم بن حبان: هذا حديث باطل لا أصل له من كلام رسول الله وَله. وأبو جنادة يروى عن الأعمش ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدار قطني: أبو جنادة حصين بن المخارق يضع الحديث. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو جنادة السلولي. قال أبو نعيم: غريب من حديث الأعمش لم نكتبه إلا من حديث أبي جنادة. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٢٠: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه أبو جنادة، وهو ضعيف. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٢٣). ٤٣٧ مقدمة المؤلف الصديق وكانت أول صدقة قدم بها عليه وكانت ثلثمائة بعير وقد حضر فتح المدائن وشهد مع علي حروبه، قال أبو حاتم السجستاني: عاش عدي مائة وثمانين سنة وقال خليفة: مائة وعشرين، وقال ابن سعد: كان زمن المختار سنة ثمان وستين وهو ابن عشرين ومائة سنة، وطئ أبي القبيلة اسمه جلهمة بن أدد، وإنما سمي طيا لأنه أول من طوى المناهل، وقيل: أول من طوى بئرا، والنسبية فيه على غير القياس لأن قياسه طيي بوزن طغي فقالوا فيه طائي بوزن طاعي، قال العلماء: ولم تبلغنا أن أحدا من الصحابة عمر مثل سلمان الفارسي فإنه عاش مائتين وخمسين سنة وقيل غير ذلك(١). قوله وَّة: (يؤمر يوم القيامة بناس من الناس إلى الجنة حتى إذا دنوا منها)) والدنو القرب. قوله وَجّ: ((كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين)) الحديث، الإخبات: الخشوع والتواضع، يقال أخبت لله وفي الله أي تواضع قاله الجوهري في صحاحه وابن الأثير في النهاية (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوْاْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (٤) قال ابن عباس وقتادة في التفسير هم المتواضعون وقال مجاهد: المخبت المطمئن إلى الله (١) انظر: الطبقات (٢٢/٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢٢٧/١) و(٣٢٧/١ - ٣٢٨ الترجمة ٣٩٨)، والأنساب (٢١/٦)، واللباب (٢٧١/٢)، وفتح البارى (١٠٢/٨). (٢) الصحاح (١ / ٢٤٧)، والنهاية (٤/٢). (٣) سورة الحج، الآية: ٣٤. (٤) سورة هود، الآية: ٢٣. ٤٣٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب تعالى والخبت المكان المطمئن من الأرض وقال الأخفش الخاشعون وقال النخعي المخلصون وقال الكلبي هم الرقيقة قلوبهم وقال عمر بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا وهذه الأقوال تدور على معنين: التواضع والسكون على الله تعالى(١). انتهى. قوله: عن أبي الدرداء أبو الدرداء اسمه عويمر، وقيل عامر بن زيد الأنصاري تأخر إسلامه عن أول الهجرة ولي قضاء دمشق لعثمان رَئُونَهُ مات بدمشق سنة إحدى وقيل سنة اثنتين وثلاثين وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا والله اعلم. قوله ويقة: ((إن الإبقاء على العمل أشد من العمل)) الحديث. الإبقاء المداومة. قوله: ((وإن الرجل ليعمل العمل فيكتب له عمل صالح معمول به [٥٥/ أ] في الشر يضعف أجره سبعين ضعفا فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه فيكتب علانية ويمحي تضعيف أجره كله)) الحديث. وروى الترمذي وقال حديث حسن عن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله وَّه إن الرجل يعمل العمل يسره فإذا اطلع عليه سره قال له أجران أجر السر وأجر العلانية قال الترمذي قيل معناه أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير لقوله ◌َّير: ((أنتم شهداء الله في الأرض))(٢) أما إن أعجبه لكونه يعظم ويكرم فهذا رياء ورواه ابن حبان في صحيحه فقال معناه أنه يستره إن وفقه الله تعالى لذلك العمل (١) مدارج السالكين (٥/٢-٦). (٢) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٦٠ - ٩٤٩) عن أنس. ٤٣٩ مقدمة المؤلف فعسی أن یستدیمه فيه فإن سره لله لتعظيمه الناس له فریاء فلا يكون له أجران ولا أجر، وأما التحدث بالعمل فيجوز لمن تمكن عند الحاجة إليه أو ليقتدى به(١) انتھی. قال الحارث المحاسبي (٢): ومن عمل طاعة في السر ثم أخبر بها الناس فله حالان أحدهما: أن يظهر ذلك ليحصل على أغراض المرائين فهذا مسمع ومن سمع سمع الله به للحديث؛ الثانية: أن يقول ذلك لیقتدى به فإن كان ممن لا يقتدى به ولا يلتفت إليه فلا يحدث بشيء من ذلك احترازًا من التسميع وإن كان ممن يقتدى به كافة الناس فإن وثق بأنه من الرياء إذا تحدث بذلك فليتحدث وإن كان ممن يعتقد فيه بعض الناس دون بعض فلا تتحدث به عند من لا يعتقد فيه ويتحدث به عند من يعتقد فيه إذا أمن من الرياء. قد جاء أثر معروف أن العبد ليعمل العمل سرا لا يطلع عليه أحدا إلا لله فيتحدث به فينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية فإن تحدث به للسمعة وطلب الجهاد والمنزة عند غير الله تعالى يطلبه كما لو فعله لذلك؛ فإن قيل: إذا تاب هذا يعود له ثواب عمله؛ قيل: إن كان قد عمله لغير الله وأوقعه بهذه النية فإنه لاينقلب صالحا (١) أخرجه الترمذى (٢٣٨٤)، وابن ماجه (٤٢٢٦)، وابن حبان (٣٧٥). وقال الترمذى: هذا حديث غريب وقد روى الأعمش، وغيره عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن النبي ◌َّ﴾ مرسلًا وأصحاب الأعمش لم يذكروا فيه عن أبي هريرة. وقال أبو حاتم في العلل (٢٧٦): الصحيح عندي مرسل. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٣٤٤). (٢) مقاصد الرعاية لحقوق الله (ص ٩٩-١٠٠). ٤٤٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب بالتوبة بل حسب التوبة أن تمحو عنه عقابه فیصیره له و علیه، وأما إن عمله لله خالصا ثم عرض له عجب أو رياء أو تحدث به ثم تاب ذلك وندم فهاذ قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط وقد يقال إنه لا يعود إليه بل يستأنف العمل، والمسألة مبنية على أصل وهو أن الردة هل تحبط العمل أو لا تحبطه إلا بالموت عليها، ففيه للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل فإن قلنا تحبط العمل بنفسها فمتى أسلما استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الإسلام قلنا لا تحبط إلا إذا مات مرتدا فمتى عاد إلى الإسلام عاد إليه ثواب عمله، وهكذا العبد إذا فعل حسنة ثم فعل سيئة تحبطها ثم تاب من تلك السيئة هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة يخرج على هذا الأصل ولم يزل في نفسي من هذه المسألة ولم أزل حريصا على الصواب فيها وما رأيت أحدا شفي فيها والذي يظهر والله أعلم وبه المستعان ولا قوة إلا بالله إن الحسنات والسيئات تتدافع [٥٥/ ب] وتتقابل ويكون الحكم فيها للغالب وهو يقهر المغلوب ويكون الحكم له حتى كأن المغلوب لم يكن فإذا غلبت على العبد الحسنات دفعت حسناته الكثيرة سيئاته ومتى تاب من السيئة ترتب على توبته منها حسنات كثيرة قد تربى وتزيد على هذه الحسنة التي حبطت بالسيئة فإذا عرفت التوبة وصحت وتشأت من صميم القلب أحرقت ما مر عليه من السيئات حتى كأنها لم تكن فإن التائب من الذنب لم يكن له ذنب، يفيد هذا إن السيئات والذنوب هى أمراض قلبيه كما أن الحمى والأوجاع أمراض بدنية والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وانفصل منها حتى كأنه لم يضعف قط ٤٤١ مقدمة المؤلف فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات والمرض بمنزلة الذنوبة والصحة والعافية بمنزلة التوبة سواء بسواء، وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدا لضعف عافيته ومنهم من تعود كما كانت لتقاوم الأسباب وتدافعها وعود البدن إلى كماله الأول؛ ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى والله أعلم قاله ابن قيم الجوزية(١). فائدة: فينبغي أن يحترز الإنسان من إظهار عمله من جهاد وغيره إلا أن يخلص له نية يثق بها في التحدث به لمن يعلم أنه يقتدى به أو يزيد في قلبه قوة وجرأة وسماحة مثل أن يذكر عن نفسه أنه ثبت لكذا وكذا فارس وأنفق في سبيل الله وخاطر بنفسه في كذا وكذا ونحو ذلك فيقوي قلبه قلب السامع ويجود بماله وبنفسه ويزيد عن قلبه ظلمة الجبن والبخل لأن النفوس مجبولة على التجرئ والتشبه بالأقران ويبني الزمان، وهذا كان قصد السلف رضي الله عنهم في ذكر ما يحكونه من أفعالهم مع أنه إن وجد مقصوده في الاقتداء يحصل بعزو ذلك الفعل إلى من لا يسميه وذلك مثل أن تقول اتفق لبعض الغزاة كذا أو لبعض من أدركناه كذا أو رأيت شخصا وقع له كذا وكذا او اعرف شخصا جرى له كذا وكذا ونحو هذه العبارات مما لا يفهم المخاطب أنه هو الفاعل ويحصل به المقصود من الاقتداء ونحوه وقد كان أكثر السلف رضي الله عنهم يجتهدون على إخفاء أعمالهم مطلقا وإن ظنوا أنهم يقتدى بهم فيها لعدم ثقة المرء بنفسه في أكبر الأحوال فإن الرياء كما جاء في الحديث (١) الوابل الصيب (ص ١١ - ١٣). ٤٤٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أخفى من دبيب النمل انتهى قاله ابن النحاس في كتابه الذي ألفه في الجهاد (١). قوله: في آخر حديث أبي الدرداء قال الحافظ: أظنه موقوفًا قال علماء الحديث: الحديث الموقوف في اصطلاح المحدثين هو الذي يرويه التابعي عن النبي وَخُلّ من غير أن يذكر الصحابي (٢). ٥٧ - وَعَن أنس بن مَالك ◌َّالَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ◌َّهِ إِذا كَانَ آخرِ الزَّمَان صَارَت أمتِي ثَلَاث فرق فرقة يعْبدُونَ الله خَالِصا وَفْقَة يَعْبدُونَ الله ◌ِيَاء وَفْقَة يُعْبُدُونَ الله ليستأكلوا بِهِ النَّاس فَإِذا جمعهم الله يَوْم الْقِيَامَة قَالَ للَّذي يستأكل النَّاس بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي فَيَقُول وَعَزَّتك وجلالك أستأكل بِهِ النَّاس قَالَ لم ينفعك مَا جمعت انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول للَّذِي كَانَ يعبده رِيَاء بعزتي وَجَلَالِي مَا أَرْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالك رِيَاء النَّاس قَالَ لم يصعد إِلَيّ مِنْهُ شَيْء انْطَلقُوا بِهِ إِلَى النَّار ثمَّ يَقُول اللَّذِي كَانَ يعبده خَالِصا بعزتي وَجَلَالِي مَا أردْت بعبادتي قَالَ بعزتك وجلالك أَنْت أعلم بذلك من أردت بِهِ أردت بِهِ ذكرك ووجهك قَالَ صدق عَبدِي انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْجِنَّ رَوَاهُ الطََّرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة عبيد بن إِسْحَاقِ الْعَطَّارِ وَبَقِيَّةٌ رُوَاته ثِقَاتِ وَالْبَيْهَقِيّ عَن مولى أنس وَلم يسمه قَالَ قَالَ أنس قَالَ رَسُول اللّه ◌ِ فَذكره بِاخْتِصَار(٣). (١) مشارع الأشواق (ص ٦٤٢ - ٦٤٣). (٢) كذا هو بالأصل وهو غلط بين فالحديث الموقوف: ما أضيف إلى صحابي كذلك، وأما ما ذكره فهو تعريف المرسل. انظر: كشف المناهج (١ / ٥٦ - ٥٧). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في الزهد (٤٩٤) وذم الرياء (٤١٣)، والطبراني في الأوسط (٢٠٩/٥ - ٢١٠ رقم ٥١٠٥)، والبيهقي في الشعب (١٣٨/٩ رقم ٦٣٨٩)، والأصبهانى ٤٤٣ مقدمة المؤلف قوله: عن أنس بن مالك، تقدم الكلام على مناقبه. قوله وَ ي: ((إذا كان آخر الزمان صارت أمتي ثلاث فرق)) فذكره إلى أن قال: ((وفرقة يعبدون الله ليستأكلوا به الناس فإذا جمعهم الله يوم القيامة قال للذي يستأكل الناس بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي فيقول وعزتك وجلالك أستأكل به الناس)) الحديث، فائدة: وفي تاريخ ابن النجار عن ابن المبارك قال: قدمت على سفيان الثوري مكة فوجدته. [٥٦/ أ] مريضًا شارب دواء فقلت له إني أريد أن أسألك عن أشياء قال: فقل، قلت: أخبرني عن الناس قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الأشراف، قال: الأتقياء، قلت: فمن الغوغاء. قال: الذين يكتبون الأحاديث يريدون أن يستأكلوا أموال الناس، قلت: فمن السفلة؟ قال: الظلمة (١) انتهى. وقال أبو العباس الروياني: الغوغاء من يخالط المفسدين والمجرمين في الترغيب والترهيب (٩٨)، وابن فاخر في موجبات الجنة (٣١٠)، والكلاباذى في بحر الفوائد (١٠٨٣). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الوارث إلا قطري الخشاب، تفرد بهما: عبيد بن إسحاق العطار. وقال الهيثمى في المجمع ٢٢٢/١٠: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وهو متروك. وقال في ١٠/ ٣٥٠-٣٥١: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وقد ضعفه الجمهور، ورضيه أبو حاتم الرازي، ووثقه ابن حبان، وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني: ضعيف جدا الضعيفة (٥١٥٣) وضعيف الترغيب (٢٥). (١) الأربعين في إرشاد السائرين (ص ١١٩)، والتاسع من المشيخة البغدادية (٨٤)، وذكر الامام ابن منده (٥٣)، وحياة الحيوان (٢/ ٢٦٣). ٤٤٤ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب ويخاصم الناس بلا حاجة ولذلك قالوا أكثر من الغوغاء(١). فائدة أخرى: قال سحنون من أصحاب الإمام مالك: لأن اطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلى من طلبها بالدين والأخبار(٢)، سحنون: بفتح السين وضمها طائر حديد الذهن بالمغرب يسمونه سحنونا لحدة ذهنه وذكائه وبه سمي سحنون بن سعيد التنوخي القيرواني وهو لقب فرد، واسمه: عبد السلام وهو تلميذ بن القاسم وهو مضيف المدونة وكان قبل ذلك كتبها أسد بن الفرات عن ابن القاسم غير مرتبة ثم بخل بها على سحنون فدعا عليه ابن القاسم أن لا ينفع الله بها ولا به وكذلك كان فالعمل عل مدونة سحنون ووفاته رحمه الله في شهر رجب الفرد سنة أربعين ومائتين وولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة(٣) والله أعلم. قوله: رواه الطبراني من رواية عبيد بن إسحاق العطار [قال الأزدي: متروك الحديث وضعفه ابن معين والدارقطني، وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، وقال البخاري عنده مناكير ورضيه أبو حاتم الرازي ووثقه ابن حبان وغيره]. ٥٨- وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ يُؤْتِى يَوْمِ الْقِيَامَة بصحف مختمة فتنصب بَيَن يَدي الله تَعَالَى فَيَقُول تبَارك وَتَعَالَى ألقوا هَذِه واقبلوا هَذِهِ فَتَقُول الْمَلَائِكَة وَعَزَّتك وجلالك مَا رَأينَا إِلَّا خيرا فَيَقُول الله عز وَجل إِن هَذَا كَانَ (١) حياة الحيوان (٢/ ٢٦٣). (٢) التاج والإكليل (١١٥/٢). (٣) حياة الحيوان (٢/ ٢٤). ٤٤٥ مقدمة المؤلف لغير وَجْهِي وَإِنِّي لَا أقبل إِلَّ مَا ابْتَغِي بِهِ وَجْهِي رَوَاهُ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَادَيْنِ رُوَاة أَحدهمَا رُوَاة الصَّحِيحِ وَالْبَيْهَقِيّ (١). قوله: و عنه تقدم الكلام علیه. قوله مَّة: ((يؤتي يوم القيامة بصحف مختمة)) أي: من اعمال بني آدم يقال: ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم شدد للمبالغة قاله الجوهري في صحاحه(٢) في معنى هذا الحديث أسيد عن شمر بن عطية قال: يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات فيقول رب العزة تبارك وتعالى: ((صليت يوم كذا وكذا ليقال صلى فلان أنا الله لا إله إلا (١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢٧٨/٢)، والبزار (٧٣٨٨)، والعقيلى في الضعفاء (٢١٨/١)، والطبراني في الأوسط (٩٧/٣ رقم ٢٦٠٣) و(٦/ ١٨٣ رقم ٦١٣٣)، وأبو الشيخ في التوبيخ والتنبيه (١٦٣)، والدارقطنى (١٣٢)، والبيهقي في الشعب (١٥٨/٩ - ١٥٩ رقم ٦٤١٧)، والشجرى في الأمالى (٢٥٥٢)، والأصبهاني في الترغيب والترهيب (١٢٢). قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه والحارث بن غسان رجل من أهل البصرة ليس به بأس قد حدث عنه جماعة من أهل العلم. وقال العقيلى: ولا يتابع عليه بهذا الإسناد وقد حدث هذا الشيخ (يعنى الحارث بن غسان) بمناكير. وقال الطبراني في الأول: لم يرو هذا الحديث عن أبي عمران إلا الحارث بن عبيد. وقال في الثانى: لم يرو هذا الحديث عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن غسان. وقال الهيثمى في المجمع ١٠/ ٣٥٠: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار. وضعفه جدًّا الألباني في الضعيفة (٢٦٧٢) و(٥١٥٤) وضعيف الترغيب (٢٦). (٢) الصحاح (١٩٠٨/٥). ٤٤٦ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب أنا لي الدين الخالص سمت يوم كذا وكذا يقال صام فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص، تصدقت يوم كذا وكذا ليقال تصدق فلان أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص فما زال يمحي شيء بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء فيقول ملكان ألغير الله كنت تعمل)) قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: ومثل هذا لا يقال من جهة الرأى فهو مرفوع وقد روي رفع معناه الدار قطني(١) والله أعلم. ٥٩- ورُوي عن معاذ زئڅ، أن رجلا قَالَ حدثني حَدِیثا سمعته من رَسُول الله وَِّ قَالَ فَبكى معَاذْ حَتَّى ظَنَنْت أَنْه ◌َا يسكت ثمَّ سكت ثمَّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ◌َِّ قَالَ لِي يَا معَاذ قلت لَهُ لبيْك بِأبِي أَنْت وَأْمِي قَالَ إِنِّي محدثك حَدِيثا إِن أَنْت حفظته نفعك وَإِن أَنْت ضيعته وَلم تحفظه انْقَطَعت حجتك عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة يَا معَاذ إِن الله خلق سَبْعَة أَمْلَاك قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ثمَّ خلق السَّمَوَات فَجعل لكل سَمَاء من السَّبْعَة ملكا بوابا عَلَيْهَا قد جللها عظما فتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من حِين أصبح إِلَى أَن أَمْسَى لَهُ نور (١) التذكرة (ص ٦١٦-٦١٧) وزاد: وقد رفع معناه الدارقطني في سننه من حديث أنس بن مالك رَّالله قال: قال رسول الله وَله: «يجاء يوم القيامة بصحف مختومة فتنصب بين يدي الله عز وجل فيقول الله تعالى: ألقوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيرًا فيقول الله عز وجل - وهو أعلم -: إن هذا كان لغيري ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي» وهو حديث الباب. قلت: أما قول شمر بن عطية: أخرجه الطبرى في تهذيب الآثار - مسند عمر (٨٠١/٢ رقم ١١٣١). ٤٤٧ مقدمة المؤلف كنور الشَّمْسِ حَتَّى إِذا صعدت بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ذكرته فكثرته فَيَقُول الْملك للحفظة اضربوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجه صَاحبه أَنَا صَاحب الْغَيْبَة أَمرِنِي رَبِّي أَن لا أدع عمل من اغتاب النَّاس يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ ثُمَّ تَأْتِي الْحفظَة بِعَمَل صَالح من أَعمال العَبْد فتمر فتزكيه وتكثره حَتَّى تبلغ بِهِ إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بالسماء الثَّانِيَة قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجِهِ صَاحبه إِنَّه أَرَادَ بِعَمَلِهِ هَذَا عرض الدُّنْيَا أَمرنِي رَبِّي أَن لا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ يفتخر على النَّاس فِي مجَالِسهمْ قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد يبتهج نورا من صَدَقَة وَصِيَام وَصَلَاة قد أعجب الْحفظَة فتجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَلِ وَجه صَاحبه أَنا ملك الْكبر أَمرنِي رَبِّي أَن لا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ يتكبر على النَّاس فِي مجَالِسهمْ قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد يزهر كَمَا يزهر الْكَوْكَب الدُّرِّي لَهُ دوِي من تَسْبِيح وَصَلَاة وَحِج وَعمَرَة حَتَّى يجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه اضربوا ظَهره وبطنه أَنَا صَاحب الْعجب أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي إِنَّه كَانَ إِذا عمل عملا أَدخل الْعجب فِي عمله قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد حَتَّى يجاوزوا بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَة كَأَنَّهُ الْعَرُوس المزفوفة إِلَى بَعْلِهَا فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بِهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه واحملوه على عَاتِقه أَنا ملك الْحَسَد إِنَّه كَانَ يحْسد النَّاس ◌ِمَّن يَتَعَلَّم وَيَعْمل بِمثل عمله وكل من كَانَ ٤٤٨ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب يَأْخُذ فضلًا من الْعِبَادَة يحسدهم وَيَقَع فيهم أَمرنِي رَبِّي أَن لا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من صَلَاة وَزَكَاة وَحج وَعمرَة وَصِيَامٍ فيجاوزون ◌ِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَة فَيَقُول لَهُم الْملك الْمُوكل بِهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه إِنَّه كَانَ لا يرحم إنْسَانا قطّ من عباد الله أَصَابَهُ بِلَاءِ أَو ضرّ بل كَانَ يشمت بِهِ أَنَا ملك الرَّحْمَة أَمرنِي رَبِّي أَن لَا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْدِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة من صَوْمٍ وَصَلَاة وَنَفَقَة واجتهاد وورع لَهُ دوِي كَدَوِيِّ الرَّعْد وضوء كضوء الشَّمْس مَعَه ثَلَاثَة آلاف ملك فيجاوزون بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة فَيَقُول لَهُم الْمُوكل بهَا قفوا واضربوا بِهَذَا الْعَمَل وَجه صَاحبه واضربوا جوارحه اقفلوا على قلبه إِنِّي أحجب عَن رَبِّي كل عمل لم يرد بِهِ وَجه رَبِّي إِنَّه أَرَادَ بِعَمَّلِهِ غير الله إِنَّه أَرَادَ بِهِ رفْعَة عِنْدِ الْفُقَهَاء وذكرا عِنْد الْعلمَاء وصوتا فِي الْمَدَائِن أَمرني رَبِّي أَن لا أدع عمله يجاوزني إِلَى غَيْرِي وكل عمل لم يكن الله خَالِصا فَهُوَ رِيَاء وَلا يقبل الله عمل الْمَرَائِي قَالَ وتصعد الْحفظَة بِعَمَل العَبْد من صَلَاة وَزَكَاة وَصِيَامٍ وَحِج وَعمَرَة وَخلق حسن وَصمت وَذكر الله تَعَالَى وتشيعه مَلَائِكَة السَّمَوَاتِ حَتَّى يقطعوا بِهِ الْحجب كلهَا إِلَى الله عز وجل فيقفون بَين يَدَيْهِ وَيَشْهُدُونَ لَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ المخلص لله قَالَ فَيَقُول الله لَهُم أَنْتُم الْحفظَة على عمل عَبدِي وَأَنَا الَّقِيب على نَفْسِه ◌ِنَّه لم يردفي بِهَذَا الْعَمَل وَأَرَادَ بِهِ غَيْرِي فَعَلَيْهِ لَعْنَتِي فَتَقول الْمَلَائِكَة كلهَا عَلَيْهِ لعنتك ولعنتنا وَتقول السَّمَوَات كلهَا عَلَيْهِ لعنة الله ولعنتنا وتلعنه السَّمَوَات السَّبع وَمن فِيهِنَّ قَالَ ٤٤٩ مقدمة المؤلف معَاذ قلت يَا رَسُول الله أَنْتِ رَسُول الله وَأَنَا معَاذْ قَالَ اقتد بِي وَإِن كَانَ فِي عَمَلك تَقْصِير يَا معَاذ حافظ على لسَانك من الوقيعة فِي إخوانك من حَملَة الْقُرْآن واحمل ذنوبك عَلَيْك وَلَا تحملهَا عَلَيْهِم وَلَا تزك نَفسك بذمهم وَلَا ترفع نَفسك عَلَيْهِم وَلا تدخل عمل الدُّنْيَا فِي عمل الْآخِرَة وَلَا تتكبر فِي مجلسك لكي يحذر النَّاس من سوء خلقك ولا تناج رجلا وعندك آخر وَلَا تتعظم على النَّاس فَيَنْقَطِعِ عَنْك خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَا تمزق النَّاس فتمزقك كلاب النَّارِ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّارِ قَالَ الله تَعَالَى والناشطات نشطا النازعات ٢ أَتَدْرِي مَا هن يَا معَاذ قلت مَا هن بِأبِي أَنْت وَأمي قَالَ كلاب فِي النَّار تنشط اللَّحْم والعظم قلت بِأبي أَنْت وَأمي فَمن يُطبق هَذِه الْخِصَالِ وَمن ينجو مِنْهَا قَالَ يَا معَاذ إِنَّه ليسير على من يسره الله عَلَيْهِ قَالَ فَمَا رَأَيْت أَكثر تِلَاوَة لِلْقُرْآنِ من معَاذ للحذر مِمَّا فِي هَذَا الحَدِيثِ رَوَاهُ ابْنِ الْمُبَارك فِي كتاب الزّهْد عَن رجل لم يسمه عَن معَاذْ وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي غير الصَّحِيحِ وَالْحَاكِم وَغَيرِهِمَا وَرُوِيَ عَن عَليّ وَغَيرِه وَبِالْجُمْلَةِ فَآثار الْوَضعِ ظَاهِرَة عَلَيْهِ فِي جَمِيع طرقه وبجميع أَلْفَاظه(١). (١) أخرجه ابن المبارك (٤٥٢) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب مرسلا، وابن حبان في المجروحين (٢١٤/٢-٢١٥) مختصرا، وابن الجوزى في الموضوعات (١٥٤/٣ - ١٦١) عن معاذ بطوله وأتم منه. قال ابن حبان: وهذه قصة مشهورة لأحمد بن عبد الله الجويباري عن يحيى بن سليمان الإفريقي عن ثور بن یزید وقد سرقه من الجویباري عبد الله بن وهب الفسوي فحدث به عن محمد بن القاسم الأسدي عن ثور بن يزيد. وقال ابن الجوزى: موضوع على رسول = ٤٥٠ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب قوله: وروى عن معاذ هو معاذ بن جبل تقدم الكلام عليه، وسيأتي الكلام على مناقبه مبسوطًا. قوله وَّية: (يا معاذ، إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السموات والأرض ثم خلق السموات والأرض فجعل لكلا من السبعة ملكًا بوابًا عليها قد جللها عظمًا)). ففيه دليل على أن للسماء أبوابا حقيقة وحفظة مو کلین بها وإثبات الاستئذان والله أعلم قاله الكرماني(١). قوله وَليلةٍ: ((فتقعد الحفظ بعمل العبد من حين أن يصبح إلى أن أمسى له نور كنور الشمس)) الحديث، الحفظة: هما ملكان حافظان لأعمال العبد أحدهما عن يمينه [٥٦/ ب] يكتب حسناته والآخر عن يساره يكتب سيئاته وجعل الله كاتب الحسنات أمينا على كاتب السيئات فإذا كان الليل قال كاتب الحسنات لكاتب السيئات اطرح حسنة واطرح أنت عشر سيئات حتى يصعد الله ◌َّ، ولقد أبدع الذي وضعه واجترا على الشريعة، وهو مشهور بأحمد بن عبد الله الجویباري رواه عن یحیی بن سلام الإفريقي عن ثور بن يزيد، وقد سرقه من الجویباري عبد الله بن وهب النسوي، فحدث به عن محمد بن القاسم الأسدي عن ثور، فأما الجويباري فأكذب الناس، قد وضع على رسول الله ﴿ ﴾ ما لا يحصى، وعبد الله بن وهب وضاع أيضا، قال ابن حبان: هو دجال يضع الحديث على الثقات، وأما القاسم المكفوف فقد نسبه ابن حبان إلى وضع الحديث أيضا، قال: ولا يحل ذكر سلم الخواص في الكتب إلا على سبيل الاعتبار. وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (٢٧). (١) قاله النووى كما في شرح النووي على مسلم (٢١٢/٢) وعنه الكرماني في الكواكب الدرارى (٤/ ٩). ٤٥١ مقدمة المؤلف عمله وليس فيه سيئة فإذا مات العبد قال الملكان الموكلان به: ربنا قد مات عبدك فلان افتأذن لنا أن نصعد إلى السماء فيقول الله عز وجل سماواتي مملوءة من خلقي فيقولون ربنا فنقيم في الأرض فيقول الله عز وجل أرضي مملوءة من خلقي فيقولون ربنا فأين نقيم: فيقول الله عز وجل أقيما عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وهللاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي إلى يوم يبعثون انتهى قاله في مختصر عجائب المخلوقات(١). قوله: حتى إذا صعدت به إلى السماء الدنيا والسمو العلوي يقال: سمی یسمو سموا فهو سام ومنه حديث ابن زميل: رجل طوال إذا تكلم يسمو أي يرأسه ويديه يقال فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها ومنه حديث أم معبد وإن صمت سما وعلاه البهاء أي ارتفع وعلا على جلسائه انتهى قاله في النهاية(٢). قوله: الدنيا، والدنيا اسم لهذه الحياة لبعد الآخرة عنها والسماء الدنيا لقربها من ساكني الأرض ويقال سماء الدنيا على الإضافة روي عن كعب الأحبار أنه قال: خلق الله سماء الدنيا من موج مكفوف والثانية صخرة والثالثة حديد والرابعة نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوت (٣) وتقدم ذكر ذلك في الخطبة. (١) عجائب المخلوقات (ص ٦٠) للقزوينى. (٢) النهاية (٤٠٥/٢). (٣) أخرجه إسحاق كما في اتحاف الخيرة (١٤٦/٦ رقم ٥٥٨٣) والمطالب العالية (٣٤٣١)، والطبرى في التفسير (٧٩/٢٣)، والطبراني في الأوسط (١٥/٦ - ١٦ رقم ٥٦٦١) وأبو ٤٥٢ فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب فائدة في عمر الدنيا: قال ابن سلام في تاريخه: اختلف الناس في مدة ما مضى من الزمان من لدن هبوط آدم إلى هجرة نبينا محمد ◌ّ ل اختلافا متباينا ونحن نذكر بعض ما قيل في ذلك، روى ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما بين آدم على نبينا محمد ◌َّ خمسة آلاف سنة وسبع مائة سنة وخمسين سنة، فمن آدم على نوح ألفان ومائتان سنة ومن نوح إلى إبراهيم ألف ومائة سنة وثلاث وأربعون سنة ومن إبراهيم إلى موسى خمس مائة سنة وخمس وسبعون سنة، ومن موسى على داود مائة سنة وتسع وسبعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف سنة وثلاث وخمسون سنة، ومن عيسى إلى محمد ◌َّه ستمائة سنة، وروى الواقدي أنه قال: من هبوط آدم إلى مولد نبينا محمد ﴾ أربعة آلاف سنة وستمائة سنة، وروى عن وهب بن منبه أنه قال: مضى من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمائة سنة، هذا ما رواه محمد بن سلام القضاعي من الأخبار المسندة في تاريخه والله أعلم، قاله في تاريخ كنز الدرر (١) وهو تاريخ مبسوط في سبعة أجزاء. [٥٧/ أ] قوله: فيقول الملك للحفظة اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من اغتاب الناس يجاوزني إلى غيري؛ فالغيبة = الشيخ في العظمة (٥٦٢) عن الربيع بن أنس. وأخرجه الثعلبى من طريقين في التفسير (٣٥٧/٩) عن الربيع بن أنس ويزيد عن كعب الأحبار. ونسبه البغوى في التفسير (١٢٥/٥)، وابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (٩٦/١)، والدميرى في النجم الوهاج (١٠٨/٢) لكعب الأحبار. (١) كنز الدرر (١٢/٢- ١٣).