Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤١٣
مقدمة المؤلف
وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها ولا
ينافس في عزها للناس حال وله حال(١).
ومن صفات هؤلاء الغرباء التمسك بالسنة إذا رغب الناس عنها وترك ما
أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وهؤلاء هم القابضون على الجمر
فالإسلام الحقيقي غريب [٥١/ ب] جدا وأهله بين الناس غرباء ولقد أخبر
وَلّ عن الدين الذي جاء به أنه بدأ غريبا وسيعود غريبا وإن أهله يصيرون
غرباء ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقا فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم
ينسبوا إلى غير رسوله وَ﴾ ولم يدعوا إلى غير ما جاء به فهذه الغربة لا وحشة
على صاحبها فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه (٢)
قاله في تهذيب النفوس، قال وهايقول: ((بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ
فطوبى للغرباء، فقيل ومن الغرباء يارسول الله ؟. قال ناس صالحون قليل في
ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)) (٣) وفي رواية ((الغرباء ناس
صالحون بين ناس كثيرون، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم)) (٤) رواه أحمد وفي
الترمذي: ((فطوبى للغرباء. قيل ومن الغرباء قال: الذين يصلحون إذا فسد
(١) الغرباء (٧) للآجرى.
(٢) مدارج السالكين (١٨٦/٢-١٨٨ بتصرف).
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٧٧٥) والمسند (٢٣)، وابن وضاح في البدع (١٦٨)،
والآجرى في الغرباء (٦). وصححه الألباني في الصحيحة (١٦١٩).
(٤) أخرجه أحمد ٧٣/٤ (١٦٦٩٠) عن عبد الرحمن بن سنة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد
٢٧٨/٧: رواه عبد الله والطبراني، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.

٤١٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الناس))(١) وفي رواية: ((الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي والذين
يحيون ما أماتوه من شريعتي))(٢)، وفي حديث آخر: قيل: ومن الغرباء يا
رسول الله؟ قال: ((الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس)) (٣) وفي المسند عن
عبدالله بن عمرو قال: إن أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟
قال: ((الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم يوم القيامة)) (٤).
قوله: ((بدأ الإسلام غريبا)) ضبطناه بالهمز من الابتداء، واعلم ان الغربة
المذكورة في الحديث معناها قلة من يعين على القيام بالحق فيكون القائم به
غريبا لفقدان المساعد وعدم المعاضد فلا ينهض القائم حينئذ إلا قوة إيمانه
ووفور إيقانه فلذلك قال ◌َّيقة: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبًا كما بدأ
فطوبى للغرباء))(٥) أي أنه كان في أول أمره أي الإسلام كالغريب الوحيد
(١) أخرجه الآجرى في الغرباء (١)، وأبو عمرو الدانى في الفتن (٢٨٨) عن عبد الله بن
مسعود. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٧٣)
(٢) أخرجه الترمذى دون قوله والذين يحيون ما أمانوه من شريعتى (٢٦٣٠). وضعفه جدا
الألباني في المشكاة (١٧٠).
(٣) أخرجه القضاعى في مسند الشهاب (١٠٥٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١٩٠٢)
من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده. وكثير ضعيف والراوى عنه إشحاق الحنينى
ضعيف جدًّا.
(٤) أخرجه أحمد في الزهد (٤٠٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (٨١٣)، وابن أبي
الدنيا في التواضع (١٦)، والآجرى في الشريعة (٣٧). وضعفه الألباني في الضعيفة
(١٨٥٩).
(٥) لطائف المنن (ص ١٥٧).

٤١٥
مقدمة المؤلف
الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ، وسيعود غريبا كما كان أي يقل
المسلمون آخر الزمان فيصيرون كالغرباء (١) فطوبى للغرباء أي الجنة، أولئك
المسلمين الذين كانوا أول الإسلام ويكونون في آخره، فطوبى فعلى من
الطيب، تقول العرب طوباك طوبى لك وأما طوبى التي في القرآن وحسن
مآب، فروي عن ابن عباس أن معناها [الجنة] وقرة عين، وقال عكرمة: نعم ما
لهم وقال الضحاك: عطية لهم، وعن قتادة: أصابوا خيرًا، وقيل: دوام الخير،
وقيل الجنة، وقيل: شجرة فيها، وكل هذه أقوال محتملة في الحديث(٢)، وإنما
خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا وآخرا بلزومهم دين الإسلام(١)،
[يريد وَليّ لأنهم قاموا بأمر الله في بلاده وعباده حيث تقاعدت همم الناس عن
القيام انتهى قاله في لطائف المنن لابن عطاء الله (٤) والله تعالى أعلم.
قال الغزالي في الإحياء في أواخر الباب الثالث من أبواب العلم(6): قد
صارت تلك العلوم [غريبة] بحيث يمقت [ذاكرها] ولذلك قال الثوري: إذا
رأيت العالم كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلط لأنه إن نطق بالحق أبغضوه (٦)]
وقال أبو العباس القرطبي: يحتمل أن يريد بالحديث المهاجرون إذ هم
(١) النهاية (٣٤٨/٣).
(٢) شرح النووى على مسلم (١٧٦/٢).
(٣) النهاية (٣٤٨/٣).
(٤) لطائف المنن (ص ١٥٧).
(٥) إحياء علوم الدين (٣٨/١).
(٦) زيادة في المخطوطة المغربية.

٤١٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
تغربوا على أوطانهم فرارا بأديانهم فيكون معناه إن آخر الزمان تشتد فيه
المحن على المسلمين فيفرون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل
المهاجرون. [٥٢/أ]
وقد ورد في الحديث قيل: من الغرباء؟ قال: هم النزاع من القبائل إشارة
إلى هذا المعنى، النزاع جمع نازع ونزيع وهو الغريب الذي نزع عن أهله
وعشيرته أي بعد وغاب (١)، وقيل: لأنه ينتزع إلى وطنه أي ينجذب ويميل
والمراد الأول أي طوبى للمهاجرين الذين هجروا أوطانهم [في الله تعالى](٢)
قاله في الديباجة.
قوله وَّلة: (يخرجون من كل غبراء مظلمة)) أي: ذات غبار أو ذات غبرة
وهو لون الغبار، وقال في النهاية: الغبراء هي التي لا يهتدى للخروج منها(٣).
٥٠- وَعَن مَحْمُود بن لبيد أَن رَسُول الله وَِّ قَالَ إِن أخوف مَا أَخَاف
عَلَيْكُم الشّرك الْأَصْغَر قَالُوا وَمَا الشّرك الْأَصْغَرِ يَا رَسُول الله قَالَ الرِّيَاءِ يَقُول
الله عز وَجل إِذا جزى النَّاس بأعمالهم اذْهَبُوا إِلَى الَّذِين ◌َكُنْتُم تراؤون فِي الدُّنْيَا
فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء وَرَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَابْن أبي الدُّنْيَا
وَالْبَيْهَِيّ فِي الزّهْدِ وَغَيرِهِ. (٤)
(١) المفهم (٢/ ١٢٧).
(٢) النهاية (٤١/٥).
(٣) النهاية (٣٣٧/٣).
(٤) أخرجه أحمد ٤٢٨/٥ (٢٣٦٣٠ و٢٣٦٣١) و٤٢٩/٥ (٢٣٦٣٦)، وابن خزيمة في
أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٨٤)، والضراب في ذم الرياء (١٢ و٣١)، والبيهقي في

٤١٧
مقدمة المؤلف
قَالَ الْحَافِظِ رَحمَه الله: ومحمود بن لبيد رأى النَّبِي وَّهِ وَلم يَصح لَهُ مِنْهُ
سَماعٍ فِيمَا أرى وَقد خرج أَبُو بكر بن خُزَيْمَة حَدِيث مَحْمُود الْمُتَقَدّم فِي
صَحِيحه مَعَ أَنْه لَا يخرج فِيهِ شَيْئًا من الْمَرَاسِيل وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَن
البُخَارِيّ قَالَ لَهُ صُحْبَة
قَالَ: وَقَالَ أبي: لَا يعرف لَهُ صُحْبَة وَرجح ابْن عبد الْبرِ أَن لَهُ صُحْبَة وَقد
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن مَحْمُود بن لبيد عَن رَافع بن خديج وَقيل إِن
حَدِيث مَحْمُودِ هُوَ الصَّوَاب دون ذكر رافع بن خديج فِيهِ وَالله أعلم.
٥١- وَعَن أبي سعيد بن أبي فضَالة وَكَانَ من الصَّحَابَة قَالَ سَمِعت رَسُول
الله ◌َ يَقُول إِذا جمع الله الْأَوَّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة ليَوْم لا ريب فِيهِ نَادَى
مُنَاد من كَانَ أشرك فِي عمله لله أحدا فليطلب ثَوَابِه من عِنْده فَإِن الله أغْنى
الشُّرَكَاء عَنِ الشّرك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من جَامعه وَابْنِ مَاجَه وَابْن
حبّان فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ (١).
=
الشعب (١٥٤/٩ رقم ٦٤١٢)، والبغوي في شرح السنة (٤١٣٥). قال الهيثمي في
المجمع ١٠٢/١: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في الصحيحة
(٩٥١) وصحيح الترغيب (٣٢).
(١) أخرجه أحمد ٤٦٦/٣ (١٥٨٣٨) و٢١٥/٤ (١٧٨٨٨)، والترمذي (٣١٥٤)، وابن ماجه
(٤٢٠٣)، والدولابي في الكنى (٢٠٩)، وابن حبان (٤٠٤) و (٧٣٤٥)، والطبراني في الكبير
٣٠٧/٢٢ (٧٧٨)، وابن منده في المعرفة (٨٨٤/١)، والبيهقي في الشعب (١٤٤/٩-١٤٥
رقم ٦٣٩٨). وقال الترمذى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن بكر. وقال
الألباني: حسن صحيح - ((المشكاة)) (٥٣١٨)، وصحيح الترغيب (٣٣).

٤١٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: وعن أبي سعيد بن أبي فضالة، وكان من الصحابة وأبو سعيد هذا
ذكره ابن عبد البر في الصحابة أيضا وقال أنصاري له صحبة يعد في أهل
المدينة وذكر له هذا الحديث(١)، وقال في الديباجة: أبو سعد هذا هو ابن أبي
فضالة الأنصاري الحارثي ويقال ابن فضالة ويقال له أبو سعيد أيضاً(٢) والله
أعلم.
قوله وقالله: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليوم لا ريب فيه
نادى مناد من كان أشرك في عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عنده)) الحديث،
وفي الأثر يقول الله تعالى يوم القيامة: ((اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا
أجر لك عندنا)).
تنبيه: الأثر المذهب المختار الذي قاله المحققون وغيرهم واصطلح عليه
السلف وجماهير الخلف وهو أن الأثر يطلق على المروي مطلقا سواء كان
عن رسول الله وَّ أو عن صحابي وقال الفقهاء الخراسانيون: الأثر هو ما
يضاف إلى الصحابي موقوفًا عليه(٣)، والله أعلم.
٥٢- وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ◌َّهِ قَالَ: قَالَ الله عز وَجلِ أَنَا أَغْنى
الشّرَكَاء عَنِ الشّركِ فَمن عمل لي عملًا أشرك فِيهِ غَيْرِي فَأْنا مِنْهُ بَرِيء وَهُوَ
(١) الاستيعاب (١٦٦٨/٤ الترجمة ٢٩٩١) وفيه: أبو سعد بن أبي فضالة الحارثي
الأنصاري.
(٢) كذا قال المزى كما في تهذيب الكمال (٣٣/ الترجمة ٧٣٨٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (١/ ٦٣).

٤١٩
مقدمة المؤلف
للَّذي أشرك رَوَاهُ ابْنِ مَاجَهُ وَاللَّفْظِ لَهُ وَابْنِ خُزَيْمَة فِي صَحِيحِه وَالْبَيْهَقِيّ
ورواة ابْن مَاجَه ثِقَات(١).
قوله وَل: ((عن أبي هريرة)»، تقد الكلام على ترجمته.
قوله وَله: ((قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملًا
أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) قال النووي(٢): هكذا وقع في حديث أبي
هريرة ووقع في بعض الأصول: ((تركته وشركه))، وفي بعضها: ((وشريكه)) وفي
بعضها: ((وشر کته)).
قوله وَّجله: ((قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل لي عملا
أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء وهو الذي أشرك)) الحديث ومعنى
الحديث: أنا أغنى عن المشاركة وغيرها فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله
بل أتركه لذلك الغير، والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ويأثم به،
والمعنى أن المراد منه الإخلاص في الأعمال والأقوال(٣).
(١) أخرجه مسلم (٤٦ - ٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢)، والبزار (٨٣٠١)، وابن خزيمة في
أحاديث إسماعيل بن جعفر (٣٥٢) والصحيح (٩٣٨)، والطبرى في تهذيب الآثار - مسند
عمر (٧٩٠/٢-٧٩١ رقم ١١١٢-١١١٤)، وابن حبان (٣٩٥)، والبيهقي في الآداب
(٨٢١) والأربعون (٣٨) والأسماء والصفات (٤٥٨)، والشعب (١٤٣/٩ -١٤٤ رقم
٦٣٩٦). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٣٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨ /١١٥).
(٣) شرح النووي على مسلم (١١٥/١٨ - ١١٦).

٤٢٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٥٣- وَعَن شهر بن حَوْشَب عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم قَالَ لما دخلت
مَسْجِد الْجَابِيَة ألفينا عبَادَة بن الصَّامِت فَأخذ يَمِيني بِشمَالِهِ وشمال أبي
الدَّرْدَاء بِيَمِينِهِ فَخرِج يمشي بَيْننَا وَنحن ننتجي وَالله أعلم بِمَا نتناجى فَقَالَ
عبَادَة بن الصَّامِت لَئِن طَال بکما عمر أَحَدكُمَا أَو كلاكما لتوشكان أَن تریا
الرجل من ثبج الْمُسلمين يَعْنِي من وسط قراء الْقُرْآن على لِسَان مُحَمَّد ◌َّه قد
أَعَادَهُ وأبداه فأحل خَلَاله وَحرم حرَامه وَنزل عِنْد مَنَازِله لا يحور مِنْهُ إِلَّ كَمَا
يحور رَأس الْحمار الْمَيِّت قَالَ فَبَيْنَمَا نَحن كَذَلِك إِذْ طلع علينا شَدَّاد بن أَوْس
وعَوْف بن مَالك رَضِي الله عَنْهُمَا فَجَلَسَا إِلَيْهِ فَقَالَ شَدَّاد إِن أخوف مَا أَخَاف
عَلَيْكُمْ أَيْهَا النَّاس لما سَمِعت من رَسُول الله وَِّ يَقُول من الشَّهْوَة الْخفية
والشرك فَقَالَ عِبَادَة بن الصَّامِت وَأَبُو الدَّرْدَاء اللَّهُمَّ غفرا أولم يكن رَسُول الله
وَّ قد حَدثْنَا أَن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد فِي جَزِيرَة الْعَرَب فَأَمَا الشَّهْوَة
الْخفية فقد عرفناها هِيَ شهوات الدُّنْيَا من نسائها وشهواتها فَمَا هَذَا الشّرك
الَّذِي تخوفنا بِهِ مَا شَدَّادٍ فَقَالَ شَدَّادِ أَرَأَيْتُمْ لَو رَأَيْتُمْ رجلا يُصَلِّي لرجل أَو
يَصُوم لرجل أَو يتَصَدَّق لَهُ لقد أشرك قَالَ عَوْف بن مَالك عِنْد ذَلِك أَفلا يعمد
الله إِلَى مَا ابْتِغِي بِهِ وَجهه من ذَلِك الْعَمَلِ كُله فَيقبل مَا خلص لَهُ ويدع مَا
أشرك بِهِ قَالَ شَدَّادِ عِنْدِ ذَلِك فَإِّي سَمِعت رَسُول الله ◌َّه يَقُول إِن الله عز وجل
قَالَ أَنا خير قسيم لمن أشرك بي من أشرك بِي شَيْئًا فَإِن جسده وَعَمله وقليله
وَكَثِيره لشَرِيكه الَّذِي أشرك بِهِ أَنَا عَنْهُ غَنِي رَوَاهُ أَحْمد وَشهر يَأْتِي ذكره وَرَوَاهُ
الْبَيْهَقِيّ وَلَفظه عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم أَنْه كَانَ فِي مَسْجِد دمشق مَعَ نفر من

٤٢١
مقدمة المؤلف
أَصْحَابِ النَِّ نَّ فيهم معاذ بن جبل فَقَالَ عبد الرَّحْمَن يَا أَيْهَا النَّاس إِن
أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ الشّرك الْخَفي فَقَالَ مِعَاذ بن جبل اللَّهُمَّ غفرا أوما
سَمِعت رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُول حَيْثُ وَدعنَا إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبد فِي
جزيرتكم هَذِه وَلَكِن يطاع فِيمَا تَحْتَقِرُونَ من أعمالكُم فقد رَضِي بذلك فَقَالَ
عبد الرَّحْمَن أَنْشدك الله يَا معَاذ أما سَمِعت رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُول من صَامَ رِيَاء
فقد أشرك وَمن تصدق رِيَاء فقد أشرك فَذكر الحَدِيث وَإِسْنَاده لَيْسَ بالقائم
وَرَوَاهُ أَحْمد أَيْضًا وَالْحَاكِم من رِوَايَة عبد الْوَاحِد بن زيد عَن عبَادَة بن نسي
قَالَ دخلت على شَدَّاد بن أَوْس فِي مُصَلَّاهُ وَهُوَ يبكي فَقلت يَا أَبًا عبد الرَّحْمَن
مَا الَّذِي أبكاك قَالَ حَدِيث سمعته من رَسُول اللهِوَّه قلت وَمَا هُوَ قَالَ بَيْنَمَا أَنا
عِنْد رَسُول الله وَّةٍ إِذْ رَأَيْت بِوَجْهِهِ أمرا سَاءَنِي فَقلت بِأبِي وَأْمِي يَا رَسُول الله
مَا الَّذِي أرى بِوَجْهِك قَالَ أمرا أتخوفه على أمتِي الشّرك وشهوة خُفْيَة قلت
وتشرك أمتك من بعْدك قَالَ يَا شَدَّاد ◌ِنَّهُم لَا يعْبُدُونَ شمسا وَلَا وثنا وَلَا حجرا
وَلَكِن يراؤون النَّاس بأعمالهم قلت يَا رَسُول الله الرِّيَاء شرك هُوَ قَالَ نعم قلت
فَمَا الشَّهْوَة الْخفية قَالَ يصبح أحدهم صَائِمًا فتعرض لَهُ شَهْوَة من شهوات
الدُّنْيَا فيفطر قَالَ الْحَاكِمِ وَاللَّفْظَ لَهُ صَحِيحِ الْإِسْنَاد.(١)
(١) أخرجه أحمد ١٢٥/٤-١٢٦ (١٧١٤٠)، والشاشى (١٣١٧)، والطبراني في الكبير
(٢٨١/٧ رقم ٧١٣٩)، والحاكم ٣٢٩/٤، وأبو نعيم في الحلية ٢٦٨/١-٢٦٩، والضياء
في المختارة ٣٢٤/٨ - ٣٢٥ (٣٩٢). قال الضياء: إسناده حسن.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٠ - ٢٢١: رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب،

٤٢٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قلت: كَيفَ وَعبد الْوَاحِد بن زيد الزَّاهِد مَتْرُوك وَرَوَاهُ ابْنِ مَاجَه مُخْتَصرا
من رِوَايَة رواد بن الْجراح عَن عامر بن عبد الله عَن الْحسن بن ذكْوَان عَن
عبَادَة بن نسي عَن شَدَّاد قَالَ قَالَ رَسُول الله وَّهِ إِن أخوف مَا أَخَاف على
أمتِي الْإِشْرَاك بِالله أما إِنِّي لست أَقُول يعْبُدُونَ شمسا وَلَا قمرا وَلَا وثنا وَلَكِن
أعمالا لغير الله وشهوة خُفْيَة (١) وعامر بن عبد الله لَا يعرف ورواد يَأْتِي
الْكَلَامِ عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وروى الْبَيْهَقِيّ عَن يعلى بن شَدَّاد عَن أَبِيه قَالَ
كُنَّا نعد الرِّيَاءِ فِي زمن النَّبِيِنَّهِ الشّرك الْأَصْغَر.
قوله: وعن شهر بن حوشب، شهر بن حوشب الشامي تابعي مشهور قرأ
القرآن على ابن عباس، وكان عالما كثير الرواية حسن الحديث (٢)، [توفي سنة
مائة وقيل سنة إحدى ومائة(٣)]، وقال الدولابي: شهر لا يشبه حديثه حديث
الناس(٤). وهو الذي روى أن آدم ◌َليَّلام) لما قتل ابنه أخاه مكث مائة سنة لا
وثقه أحمد وغير واحد، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (٢١).
وأخرجه البزار (٢٦٦٣) والبيهقي في الشعب (١٦٩/٩ - ١٧٠ رقم ٦٤٣٦) بإسناد آخر.
قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٥٤: رواه البزار، وفيه محمد بن السائب الكلبي وهو كذاب.
وقال الألباني: موضوع الضعيفة (٥٢٤٩) وضعيف الترغيب (٢١).
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠٥). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٣٧٨) وضعيف
الترغيب (٢١).
(٢) تاريخ دمشق (٢١٧/٢٣)، والعبر في خبر من غير (١ /٩٠).
(٣) زيادة في المخطوطة المغربية.
(٤) ميزان الاعتدال (٢/ ٢٦١).

٤٢٣
مقدمة المؤلف
يضحك ثم أنشأ يقول:
تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحْ
تَغَيَّرَ كُلَّ ذِي طَعْم وَلَوْنٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحْ(١)
ونقل أبو عيسى الترمذي [٥٢/ ب] عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه
قال: شهر حسن الحديث وقوى أمره(٢).
وذهب إلى الاحتجاج به جماعة وقال يعقوب بن شيبة: شهر بن حوشب ثقة
طعن فيه بعضهم، ووثقه ابن معين والإمام أحمد بن حنبل والعجلي والفسوي
وروى له مسلم في صحيحه مقرونًا، روى له الأربعة(٣) قاله في الديباجة.
وقال فقيه الشافعية في زمانه أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي في كتاب
التعديل والتجريح له والحافظ الثقة أبو جعفر العقيلي في كتاب الضعفاء
والمتروكين من تأليفه: إن شهرا دخل بيت المال فسرق خريطة فقيل فيه:
لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِيْنَهُ بِخَرِيْطَةٍ فَمَنْ يَأْمَنُ القُرَّاءَ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ؟ (٤)
وقيل أنه كان على على خزائن يزيد بن المهلب، فرفعوا عليه أنه أخذ
خريطة، فقيل فيه: لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِيْنَهُ بِخَرِيْطَةٍ ... البيت وتوفى شهر بن حوشب
(١) أخرجه ابن عدى في الكامل (٦٠/٥).
(٢) سنن الترمذى عقب حديث (٢٦٩٧) باب ما جاء في التسليم على النساء.
(٣) انظر تهذيب الكمال (١٢ / الترجمة ٢٧٨١).
(٤) كذا قال ابن دحية الكلبى في أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب (ص ٥٠)
وما ذكره ليس موجودا في الضعفاء وإنما ذكره بإسناده ابن عدى في الكامل (٦/ ١٧٠ -
١٧١) وابن عساكر في التاريخ (٢٣٠/٢٣-٢٣٢).

٤٢٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
سنة مئة وقيل سنة إحدى ومائة(١).
تتمة: وأفتى أهل البصرة بقطع يده على مذهب مالك رحمه الله، قال
القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالكي في كتاب عيون المجالس
مسألة، قال الإمام مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: من سرق من
بيت المال أو من المغنم وإن كان السارق أحد الجيش ما يجب فيه القطع
قطع(٢) والله أعلم، قاله في العلم المشهور انتهى.
وفي شرح الإلمام: لا يجب القطع على من سرق من بيت المال، وبه قال
علي وقال: إن له فيه نصيبا وهذا قول عامة أهل العلم، وقال حماد يقطع(٣)،
وهذا من عطف الخاص على العام فإن الخيانة تعم الانتهاب، والاختلاس
والانتهاب أخذ المال على المجاهرة والمغالبة كالغصب (٤) وكذلك
الاختلاس فإنه يؤخذ سلبًا ومكابرة على غفلة(6) انتهى.
قوله: عن عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة، بن كريب بن هانئ
ابن ربيعة الأشعري الشامي، ذكره ابن يونس وابن منده وآخرون في الصحابة
وهو قول الأكثرين وأنكر ابن أبي حاتم وآخرون صحبته وقالوا هو تابعي
(١) انظر ترجمته في تهذيب الكمال (١٢ / ترجمة ٢٧٨١).
(٢) أداء ما وجب من بيان الوضاعين في شهر رجب (ص ٥٠- ٥٢)، والعلم المشهور
(مخطوط / لوحة ٩٥) وانظر عيون المسائل (ص ٤٧٣ مسألة ١١٠٥).
(٣) انظر الاشراف (١٩٦/٧-١٩٧).
(٤) البدائع: ١٤٣ / ٧، تكملة الفتح: ٣٦٨/ ٧، تبيين الحقائق: ٥/٢٢٤.
(٥) النهاية (٢/ ٦١).

٤٢٥
مقدمة المؤلف
مخضرم وكان مسلمًا في عهد رسول الله وَخلال ولم يره ولم يفد إليه، وقال
الأولون قدم على رسول الله وَّخير في السفينة مع أبي موسى الأشعري وأصابه،
كان يسكن فلسطين وقدم دمشق؛ قال ابن يونس: وقدم مصر مع مروان بن
الحکم سنة خمس وستین، وروی عن النبي ◌ّ﴾ وعن ثوبان مولى رسول الله
وَ ◌ّة، وسمع عمر بن الخطاب وعليا ومعاذا وأبا الدرداء وأبا مالك الأشعري
وغيرهم ويعرف بصاحب معاذ لكثرة لزومه له باليمن إلى أن مات وكان عبد
الرحمن أفقه أهل الشام وعليه تفقه عامة التابعين وكان له جلالة وقد توفي
زَّ لَّهُ سنة ثمان وسبعين(١) انتهى.
قوله: قال: لما دخلت مسجد الجابية؛ الجابية قرية بدمشق قيل موضع
بالشام بجانب [نوى] على نحو ثلاثة أميال منها من جهة الشمال وإلیه ینسب
باب الجابية أحد. [٥٣/ أ]
أبواب دمشق وهي أرض خصب وخير، سميت بذلك لكثرة مياهها فإن
الجابية اسم للحوض، وقيل: سميت بها لاجتماع الناس بها وكثرتهم فيها فإن
الجابية أيضا جماعة القوم(٢) انتهى، قاله في شرح الإلمام والله أعلم.
قوله: ألفينا عبادة بن الصامت معناه: وجدناه ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ
نَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا﴾(٣) ومنه الحديث أيضًا: ((لا ألفين أحدكم يوم
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٣٠٢/١- ٣٠٢ الترجمة ٣٥٨).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٦٠/٣).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٧٠.

٤٢٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
القيامة)) أي لا أجدن (١).
قوله: عبادة بن الصامت، هو عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر
أبو الوليد الأنصاري الخزرجي وهو أحد النقباء الاثني عشر له أحاديث وهو
ممن جمع القرآن على عهد رسول الله وَيو أقام بحمص يعلم الناس في زمن
عمر ثم انتقل إلى فلسطين، وهو أول من ولي القضاء ببيت المقدس، ولما
حضرته الوفاة تحلل من أصحابه ثم أوصاهم أن لا يبكوا عليه فإذا مات
توضؤوا ودخلوا مساجدهم فصلوا واستغفروا له ولأنفسهم ثم يسرعوا
لحفرته ولا تتبعوه نائحة ولا يضعوا تحته أرجوانا وتوفي بالرملة، قال ابن
حبان: ودفن بالقدس وله ثمانون سنة وقال غيره: مات سنة أربع وثلاثين وله
اثنان وسبعون سنة وقيل مات في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين (٢) انتهى.
قوله: فخرج يمشي بيننا ونحن ننتجي والله أعلم بما نتناجي، مأخوذ من
النجو وهو السر يقال: انتجى القوم وتناجوا تساروا إن سار بعضهم بعضا
قاله الجوهري في صحاحه(٣).
قوله: لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين يعني من وسط قراء
القرآن (٤)، الحديث، يوشك أن يكون كذا: أي يقرب ويدنو ويسرع يقال:
(١) كشف المشكل (٤٦٩/٣).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٥٦/١-٢٥٧ الترجمة ٢٨١).
(٣) الصحاح (٢٥٠٣/٦).
(٤) النهاية (١ / ٢٠٦).

٤٢٧
مقدمة المؤلف
أوشك يوشك إيشاكا فهو موشك وقد وشك وشكا ووشاكة قاله في
النهاية(١).
قوله: قد أعاده وأبداه فأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يحور
منه إلا كما يحور رأس الحمار الميت، الحديث، أي: لا يرجع فيكم بخير
ولا ينتفع بما حفظه من القرآن كما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه، يحور:
بالحاء المهملة والراء ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّنِ يَحُورَ شَ بَلَمْ﴾(٢)
قاله في النهاية في باب الحاء مع الراء (٣) والله أعلم.
قوله: فبينما نحن كذلك إذ طلع علينا شداد بن أوس وعوف بن مالك
رضي الله عنهما، سيأتي الكلام على مناقبهما في أماكن متعددة من هذا
التعليق.
قوله: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله
صلى الله
وسلم
يقول: ((من الشهوة الخفية والشرك)) وفي الرواية الأخرى: ((أمرًا لأتخوفه على
أمتي الشرك وشهوة خفية))، اعلم أن المشرك يطلق على كل كافر من عابد
وثن وصنم ويهودي ونصراني ومجوسي ومرتد وزنديق ونحوهم(٤)، ويطلق
أيضا على المرائي وهو الشرك الأصغر والشرك الخفي، والله أعلم.
(١) النهاية (١٨٩/٥).
(٢) سورة الانشقاق، الآية: ١٤.
(٣) النهاية (١ /٤٥٨).
(٤) شرح النووي على مسلم (٦/ ٥٧ - ٥٨).

٤٢٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله: ((وشهوة خفية)) الشهوة الخفية قيل هو كل شيء من المعاصي
يضمره صاحبه ويصر عليه وإن لم يعمله وقيل: هو أن يرى جارية حسناء
فيغض بصره [٥٣/ ب] ثم ينظر بقلبه كما كان يبصر بعينيه قال الأزهري:
والقول الأول غير أني أستحسن أن أنصب الشهوة الخفية وأجعل الواو
بمعنى مع كأنه قال إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء مع الشهوة الخفية
للمعاصي فكأنه يرائي الناس بترك المعاصي والشهوة في قلبه مخفاة وقيل
الرياء ما كان ظاهرا من العمل والشهوة الخفية حب إطلاع الناس على العمل
انتهى قاله في النهاية(١).
قوله: فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: ((اللهم غفرا))، [تقدم الكلام
على قوله ((اللهم)) (٢)] وأما غفرا: فهو بفتح الغين وإسكان الفاء مصدر غفر
يغفر وهو سؤال المغفرة وهو آكد من السؤال بالفعل وأصل الغفر التغطية
يقال غفر الله لك يغفر غفرا وغفرانا ومغفرة، والمغفرة إلباس الله تعالى العفو
(٣)
للمذنبين (٣).
قوله ◌َّة: ((إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب)) قال أبو عبيد:
قال الأصمعي: هو اسم صقع من الأرض وهو ما بين حفر أبي موسى
(١) انظر: غريب الحديث (١٧١/٤) لابن سلام، وتهذيب الآثار (٢/ ٨١١ - ٨١٢)، وتهذيب
اللغة (١٨٨/٦)، والنهاية (٥١٦/٢).
(٢) زيادة في المخطوطة المغربية.
(٣) النهاية (٣/ ٣٧٣).

٤٢٩
مقدمة المؤلف
الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل بئرين إلى منقطع السماوة
في العرض(١)، وقيل: هو من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولا ومن
جدة وساحل البحر وما والاها إلى أطراف الشام عرضًا (٢)، وقيل: هذا عام
أريد به خاص وهو الحجاز وهي بلاد سميت به لأنها حجزت بين نجد
والغور(٣)، وقال مالك بن أنس: أراد بجزيرة العرب المدينة نفسها وإذا
أطلقت الجزيرة في الحديث ولم تضف إلى العرب فإنما يراد بها ما بين دجلة
والفرات قاله في النهاية (٤).
وقال الإمام الشافعي(٥): جزيرة العرب مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها
أي قراها كخيبر للمدينة والطائف لمكة، قال النووي(٦): وحكى الهروى (٧)
عن مالك انها المدينة فقط كما تقدم نقله عن النهاية والصحيح المعروف عن
مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن وأخذ بهذا الحديث مالك والشافعي
(١) غريب الحديث (٣/ ٤٤١) لأبى عبيد وهو قول أبي عبيد.
(٢) غريب الحديث (٤٤١/٣-٤٤٢)
(٣) الميسر (٩٠/١)، وتحفة الأبرار (١٣٩/١)، والكواكب الدرارى (٢١/٢)، وعمدة
القارى (٢/ ٢٧).
(٤) النهاية (٢٦٨/١).
(٥) الأم (٤/ ١٨٧).
(٦) شرح النووي على مسلم (١١/ ٩٣).
(٧) في الأصل الجوهرى والتصويب من شرح صحيح مسلم كما سبق وكلام الهروى نقله
القاضى عياض كما في إكمال المعلم (٢١٦/٤).

٤٣٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا لا
يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي رحمه الله خص هذا الحكم ببعض
جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عند مكة واليمامة ومخالفيها دون اليمن
وغير مما هو من جزيرة العرب(١) وهكذا فسره أصحابنا كما فسره الشافعي
وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم(٢) وهذا الذي نقل عن الأصمعي قاله أيضا
ابن الكلبي وغيره (٣) والله أعلم.
تنبيه: قال الأزهري: سميت جزيرة لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا
بجانبيها وأحاط بالجانب الشمال دجلة والفارت وقيل سميت جزيرة العرب
الإحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة وأصل الجزر في
اللغة القطع وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل
الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم(٤).
فائدة: قول الشافعي في الكلام على جزيرة العرب وهي مكة والمدينة
واليمامة، واليمامة مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف [٥٤/ أ]
سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الكواكب من مسيرة ثلاثة أيام، وقال
(١) شرح النووي على مسلم (١١ / ٩٣).
(٢) شرح النووي على مسلم (١١/ ٩٤)
(٣) انظر البلدان (ص ٨٤) لابن الفقيه.
(٤) تهذيب اللغة (٣١٩/١٠)، والصحاح (٦١٣/٢)، والفائق (٣٠٩/١)، وشرح النووى
على مسلم (١١ / ٩٣).

٤٣١
مقدمة المؤلف
الجوهري: اليمامة بلاد اسمها جوا فقيل جو اليمامة فسميت باسم هذه
المرأة لكثرة ما أضيف إليها(١). والله أعلم.
قوله: قال عوف بن مالك ((أفلا يعمد إلى الله إلا ابتغى به وجهه من ذلك
العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به)) الحديث، يعمد: بكسر الميم
في المضارع وفتح الميم في الماضي ومعناه يقصد(٢).
وقوله: ((فيقبل ما خلص له)) بفتح لام خلص وضمها. قوله: في رواية
الإمام أحمد والحاكم من رواية عبد الواحد بن زيد بن عبادة بن نسي، نسي
بضم النون وفتح السن وكسر الياء مشددة مثل قصي. قوله: عن الحسن بن
ذكوان، ذكوان بالذال المعجمة المفتوحة وسكون الکاف.
قوله: فقلت بأبي وأمي يا رسول الله: ما الذي أرى بوجهك؟ قال: ((أمرا
لأتخوفه على أمتي)) الحديث، فيه جواز التفدية بالأبوين للكبير والشيخ
ونحوهما وقد قال جماهير العلماء بذلك وكرهه عمر بن الخطاب وكذلك
كرهه الحسن البصري وكرهه بعضهم من التفدية بالمسلم من أبويهما قال
النووي: والصحيح الجواز مطلقا لأنه ليس فيه حقيقة فداء وإنما هو كلام بر
وإلطاف وإعلام بمحبته أو منزلته عنده، وقد وردت الأحاديث الصحيحة
بالتفدية مطلقا وقد جمع النبي ◌َّ أبويه للزبير ولسعد بن أبي وقاص(٣)
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢٠١/٤)، والصحاح (٢٣٠٦/٦).
(٢) الكواكب الدرارى (١٩٠/١٨)، وكشف المناهج (٣/ ٧٣).
(٣) شرح النووي على مسلم (١٥/ ١٨٤).

٤٣٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
انتهى قاله في الديباجة، وقيل: هذا خاص بالنبي وَّ قاله في شرح الإلمام والله
أعلم.
قوله: إنهم لا يعبدون شمسا ولا وثنا ولا حجرا ولكن يراؤون الناس
بأعمالهم، الحديث؛ قال الإمام السهيلي(١): لا يقال وثن إلا لما كان من غير
صخرة كالنحاس ونحوه، وقال نفطويه (٢): ما كان معبودا مصورا فهو صنم
وغير المصور وثن.
٥٤ - وَعَنِ الْقَاسِم بن مخيمرة أَن النََِّ قَالَ: لا يقبل الله عملًا فِيهِ مِثْقَال
حَبَّة من خَرْدَل من رِيَاء رَوَاهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ مُرْسًا(٣).
قوله: وعن القاسم بن مخيمرة هو الهمذاني روى عن جماعة من
الصحابة وقال يحيى بن معين لم يسمع من أحد من أصحاب النبي رَّ وقال
أبو حاتم: هو صدوق كان معلما بالكوفة لم يجتمع على مائدته أدمان قط من
طعام مات سنة مائة أو سنة إحدة ومائة، انتهى.
قوله مَّ: ((لا يقبل الله عملًا فيه مثقال حبة من خردل من رياء)) أي وزن
حبة من خردل. قوله: راوه ابن جرير الطبري، ابن جرير اسمه (محمد بن
جرير ابن يزيد بن كثير بن غالب الطبرى أبو جعفر. وهو فى طبقة الترمذى،
(١) الروض الأنف (٣٥٧/١).
(٢) مشارق الأنوار (٢ / ٤٧).
(٣) أخرجه أبو إسحاق الفزارى في السير (٤٩٧)، والضراب في ذم الرياء (١٤). وضعفه
الألباني في ضعيف الترغيب (٢٢).